الرحلة إلى ماليزيا

الرحلات | سلسلة في المشارق والمغارب | 12 صفحة
صفحة 3 من 12 الزيارة الأولى إلى ماليزيا 1400 هـ ـ 1980م

الزيارة الأولى إلى ماليزيا 1400 هـ ـ 1980م

الزيارة الأولى إلى ماليزيا 1400 هـ ـ 1980م

السفر من بانكوك إلى كوالالمبور:

الخميس: 21/8/1400هـ ـ 27/1980م
في الساعة الرابعة وخمس عشرة دقيقة مساء غادرنا الفندق إلى مطار بانكوك وتجولنا قليلاً في دكاكين المطار، ثم صعدنا إلى الطائرة التايلاندية التي أقلعت إلى كوالالمبور في الساعة السابعة وكان ذلك عند غروب الشمس وكنت إذا نظرت إلى اليمين: جهة الغروب أرى السحاب محمراً مشرباً بصفرة كأن لهب نار قد شبت هناك، وإذا نظرت إلى اليسار أرى ظلمة الليل قد اختلطت ببياض السحاب واسوداد الغابات، وهي تلاحق النهار لتغطيه، ولفت هذا نظري إلى آية تكوير الله النهار على الليل في الصباح كما مضى وتكوير الليل على النهار في المساء. وقلت: سبحان الخالق العظيم الذي له في كل شيء آية!
عرض المضيفون بعض المطعومات التي لا تطمئن إليها النفس، والمشروبات المحرمة، فطلبنا منهم أن يقدموا لنا خضاراً وسمكاً بدلاً من اللحم خشية من لحوم الخنزير أو ذبح الوثنيين فأعطونا ما أردنا.

نحن في كوالالمبور وعفشنا في مانيلا!

وهبطت بنا الطائرة في مطار كوالالمبور عاصمة ماليزيا في الساعة التاسعة إلا ربعاً، فكانت مدة الطيران ساعتين إلا خمس عشرة دقيقة، وذهبنا إلى قاعة تسلم الأثاث الذي فارقناه في كراتشي لنتسلمه هنا، وكان الشيخ عبد القوي يستعرض الساحب بشغف ليرى علامة تدل على وجود أثاثنا إلى أن توقف الساحب منهياً الطمع في وجود أثاث آخر على هذه الرحلة، فذهب الشيخ ومعه الأخ عبد الله باهرمز لإبلاغ المسؤولين عن فقد أثاثنا ففتشوا الأثاث الموجود فلم يجدوا شيئاً، ثم أخذوا بطاقة رسمية أعدت لمثل هذه الحالة وسجلوا بها المعلومات اللازمة من تذاكر السفر والجوازات ووعدوا ببعث تلكس إلى بانكوك وطلبوا منا تحديد مكان إقامتنا في كوالالمبور ليشعرونا بوصول العفش، قلت للشيخ عبد القوي: لعل عفشنا ذهب مع الطائرة الفرنسية إلى مانيلا ليزور أساتذة كلية اللغة العربية، ومنهم وكيل الكلية ـ الذين كانوا يقيمون دورة تعليم المدرسين المسلمين اللغة العربية في الفلبين ـ وكان هذا فعلاً هو الواقع. أي أن العفش حلق فوق المحيط الهادي وألقى عصا ترحاله في مطار مانيلا.
ونزلنا في فندق: (غرين سنترال) واتصلنا بالأخ أنور إبراهيم وهو شاب نشط في بلاده فلم نجده، وكان الشيخ عبد القوي بين آونة وأخرى يتصل بهاتف أنور فيجد أحد أقربائه، وهو لا يتكلم اللغة العربية ولا يجيد اللغة الإنجليزية ـ فيحاول كل منهما تفهيم صاحبه بصعوبة بالغة فشكا الشيخ عبد القوي من هذه الحالة. فقلت له: ينطبق عليكما المثل اليمني القائل: (عمياء تخضب مجنونة).

الجمعة: 22/8/1400هـ ـ 4/7/1980م

وفي الصباح اتصلنا بالأخ أنور فوجدناه في الساعة الثامنة وقال لنا: بعد قليل يأتيكم من ينقلكم إلينا لنعمل لكم برنامج زيارة بعض الولايات ـ وما كنا قادرين على تلبية هذا الطلب وإن كان من أمانينا، لضيق وقتنا إذ زيارتنا أصلاً لإندونيسيا، وقد أعد منهج الزيارة هناك.
وفتحت نافذة الفندق وأطللت منها فإذا الأرض كلها خضراء بأشجار فارعة الطول مثل النارجيل ومتوسطة كـ(الباباي) وقصيرة، وما كنا رأينا ذلك قبل لأنا نزلنا ليلاً.
وبعد قليل جاء إلينا مندوب الأخ أنور وهو الغزالي نواوي الذي أخذ الماجستير من الأزهر والدكتوراه من لندن عام:1971م، وقال لنا فور وصوله: إن في هذا الفندق دعارة وخمور، لأن مالكيه والعمال فيه صينيون، فلا بد من خروجكم منه ـ ولنا مع الفنادق مشكلات ومشكلات ـ ولكن نحمد الله الذي حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان: فكم فندق نزلنا به في بلاد الشرق والغرب وهو يعج بالمعاصي والفساد، وخرجنا منه غير مأسوف علينا من قبل أهله، وهذا من فضل الله علينا.
وقد سبق الكلام على فندق شاطئ البحر الفاخر في كراتشي الذي نصحنا بالخروج منه الشيخ عبد الرحيم أشرف معللاً بنفس العلة، وذهبنا إلى فندق شيراز ويسمى بالفندق الإسلامي عند المسلمين، وقد كنا حاولنا النزول به أول وصولنا فلم نجد فيه مكاناً ونقلنا صاحبنا بسيارته إلى هذا الفندق، ولم نجد أيضاً في الفندق غرفاً فارغة، ولكنا جمعنا في مطعم هذا الفندق الفطور والغداء معاً ـ جمع تأخير.

في المركز الإسلامي (أبيم):

[سيأتي تعريف وافٍ بحركة الشباب الإسلامي: (أبيم) في الجزء المخصص للرحلة الرئيسة من هذا المجلد، أما أنور إبراهيم فقد تخلى عن هذه الحركة رسمياً وانضم إلى الحزب الحاكم المعروف اختصاراً بـ(أمنو) وتولى فيه مناصب عدة، كان آخرها منصب نائب رئيس الوزراء ونائب رئيس الحزب ووزير المالية، غير أن رئيس الوزراء: محاضر محمد، تآمر عليه مع بعض الوزراء وعزلوه في تاريخ: 11/5/1419هـ ـ 2/8/1998م عندما انتقد فسادهم المالي، خوفاً من أن يسقطهم ويتولى حكم البلاد، ولفقوا ضده تهماً يغلب على الظن أنه بريء منها، وهو الآن في السجن ويحاكم محاكمة ظالمة، وبين حين وآخر تقوم مظاهرات في البلاد تطالب بإطلاق سراحه، واستقالة المتآمرين عليه، وقد أطلق سراحه واعتذر له رئيس الشرطة بأنه ظلمه ودفع له تعويضاً عن ذلك. راجع "جريدة الشرق الأوسط" يوم الجمعة 14 رجب 1426هـ 19 أغسطس 2005م. http://www.asharqalawsat.com/details.asp?section=4&issue=9761&article=318480].
ثم زرنا المركز المعروف اختصارا بـ(أبيم) أي مركز حركة الشباب الإسلامي الذي يقع قرب مبنى الإذاعة، وهو يشتمل على مدرسة ثانوية ومتوسطة ومكتبة بها مراجع ومطبوعات إسلامية ومكاتب إدارية، وأهل المركز كلهم في حركة دائبة ونشاط مستمر في الدعوة إلى الله والتعليم ونشر مبادئ الإسلام بالوسائل المتاحة لهم.
ويحاولون محاولة جادة الحفاظ على أبناء المسلمين في عقيدتهم وأخلاقهم ـ ليس في ماليزيا وحدها بل ـ في كثير من مناطق جنوب شرق آسيا وقد لمسنا ثمرة جهودهم حتى في هونغ كونغ.
وبعد أن صلينا الجمعة في المركز تم الاتصال بالمسؤولين عن العفش في المطار فبشرونا أن العفش قد وصل من مانيلا، فذهب الأخ عبد الله باهرمز والابن عبدالبر وأحد شباب المركز فتسلموه وجاءوا به، فحمدنا الله الذي جمع بين الشتيتين بعد أن ظنا أن لا تلاقيا.
وشرح لنا الأخ دحلان نشاط المركز الذي يقوم به أعضاؤه، من تدريس وتوعية وطبع كتب وتوزيعها، وإقامة مخيمات شبابية وغير ذلك مما هيأه الله لهم وهيأهم له في جنوب شرق آسيا.

إلى مخيم للشباب المسلم:

طلب منا الإخوة أن نذهب إلى منطقة تسمى: "برطك" لهم فيها مقر أعارتهم الحكومة يقيمون فيه بعض نشاطهم لشبابهم من مؤتمرات ومحاضرات وندوات وغير ذلك، فلبينا رغبتهم وكان قائد السيارة الذي نقلنا الشاب محمد أمين الذي كان مدرساً في المدارس الحكومية ثم انتقل يدرس في مدرسة المركز، ولكنه عازم أن يعود إلى المدارس الحكومية ليقوم بواجب توعية أبناء المسلمين فيها ويفهمهم دينهم ويحميهم من التيارات الفكرية المضادة للإسلام.

القاري يتوق لفاكهة الليتشي:

وكان الشيخ عبد القوي قاري يتمنى أن يحصل على فاكهة تسمى: "ليتشي" فشمر بنا قائد السيارة وبحثنا عنها فلم نجدها، ولكننا وجدنا فاكهة أخرى ـ وما أكثر الفواكه هناك ـ تسمى: "رامْبُوطَنْ" وهي بيضاوية الشكل عليها غلاف غرز الخالق فيه ما يشبه الشوك إلا أنه ناعم، عندما يزال هذا الغلاف ـ وإزالته سهلة وآلتها الظفر ـ يظهر ما بداخله مثل البيضة في اللون والنعومة، وفي داخل هذا اللب بذرة صلبة يأكل الآكل اللب ويرمي تلك البذرة وكنا نأكل ونحفظ القشرة والبذرة في السيارة، ولا نرميها في الشارع التزاماً بالنظام الذي يحظر رمي أي شيء في الشوارع التي ظهرت نظيفة غير محتاجة إلى جيش من المنظفين صباحاً ومساءاً!.
وقيمة الكيلو من هذه الفاكهة ريال وربع سعودي تقريباً، قال الشيخ عبد القوي: إن الكيلو من هذه الفاكهة إذا جاء به التجار إلى المملكة يباع بأربعين ريالاً.
وكانت شوارع المدينة مع نظافتها وجمالها تزداد جمالاً بتلك الحلية الربانية التي منحها الخالق: الأشجار التي تحفها من الجانبين، وعندما خرجنا من المدينة زادت الدهشة من تلك الغابات التي تشبه السحب المتراكمة كالجبال بعضها فوق بعض، ولا يرى الإنسان شيئاً من اليابسة في الجبال والوديان، اللهم إلا ذلك الطريق المتلوي مثل الثعبان بين تلك الجبال والغابات وبعض البيوت التي تكاد تكون محتجبة ما عدا اليسير منها، وكان في تلك الغابات الأشجار الطويلة الفارعة الطول، كأشجار النارجيل التي تشبه أشجار النخيل ومنها المتوسط ومنها القصير، ولذلك يرى الإنسان الغابة على هيئة طبقات مثل البحر الذي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب، ومنها ذو الثمرة كالمانجو والنارجيل والباباي والموز.. ومنه ذو القيمة التجارية والاقتصادية كالمطاط وإنها لتأخذ بالألباب إلى الخالق سبحانه.
قلت للشيخ عبد القوي: هل رأيت مثل هذا من قبل؟ فقال: لا، وإن كان يوجد في الباكستان ما يشبهه في بعض المناطق، قلت: اسمع هذا الحديث عن الجنة (فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر) فازدادت القلوب شوقاً إلى الجنة.
قال الأخ عبد الله باهرمز: لقد مررنا بجبل ونحن في طريقنا إلى المطار صباحاً فدهش عبد البر عندما رآه مكسوا بتلك الطبقات من الخضرة فقال: إنني أشعر كأنني في حلم ليت عندنا مثل هذا الجبل. فقلت: سبحان الذي قسم أرزاقه بين خلقه، كم من أمة تتمنى وجود مثل هذه الجبال والغابات وما يهطل عليها من أمطار مثلنا؟ وكم من أمة تتمنى وجود البترول الذي يوجد عندنا وقد خصها الله دوننا بكثرة الأمطار والغابات والفواكه، مثل الماليزيين؟
ولكن عندنا فوق ذلك ما لا يوجد عند غيرنا: "إنها الكعبة" والمسجد النبوي الشريف، وما يكمن فيهما من العبادة الشاملة التي يتمنى كل مسلم من التقرب إلى الله فيهما بعبادته.
وإن المسلمين لجديرون أن يكونوا أساتذة العالم بما خصهم الله به من الخير، لو تمسكوا به، وستكون الأرض كلها شرقها وغربها شمالها وجنوبها في أيدينا، لو طلبنا العزة من الخالق سبحانه وتمسكنا بدينه وجاهدنا في الله حق جهاده.
[ولكن كثيراً من المسلمين ابتعدوا عن هذا الدين فسلط الله عليهم من لا يخافه ولا يرحم عباده، من عباد الصليب واليهود وبخاصة الصهاينة منهم المحادين لله ولرسله جميعاً فاحتلوا ديارنا وانتهكوا أعراضنا ودنسوا مقدساتنا، نسأل الله أن يردنا إليه رداً جميلاً، لنرفع رايته كما رفعها قادة الإسلام الأوائل، والله وحده المستعان].

حوار مفيد في الطريق:

وفي أثناء السير سأل الأخ محمد أمين سؤالاً مهماً جداً هو: كيف يقدر الداعي إلى الله أن يقوى الإيمان في قلوب المسلمين ويلهب عواطفهم؟
قلت له: الجواب عليه هو الإجابة على السؤال الآتي: كيف يبدأ الداعي إلى الله بنفسه فيقوى إيمانه ويلهب عاطفة نفسه وأخذنا نناقش هذا الموضوع، ولكنا وصلنا إلى المنطقة قبل إتمام الإجابة عليه، وطلب الأخ أن نستمر في مذاكرة هذا الموضوع غداً واستأذن ليعود إلى كوالالمبور لارتباطه ببعض الأعمال هناك وتبعد المنطقة عن العاصمة أربعين ميلاً تقريباً.

أين تلك من هذه يا شيخ!

وسأل الشيخ عبد القوي عن الطائف وغامد وأبها وعن نصيبها من الأشجار والغابات؟ وكان عبد البر قد زار الجنوب في إحدى رحلاتنا مع طلبة الجامعة الإسلامية قبل ثلاث سنوات، فقال: أين تلك من هذه الأشجار يا شيخ عبد القوي؟! مستبعداً المقارنة.
واستقبلنا الإخوة المشتركون في النشاط مستبشرين بقدومنا، وكانوا هم المسؤولين عن الشعبة الاقتصادية للمركز، وكان نشاطهم حول هذا الموضوع مع استغلال أوقاتهم كلها في طاعة الله من قراءة القرآن والذكر وقيام الليل وغير ذلك.

محاضرة ومحاورة:

وقدموا لنا شيئاً من الطعام تناولنا منه ما نريد ـ مع الصبر على فلفله الذي يجود به سكان شرق وجنوب شرق آسيا ـ ثم ذهبوا بنا إلى غرفة كبيرة بها أسرة كل سرير مكون من طابقين تتسع هذه الحجرة لاثني عشر شخصاً، والمباني كلها من الأخشاب والزنك وهي متسعة جداً، لأنها أسست لاستيعاب أكبر عدد ممكن ممن تريد الحكومة تدريبهم من الشباب، أو إقامة مؤتمرات أو غيرها، وقال لنا الإخوة: خذوا راحتكم من الآن إلى ما بعد صلاة العشاء ثم نأتي لكم لتلقوا محاضرة في القاعة الكبيرة، وبعد أن استحم كل منا وغير ملابسه ـ التي بقيت عليه ثلاثة أيام ـ لغياب عفشنا وصلينا المغرب والعشاء جاءنا الإخوة، فانتقلنا إلى القاعة حيث بدأ فضيلة الشيخ عبد القوي بتلاوة آي من القرآن الكريم ثم ألقيت المحاضرة، وكانت متضمنة الإجابة على سؤال الأخ محمد أمين الذي مضى قريباً لأني رأيت أنه هو موضوع الساعة.
وبعد الفراغ من إلقاء هذه المحاضرة ألقى بعض الحاضرين بعض الأسئلة وأجبنا عنها واستغرق وقت المحاضرة والإجابة عن الأسئلة ساعتين إلا قليلاً.
وكان المترجم الأخ عبد الله باهرمز لأن لغة الإندونيسيين والماليزيين مشتركة.
وطلبوا منا أن نلقي محاضرة بعد صلاة الفجر موضوعها كيف نقضي على الربا؟
وإذا اتسع الوقت نجيب عن بعض الأسئلة.

كيف نقضي على الربا؟

السبت: 23/8/1400هـ ـ 5/7/1980م
جاءنا بعض الشباب قبل صلاة الفجر بنصف ساعة فأيقظنا لنستعد للصلاة فتوضأنا وذهبنا إلى المسجد ووجدنا الإخوة منهم من يقرأ القرآن ومنهم من يذكر الله ومنهم من يتوضأ وبعد أن أذن وصلى بنا الإمام صلاة الفجر، قرأ الشيخ عبدالقوي ما تيسر من القرآن الكريم ثم بدأت المحاضرة وكانت مناقشة لقضايا عامة وأصول يمكن الانطلاق منها إلى المطلوب، وهي:
1 ـ هل يقبل أغلب المسلمين تنفيذ المعاملات الإسلامية عامة ومنها المعاملات الاقتصادية؟
2 ـ هل يسهل تطبيق الأحكام الإسلامية كاملة في مجتمع يدين في تصرفاته بقوانين الجاهلية وأعرافها؟
3 ـ هل توجد فئة صالحة قادرة على السباحة ضد التيار الجاهلي في بلدان العالم الإسلامي ـ فضلاً عن بلدان الكفر ـ ؟
4 ـ كيف توجد الثقة في نفوس المسلمين بعضهم ببعض، حتى يتعاونوا في تعامل بعضهم مع بعض، بدلاً من التعامل مع الكفار والإيداع في بنوكهم التي تغريهم بالربا والفائدة الحرام؟
5 ـ بيان أن كثيراً من المسلمين لا يسلمون أمرهم في أنفسهم وفي أموالهم وفي تصرفاتهم كلها لخالقهم، اقتداء منهم بأعداء الله الكافرين الذين غرسوا في نفوسهم فصل الدين عن الدولة، فأصبحوا يقولون بلسان حالهم: { يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ}. [هود: 87].
6 ـ امتناع كثير من أغنياء المسلمين عن أداء الزكاة وإقراض المحتاج، مما يؤدي إلى اضطرار كثير من المسلمين إلى أخذ المال بالربا.
7 ـ وجوب إقناع الناس بشمول منهج الله لحياتهم كلها ومنها المعاملات المالية.
8 ـ إقامة شركات اقتصادية بين المسلمين مبنية على أسس الشركات والمصارف الإسلامية.
9 ـ إقناع تجار المسلمين وأغنيائهم بوجوب تقديمهم ما أوجب الله في أموالهم لفقراء المسلمين.
10 ـ وجوب السعي الجاد للتخلص من الربا بصفة فردية وجماعية حسب الاستطاعة.
وكانت هذه الآيات الكريمة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ (279) وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: الآيات 278 ـ 280] هي محور المحاضرة.
واستغرقت هذه المحاضرة ساعتين تقريباً وكان المترجم الأخ عبد الله باهرمز وكانت أصوات الطيور الكثيرة المختلفة تتخلل صوت المحاضر وأصوات السائلين.
ذهبنا بعد ذلك لتناول طعام الإفطار الذي كان مشبعاً بالفلافل، قال الأخ عبد الله باهرمز: هذا الطعام حار؟ قلت: لا حاجة إلى هذا السؤال فقد أصبحنا من أهل الفلفل على رغم أنوفنا ونخشى أن نعود إلى المدينة ونحن نحمل الدعوة إلى الإكثار من الفلفل في الطعام اقتداء بالباكستانيين والماليزيين ـ وكذلك الإندونيسيون كما ظهر لنا بعد ذلك ـ الذين ربما سمعوا المثل اليمني القديم: "من دخل بلادنا حمر" فحرفوه بلسان حالهم قائلين: "من دخل بلادنا فلفل" فقد فلفلنا.

جولة ممتعة:

ثم خرجنا نتجول في الأماكن القريبة نتمتع بتلك المناظر العجيبة لنرى ألواناً من الزهور وطبقات من الأعشاب والأشجار، ونسمع خرير النهر الجاري في وسط الغابة وأصواتاً موسيقية تعزف بها الطيور الكثيرة المتنوعة، والجبال تحيط بنا مختالة بتلك الملابس الخضراء الموشاة بأنواع الزهور، وقد ارتفع فوق قممها السحاب المتنوع منه الأسود الداكن الذي يكاد يعصر منه المطر الغزير عصراً، ومنه الأبيض الذي يشبه زبد الحليب الذي ارتفع عند الزناد، والجو بذلك يشبه وقت طلوع الفجر ونحن في وقت الضحى والشمس قد ارتفعت في السماء.
وذهبنا إلى النهر الذي يجري بين صفين من أشجار الغابة يحيطان به كما يحيط الغلاف بالكتاب وفي وسطه صخور منها ما يغطيه الماء ومنها العالي الذي لا يغطيه إلا عندما تغزر الأمطار وترتفع نسبة الماء، واشتقت عندما رأيت الماء الجاري الشديد الصفا أن أبلل رجلي فيه فأخذت أقفز، كافاً ثوبي، من صخرة إلى أخرى، وكان الشيخ عبد القوي ينظر إلي عازماً على الاقتداء بي، ووقعت رجلي على صخرة يطفو عليها الماء قد كساها الطحلب فسقطت في وسط النهر بملابسي، فكان ذلك إنذاراً للشيخ عبد القوي الذي قفز إلى خارج النهر بعد أن كان قد استعد للقفز من على الصخرة إلى وسطه.

العودة إلى كوالالمبور:

وبعد أن تمتعنا بتلك المناظر الطيبة والأصوات المطربة، نقلنا أحد الأعضاء بسيارته إلى قرية مجاورة حيث استأجر لنا سيارة أخرى توصلنا إلى كوالالمبور ورجع هو إلى المعسكر لارتباطه به.
وفي طريقنا إلى تلك القرية سألت عن شجر المطاط الموجود بكثرة، لم لَم يقطعوه؟ وكنت أظن أن الشجر يقطع ويصنع منه المطاط، فأخبرت أن المطاط لا يصنع من نفس الأخشاب وإنما يصنع من سائل يخرج منه أبيض يشبه الحليب، فوقفنا لنرى تلك المادة، وكيف تستخلص؟ فرأينا أنه يُنحت الخشب ويقلع شيء من قشرة الخشبة ثم يعَلق إناء في أسفل الجزء المنحوت وفي الإناء تنزل قطرات هذا السائل الأبيض تعلو هذا السائل قشدة مثل قشدة الحليب، قلت للشيخ عبد القوي: ألا تذوق شيئاً من هذا الحليب؟ قال: أنت أولى به!
وعندما ركبنا في سيارة الأجرة كان السائق يحاول الإسراع بصفة مخيفة، ولكنه وافق أن اليوم يوم إجازة ـ يوم الأحد ـ وكان الشارع مزحوماً فلم يجد بداً من التريث الإجباري.
ونزلنا في فندق شيراز الذي كنا حاولنا النزول فيه من قبل فلم نجد مكاناً فارغاً وكان يوجد به الطعام الحلال، أما الشراب فكان يوجد فيه الحلال كما يوجد الحرام، وهذا أمر يؤسف له أن يقال عن بعض الفنادق: إنها إسلامية ويفرح المسلم المسافر بهذا الوصف، ثم يجد أنه يجاهر فيه ببيع ما حرم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وكنا متفقين مع الأخ محمد أمين أن يأتي إلينا قبيل صلاة العصر يرافقنا إلى شاطئ البحر لنجمع بين التمتع بمناظر الجبال والشعاب الخضراء والتمتع بمنظر البحر، ولكن الأخ محمد أمين جاءنا بعد صلاة العصر معتذراً، لأن سيارته أصيبت بخلل فعرضنا عليه أن نستأجر سيارة، ونذهب فاستحسن أن نتأخر إلى ما بعد صلاة الفجر، ليأتي هو بسيارته أو غيرها من سيارات إخوانه، فوافقنا على ذلك وبخاصة عندما علمنا أن شاطئ البحر يبعد ستين ميلاً أو أكثر عن كوالالمبور، والوقت بعد العصر قصير، وعرض علينا إن كنا نحب أن نتمشى في المدينة فرأينا ألا داعي لذلك لأنه يوم إجازة يكون الزحام فيه شديداً.

على شاطئ البحر:

الأحد: 24/8/1400هـ ـ 6/7/1800م
جاء إلينا الأخ محمد فذهبنا بعد صلاة الفجر إلى شاطئ البحر واستغرق مسيرنا إليه ساعتين إلا ربعاً تقريباً، وهذا البحر الذي كنا في شاطئه هو المسمى بمضيق ملقا، وهو من المحيط الهادي، و(ملقا) اسم يطلق على ماليزيا، وهذا الجزء من البحر يفصل بين ماليزيا وبين سومطرة إحدى الجزر الإندونيسية الغربية.
وكان البحر هادئاً في هذا الوقت فقعدنا على الشاطئ، والأخ محمد يثير كثيراً من الأسئلة التي كنا نحاول الإجابة عنها والمذاكرة في شانها.
وقبيل الساعة التاسعة تحركنا إلى العاصمة، وكنت في الذهاب راكباً في المقعد الأمامي مربوطاً [لم يكن ربط الحزام عندنا في المملكة لازماً تلك الأيام] كالسائق بحزام الأمان، لأن القانون هناك يوجب ذلك على القائد ومن بجواره، وكنت متضايقاً طيلة السير الذي لا يقل عن مائة كيلو متر، وعند الرجوع قلت للشيخ عبد القوي: لا بد أن تكون أنت الآن في الأمام، مظهراً له الإيثار، وكنت أريد أن أتمتع برؤيته مربوطاً لا يحرك إلا رأسه، وكنت أقول له انظر يميناً ـ لبعض المناظر ـ أو يساراً ـ فيقول: أنا مربوط.

دعوة زعيم البوذيين في داخل معبده:

وعندما دخلنا المدينة أشير إلى معبد بوذي، وعرض علينا الأخ محمد زيارته للاطلاع، فقلت: نحن مسلمون لباسنا ينبئ الناس أننا من الجزيرة العربية، وفيها الكعبة بيت الله الذي يتجه إليه ملايين المسلمين لعبادة الله الواحد، وأخشى أن يكون في حضورنا إليه ما يدعو بعض الجهال إلى اعتقاد شيء لا يليق.
قالوا: فلنقترب لنراه من الخارج، ثم نعود، وعندما اقتربنا شاهدنا خارج المعبد رجلاً قاعداً تحت شجرة بجوار المعبد وهو يلبس مثل لباس الإحرام عندنا، إلا أن لون ثيابه أصفر وهي رقيقة، فسألت من يكون هذا؟ فقالوا: هذا هو السادن المعظم عند البوذيين، وهو المسؤول عن المعبد.
قلت: يجب إذاً أن تبلغه دعوة التوحيد، وعندما نزلنا اتجه هو إلى داخل الدير الذي نصب فيه الوثن، فدخلنا بعد أن خلعنا نعالنا ترجيحاً لجانب تبليغ عقيدة لا إله إلا الله، وإلا فقد كنت عازماً على الدخول بالنعال.
وعندما دخلنا رأينا المبنى كله قاعة واحدة من الداخل وبجانب الجدار الواقع أمام الداخل ـ أي في أقصى القاعة ـ بنيت دكة مرتفعة من الحجارة، وعليها نصب التمثال الذي يرمز لبوذا، والناس يدخلون وقد وضعت أمامهم أعواد الند (بخور) وملئت أحواضٌ بتربة، وكان الواحد منهم يشعل النار في عود البخور ثم يتجه إلى الوثن مشيراً إليه برأسه ويديه وفيها البخور، ثم يغرز عود البخور في التربة وينصرف، وبعضهم يرفع العودين في يديه فوق رأسه مشيراً بهما وبرأسه سواء إلى الوثن.
قلت للرجل مشيراً إليه بيدي ـ أي السادن ـ : تعال، فجاء حتى وقف بجواري وعليه علامة الاضطراب عندما رآنا نقف وقوف العزة أمام إلهه، غير عابئين بعبادته مرفوعةً رؤوسنا غير خاضعة لغير خالقها، وقلت له: ـ وكان يترجم بيني وبينه الأخ عبد الله باهرمز ويساعده محمد أمين ـ ما سبب عبادتكم لهذا الحجر؟ ومن أين جئتم بأصل هذه العبادة؟ فقال: هذه العبادة أصلها من الهند، وهي من توجيهات بوذا. قلت: ولكن هذا حجر منحوت أعطيتموه صفة الألوهية وعبدتموه من دون الله، فلماذا؟ قال: لأنه يرمز لبوذا.
قلت: هل بوذا هذا إله عندكم أم نبي؟ قال: نبي. قلت: أنتم إذن تعبدون رمز النبي وليس الخالق! فقال: هكذا تعاليم بوذا.
قلت: الأنبياء كلهم دعوا إلى عبادة الله وحده مباشرة بدون واسطة، ونهوا الناس عن عبادة غيره، وهذه أوثان لا تضر ولا تنفع والذي يستحق العبادة هو الله الخالق، ونحن ندعوك إلى الإسلام الذي لا يوجد في الأرض دين يرضاه الله سواه. فقال: هذا صحيح ونحن نعتقد أن الإله واحد، وهذه الأوثان ما هي إلا وسائط تقربنا إليه، فبينت له معنى لا إله إلا الله. وأنها هي السبيل الوحيد للدين الحق، وأنه لا يجوز عبادة غير الله بأي شكل من الأشكال، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم حارب مشركي قريش الذين كانوا يقولون مثلكم ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى.
فقال: هذه تعاليم بوذا، وكان يبدو عليه الخوف والوجل والعجز أمام الحجة حتى إن ريقه جف ووجهه امتقع. قلت: هكذا كان أهل الشرك حجتهم على شركهم: إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون. قلنا له بعد ذلك: لقد أقمنا عليك الحجة.
ثم ذهبنا إلى مطعم يقال عنه: إنه إسلامي تناولنا فيه طعام الإفطار، ووجد فيه الشيخ عبد القوي بغيته، فاكهة "ليتشي" إلا أنه معلب، كما وجدنا فاكهة أخرى لذيذة تسمى باباي، واسمها في بعض مناطق اليمن "عمبرود" وكنت في غاية الشوق إلى تناولها، فقلت للشيخ: تلك بغيتك وهذه بغيتي.
رجعنا إلى الفندق واتفقنا أن ننام "شوية" حسب اصطلاح الشيخ عبد القوي ـ وكان ذلك من الساعة الثانية عشرة ظهراً إلى أذان العصر حيث قمنا فصلينا الظهر والعصر.

لا تقف كالقرد عند القشرة!

أحضر لنا الأخ عبد الله بن سعيد باهرمز فاكهة عجيبة تسمى: "مَنْغُز" يحيط بها غلاف "قشر" يميل إلى السواد وفي أحد طرفيه ـ الطرف الأسفل نتوءات مصفوفة، تارة تكون خمسة وتارة تكون ستة، فإذا أزيل القشر وجد بداخله حبات مصفوفة من جوانبه المختلفة بعدد النتوءات الموجودة في طرفه، وهذه الحبات مستطيلة مع شيء من الاستدارة، وهي التي تؤكل بعد إزالة القشرة وبداخل كل حبة نواة صغيرة تلفظ أما قشره فإنه مر.
قال الأخ عبد الله باهرمز: يقال: إن قردا أُعطي هذه الفاكهة، فذاق قشرها فوجده مراً فرمى الفاكهة فصار يضرب به المثل للإنسان الذي لا يسبر غور الأمور ولا يفكر فيها فيقال: (لا تكن كالقرد يرمي المنغنيز لمرارة قشره).
أما طرف هذه الفاكهة الأعلى ـ وهو الذي يكون معلقاً بالشجرة فإن فيه ثلاث نتوءات أحدها كبير واثنان صغيران وتوجد إحدى الحبات في الداخل كبيرة.

أهو اجتهاد أم انحراف؟

التقينا في الفندق رجلاً سلم علينا وخاطبنا باللغة العربية عندما رآنا نلبس اللباس العربي، وعندما بدأنا التعارف ظهر أنه الأستاذ يوسف كمال أحد كتاب جريدة الدعوة المصرية، وبدأ الأخ يوسف يشكو من انحراف فكر بعض من يزعمون أنهم من الدعاة إلى الإسلام الذين يتنكرون للفقه الإسلامي الذي وصل إلينا عن طريق علماء السلف الصالح.
وقال: إن هؤلاء أحلوا عقولهم محل النصوص الإسلامية كما هو شان المعتزلة، وحذر من خطرهم على الدين الإسلامي بدعوى الاجتهاد وتحريف المفاهيم الإسلامية، وحثنا على أن نبلغ علماء المملكة العربية السعودية بأن يتصدوا لهذا التيار الجارف في كثير من بلدان العالم الإسلامي، لأن كلمة علماء المملكة العربية السعودية لها وقع في نفوس كثير من المسلمين.
وضرب بعض الأمثلة على هذا الانحراف منها: ما زعمه بعض الناس من أن المعاملات التجارية والاقتصادية ونحوها لا داعي لتقييدها بالفقه الإسلامي، بحجة أن الفقهاء السابقين اجتهدوا في قضايا عصرهم، ونحن يجب أن نجتهد في قضايا عصرنا دون حاجة إلى التقيد بآرائهم في ذلك.
ومنها ما زعمته طائفة أخرى من أن أخبار الآحاد في السنة لا تثبت بها عقيدة ولا شريعة، وأنها كانت مجرد تجارب للرسول صلى الله عليه وسلم في قضايا معينة، ولا يلزم اطراداً أحكامها والتقيد بها، محتجين ببعض القضايا الاجتهادية التي حصلت من بعض الصحابة كقضاء عمر في طلاق الثلاث ونحوها، قالوا فإذا تخطى الصحابة تلك الأحكام في عهدهم دل على جواز اجتهاد من بعدهم ولو خالف هذا الاجتهاد أخبار الآحاد.
قلت: وهؤلاء المنحرفون وأمثالهم هم بلاء على الأمة الإسلامية، لأنهم يظهرون برجال دعوة ويلجون من باب مسلم به، وهو باب الاجتهاد المفتوح لأهله، لا أمثالهم من الجهلة المنتسبين إلى العلم، ويلزم على آرائهم هذه أن تنبذ أغلب النصوص الإسلامية ويأتي من أراد بما يهوي من بدع وانحرافات، فليحذر شباب الإسلام المتحمس لدينه من هؤلاء الجهلة وليحذر الصالحون الذين يرغبون في تقدم الفقه الإسلامي لإيجاد الحلول للمشكلات المعاصرة من دعوى هؤلاء فإنهم قد يكونون رسل هدم لحصوننا من داخلها.
وجاء الأخ دحلان ـ الأمين المساعد لحركة الشباب الإسلامي الماليزي ـ وذكر لنا أن عندهم مشروع إنشاء مدرسة لتحفيظ القرآن الكريم، وأن المدرسة قائمة في مبنى أعارهم إياه بعض الصالحين، وقد بلغ عدد الطلبة الموجودين فيه أكثر من أربعمائة طالب، وهم يرغبون في شراء أرض يقيمون عليها مبنى لهذه المدرسة، ولكنهم لا يملكون ما يكفي لذلك وأنهم يرغبون من المؤسسات الإسلامية أن تساعدهم فقلنا لهم: لا مانع عندنا من إبلاغ المؤسسات الإسلامية الموجودة في المملكة العربية السعودية، وإذا شئتم أن تكتبوا خطابات بهذا الشان فسنحملها ونبلغ هذه المؤسسات.

نفثة صدر!

وكنا نرغب في زيارة هذه المدرسة، ولكن الشوارع في تلك الأيام كانت مزدحمة وبعضها لا يمكن السير فيه، أغلقت كثير من الشوارع لوجود فرق إقامة الزينة في الشوارع والميادين العامة وعلى أسطح العمارات الفخمة، بمناسبة الاحتفال بيوم ميلاد الملك الذي جند من أجله أغلب موظفي الدولة وأفراد الشعب، وقال بعض طلبة العلم هناك: إن الأموال التي تنفق في هذه المناسبة والجهود التي تبذل من أجلها يمكن أن تسهم في تحرير بعض الشعوب الإسلامية من احتلال الأعداء: كفلسطين وأفغانستان، وهو تعليق يدل على ما في نفوس أبناء الشعوب الإسلامية لتصرفات حكامها الذين يسرفون في أموال شعوبهم إسرافاً يخالف منهج الله في الحلال والحرام.

الاثنين: 25/8/1400هـ ـ 7/7/1980م

ذهب الأخ عبد الله با هرمز والابن عبد البر فحجزوا لنا على الخطوط الماليزية إلى سنغافورة، كما حجزوا لنا كذلك إلى إندونيسيا.. من سنغافورة صباح غد الثلاثاء، وطلب منا الأخ دحلان أن نستعد لنذهب إلى المركز، لأن الأخ أنور إبراهيم في انتظارنا يود مقابلتنا، لأنه لانشغاله لم يستطع مقابلتنا، ومن المركز نذهب إلى المطار، فذهبنا إلى المركز والتقينا الأخ أنور إبراهيم الذي قدم لنا طعام الغداء واعتذر لتقصيره ـ كما قال ـ في عدم استطاعته لقاءنا، فقلنا له: أنت في جهاد ونرجو لك التوفيق.
والأخ أنور من شباب الدعوة النوادر الذين يمنحهم الله صفات نادرة من الصبر والحماس والتأثير على الناس وإقناعهم بالدعوة والتضحية بالوقت والقدوة الحسنة هكذا نظنه ولا نزكي على الله أحداً.
غادرنا المركز إلى المطار، وفي الثانية والربع بعد الظهر صعدنا إلى طائرة الخطوط الماليزية ـ وبعد إقلاعها (في الساعة الثانية والنصف) بثلاث وعشرين دقيقة أعلن المضيف أننا دخلنا في أرض سنغافورة، وكنت أطل على أراضي سنغافورة فلم أرها فيما ظهر لي تختلف عن أرض ماليزيا في كونها مكسوة بالأشجار والغابات والمزارع.
وكنت في هذه اللحظات أتمتع بجمال خلق الله: غابات تكسو الجبال والوهاد، وبحر تنعكس زرقته على أشعة الشمس وسحاب شديد البياض مثل القوافل يتبع بعضها بعضاً، وباجتماع ذلك كله أصبح ضوء الشمس يشبه غسق الفجر أو الليل المقمر.
هبطت بنا الطائرة في مطار سنغافورة في الساعة الثالثة والدقيقة السابعة فكانت مدة الطيران بين كوالالمبور ومطار سنغافورة 22 دقيقة ـ فرأينا باحة المطار وممراته وقاعاته غاية في النظافة والتنظيم والجمال.
وبهذا انتهت زيارتي الأولى لمملكة ماليزيا.
وإلى الزيارة الثانية لماليزيا، وهي الرحلة الأساسية التي تضمنها ها الكتاب.