4- في مدينة ناراتيوات
4- في مدينة ناراتيوات
مع مدير مدرسة الترقية الإسلامية: عمر الطيب:
وهي أول المؤسسات التي بدأنا بزيارتها في هذه المدينة وقد التقينا مديرها الأستاذ عمر الطيب، وهو يعمل أيضاً قاضياً للمسلمين في الأحوال الشخصية.
وهذه بعض المعلومات عنه:

الاسم: عمر الطيب.
العمر: 52سنة
الدراسة: درس المرحلة الابتدائية من سنة 1372هـ ـ 1375 هـ في مدرسة الفلاح في مكة المكرمة على يد السيد إسحاق عزوز والشيخ محمد عبد المجيد، والشيخ محمد نور يوسف، والسيد علوي المالكي، والشيخ محمد العربي، وبقي في مكة أربع سنوات. وكان من زملائه الغزاوي، وفايز بدر.
ثم ذهب إلى الأزهر وبقي هناك عشر سنوات، سنتين في المعهد والباقي في كلية الشريعة والقانون، ثم أخذ دبلوماً في التربية.
ومن زملائه الدكتور يوسف العالم، ومأمون عبد القيوم رئيس جمهورية المالديف، وراشد عبد المحسن، وهو كويتي الذي ساعد في بناء روضة الأطفال والمسجد في هذه المدرسة. ثم رجع الأخ إلى تايلاند سنة 1964م. وهو الآن مدير الهيئة الخيرية لشؤون التعليم. ومدرسة الترقية تحت إدارة هذه الهيئة.
التأسيس والمؤسس:
وقد أسست مدرسة الترقية سنة 1962م والذي أسسها الحاج داود رئيس المجلس الإسلامي بولاية ناراتيوات الأسبق وقد توفي منذ ثمان عشرة سنة.
وعندما رجع الأخ عمر من الأزهر تولى هذه الإدارة ولا زال.
مراحل المدرسة: الروضة، والابتدائية، والمتوسطة، والثانوية.
وتطبق المدرسة المنهج الديني، وما يسمى بالمنهج العصري (الحكومي) وقد سمح لهم بالمدرسة الإجبارية (تعليم الطلاب من سن السادسة إلى سن الثانية عشرة) وكان عدد طلاب مدرسة الترقية عند إنشائها لا يزيدون على ستين طالباً، وعددهم الآن في كل المراحل (1900) تلميذ وتلميذة والمدرسون أكثر من (130مدرساً) ومصادر المساعدات للمدرسة: الحكومة التايلاندية والمملكة العربية السعودية والكويت، قال: وقد قابل الملك فيصل سنة 1966م.
ويفكرون في مشروعات جديدة: منها تكملة مباني الفصول الدراسية والمسجد (وهي تحت التنفيذ) ومباني سكنية للطلبة والطالبات، كل صنف على حدة وشراء وقف ثابت لمصاريف المدرسة، مثل بستان مطاط ونحوه، وسيارات نقل الطالبات.
ولم يتمكنوا من فصل الطلاب من الطالبات في الدراسة فصلاً تاماً، بسبب ضيق الأماكن وعدم الإمكانات.
وللمدرسة نشاط دعوي في المساجد وغيرها، يقوم مدرسوها وطلابها بخطبة الجمعة، وكثير من متخرجيها أئمة في المساجد.
دعوة غير المسلمين:
وأما دعوة غير المسلمين فهي ضعيفة ولها أسلوبان: الأول احتكاك المسلمين بهم، والثاني الكتب الإسلامية، والداخلون منهم في الإسلام قليلون جداً.
وقال الأستاذ عمر: إن أفضل وسيلة لدعوة غير المسلمين إعطاء المساعدات المادية لهم، وبخاصة إذا دخلوا في الإسلام حتى تؤمن لهم المعيشة، والبطالة عن العمل منتشرة في البلد.
عدد المدارس الإسلامية في محافظة ناراتيوات اثنتان وعشرون مدرسة، منها أربع مدارس في المدينة.
وعدد طلاب المدارس الإسلامية في المحافظة حسب إحصائية السنة الماضية 1988م سبعة آلاف طالب.
والأستاذ عمر هو رئيس مجموعة المدارس الإسلامية في المحافظة، بصفة غير رسمية. والمساجد في المحافظة أربعمائة وخمسون مسجداً.
عدد الأساتذة الذين يدرسون في مدرسة الترقية من الذين تخرجوا في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة أربعة.
وعدد الطلاب الذين يدرسون الآن في الجامعة الإسلامية من طلبة المدرسة خمسة.
عين الأخ عمر في القضاء منذ أربعة عشر عاماً في الأحوال الشخصية، وقال: إن حكمه الشرعي في هذا لا ينقض ولا يستأنف، وتوجد محاولة من المسلمين وغير المسلمين لإيجاد الاستئناف في هذا القضاء، ولكن في الموافقة صعوبة في التنفيذ من حيث مَن الذي يحق له النظر في الاستئناف.
ولم يحصل تعارض إلى الآن بين الحكم القضائي الشرعي وقانون الدولة.
وقال: إن الحكومة تحترمه عندما يتدخل في الأمور المتعلقة بمصالح المسلمين، وتستشيره الدوائر الحكومية في ذلك.
وقال: إن المسلم الذي يحسن صنعته ووظيفته ويخلص فيها ينفع المسلمين، ولكن بعض المسلمين يضرون بعضاً.
وقال: الله أعلم ماذا أعمل ـ يعني الأستاذ عمر نفسه ـ لصالح المسلمين، وإن كان بعضهم يتهمه بموالاة الحكومة. [المسلمون فعلاً يتهمونه بذلك، وكان عندي خبر قبل أن أجتمع به ويذكرون قرائن على ذلك، والأستاذ عمر قد تعرض لهذا الأمر لعلمه بأني لا بد أن أسمع عما يتهم به من قبل بعض المسلمين فأراد نفي ذلك عنه].
زيارة الهيئة الخيرية الإسلامية، ناراتيوات:
(NARA THIWAT ISLAMIC FOUNDATION).
رئيس الهيئة هارون حاجي داود.
والسكرتير هو بنماما إبراهيم وعمره إحدى وأربعون سنة، تخرج في كلية الدعوة وأصول الدين في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة سنة 1397هـ.
وهو ـ مع قيامه بأمانة هذه الهيئة ـ يدرِّس في مدرسة دار إحياء علوم الدين التي أسسها أخوه أشعري الذي تخرج في جامعة أم القرى منذ خمس سنوات كما أنه ـ أي عبد الله ـ خطيب في الجامع الكبير المسمى بمسجد الجمعية ـ وقد صلينا الجمعة وراءه.
وقد أسس هذا المسجد قبل أربعين سنة، والأستاذ هارون أحد مؤسسيه، ويصلي الجمعة فيه أكثر من ألف.
وتوجد في بلدية هذه المدينة خمسة جوامع تصلى فيها الجمعة.
وعدد سكان المحافظة خمسمائة وخمسون ألف نسمة، نسبة المسلمين فيهم 80% ونسبتهم في المدينة نفسها 65%. [وفي قلة نسبة المسلمين في المدن خطر عليهم لأن كثرة نسبة البوذيين يترتب عليها سيطرتهم على الوظائف وتوافر الكفاءات فيهم وكذلك السيطرة التجارية والإدارية].
وثيقة تعريف بالهيئة:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.
وبعد، نظراً لعدم وجود المؤسسة الخيرية الإسلامية التي تهتم برعاية مصالح الفقراء والمحتاجين من متضرري الكوارث وغيرهم، وكذلك العمل لرفع مستوى المسلمين المعيشي والتعليمي، اجتمع مجموعة من ذوي الغيرة الإسلامية على تأسيس المؤسسة الخيرية الإسلامية تحمل اسم (الهيئة الخيرية الإسلامية ـ ناراتيوات ـ ) وذلك لملء الفراغ الموجود في هذا المجال، فإنه كلما حدثت كارثة مثل الفيضانات ونحوها، ويكون أكثر المتضررين في محافظة ناراتيوات والمحافظات المجاورة من المسلمين، لكن مع الأسف لا يسمع عن أية مؤسسة إسلامية تقوم بتقديم المساعدات للمتضررين، وكل المساعدات التي تقدم للمتضررين تأتي من جهات غير إسلامية، مثل نادي الروتاري وليونز وكذلك من المؤسسات البوذية المحلية.
كما أنه لا توجد مؤسسات تهتم برعاية فئات الشعب المسلم التي تحتاج إلى الرعاية مثل اليتامى والفقراء والطلاب وغيرهم.
وبناء على ذلك وشعوراً بالمسئولية تجاه الأمة، تم تأسيس الهيئة الخيرية الإسلامية ناراتيوات، وتمت الموافقة على ذلك من الجهة المختصة.
ولذا رأى القائمون على الهيئة وضع ثلاث مشاريع عاجلة على النحو الآتي:
1 ـ مشروع مساعدة متضرري الكوارث والحوادث، ويتكون من نوعين:
( أ ) متضرري الكوارث مثل الفيضانات والكوارث الأخرى، وكثيراً ما يتضرر منها أعداد كبيرة من المسلمين، ولا يمر عام إلا وتجتاح الفيضانات مناطق مختلفة من مناطق المسلمين، ويؤدي بالكثير إلى انقطاع الطعام والملابس أحياناً، ويكون تقديم المساعدات لمثل هؤلاء على نحو عاجل بتقديم الأغذية من أرز وسكر وأسماك معلبة أو مجففة، يبلغ ويخصص لكل عائلة ما يبلغ قيمته 150 بات تقريباً، ويخصص لكل عام ألفا متضرر، ويكون مجموع ما يخصص لهذا البند 300.000بات، هذا بالإضافة إلى ما قد يحتاج بعض العوائل المتضررة إلى بطانيات وملابس.
(ب) ضحايا الحوادث الفردية مثل احتراق السكنى ونحوها، ومساعدة مثل هذه الحوادث يحتاج إلى مبالغ كبيرة في كل حالة، لأن في حادثة الاحتراق يفقد المرء كل شيء تقريباً، إذا كان فقيراً من مسكن وملبس وأدوات المنازل، ولا بد من إعادة مثل هؤلاء إلى ما كان عليه من الأمور الضرورية، ويخصص لكل حادثة ما بين 5.000 بات إلى 10.000بات، وذلك بالنظر إلى ضخامة المصيبة وحجم أفراد أسرة المصاب، غير أن الحوادث من هذا القبيل ليست بكثرة، فيمكن تخصيص لهذا البند مبلغ 150.000بات، ويدخل في هذا البند متضررو الفيضانات إذا تهدمت مساكنهم.
2 ـ مشروع رعاية الأيتام، ويتكون هذا المشروع من مرحلتين:
( أ ) حصر الأيتام الموجودين في المحافظة، وتتولى الهيئة رعاية 100 ـ 150من أفقرهم وأشدهم حاجة إلى الرعاية، وتكون الرعاية بتقديم المعونات الشهرية بقدر 300 بات في الشهر كما تكون بتأمين المدارس لهم، ويكون المبلغ الذي لا بد من توفيره لهذا البند حوالي540.000بات سنوياً.
(ب) إقامة مأوى للأيتام الذين لا كافل بهم للحيلولة دون ذهابهم إلى الملاجئ غير الإسلامية، واستغلالهم لغير مصالح الإسلام، ويدرس هذا المشروع بعد تمام تنفيذ المرحلة الأولى.
3 ـ مشروع شراء المدرسة التجارية المهنية، وهي مدرسة تجارية ومهنية تدرس على المستوى الثانوي ومستوى الدبلوم في التجارة والعلوم المهنية، وهي مدرسة قائمة فعلاً، ولها رخصة من الوزارة، وتقع هذه المدرسة داخل بلدية ناراتيوات في أرض مساحتها 2راي (200متر مربع) ولها مبنى من طابق واحد ومجهزة بالأدوات اللازمة بفروع التجارة والمحاسبة.
وسبب قرار الهيئة شراء المدرسة، هو أنه بالنظر إلى عدم وجود مدرسة من هذا النوع يملكها المسلمون في المحافظة ناراتيوات نفسها، وكذلك في جنوب تايلاند كلها، وهي من الأمور الضرورية لتعليم أولاد المسلمين في هذا المجال.
وتوجد في ناراتيوات عشرون مدرسة إسلامية، سبع منها تدرس إلى المرحلة المتوسطة في العلوم العصرية، وثلاث منها إلى المرحلة الثانوية، ويبلغ عدد طلابها في العام الماضي 1988م 7250 طالباً، وقليل من هؤلاء يواصلون دراستهم الجامعية سواء في الداخل أو الخارج، ولا يزيدون عن خمسة في المائة على أحسن تقدير، والباقون مجالهم محدود، ويمكن لهذه المدرسة تأهيلهم مهنياً حتى يتمكنوا من أداء واجبهم نحو المسلمين، كما يمكن للمدرسة تأهيلهم مهنياً بعقد دورات قصيرة لرفع مستواهم المهني.
واتفقت الهيئة على شراء المدرسة المذكورة مبدئياً بسعر 1.500.000بات (مليون ونصف بات).
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً
[وهذا عنوان الهيئة المذكورة: ( أ ) NARATHIWAT ISLAMIC FOUNDATION ـ A/C 032-1 07626-7 BANK OF AYUDHYA - NARATHWAT BRANCH , THAILAND (ب) بالمراسلة باسم سكرتير الهيئة: MR. ABDULLAH BINM. IBRAHIM - 22/5 PNASONT ROAD ـ T. BANGNAK , A. MUANG - CH. NARATHIWAT 96000 - S. THAILAND. ].
سكرتير الهيئة (عبد الله بنمامأ إبراهيم)
مدرسة نهضة الشباب:
ثم خرجنا إلى ضواحي ناراتيوات لزيارة بعض المدارس الصغيرة.
فزرنا مدرسة نهضة الشباب، وهي على بعد خمسة وعشرين كيلومتراً عن المدينة.
أسسها الأخ الحاج داود أوانج الذي تخرج في كلية الشريعة بالجامعة الإسلامية في المدينة المنورة سنة 1972م بعد تخرجه بسنتين.
عدد طلابها 350 طالباً.
وعدد مدرسيها 15 أستاذاً.
والأخ داود متعاقد مع الرئاسة العامة للإفتاء والدعوة والإرشاد في المملكة العربية السعودية، من وقت تخرجه وهو يجمع بين الدعوة والتعليم.
مدرسة دار الأرقم:
ثم زرنا مدرسة دار الأرقم الإسلامية. التي أسسها الأخ ماوي سور حاجي عبد الله سنة 1401هـ 1981م، عمره 36 سنة.

تخرج في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، كلية الحديث سنة 1400هـ والمدرسة تبعد عن مدينة ناراتيوات عشرين كيلو متراً في منطقة تسمى: توأندا. كان عدد طلاب المدرسة عند إنشائها ستين طالباً وطالبة، وعددهم الآن مائتان وعشرون، ويسكن منهم في مباني المدرسة مائة. وكان عدد المدرسين عند إنشائها عشرة، والآن عددهم عشرون، ومراحل المدرسة ثلاث: الابتدائية، والمتوسطة، والثانوية، قدمت شهادات للمعادلة في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة وجامعة الملك سعود بالرياض. وتلاميذ المدرسة الثانوية يبعثون إلى القرى للتعليم والدعوة. وهي مع تدريسها المواد الإسلامية والعربية، لا تهمل ما يحتاج إليه الطلاب من المواد الأخرى.
أهداف المدرسة:
1 ـ غرس العقيدة الإسلامية في نفوس طلابها وغيرهم من المسلمين.
2 ـ إبراز الشخصية الإسلامية المتميزة.
3 ـ تربية الشباب على المنهج السليم المستمد من الكتاب والسنة.
4 ـ تعليم العلوم الإسلامية.
5 ـ نشر اللغة العربية وآدابها باعتبارها لغة القرآن.
6 ـ تدريب الطلاب على المهن كالزراعة، والتجارة، وتربية الحيوانات، والخياطة، والطبخ...... الخ..
7 ـ تثقف الطلاب بالعلوم المعاصرة وتدريبهم على اللغات المختلفة.
8 ـ نشر الوعي الإسلامي بين صفوف المسلمين.
9 ـ إعداد الطلاب لحمل أمانة الدعوة الإسلامية في المجتمع.
نشاطات المدرسة:
من النشاطات التي تقوم بها المدرسة:
1 ـ إقامة المحاضرات.
2 ـ إصدار النشرات العلمية، والقيام بخطب الجمعة.
3 ـ الإشراف على عدد من مدارس فرض العين (تاديكا).
4 ـ تدريب طلاب السنة الأخيرة في المرحلة الثانوية في مجال التدريس والتربية والدعوة في بعض المدارس والمساجد.
وتتبع المدرسة مكتبة صغيرة يؤمل في توسيعها وتزويدها بالكتب والمراجع.
زيارة مدرسة الهداية الإسلامية:
وتبعد هذه المدرسة عن ناراتيوات اثني عشر كيلو متراً، وهي قريبة من مدرسة دار الأرقم.
يدفع الطلاب قليلاً من الرسوم للنفقة.
ومديرها ـ وقد نسيت اسمه ـ متعاقد مع الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد في المملكة العربية السعودية.
ومن مدرسيها الأخ هارون عبد الكريم وقد تخرج في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سنة 1405هـ في كلية أصول الدين.
وكذلك الأخ رشدي عبد الرحمن، تخرج في معهد اللغة العربية في جامعة الملك سعود في الرياض، وكذلك الأخ حسين عبد الرحمن.
لقد أصبح عدد طلبة الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة الذين تخرجوا ورجعوا إلى بلادهم ـ تايلاند ـ كثيراً، وكذلك بعض طلاب الجامعات الأخرى في البلاد العربية، وبخاصة الأزهر، وقد أنشأ بعضهم مدارس ومساجد ونشاطهم جيد في التعليم والدعوة.
الخلاف بين الدعاة وأثره على الدعوة:
ولكن المشكلة في وجود بعض العقبات التي تضعف عملهم وتجعل طاقاتهم مشتتة، وأهم تلك الأمور:
أولاً: إن بعض الطلاب الذين كانوا هم وزملاؤهم في وقت الطلب مجتمعين متعاونين متحدين في الهدف والتربية وعندما رجعوا إلى بلدهم، فرقتهم الأحزاب المحلية فحصلت بينهم نفرة وعدم انسجام وتعاون، وقد حاولت جهدي عندما التقيتهم حثهم على اللقاء والتعاون ونبذ أسباب الخلاف والفرقة.
ثانياً: إنه لا يوجد في المنطقة رجل عالم كبير السن حكيم يدأب على الاتصال بهم ويحاول جمع كلمتهم، وهو يحوز الاحترام من الجميع، وإن كان يوجد من يتصف بهذه الصفات ما عدا كبر السن واحترام الجميع.
وأنا أعلم أن كثيراً من هؤلاء الطلاب كان لهم أساتذة في الجامعات العربية درسوهم وربوهم وهم يحترمونهم ولو أن هؤلاء الأساتذة يزورونهم ويحاولون الصلح بينهم لأمكن أن ينفع الله بهم، ولكنهم يحتاجون إلى من يمكث بينهم فترة من الزمن يمكنه التأثير فيهم.
هذا وقد عدنا إلى مدينة فطاني الساعة الثامنة مساء فكانت مدة الجولة هذا اليوم أكثر من عشر ساعات.
زيارة المدرسة الرحمانية:
السبت: 5/12/1409هـ ـ 8/7/1989م.
وفي المدرسة الرحمانية التقيت مؤسسها الشيخ حاجي عبد الرحمن عبد اللطيف كيا.
ولد في مدينة فطاني، وعمره 66 سنة.
تعلم مبادئ الإسلام واللغة العربية في بلاده، ثم انتقل إلى مكة المكرمة، ودخل مدرسة دار العلوم سنة 1356هـ وبقي فيها إحدى عشرة سنة.
درس على الشيخ حسن المشاط، والشيخ حسين يماني، والسيد علوي مالكي، والشيخ أمين كتبي، والشيخ فلمبان، والشيخ عبد القادر المنديلي [الذي ترجم كتاب الطحاوية وشرحه إلى الملايوية] وهو شيخ أكثر الفطانيين، والشيخ ياسين فاداني ـ وهو كما يقول الدكتور إسماعيل علي أعلى سنداً في الحديث في مكة ـ والشيخ إسماعيل فطاني، والشيخ عبد الله فطاني.
ولم يبق منهم إلا الشيخ الفاداني والشيخ عبد الله فطاني.
وكان يزامله عدد من الطلاب الفطانيين والماليزيين والإندونيسيين.
ورجع من مكة إلى فطاني سنة 1376هـ.
وأنشأ المدرسة سنة 1378هـ. [[في دليل المدرسة ذكر أنه أسسها سنة 1380هـ والذي أثبته أخذت منه مشافهة![[.
وكانت المدرسة تسمى فندق جلوم، وهي كبقية فنادق التعليم لم يكن لها منهج منظم ولا فصول دراسية، وإنما كان المؤسس يدرِّس العلوم الإسلامية واللغة العربية على الطريقة القديمة.
وكان عدد طلابها في تلك الفترة ثمانين طالباً في بيت من الخشب، وهو منزل الشيخ الحالي.
ثم أقيم بناء المصلى الحالي وكان عدد الطلبة فيه 300طالب في سنة 1380هـ.
وعددهم الآن 1200طالب وطالبة، ويسكن منهم في المدرسة 840 نصفهم طالبات.
عدد المدرسين للعلوم الإسلامية الآن ثمانية وأربعون تقريباً، وعدد المدرسين للعلوم العصرية ثلاثون تقريباً.
قال الشيخ: إنه قام بأداء شعائر الحج بعد رجوعه من الدارسة من مكة ثلاث مرات.
أهداف المدرسة:
1 ـ غرس العقيدة الإسلامية التي كان عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام والسلف الصالح باعتبارها أساس الدين.
2 ـ تربية الشباب على المنهج السليم المستمد من الكتاب والسنة.
3 ـ العناية بتدريس العلوم الدينية بكل أنواعها ليكون الطلاب قادرين على العمل والاعتصام بدينهم الحنيف.
4 ـ نشر اللغة العربية وآدابها باعتبارها لغة القرآن ولغة المسلمين.
5 ـ تثقيف الطلاب بالعلوم المعاصرة وتدريسهم.
6 ـ إعداد الطلاب الصالحين لحمل أمانة الدعوة الإسلامية إلى المجتمع.
وجهاز المدرسة الإداري يتكون من المجلس الأعلى والمجلس الإداري ومستشارين، وأعضاء هيئة تدريس.
هيكل المدرسة الإداري:
وهذه صورة لهيكلها الإداري (ص 7من دليل المدرسة الرحمانية).
المجلس الأعلى للمدرسة المستشارون. المجلس الإداري للمدرسة.
الأمين العام. المدير العام
نائب المدير للقسم الديني. نائب المدير للقسم العصري. مدير القسم الإداري.
الأمين المالي. المراقب المالي. الوارد والصادر. مدير المستودعات.
المسح.مدير قسم التعليم. مدير القسم الابتدائي. مدير القسم المتوسط.
مدير القسم الثانوي. مدير شؤون الامتحانات.أمين المكتبة.
مدير قسم الإشراف الاجتماعي.مدير شؤون الطلاب.
مدير شؤون الطالبات. المشرف على الإسكان الداخلي
المشرف على الإسكان الداخلي.
الأقسام الدراسية:
بالمدرسة قسمان رئيسيان: القسم الديني. القسم العصري.
ومراحل القسم الديني ثلاث:
المرحلة الابتدائية ثلاث سنوات.
المرحلة المتوسطة ثلاث سنوات.
المرحلة الثانوية ثلاث سنوات.
مراحل القسم العصري:
المرحلة المتوسطة ثلاث سنوات.
المرحلة الثانوية ثلاث سنوات.
زمن الدراسة في الأسبوع ستة أيام في كلا القسمين القسم الديني في الصباح، والقسم العصري في المساء.
مناهج الدراسة في القسم الديني معترف بها في المملكة العربية السعودية وبعض الجامعات في الدول العربية.
ومناهج الدراسة في القسم العصري تابعة لوزارة التربية والتعليم في تايلاند ومعترف بها فيها، وللمدرسة سكن داخلي وله نظام خاص يجب أن يلتزم به الطلاب والطالبات.
السكن الداخلي:
إن الطلاب والطالبات الذين يلتحقون بالمدرسة بعضهم يأتون من الأماكن المجاورة لها وبعضهم يفدون من المناطق النائية وهؤلاء الطلاب أعدت المدرسة لهم المساكن وقدمت لهم ما يحتاجون إليه مما يناسبهم، وفرضت عليهم الالتزام بالنظام الخاص لهذه المساكن تحت إشراف المسؤولين عنه.
النظام الخاص للسكن الداخلي:
كانت المدرسة تحرص كل الحرص على تربية طلابها وطالباتها على النهج السليم والآداب الكريمة، لذا وضعت لهم النظام الخاص في السكن الداخلي طبق أهدافها النبيلة، ومما جاء في هذا النظام:
1 ـ لا يسمح لأي فرد الخروج من السكن أو العودة إلى منزله إلا بإذن المسؤولين.
2 ـ على كل أفراد الطلبة الالتزام بصلاة الجماعة في كل وقت من أوقات الصلوات المكتوبة.
3 ـ عليهم حضور حلقات الدروس الإضافية في المسجد بعد الصبح والمغرب والعشاء من كل يوم ما عدا الجمعة.
4 ـ عدم السماح لهم بمغادرة الغرفة في أوقات المذاكرة الإجبارية من الساعة الثامنة والنصف إلى الساعة العاشرة ليلاً.
5 ـ عليهم حضور حلقات تلاوة القرآن الكريم وتدارسه وتفسيره وتلاوة الأذكار النبوية بعد صلاة العصر والمغرب والصبح.
6 ـ لا يسمح لأي طالبة الخروج من السكن أو العودة إلى منزلها إلا بلباسها الإسلامي وذلك بعد إذن المسؤولين.
وللدراسة عدة نشاطات تقوم بها وهي:
1 ـ عقد دورات علمية وتربوية.
2 ـ عقد دورة لتعليم اللغة العربية.
3 ـ إقامة مجلس العلم المفتوح لعامة المسلمين كل سبت.
4 ـ إقامة دورات ومحاضرات.
5 ـ تأليف وإخراج سلسلة الكتب الدراسية المقررة للمرحلة الابتدائية والمتوسطة والثانوية.
6 ـ إصدار مجلات ونشرات علمية، وخطب الجمعة.
7 ـ الإشراف على عدة مدارس فرض عين معروف باسم (تاديكا).
8 ـ تدريب طلبة السنة النهائية الثانوية في مجال التدريس والتربية والدعوة، بإرسالهم إلى المدارس الإسلامية والمساجد ومدارس فرض العين.
كما أن هناك نشاطات طلابية مالية وثقافية وتعليمية وتربوية وصحية واقتصادية وأمنية وتنظيمية ورياضية ودعوية، واجتماعية ولكل نشاط لجنة ومسؤولون.
وتتبع المدرسة مكتبة بها مجموعة من الكتب والمراجع المختلفة، وللمدرسة مشاريع مستقبلية لتطويرها لعل الله ييسرها ويبارك في المدرسة والقائمين عليها.
من لطف الله بالمنطقة أن هيأ لها إسماعيل لطفي:
هذه المدرسة نبتة علمية نشيطة يرجى أن تبسط ظلها على المنطقة كلها، وأسأل الله أن يحميها من عوامل الفساد الداخلي والخارجي.
لقد رزق الله منطقة فطاني بشاب صالح مؤهل علمياً وتربوياً وتنظيمياً، ورُزق حكمة ونشاطاً، أثره واضح في المنطقة، وهو ينطلق من المدرسة الرحمانية.
إنه ابن مؤسسها الشيخ عبد الرحمن.
وهو الأخ الدكتور إسماعيل لطفي بن الشيخ عبد الرحمن جافاكيا، وقد عرفته معرفة جيدة عندما كان طالباً في الجامعة الإسلامية، في الوقت الذي كنت مسؤولاً فيه عن شؤون الطلاب ليلاً ونهاراً.
وكان الأخ إسماعيل ضمن الطلاب الذين يقيمون في القسم الداخلي بالجامعة، وكان يشارك في نشاطات الطلاب الثقافية والاجتماعية، وكان مثالاً في الخلق والجد في طلب العلم.
وهو الآن في المدرسة الرحمانية مثل يعسوب النحل، يجتمع حوله طلبة العلم من المدرسة ومن خارجها ليروي ظمأهم بما آتاه الله من علم وحكمة وأسلوب جذاب، كما أنه يؤدي واجبه في نشر العلم عن طريق التأليف الذي ينشر به ما يريد من المعاني بأسلوب سهل مشوق، ويختار فيه الموضوعات المناسبة للمقام.
وقد رأيت ما لا يقل عن ألفي شخص [بلغني أن الذين يحضرون درسه فيما بعد أكثر من خمسة آلاف]حضروا مجلسه العلمي يوم السبت ويستمر في إلقاء موضوعه في هذا اللقاء أكثر من ساعتين، والناس لا يتحركون إلا بعد انتهائه زاده الله توفيقاً.
وهذه ترجمة مختصرة للدكتور إسماعيل لطفي فطاني.
1 ـ اسمه: سماعي جافاكيا، واسمه المشهور لدى العامة والمكتوب في مؤلفاته: إسماعيل لطفي.
2 ـ مولده: ولد سنة 1371هـ 1950م بمكة المكرمة، لأن والده الشيخ عبدالرحمن جافاكيا كان يدرس حينئذٍ في مكة المكرمة، ثم رجع مع الوالدين عام 1377هـ ـ1957م إلى فطاني.
دراسته ومؤهلاته:
3 ـ درجته العلمية العصرية: متوسطة حكومية من مدرسة مغان فطاني.
درجته الدينية: دكتوراه في الفقه المقارن بمرتبة الشرف الأولى، من المعهد العالي للقضاء بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض عام 1406هـ.
وكانت مسيرته الدراسية كما يأتي:
الثانوية: من المدرسة الرحمانية براؤول فطاني عام 1392هـ (ممتاز).
ليسانس: من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة عام 1396هـ (ممتاز).
ماجستير: من المعهد العالي للقضاء بالرياض عام 1401هـ (جيد جداً).
دكتوراه: من المعهد العالي للقضاء بالرياض عام 1406هـ (مرتبة الشرف الأولى).
4 ـ نشاطه العلمي والدعوي:
أولاً: نشاطه أثناء الدراسة بالمملكة العربية السعودية.
كان ممثلاً لطلبة دول جنوب شرق آسيا بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض من عام 1398هـ إلى عام تخرجه 1406هـ.
حصل على شهادة "تقدير" من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية على نشاطه عام 1402هـ.
وحصل على شهادة "الطالب الأمثل" من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عام 1404هـ.
ثانياً: نشاطاته بعد عودته إلى فطاني عام 1406هـ.
أعماله وأنشطته كثيرة، ولله الحمد، منها:
اختير أميناً عاماً للمدرسة الرحمانية عام 1407هـ ، إلى الآن ويدرس فيها.
أنشأ مجلس العلم براؤول فطاني، وهو مجلس يهتم بنشر تعاليم الإسلام لجمهور الناس.
وأهم نشاطاته:
1 ـ حلقة عامة للدروس الإسلامية بمسجد الرحمانية براؤول في صباح، كل يوم سبت من الساعة الثامنة والنصف إلى الساعة العاشرة والنصف، بدأ ذلك من شهر ربيع الأول 1407هـ ولا زال مستمراً حتى الآن وهو المحاضر الأساسي فيها.
2 ـ نشر الأشرطة الإسلامية المسجلة من دروس السبت، وما تم توزيعه من الأشرطة يقارب (70.000) شريط، [كان هذا في تاريخ كتابة هذه الرحلة] وذلك بسعر رخيص ورمزي، وانتشرت تلك الأشرطة إلى معظم مناطق الجنوب وإلى ماليزيا وإندونيسيا ومراكز العمال الفطانيين والتايلنديين، داخل المملكة العربية السعودية.
3 ـ نشر الكتب الإسلامية باللغات المختلفة.
4 ـ نشر خطب الجمعية في بعض الأحيان، وكذلك خطب العيدين.
5 ـ نشر أشرطة مرئية (فيديو) لمن يرغب الاستفادة منها.
6 ـ عضو المجلس الأعلى للكلية الإسلامية بجالا، والمحاضر فيها، علماً بأن الكلية الإسلامية ما زالت تحت الإجراءات لحصول على الترخيص من قبل الحكومة، وأن مباني الكلية الإسلامية تبنى حالياً بتمويل من البنك الإسلامي للتنمية بجدة في المملكة العربية السعودية، وقد فتح لها فصول الدارسة المؤقتة باسم: معهد الإعداد الإسلامي بجالا.
5 ـ مؤلفاته:
أولاً: بعض الكتب المقررة للتدريس في المدارس الإسلامية بجنوب تايلاند في التوحيد والفقه والأخلاق والتجويد واللغة العربية والملايوية.
ثانياً: سلسلة تفسير الذكر الحكيم.
1 ـ سورة الفاتحة: طبعت ثلاث مرات باللغة الملايوية.
2 ـ سورة المزمل: باللغة الملايوية والتايلاندية.
3 ـ سورة المدثر: باللغة الملايوية والتايلاندية.
4 ـ سورة يس: لم تطبع بعد.
5 ـ الخلاصة في الإسراء والمعراج على ضوء الكتاب والسنة.
6 ـ رسالة الفيضانات: حقيقتها وتعاليم الله ورسوله فيها.
7 ـ الأذكار النبوية وفضائلها (الصباحية والمسائية).
8 ـ الأوراد المأثورة عقب الصلوات المكتوبة.
وغيرها من الكتيبات والرسائل والنشرات.
9 ـ عنوان رسالته للماجستير: اختلاف الدارين وأثره في الأحكام الجنائية.
10 ـ عنوان رسالته للدكتوراه: اختلاف الدارين وأثره في أحكام المعاملات والمناكحات. [تطبع الآن بمكتبة دار الإسلام بالقاهرة، وقد حصل على إذن الطبع من إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالرياض].
مجموعة بحوثه الإسلامية:
1 ـ الزحف الأحمر ودوره في دول جنوب شرق آسيا (بحث للحصول على الإجازة العالمية).
2 ـ السلطة القضائية في الإسلام (أثناء دراسته في مرحلة الماجستير).
3 ـ الأخوة الإسلامية: حقيقتها ودورها على ضوء الكتاب والسنة (بحث مقدم إلى ندوة العمل الإسلامي بفطاني).
ملاحظة:
كل مؤلفاته المذكورة أعلاه عدا رسالة الماجستير والدكتوراه والبحوث الإسلامية طبعت وتطبع على حساب مجلس العلم، وجميع الأرباح التي حصلت من بيعها يصرف لمصلحة الدعوة الإسلامية ومساعدة المتضررين في فيضانات عام 1409هـ.
أهم المؤتمرات والندوات التي شارك فيها:
1 ـ المؤتمر الإسلامي العام الثالث (للدعوة الإسلامية) بمكة المكرمة 18ـ22صفر1408هـ.
2 ـ المؤتمر الحادي عشر لمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف رجب 1408هـ (له كلمة فيه).
3 ـ ندوة قدسية الحرمين الشريفين، بسنغافورة ربيع الثاني 1408هـ (له كلمة فيها).
4 ـ ندوة الثقافة الإسلامية بكوالالامبور، ماليزيا محرم 1409هـ.
5 ـ الاجتماع العالمي لوحدة الأمة، بترناك، ماليزيا محرم 1409هـ.
6 ـ ندوة العمل الإسلامي بفطاني جنوب تايلاند، ربيع الأول 1409هـ (له بحث فيها).
7 ـ وقد دعي للاشتراك في ندوة علمية دولية عن "تطبيق الشريعة الإسلامية" خلال شهر ربيع الثاني عام 1410هـ بمدينة الرياض، إن شاء الله.
[ولا زال يواصل نشاطه في التعليم والدعوة والتأليف وحضور الندوات والمؤتمرات المحلية والعالمية إلى وقت مراجعتي لهذه الرحلة1426هـ ـ 2005م]
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
مع الأخ حسن نعمت:
وجدت في المدرسة الأخ حسن نعمت الذي تخرج في كلية الدعوة وأصول الدين في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة سنة 1400هـ. وعمره الآن 45 سنة.

بدأ في دراسته في الجامعة بالمعهد المتوسط التابع لها، ثم المعهد الثانوي ثم التحق بالكلية. والآن يقوم بالتدريس في المدرسة الرحمانية في فطاني يوماً واحداً في الأسبوع. ويدرس في المدرسة الصمدية يومين، وهي في طريق سابري تبعد عن فطاني (المدينة) أربعين كيلو متراً، وهي متوسطة أنشأها الشيخ إسماعيل عبد الصمد.
وعدد طلابها مائة وعشرون طالباً، وعدد أساتذتها عشرة.
والأخ حسن إمام في مسجد تلوين.
وقد ألف بعض الكتب في التاريخ، وهي تدرس في المدرسة الرحمانية.
منها الاختصار للدولة الأموية في الأندلس، واختصار الدولة الإسلامية العثمانية.
أين القائد الذي يحرك الطاقات؟
زارني في عصر هذا اليوم في الفندق ثمانية أشخاص من الدعاة الفطانيين الذين تعاقدت معهم رابطة العالم الإسلامي للقيام بالدعوة إلى الله، واجتمعت بغير هؤلاء في أيام أخرى، وهم في الغالب متخرجون من الأزهر، أو من الجامعات العربية الأخرى كجامعة بغداد وغيرها، وكل واحد منهم يعمل في مدرسة أنشأها ويدرس طلابها، وبعضهم في مدارس أخرى.
وذكروا أنهم قائمون بالدعوة وكتبوا تقارير لمعالي الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي، عندما علموا أنه أوصاني بالاتصال بهم وسلموني إياها. والأمين العام هو الدكتور عبد الله بن عمر نصيف.
والحقيقة أن الدعاة الذين تبعثهم رابطة العالم الإسلامي كثيرون، ففي المنطقة المجاورة لفطاني لا يقل عددهم عن ثلاثين شخصاً، ولكن فائدتهم الدعوية ليست على ما يرام، لأنهم متفرقون وكل واحد في منزله ومدرسته، وهو لا شك ينفع أبناء المسلمين في المدرسة، ولكن الناس في حاجة إلى دعوتهم في خارج مدارسهم، ولا بد من تعهد هؤلاء الدعاة وتنشيطهم وإقامة دورات تدريبية لهم، وإعداد خطط وبرامج متجددة لهم في القيام بالدعوة، وكذلك الازدياد من العلم، ولو حصل هذا لهم لكان شأن آخر في النشاط والدعوة.
وينبغي للرابطة أن تعين في كل بلد يكثر فيه الدعاة التابعون لها شخصاً يوثق فيه علماً وعملاً وحكمة وإدارة، يكون مسؤولاً عن هؤلاء الدعاة ومتابعتهم وقائداً لهم يحرك طاقاتهم، فأين القائد الذي يحرك الطاقات؟
ألم يمت؟!
اتصل بي الأخ الدكتور إسماعيل علي وأخبرني أنه استأجر سيارة توصلنا إلى الراهب البوذي الذي يقال الذي يقال عنه: إنه فيلسوف البوذية، وهو (بوت تات فيكو) في ولاية سوراتاني.
وكنت من قبل قد طلبت مقابلته، ولكنهم قالوا لي: إنه على فراش الموت، وظننت أنه قد مات وأراح الله الناس من شره، ففوجئت بذلك، وقلت للأخ إسماعيل: ألم يمت؟ قال: لا، بل هو حي يرزق.
الأحد: 6/12/1409هـ ـ 9/7/1989م.
كنت أنوي في هذه الرحلة التي خصصتها لجنوب شرق آسيا أن ألتقي كبار الوثنيين من الهندوك والبوذيين، وكنت أود أن أجد من يقال عنه: إنه عالم في ديانته ليجيب عن أسئلة البلاغ المبين بما يعتقد هو أنه حق، أما أنا فلا أعتقد أنه يوجد حق عند أهل الأديان الأخرى مهما ادعوا أنهم علماء وفلاسفة.
والهدف من لقائي بهم وأنا أعلم أنه لا حق عندهم، أن يتبين عدم علمهم عند المناقشة لمن أعمى الله بصائرهم فظنوا الجهل علماً.
وقد حاولت في الهند وفي شمال تايلاند أن ألتقي أمثال هؤلاء الزعماء الوثنيين، فلم أتمكن لأن الإخوة المسلمين لا صلة بهم، ثم إنهم لا يجرؤن على الاتصال بهم من أجل هذه المناقشة.
وكنت قبل سفري من المدينة سألت أحد طلبة العلم التايلانديين في الجامعة الإسلامية عن أسماء زعماء البوذيين في بلاده ممن لهم شهرة، ويعتبرون فلاسفة في دينهم عند قومهم، والطالب الذي سألته كان قد نال شهادة الماجستير عن: (البوذية: تاريخها وعقائدها وعلاقة الصوفية بها) ويدعى عبد الله نومسوك، أهدى لي فيما بعد نسخة من رسالته، وهو الآن يواصل دراسته في مرحلة الدكتوراه، قال لي: إن عالماً بوذياً مشهوراً يدعى (بوت تات فيكو) في محافظة سورتاني، وهو يتولى الإشراف على المركز البوذي لرياضة النفس والمركز يعرف باسم (سون موك) وله مؤلفات كثيرة يمكنك أن تجتمع به وتأخذ منه معلومات عن هذه الديانة.
وعندما وصلت إلى فطاني وزرت الجامعة، وجدت فيها بعض الأساتذة البوذيين، ويدعى كاوي سيري تام (KAWI SIRITAM) الذي جرى معه نقاش مختصر واعترف بوجود قوة عظمى تعين المضطر.
وعندما سألناه عن هذا الراهب البوذي قال: إنه يعرفه وإنه مستعد للذهاب معنا إليه، وسيأخذ خطاباً من الجامعة إليه، ليستجيب للرد على الأسئلة، وقد قلت له: إن الأسئلة تتعلق بمقارنة الأديان. وهذا ما جرى:
السفر إلى سوراتاني:
فقد استأجرنا سيارة مرسيدس مكيفة بأربعة آلاف وخمسمائة بات، والمسافة بين فطاني وسوراتاني أربعمائة وسبعون كيلومتراً تقريباً.
وقد سجلت ما حضرني من الأسئلة التي أريد إلقاءها على الأستاذ الجامعي المرافق لنا، ثم على الراهب عندما اجتمع به، وهي كما يلي:
1 ـ الاسم والعنوان والعمر.
2 ـ التخصص والعمل.
3 ـ الديانة.
4 ـ متى وجدت هذه الديانة.
5 ـ ما فروعها.
6 ـ هل تغيرت عما كانت عليه في أول أمرها.
7 ـ هل هي عامة لكل الناس أو خاصة.
8 ـ ما مصدرها: الوحي والرسالة، العقل، الإلهام، الأذواق، والوجدانات.
9 ـ هل تعترف هذه الديانة بخالق معبود.
10 ـ هناك أسئلة ثلاثة يسأل عنها أهل الأديان ما جوابها عندكم، و هي:
أ ـ من أين جاء هذا الكون (أي من خالقنا؟).
ب ـ لماذا جئنا (أي ما الحكمة من وجودنا؟).
ج ـ إلى أين مصيرنا (أي بعد الحياة التي نعيشها؟).
11 ـ لماذا تتقربون إلى أصنام تصنعونها بأيديكم، وهل جاء الأمر بها في أصل هذه الديانة، وهل العبادة لها أو لغيرها، ومن هو هذا الغير وما صفاته؟
12 ـ هل يجب على أهل هذه الديانة دعوة العالم إليها وما وسائلها؟
13 ـ هل يوجد دليل يثبت تناسخ الأرواح؟
14 ـ هل يوجد في أصول هذه الديانة الإيمان بيوم آخر يحاسب فيه الخلائق على أعمالهم؟.
15 ـ متى كان أول سماعك عن الإسلام في حياتك؟
16 ـ ما التصور الذي عندك عن الإسلام؟
17 ـ هل قارنتم بين ديانتكم وبين الإسلام؟
18 ـ هل عندكم مانع من دخول البوذي في الإسلام؟
وكانت عندي أسئلة تتفرع عن هذه الأسئلة عند المناقشة.
وقد خرجنا في هذا اليوم من مدينة فطاني ـ أنا والأخ الدكتور إسماعيل علي، والأستاذ كاوي البوذي، وسائق السيارة ويدعى عمر وهو مسلم ـ في الساعة السابعة إلا ربعاً صباحاً.
حوار مع الأستاذ كاوي:
وعندما كنا بين فطاني وهادياي، قلت للأخ إسماعيل يسأل الأستاذ كاوي: هل عنده استعداد للإجابة عما عندي من الأسئلة فأبدى استعداده، فبدأنا بالمناقشة والحوار:
السؤال الأول: من أين جئنا؟
فأخذ يردد ما تعلمه من ديانته ـ وقد حصل في طقوسها حتى وصل إلى المرتبة السادسة فيها، والمراتب البوذية تسع، ثم تركها، ويبدو أنه سئم من تلك الطقوس المناقضة للفطرة والعقل والوحي.
فقال: إن الديانة البوذية، لا تعترف بإله أو خالق، وإنما يرى أتباعها أن هذا الكون وجد بنفسه.
فحاصرت الأستاذ بالأسئلة والأمثلة على إتقان هذا الكون وتدبيره وتصريفه، وأن ذلك الإتقان والتدبير والتصريف، لا يمكن أن يكون وجد بدون موجد يتصف بكل صفات الكمال.
السؤال الثاني: لماذا جئنا؟ وما الحكمة من خلقنا؟
فأخذ أيضاً يذكر ما تعلمه من البوذية، وخلاصته أن نعمل خيراً لنا ولغيرنا، ولا نعمل ما يضر الآخرين.
قلت: من الذي يحدد لنا هذا الخير الذي نعمله؟
قال: يحدده بوذا.
قلت: هل يقدر بوذا أن يحدد للبشر كلهم منهج حياتهم؟
قال: يحدد القواعد العامة.
قلت: ما هي تلك القواعد؟ وهل هي وافية تتسع لفروع الأنظمة والقوانين التي يحتاجها البشر؟ فتردد ولم يقطع بجواب.
قلت: أنت اعترفت أولاً بالخالق (لأنه قال: إنها توجد قوة خفية عظمى وهي التي يدعوها المضطر، وقلت له: ذاك إذن هو الإله الخالق) ألا ترى أنه يجب أن يرشد الناس الذين خلقهم إلى ما ينفعهم؟
وبعد نقاش طويل سلم بالوحي وبإرسال الرسل، مع تحفظ لأنه كما قال بوذي وليس عالماً، والعالم الكبير هو الراهب الذي نحن ذاهبون إليه.
وكان الأستاذ يأتي بأجوبة متناقضة وأنا أمسكها وأبينها وأحاصره في تناقضه فيعترف.
واعترف بأن في الديانة البوذية تناقضات، وأهمها عدم الاعتراف بإله مع أن البوذيين يرفعون أيديهم بالدعاء، قال: فإلى من يرفعون أيديهم إن لم يكن هناك إله؟
وشرحت له بعض قواعد الإسلام العامة بياناً للإجابة عن هذا السؤال، وهو: لماذا جئنا وما الحكمة في خلقنا؟
السؤال الثالث: وهو إلى أين المصير؟
فأجاب بتناسخ الأرواح.
فهاجمت الفكرة بأنها كلام ناشئ من نسج الخيال، ولا دليل يدل عليه، لا من وحي ولا من عقل، وأن عودة الروح إلى جسد صاحبها عند البعث الذي ثبت في الأديان السماوية هو المنطق العادل، ليحاسب هو على ما قدم وشرحت له مراحل الإنسان: العدم، الخلق، العيش في الدنيا، البرزخ، البعث، الحساب والجزاء، الجنة والنار، وكان مطرقاً مصغياً إصغاء ظننت بعده أنه سيدخل في الإسلام، ومعه أمه بجانبه، وهي عجوز كانت أيضاً مصغية للنقاش وتنظر إليّ عندما تسمع ترجمة كلامي، وتبتسم ابتسامة أرى فيها علامة الرضا بما تسمع.
الإسلام عقيدة عالمية مقبولة ولكن تكاليفه صعبة!
وفي آخر الأمر قال الأستاذ البوذي: إن عقيدة الإسلام عالمية ومقبولة، ولكن تكاليفه اليومية صعبة.
وضرب أمثلة لذلك أن الإسلام يحرم أموراً يصعب تركها ومنها أكل لحم الخنزير وشرب الخمر ومصاحبة النساء.
قلت له: الإسلام لم يأت بتكاليف فوق طاقة البشر، وأي تكليف يأتي به الإسلام ويعجز عنه أحد يسقط عنه، ما دام العجز عنه صفة له.
والأشياء التي جاء الإسلام بتحريمها قليلة وتناولها ضار بالإنسان، والأمور التي كلف الله الإنسان فعلها كلها نافعة له في الدنيا والآخرة.
فأقر بذلك دون أن يصرح به صراحة، ولكنه أبدى عدم ارتياحه للدخول في الإسلام.
وسألني: هل يمكن الفصل بين الحكم والعبادة في الإسلام، يعني يلتزم المسلمون بالعبادة دون الحكم؟
قلت: إن الإسلام نزل حكماً وعبادة والحكم بالإسلام عبادة، والأديان السماوية الأخرى حرفت، وأصبحت غير قادرة بسبب ذلك التحريف على الجمع بين الدين والدولة، لأنها لا رصيد لها يمكنها من ذلك، والإسلام وحده هو الذي بقي بدون تحريف، وهو كامل نصوصاً ومعاني، ونصوصه المحفوظة تحمي معانيه مهما حاول أعداؤه تحريفها، لأن بقاء نصوصه سليمة تحكم على كل ما يقال عنه.
فقال: نعم، إن الإسلام منطقي مع نفسه، لأنه يجمع بين الدين والدولة.
أقمت عليك الحجة بالبلاغ المبين والمصير ينتظرك:
وقلت له: إن الحد الأدنى من الإسلام، وهو الذي ينقذك من الخلود في النار، سهل، فحاول أن تدرس الإسلام وتتأمله لعل الله يهديك له.
ثم قلت له: إن كل شيء لا يحصل إلا بتعب وضربت له أمثلة منها تعلم الطفل القراءة والكتابة، وتعلم الكبار الرياضيات والعلوم، وكذلك مزاولة التجارة والزراعة والصناعة، بل الحصول على الطعام والشراب وتناولهما، ثم التخلص من فضلاتهما... وبعد أن أكملت له ذلك قلت له: لقد بلغتك وأقمت عليك الحجة بالبلاغ المبين، وعليك أن تفكر في الأمر فالمصير ينتظرك.
استغرق هذا النقاش أكثر من ثلاث ساعات وما كتبته هنا مختصر لذلك وليس بالتفصيل.
والحقيقة أن هذا الأستاذ كان يحترم عقله في المناقشة، فقد كانت أجوبته جيدة في الغالب.
وقال: إن السبب في عدم تمسك الناس بالديانة البوذية وجود مشكلات لم يجد الناس لها جواباً من الرهبان.
زفاف صبي إلى الرهبانية!
وكنا قد تناولنا طعام الإفطار في مطعم مسلم في مدينة هادياي، وفي الطريق مررنا بعدد من السيارات وقد ازدحمت بالركاب، وهم يطبلون ويزمرون ويصفقون ويغنون، ويمشون على مهل، ظننت أولاً أنهم في موكب زفاف امرأة وزوجها، فسألت عن ذلك فقال الأستاذ: هذا شاب قرر أن ينخرط في سلك الرهبانية، وهم يزفونه إلى المعبد الذي سيستقبله فيه راهب أكبر ليقبل دخوله في الرهبنة.
فطلبت من السائق التريث في السير لأرى هذه الحالة، فإذا الشاب قد حُلِق رأسه، ولبس رداء أحمر وأزراراً كذلك، ووضعت أمامه الزهور وهم يحيطون به ـ في صحن سيارة ونيت ـ وكان ذلك في الساعة الحادية عشرة صباحاً.
وكانت الأرض مكسوة بالخضرة: غابات ومزارع، ومنها شجر المطاط الذي قال الأستاذ عنه: إنه ينتج عشرين عاماً ثم تقطع أخشابه التي تتنافس الشركات على شرائها، ويزرع مكانها شجر آخر جديد.
وبعد الساعة الثانية عشرة مررنا بمطعم صغير على يميننا ونحن نسير إلى الشمال، فيه أكلات شعبية والأسرة التي تعمل فيه مسلمة وهي وحيدة في هذا المكان فتناولنا فيه ما تيسر لنا أكله، لأن أطعمتهم الشعبية غير مناسبة لنا ولكن لا يوجد غيرها.
لحم جمل غث على رأس جبل وعر:
وصلنا إلى المعبد البوذي في سورتاني الساعة الواحدة والنصف بعد الظهر.
والمعبد يقع في وسط غابة كثيفة وأشجار باسقة، وبها عدة مبان يسكن فيها الرهبان الصغار والكبار، وفي بعض تلك المباني يسكن الطلاب، وعلى جدرانها رسمت صور ترمز كما قال لنا الأستاذ البوذي لنعمة الطبيعة على الإنسان، حيث أوجدت له الأعضاء التي يحتاج إليها، كالعينين والأنف والأذنين واليدين والرجلين، وهذه المباني مقر للتأمل والتفكير البوذي، وبعض تلك المباني أعدت للنوم، وبعضها للدارسة والمحاضرات.
وذهبنا إلى البوذي الكبير (بوتات) الذي يقال: إنه أكبر البوذيين في الجنوب، من حيث العلم والفلسفة، وقد اختلطت في هذه الغابة الحيوانات البشرية مع الحيوانات الأخرى، كالكلاب والقطط والدجاج.
فقد وجدنا هذا الراهب يقعد على كرسي من الخشب، في قاعة ملئت بالأثاث من كراسي وغيرها، منظرها المبعثر ينفر النفس عن الجلوس فيها، وحوله الكلاب والقطط والدجاج، وهو الذي يقال عنه: إنه عالم فيلسوف، يعلم الغيب، ويعرف النفوس الشريرة، وعنده مؤلفات كثيرة، وقد اشتهر عند عامة الناس أنه ينكر وجود الإله الحق.



وعندما وصلنا إليه وجدنا أحد الرهبان الشبان قد سجد أمامه على الأرض سجوداً كاملاً، ثم رفع رأسه وسمع كلمات من الراهب وانصرف.
وتقدم الأستاذ كاوي فانحنى له إلى درجة الركوع، وأخبره بسبب مجيئنا، وذكر له أن الجامعة قد أرسلت إليه خطاباً تطلب منه الاستجابة للإجابة عن أسئلة الباحث العربي الذي جاء من الجزيرة العربية، وأن المقصود من مقابلته هو سماع ما عنده عن الدين البوذي، لأن البحث في مقارنة الأديان.
فقال الراهب: إنه مشغول، ولكنه سيخصص لنا عشرين دقيقة في أصول الديانة، ويحيلنا في التفاصيل إلى راهب آخر.
وعندما علمت أنه لا يمكن أن أسأله كل الأسئلة بسبب تضييقه الوقت، قررت أن أسأله سؤالين أحدهما تمهيدي والآخر جوهري.
وكان كل من يأتي إليه إما أن يسجد له وإما أن يركع، أما نحن فقد وقفنا وقوف عزة المسلم الذي لا ينحني إلا لله، فقُرِّب لي كرسي، وقرب للأخ إسماعيل كرسي آخر فجلسنا، وكان الأخ إسماعيل هو المترجم.
قلت له: متى وجدت هذه الديانة، وهل هي باقية على أصلها أو تفرعت وحرفت؟
فقال: جوهرياً لم تمس، ولكن حصل تفريع في طريقة العمل وأسلوبه، ولا يستطيع أن يحدد وقت وجودها، لأن هذه الديانة موجودة دائماً، لأنها موافقة للطبيعة وستستمر باستمرارها، وبوذا إنما جاء لينبه الناس عليها.
قلت: ما مصدر هذه الديانة: الوحي، أو العقل، أو الوجدان؟
فقال: المظاهر الطبيعية تدل عليها.
والديانة البوذية تتكون من ثلاث حقائق.
الحقيقة الأولى: الطبيعة.
والحقيقة الثانية: قانون الطبيعة.
والحقيقة الثالثة: نتيجة هذه الطبيعة.
وذلك أنه يجب أن لا ندعي لأنفسنا شيئاً، فأجسامنا ليست لنا، فلا نتصرف تصرفاً يخالف قانون الطبيعة، بل كل ذي روح يجب أن يتبع قانون الطبيعة، والذي يتبع هذا القانون إذا مات وهو كذلك، لا تحتاج روحه أن تنتقل إلى جسم آخر غير جسمه، بخلاف الذي يموت وهو يخالف هذا القانون، فإن روحه تنتقل من جسم إلى آخر حتى تتمكن من جسم يتبع هذا القانون.
قلت: هل يوجد إله خالق لهذه الطبيعة؟
قال: ـ بعد سكوت ـ قانون الطبيعة هو الإله، والإله ذات الطبيعة.
قلت: الطبيعة متقنة تدل على خالق عالم قادر حكيم، فمن هو؟
قال: هو أكبر من هذه الصفات، ثم تحرك الرجل ليتركني بعد أقل من عشر دقائق.
والسبب كما قال الأخ إسماعيل: إن هذا السؤال أحرجه وجعله يعترف بإله خالق يسمى قانون الطبيعة، وذلك يناقض ما كان يقوله للناس طول عمر، وهو عدم وجود خالق لهذا الكون، وقد كرر ذكر الإله فلفظ إنجليزي (جود) وقام ووجهه يتلون من الغضب.
ثم ذهبنا نبحث عن الشخص الآخر الذي أحالنا إليه فلم نجده، قيل لنا أنه يقوم بطقوس دينية مع أتباعه.
مركز الرياضة النفسية: سون موك.
ثم ذهبنا إلى مركز الرياضة النفسية المسمى (سون موك) الذي يشرف عليه ذلك الراهب، وقد بني في موقع يقع جنوب المعبد على بعد ثلاثة كيلو أو أكثر في غابة أخرى، وحاولنا أن ندخل لنرى ما فيه، وماذا يعمل الناس؟ فخرجت إلينا امرأة كبيرة وسألت ما ذا تريدون؟ فقيل لها: إننا نريد أن نزور المركز فقالت: الآن لا يسمح بزيارته، لأن الناس فيه في لحظات تأمل لا يسمح بالتشويش عليهم، لأن ذلك يمنع عنهم طمأنينة القلب التي جاءوا من أجلها، فهم في هذه الحالة ينسون كل شيء في حياتهم.
تذكرت بعد هذه الرحلة الطويلة المتعبة ـ إلى الغابات الحيوانية التي يدعي أهلها أنهم أهل ديانة، فلم أجد ما كنت أريده، وهو مناقشة ذلك الراهب في ديانته المزعومة، وهروبه من الإجابة عن الأسئلة ـ تذكرت جملة كان أساتذتنا في العقيدة أيام الدراسة يكررونها لنا في ذم علم الكلام والفلسفة الدخيلة على العقيدة الإسلامية، وهذه الجملة هي: (لحم جمل غث، على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينتقى). وهي أي هذه العبارة ليست كافية للدلالة على وصف هذا الراهب وأمثاله، ولكن لم أجد في حينه غيرها فسجلتها.
وعلى كل حال فقد عدنا أدراجنا ولا أقول: إنني رجعت بخفي حنين، فقد كان لقائي مع هذا الرجل من أعظم الأدلة على أنه لا يوجد أي دين أو مبدأ يستحق أن يهتم به فيبلغ الناس به إلا دين الإسلام، وأنه إذا بُلِّغ أي دين غير دين الإسلام، فمن المستحيل أن يكون ذلك البلاغ مبيناً، لما فيه من منافاة موافقة العقل والفطرة، وما فيه من التناقض الذي يستحيل معه أن يكون ديناً صحيحاً. [وهذا اسم الراهب الكبير وعنوانه: (POTTAT FICO) (BUDDHA DASA BHIKHU SUAN MOKKA BALARAAM CHAIYA SURATTHANI. THAILAND)].
وصلنا إلى مدينة فطاني الساعة العاشرة مساءً.
هرب من المعبد مخلفا للوعد!
الاثنين: 7/12/1409هـ ـ 10/7/1989م.
كان أحد المدرسين في معهد البعثات الدينية، وهو الأخ أحمد يوسف، قد اتصل بأحد الكهان في بعض المعابد وطلب منه أن يعطينا وقتاً لمقابلته وأخذ بعض المعلومات عن ديانته ومعبده، فوعده بذلك صباح هذا اليوم.
وعندما اقترب الموعد كان الأخ أحمد عنده وأنا في طريقي إليه، فأظهر قبل وصولنا إليه الخوف وهرب من المعبد مع إلحاح الأخ أحمد عليه ليبقى.
فقابلنا الأخ أحمد في الطريق وأخبرنا بما حصل ثم قال: إنني ضربت لنا موعداً آخر مع مدير مدرسة بوذي وهي قريبة فذهبنا إليها.
حوار مع مدير مدرسة بوذي:
عندما وصلنا رحب بنا واجتمعنا في مكتبه، ومعنا أحد المدرسين المسلمين في نفس المدرسة.

الاسم: كتب اسمه بيده في دفتري بالحروف التايلاندية. العمر: 49 سنة.
التخصص: الإدارة العامة ـ كلية المسلمين في جالا.
تاريخ الديانة البوذية: بدأت منذ 2532سنة.
مدى تمسكه بهذه الديانة؟ قال: إن أبويه بوذيان وهو يتبعهما.
هل درس هذه الديانة؟
قال: إنه اشترك مع رجال الكهنوت في المعبد ووصل إلى ثلاث رتب.
هل حصل تغيير في هذه الديانة؟ قال: لا.
هل هذه الديانة خاصة ببعض الناس أو عامة لكل البشر؟
قال: هي للجميع، وقد دخل فيها نصارى أوربيون.
قلت: من هو بوذا، وماذا يعتقدون فيه؟
قال: هو رسول.
قلت: من أرسله؟
قال: هو الذي علِم هذه الأشياء دون أن يرسله شخص آخر، وكان يسمي (ستتا) وتَعَلَّم على شخص (تناقض عجيب) وهو رام.
قلت: هذه العبادة التي تقومون بها للأصنام ماذا تقصدون بها؟
قال: يركعون ثلاث مرات.
الأولى لبوذا، والثانية للذي علم بوذا، والثالثة لمن اتبع تعاليم بوذا الصحيحة.
قلت: لماذا تضعون لعبادتكم صنماً؟
قال: يمكن أن يقوموا بالعبادة بدون صنم وتكفي النية.
قلت: من الذي علمكم عبادة الأصنام؟
قال: لا يدري، ولم يكن يوجد صنم في عهد بوذا، وإنما صنع الناس الأصنام بعده ليتذكروه بها، وبوذا لم يأمر بذلك.
قلت: من وضع لكم هذه الطقوس؟
قال: هي من العبادات والتقاليد لإكرام العظماء والسجود لهم.
قلت: هل تعرفون من خلق هذا الكون المتقن؟.
قال: لا يوجد خالق، والطبيعة وجدت بنفسها.
قلت: إن أدنى مخلوق أو مصنوع لا بد أن يكون له صانع، فهل يعقل أن يوجد هذا الكون العظيم بدون صانع؟.
قال: بوذا لم يذكر من خلق هذا الكون، وهو ـ أي مدير المدرسة ـ درس في العلوم أن هذا الكون وجد بنفسه، ولم يفكر في وجود خالق.
قلت: ألا ترى أن هذا السؤال: من خلق هذا الكون؟ يستحق البحث عن إجابة؟
قال: إنه يفكر، ولكن الطبيعة تفعل كل شيء.
قلت: ما هي الطبيعة؟
قال: هي التي نراها بأعيننا.
قلت: هل معنى هذا أن الكون خلق نفسه وكل شيء خلق نفسه؟
قال: العناصر اختلطت وصنعت نفسها، مثل البقر والمعز وغيرها، وعناصر الموجودات مثل التلقيح هو سلسلة طبيعية.
قلت: هل لهذه السلسلة بداية في الماضي؟
قال: لا، والدين البوذي لم يذكر شيئاً عن تسلسل المخلوقات، ويرى بوذا أنه لا ينبغي السؤال عما وراء الطبيعة.
قلت: ألا نفكر بعقولنا؟
قال: بلى، وأنا أفكر وأستفيد من علماء المسلمين وغيرهم.
قلت: هل أنت مقتنع بأن الطبيعة وجدت بنفسها؟
قال: نعم.
قلت: ما صفات هذه الطبيعة التي أوجدت هذا الكون المتقن؟
قال: أعلى من الطبيعة تفكير الناس.
قلت: فهل الإنسان هو الذي خلق هذا الكون؟
قال: تفكير الإنسان هو الطبيعة!
قلت: هل تحب أن تسمع ما جاء في الإسلام عن هذا الأمر؟
قال: نعم.
قلت: هل تعرف أن لكل مصنوع صانع؟.
قال: ليس على كل حال.
قلت: ما الذي ترى استثناءه من هذه القاعدة؟
قال: شيء يخلق بنفسه، وشيء يخلق بيد الإنسان.
قلت: الذي خلق هذا الكون هو غير هذا الكون، لأن الصانع لا بد أن يكون غير المصنوع.
قال: هو يعرف ذلك، ولكنه يعتقد ما ذكره أولاً!
وضربت له مثالاً فنجان قهوة كان أمامي، قلت: هذا الفنجان هل يعقل أن يوجد بنفسه بدون صانع؟
قال: لا.
قلت: والشمس هل يعقل أن تكون بدون خالق؟
قال: نعم وجدت بنفسها، وكل شيء لم يصنعه الإنسان وجد بنفسه.
وهنا وقفت عن الاستمرار في الأسئلة، لأن الرجل جمد عقله على شيء اعتقده ـ كما يزعم ـ من قبل وألغى عقله تماماً فلم يأذن لنفسه بالتفكير مع زعمه أنه يفكر.
ثم قال: يستحسن أن يجتمع علماء الأديان للمناقشة، ويمكن أن يحصل تغيير ما، وقال: إنه يتمنى أن يكون هذا المجتمع سليماً ليس بينه مشكلات.
قلت له: لقد زرت أكبر عالم عندكم، ولم يرض بالنقاش والمذاكرة، والمسلمون عندهم استعداد لأي مناقشة ونحن لا نريد للناس إلا الخير.
وكان المترجم هو الأخ حسين عبد الرحمن حاجي ويساعده الأخ وان يوسف أحمد وهو المدرس المسلم في هذه المدرسة.
هذا التناقض الذي صدر من هذا الرجل ـ مدير المدرسة ـ والتهرب، والتناقض الذي حصل من راهبهم الكبير دل على الجمود الشديد، وبخاصة مدير المدرسة المثقف، الذي أصر على الباطل، ولو خالف العقل والمنطق السليم.
هل يوجد دين يستحق البلاغ المبين غير الإسلام؟
وبذلك يظهر أنه لا يوجد عند أمثال هؤلاء عقيدة أو منهج يستحق الاهتمام به، لإيصاله إلى الناس، وأنه مهما حاول أصحابه أن يقنعوا به الناس بشتى الوسائل التي يشرحون بها أفكارهم، لا يقدرون على أن يقيموا حجة وبرهاناً بأنه حق، وبهذا ينتفي عن تلك الديانات كلها وجود البلاغ المبين للحق الذي لا يوجد إلا عند المسلمين.
وهذا البلاغ المبين إذا وصل إلى أتباع تلك الديانات، فإنه يفضح تلك الأديان الزائفة ويظهر عوراتها على حقيقتها، وينبه عقولهم على فسادها، وفي ذلك خطر على مراكز أولئك الطغاة الذين يضلون الناس بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، ويزعمون أن ما عندهم حق ودين يجب على الناس اتباعه، والناس لشدة جهلهم وغفلتهم وعدم وجود من يوقظ عقولهم يتبعونهم على باطلهم، مع ما فيه من الأمور المخالفة للعقل والفطرة، وهم يحتاجون إلى أي دين يملأون به فراغ أرواحهم، فيجبرون عقولهم ـ مع نفورها منه ـ على التصديق به وهو في نفس الوقت لا يشبع تلك الأرواح بل يزيدها ظمأ، ولكنه لا يوجد عندهم غيره فينتسبون إليه، لأن أهل الإسلام لم يقوموا بالدعوة إليه قياماً كافياً، ولا يوجد من ينشر بينهم الإسلام ويدعوهم إليه ويقيم عليهم الحجة باستمرار، فإذا وجد من يفعل ذلك نادراً، حاولوا الصد عن الدين المدعو إليه تمسكاً بالمألوف، ولو وجد الدعاة إلى الإسلام باستمرار، وهم قادرون على تزييف دينهم الوثني وإقامة البراهين على أن دين الإسلام هو الحق، لاستجاب كثير من الناس لهذا الدين. [ألفت كتابا خاصاً في سباق أهل الحق بحقهم إلى عقول الناس، وسباق أهل الباطل بباطلهم إلى تلك العقول، بعنوان: السباق إلى العقول-الغايات-الوسائل -النتائج. وقد تم طبعه في دار ابن حزم في بيروت].
الاجتماع بدعاة رابطة العالم الإسلامي:
في هذا اليوم زارني عدد آخر من المتعاقدين مع رابطة العالم الإسلامي، للقيام بالدعوة في المنطقة، وعددهم في تايلاند كبير يصعب على الزائر زيارتهم في فترة قصيرة، لتفرقهم في المناطق المختلفة، وهم في حاجة إلى المتابعة والتذكير والتقويم لأعمالهم، وذلك إنما يتأتى من إيجاد موظف خاص من الدعاة العلماء الثقاة يتابعهم باستمرار، ولا يشترط أن يكون في كل بلد كتايلاند، بل يمكن أن يكون له مكتب إقليمي يشمل عمله فيه عدداً من البلدان المتجاورة، كماليزيا وإندونيسيا وتايلاند والفلبين، وبدون متابع يصعب معرفة من يؤدي عمله على الوجه المطلوب.
وقد أخبرني بعض الإخوة أن مجموعة من التايلانديين المسلمين، فيهم أطفال ونساء وشباب يقودهم أحد المؤيدين للشيعة في إيران، قاموا بمظاهرة بعد أن تجمعوا ـ وعددهم قليل ـ من مناطق بعيدة في جالا يحملون لافتات عليها صور الخميني، ويرددون هتافات ضد بعض الحكومات الأخرى. وكانوا في آخر شهر يونيو قد عقدوا مؤتمراً يسمى بمؤتمر الحج في الحدود بين تايلاند وماليزيا، وأصدروا بعض القرارات المعادية لبعض الدول العربية.
زيارة المجلس الإسلامي في فطاني:
الثلاثاء: 8/12/1409هـ ـ 11/7/1989م
قبل ظهر هذا اليوم قمنا بزيارة المجلس الإسلامي في فطاني ـ وبجواره مسجد أسسته حكومة تايلاند للمسلمين لتعبر به وبأمثاله عن حسن نيتها ـ وإن كان كثير من معاملاتها يدل على خلاف ذلك ـ وكان تأسيس المسجد بعد اغتيال الحاج سولنج ورفاقه.
وقد التقينا بعض المسؤولين في المجلس منهم:
الأستاذ الحاج عبد الوهاب عبد العزيز عبد الوهاب، وعمره: 47 سنة.


تخرج في كلية أصول الدين في الجامعة الأزهرية سنة 1971م وعندما رجع عين مديراً لمدرسة عزيز ستار، ولا زال مديراً لها وهو رئيس المجلس الإسلامي في ولاية فطاني، تولى ذلك منذ ثلاث سنوات، كان عضواً في مجلس أئمة المساجد، ثم اختاروه رئيساً للمجلس الإسلامي وعدد أعضاء المجلس خمسة عشر عضواً، وصدر مرسوم من وزير الداخلية بالموافقة على رئاسته للمجلس. ممن وجدنا في المجلس الشيخ الحاج عبد القادر محمد طيب وامو، وعمره 73سنة. ولد في فطاني، درس في إحدى المدارس في قرية "جالا" ثم في المسجد المحمدي في كلنتن بماليزيا بعد الحرب العالمية الثانية، ثم ذهب إلى المسجد الحرام في مكة المكرمة قبل ثلاثين عاماً، وتتلمذ على عدد من المشايخ، منهم الشيخ إسماعيل فطاني والشيخ زكريا عبد المبين ـ وهو من فطاني ـ واستمع لبعض المشايخ العرب.
ومن زملائه الشيخ حسن يماني، وبقي في مكة سنة واحدة، وعندما رجع إلى فطاني قام بفتح المعهد التربوي (وهو من المدارس المعتادة التي يطلق عليها اسم: فندق) وبعد عشرين سنة أصبح عضواً في المجلس الإسلامي.
وعين قاضياً شرعياً للمسلمين ـ في الأحوال الشخصية.
وسألته هل توجد مشكلات قضائية تتعارض مع الدولة؟ فقال: توجد بعض المشكلات ويحاولون حلها بالتفاوض مع الحكومة.
معلومات عن الولايات الجنوبية:
الولايات الجنوبية (وهي التي كان يطلق عليها: فطاني) هي: فطاني الحالية وجالا، وناراتيوات، وستول، وبعض ولايات سُنْكُلا.
وعدد ولايات الجنوب كلها: 14ولاية، وعدد سكانها خمسة ملايين وثلاثمائة وثمانية وعشرون ألفاً وأربعمائة وتسعة وتسعون (5.328.499) وعدد المسلمين يزيد عن ثلاثة ملايين.
عدد المساجد في ولايات فطاني 520 مسجداً، وهي المساجد التي تعترف بها الحكومة، وهناك مساجد غيرها.
وعدد المدارس في الولاية 160مدرسة.
وسألتهم عن دخول الإسلام في هذه المنطقة؟
فقالوا: إن الإسلام دخل فيها عن طريق التجار العرب، وأول دخولهم كان في ملقا، وقيل: إنهم دخلوا فطاني مباشرة، وتوجد آثار في فطاني تدل على أسبقية دخول الإسلام كمقابر الملوك.
وتوجد في أسفل المسجد المبني بالآجر باب خشبي كشف عنه علماء الآثار.
وقال بعض الإخوة في المجلس: لا يعرف بالضبط وقت دخول الإسلام في فطاني، إلا أن العلماء المسلمين عُرِفوا في فطاني من سنة 1150م، وأول ما عرف العلماء في ماليزيا سنة 1400م، وهذا يدل على أن دخول الإسلام في فطاني أسبق، وكان الماليزيون يدرسون على أيدي علماء فطاني.
هذا ولم أتمكن من زيارة المجالس الإسلامية الأخرى في ولايات: هادياي، وستول، وناراتيوات.
انتهاك حرمات الله زماناً ومكاناً ومناسبةً!
وفي هذا اليوم أخبرني الأخ الشافعي أن إذاعة لندن أذاعت خبراً عن وقوع انفجارين الليلة في مكة المكرمة ـ وهو وقت يزدحم فيه الحجاج في مكة المكرمة ـ لأنه ليلة التروية التي يقع في صبيحتها النفر إلى منى، استعداداً للصعود إلى عرفات.
فأخذت أتتبع الأخبار مساء هذا اليوم حتى سمعت الخبر من إذاعة المملكة العربية السعودية نفسها، من إذاعة صوت الإسلام من مكة المكرمة في الساعة السابعة والنصف بتوقيت المملكة، الحادية عشرة والنصف بتوقيت تايلند.
وذكرت الإذاعة أن قنبلتين انفجرتا إحداهما في الشارع المؤدي إلى الحرم، والثانية في الجسر القريب من الحرم ـ وهو الجسر الذي يقع قرب المسعى ـ في الساعة العاشرة مساء، وأن شخصاً واحداً قتل، وستة عشر أصيبوا بجراح، اثنان منهم في حالة خطيرة، وأن التفاصيل عن الحادث ستذاع فيما بعد تذكر فيها جنسيات المصابين وما يستجد في الأمر.
فقلت: أهلك الله المفسدين في الأرض، وبخاصة أولئك الذين يختارون زماناً ومكاناً ومناسبة لا يختارها إلا من يستهين بشعائر الله، أما الزمان فهو شهر الله الحرام شهر ذي الحجة، وأما المكان فهو المسجد الحرام على مرمى حجر من الكعبة المشرفة، وأما المناسبة فهي أيام الحج الذي يجتمع فيها الناس من كل حدب وصوب، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!
الأربعاء: 9/12/1409هـ ـ 12/7/1989م.
في هذا اليوم لم يكن عندي موعد زيارة، وجاءني الأخ الدكتور إسماعيل علي في الصباح مودعاً لي، لأنه ذاهب إلى بلده ناراتيوات، ليقضي أيام العيد عند أهله.
الاجتماع مع مندوب هيئة الإغاثة الإسلامية:
كما زارني الأخ عباس الشرقاوي، وهو نازل مع أهله في نفس الفندق الذي نزلت به، وهو مندوب من قبل هيئة الإغاثة الإسلامية في تايلاند، وكان يقوم بمسح المنطقة ومساعدة من يراه يستحق المساعدة.
وجرت مذاكرة بيني وبينه في أساليب الدعوة ومناهج التعليم وتربية الدعاة المؤثرين.
وبعد أن تغديت في مطعم باكستاني مجاور للفندق فتح جديداً يسمى: مطعم الياسمين، رجعت إلى الفندق، فسمعت الإذاعات المشتركة التي تنقل مسيرة الحجاج وأعمالهم في عرفات، وكانت واضحة جداً، لذلك بقيت استمع إلى تلك المسيرة وأصوات الحجاج ترتفع إلى ربها ملبية له، والمذيعون يصفون الحالة التي تأخذ بالألباب، وبدأت خطبة الحج من مسجد نمرة، وكان الخطيب هو فضيلة الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، وكان ذلك في الساعة الثانية عشرة والدقيقة العشرين بتوقيت مكة المكرمة، الموافق للساعة الرابعة والدقيقة العشرين بتوقيت تايلاند.
صلاة العيد:
الخميس: 10/12/1409هـ ـ 13/7/1989م.
بعث الأخ الفاضل الدكتور إسماعيل لطفي أخاه، لينقلني إلى المدرسة الرحمانية، لأصلي معهم صلاة عيد الأضحى. وقد صلى والده عبد الرحمن جافا كيا، وخطب بعده ابنه الدكتور إسماعيل في الفضاء.


مع الأخ أحمد عمر جافاكيا:
وبعد أن تناولنا الطعام ـ بعد الصلاة ـ زرت الأخ أحمد عمر جافاكيا، وهو شاب صالح واع نشط، وعمره الآن 34 سنة.
درس الابتدائية والمتوسطة والثانوية في المدارس الحكومية في فطاني، كما درس المتوسطة والثانوية الأهلية (المنهج الإسلامي).
والتحق بكلية العلوم الاجتماعية، قسم التاريخ في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض ـ المملكة العربية السعودية ـ تخرج سنة 1400هـ.
ونال درجة الماجستير من جامعة كراتشي في العلوم السياسية سنة 1403هـ ، وهو الآن أمين عام مساعد في المدرسة الرحمانية، ويقوم بتدريس بعض المواد أيضاً فيها، وأمين عام مساعد لمشروع الكلية الإسلامية في جالا.
زعيم الشيعة في مدينة جالا:
الذي يتزعم الشيعة في مدينة "جالا" رجل يدعى نور الدين، وهو ممرض، وكان في المخابرات التايلاندية، وأظهر استقالته من وزارة الصحة، كما أظهر أنه ضد الحكومة، وكان قبل خمس سنوات واسطة بين الحكومة وحاملي السلاح من المسلمين. ويبدوا أن المؤيدين له يميلون إلى التشيع حماساً وليس تشيعاً صادقاً، وأما هو وزملاؤه الأربعة فالظاهر أنهم صادقون في تشيعهم، ويجوز أن يكونوا غير صادقين، وإنما اتخذوا التشيع ذريعة لمصالح تعود عليهم من قبل إيران أو من قبل الحكومة التايلاندية أو منهما معاً.
ومن أهم المكاسب للدولتين تفريق كلمة المسلمين إلى سنة وشيعة، والعجيب أن هذا الرجل يصرح بسب حكومة تايلاند ولم تتخذ ضده أي مواقف.
معلومات أخرى عن فطاني:
أول ملك مسلم في فطاني هو محمد شاه، وكان بوذياً أسلم على يد أحد التجار المسلمين من العرب، والغالب، أنه من حضرموت. ومن الآثار الموجودة إلى الآن مقبرة قديمة للمسلمين في قرية بريت (PARIT) وهي تبعد عن فطاني جنوباً تسعة كيلومتر، وقد كتب عن هذه الآثار رجل مستشرق باللغة الإنجليزية.
كما يوجد مسجد قرب فطاني، وكان هو المسجد الجامع لمدينة فطاني، وهو من مساجد السلاطين، ويسمى مسجد راجا، أي مسجد السلطان، ويوجد خلفه سور القصر السلطاني، ولم يزل القصر موجوداً، وهو منزل آخر السلاطين في فطاني، ويسمى عبد القادر، وقد انتهت سلطته سنة 1902م.
وقد اعتقلته السلطات التايلاندية وسجنته في بسنولوك (PISNOLOK) وهي ولاية تقع قرب بانكوك ثم نفته إلى ماليزيا وتوفي هناك. [وقد مررت بمنزل هذا السلطان الذي يحيط به السور].

الحركات المناوئة للحكومة التايلندية في القرن العشرين:
وقد قامت بعده عدة حركات مناوئة للدولة:
الحركة الأولى: قام بها ابنه محي الدين الذي أسس حركة: جنبر (GEPAR) وهي حروف مختصرة لما يسمى بالحركة الفطانية الملايوية، ومنطلق هذه الحركة قومي، كما هو واضح من اسمهما ولم تنجح.
وكانت الحكومة قد قسمت سلطنة فطاني إلى سبع ولايات، ثم عدلتها إلى أربع كما هو الحال الآن، وهي: فطاني وجالا وناراتيوات وستول.
الحركة الثانية: هي حركة الحاج سولونج (SULONG) وكان عالماً، وهو أستاذ الشيخ عبد الرحمن جافا كيا مؤسس المدرسة الرحمانية، وكان مجاهداً وله أتباع كثيرون، ودعا إلى إصلاحات تمنحها الحكومة التايلاندية للمسلمين عرفت بالنقاط السبع.
وقد قتلته الحكومة ـ اغتيالاً ـ سنة 2497ب، [هذا بالتاريخ البوذي]. وقد ولد هو في سنة 2438ب أي إن عمره (57 سنة) وكان أول قيامه ضد الدولة سنة 1936م.
الحركة الثالثة: قامت بعد إعدام الحاج سولونج، قام بها ابنه محمد الأمين باسم (RN) أي جبهة الثورة الوطنية، وهو رجل علماني لم ينهج نهج أبيه، وكان رئيس المجلس الإسلامي في فطاني، وقد نفته الحكومة التايلاندية، بل طردته إلى ماليزيا.
وله أخ يدعى زين العابدين، وهو نائب رئيس المجلس الإسلامي في فطاني، وهو الذي يسير المجلس، وهو متخرج في كلية الحقوق في جامعة بانكوك، وعضو في البرلمان المركزي، وهو كذلك علماني وليس عنده أساس إسلامي.
وكان لهذه الحركة علاقة وطيدة مع سوكارنو الرئيس السابق لإندونيسيا، وهذه الحركة تسمى: الحركة الوطنية الاشتراكية (NASOSI) وكان سوكارنو يطمع في الاستيلاء على كل الدولة الملايوية، ولهذا كان بينه وبين ماليزيا صراع، وتسمى حركته الحركة الوطنية الشيوعية (NASAKOM).
وكان لهذه الحركة ـ أي الحركة الثالثة في فطاني ـ تأثير قوي بسبب كونها امتداداً للحركة الأم.
وقد انقسمت الآن ثلاثة أقسام، وسبب الانقسام الخلاف الشخصي على المناصب، وإلا فهي في جوهرها واحدة.
القسم الأول: تحت قيادة محمد أمين، وأخوه في تايلاند مرتبط به، وكذلك الشافعي مرتبط بهذا القسم، وقادة هذه الحركة هم من المتخرجين من المدارس الإندونيسية وبعضهم تخرجوا من باكستان.
القسم الثاني: تحت قيادة عبد الكريم حسن، وهو من علماء فطاني، وله نفوذ قوي، وكان قائد الجناح العسكري، وهو الآن في يومبنج، وتريد الحكومة الماليزية أن تعينه قاضياً كما قيل، وهذه الحركة يشرف عليها العلماء، وقد حذفوا كلمة اشتراكية من اسم الحركة وهي أفضل من الأولى، ولكن أتباعها في الداخل قليل.
القسم الثالث: تحت قيادة الشباب المسلم وهم يعيشون في الغابات والمسؤول عن هذا القسم جئ مودا، وهو في كوالالامبور، وهذه الحركة خطيرة، لأن أعضاءها ليس عندهم أساس إسلامي وهم مغامرون، ويصعب الاتصال بهم.
هذه الحركات كلها تعتبر امتداداً للحركة التي قام بها الحاج سولونج، ولذلك تعتبر الحركة الأولى في الجملة.
الحركة الرابعة: حركة بولو: (PULO) وهي منظمة إرهابية تسمى المنظمة المتحدة لتحرير فطاني، والمسؤول عنها كبير عبد الرحمن، وهو في كوالالامبور، [وقد ذكره الشيخ محمود شاكر في كتابه: "فطاني"].
وكان المسلحون في الغابات من اتباعه وقد تدربوا في سوريا، في المنظمة الفلسطينية "الصاعقة" ولهم مكتب في دمشق.
ومبادئ هذه الحركة أربعة: الدين ـ القومية الوطنية ـ المروءة (UBANGTAPAKMA) وهي حركة علمانية خالصة، وزعيمها متخرج في كلية العلوم السياسية في الهند.
وانقسمت هذه الحركة قسمين:
القسم الأول: تحت قيادة المؤسس.
القسم الثاني: تحت قيادة هارون وهو متخرج في جامعة أمريكية، والحركة مع شهرتها لا يوجد لها نفوذ في الداخل.
الحركة الخامسة: الحركة الوطنية لتحرير فطاني، وتعرف اختصاراً بـ (PPNB).
أسسها تنكو جالا من أبناء السلطان، وهي الآن تحت قيادة عز الدين، وهو يقيم في كوتا بارو في كلنتن بماليزيا. [وقد اجتمعت به في هذه الرحلة كما سيأتي].
وأتباعه في الداخل أكثر من أتباع الحركة الثانية وقد غير اسم الحركة فأصبح الآن يعرف بالحركة الإسلامية، لأن التيار الإسلامي قوي في فطاني، وهم يحاولون مجاراة التيار وهذه الحركة أحسن من الحركتين السابقين لأن اتجاهها إلى الإسلام أكثر.

بعض الجمعيات الإسلامية في تايلاند:
وتوجد جمعيات عادية منها:
1 ـ جمعية الشبان المسلمين بتايلاند، ومقرها في بانكوك، ويتزعمها بعض الشباب الصالح، ورئيسها من المتخرجين في ندوة العلماء في لكنو بالهند ونشاطها في الشباب بالمخيمات ونشر الكتب، ويوجههم بعض المتخرجين في الجامعات الدينية.
2 ـ وجمعية الطلبة المسلمين في تايلاند، ومقرها بانكوك وهي تحت قيادة الطلبة الجامعيين الصالحين، ولها فرع في كل جامعة. وتوجد مؤسسات خيرية، منها المؤسسة الخيرية في ناراتيوات، ويوجهها بعض الطلبة المتخرجين في الجامعات الدينية، وتبذل محاولة في فطاني لأخذ إذن رسمي لإنشاء جمعية باسم: جمعية الإصلاح الخيرية.
العيد في فطاني!
سبق أن الأخ الدكتور إسماعيل لطفي بعث لي أحد إخوانه في الفندق، لينقلني إلى المدرسة الرحمانية التي يديرها الأخ إسماعيل، وكان ذلك في الساعة السابعة إلا ربعاً، لأشاركهم في الصلاة معهم ـ صلاة عيد الأضحى ـ وكنت أنظر إلى الشوارع وأنا مار بوسط المدينة يمنة ويسرة، فأرى المسلمين رجالاً ونساء ـ صغاراً وكباراً ـ كل مجموعة منهم أو واحد في اتجاههم إلى الصلاة في أحد جوامع المدينة، يرتدون ملابس العيد، كل على حسب سعته، وتبدو الفرحة على وجوههم بهذه المناسبة السعيدة.

أما أنا فكنت أفكر قبل خروجي من الفندق في مظاهر العيد في فطاني، بلاد المسلمين التي كانت في يوم من الأيام تلبس حلل الفرحة والسرور في مثل هذه المناسبة الدينية العظيمة، يتقدم المسلمين إلى مصلياتهم سلاطينهم، يستعدون جميعاً لتعظيم شعيرة من شعائر الله، يجتمع في استقبال العيد ومباهجه وأفراحه وأداء شعائره الحاكم والمحكوم، فتظهر السلطنة كلها فرحة مسرورة مبتهجة، يتبادل فيها الأفراد والأسر والعلماء والطلاب والسلطان والرعية التهاني والتحيات والهدايا والعطيات، ومضى على ذلك وقت طويل، حتى وقعت هذه السلطنة الإسلامية العريقة في يد حكومة وثنية، فتبدلت الأحوال.
أخذت أقارن بين مظاهر العيد في السلطنة في غابر الأيام، وكذلك مظاهره في البلدان الإسلامية التي يحكمها منتسبون إلى الإسلام ولو كان بعضهم يحارب تطبيق شريعة الله، وبين مظاهر العيد في بلدان لا يحكمها منتسبون إلى الإسلام، وإنما يدينون بأديان أخرى: سماوية محرفة، أو وثنية أصيلة، فألحظ الفرق بين الحالين:
فالأعياد في البلدان الأولى لها مظاهر كبيرة، تجند لها الدولة طاقاتها في الشعب كله فيخرج رئيس الدولة في الغالب، ليشارك الناس في الصلاة في عاصمة الدولة، ويفتح بابه لكبار زواره المهنئين له، وتحصل استعراضات عسكرية، ويشارك المحافظون أو الأمراء رعيتهم في بقية المدن والقرى، ويستقبلون كبار زوارهم، فترى من مظاهر البهجة والفرح والسرور الشيء الكثير، وإن كان بعض العلماء والمفكرين من المسلمين يشعرون بالأسى والحزن في داخل نفوسهم، لما يرون من إضاعة لهذا الدين وبعد عنه و ذلة حلت بأهله بسبب ذلك، ولما يرون من مصائب ومحن بالمسلمين في كل مكان، وبخاصة أولئك المستضعفين الذين أذاقهم أعداء الإسلام أصنافاً من التعذيب والقهر والقتل والإخراج من الديار ونهب الأموال وهدم المنازل، كما هو الحال في كثير من بلدان المسلمين، وفي فلسطين وأفغانستان والفلبين وفطاني والحبشة وإرتريا وغيرها ما يبين الحال ـ وقد لحقت الجمهورية العراقية بتلك الدول المنكوبة، ولكن نكبتها أشد من غيرها ـ بل وفي بعض البلدان التي يتربع على كراسي حكمها من يزعم أنه مسلم وهي معروفة لا تحتاج إلى ذكر.
أما في البلدان التي يحكمها من ليسوا بمسلمين ولا منتسبين إلى الإسلام، فإن مظاهر العيد ـ وإن بدت في ظاهرها سارة ـ فإن المسلمين في تلك البلدان مثل الأيتام الذين فقدوا آباءهم وهم في أمس الحاجة إلى رعايتهم، لأن الدولة وكبار موظفيها من وزراء وأمراء وأغنياء وجيش، لا يشاركون المسلمين في فرحتهم، بل قد يعملون ما يكدر عليهم سرورهم.
فإذا جاء عيد وطني أو ديني لهذا البلد عم الفرح البلد كلها حاكمها ومحكومها، وأظهرت ذلك وسائل الإعلام لإظهار الفرحة والسرور، وقد يجبر المسلمون على المشاركة في ذلك وإن كانوا غير راضين.
لذلك كنت في هذا العيد حزيناً غير مسرور، ليس لبعدي عن أسرتي وأولادي وزملائي، وليس لبعدي عن المسجد الحرام أو المسجد النبوي فحسب، وإن كان ذلك محزناً، ولكني كنت حزيناً جداً لما أرى من حال المسلمين في هذه البلدة المسلمة المسلوبة، مع أنهم لا زالوا أكثرية، فلا توجد فيها تلك الحفاوة التي تقوم بها الدولة.
ومما يزيد النفس حسرة وألماً أن هؤلاء المسلمين الذين لا دولة لهم،لم يفكروا في رفع معنوياتهم بإظهار وحدتهم في كل مدينة بحيث يجتمعون في ساحة واحدة كلهم، يقفون صفوفاً متراصة وراء إمام واحد يرفعون التكبير والذكر، فيشعرون بالوحدة الجامعة والأخوة الصادقة، ويشعرون عدوهم بعزتهم وقوة إيمانهم واجتماع كلمتهم.
وإنما كل أسرة أو مجموعة يتجهون متفرقين من حارة إلى أخرى إلى مساجد متفرقة، تحقيقاً للولاءات الحزبية الضيقة، وعامتهم مقلدون لأفراد يحركونهم كما يريدون، وقد يكون الهدف من تحريكهم لهم تحقيق مصالح شخصية لأولئك المتبوعين وهذا هو الغالب.
وليس معنى هذا أنه لا يوجد من علماء المسلمين وقادتهم من يفكرون في جمع الكلمة والاعتصام بحبل الله وإظهار الوحدة والأخوة، ولكن هؤلاء قليل والغالب على غير مرادهم.
وإذا كان هذا هو شأن العيد في فطاني التي أغلب سكانها مسلمون، فما شأنه في البلدان التي يكون المسلمون فيها أقلية، بل ما شأنه في مدينة أو قرية لا يوجد فيها إلا أسرة أو أسر قليلة ولا تقام فيها صلاة العيد؟!
هذا وقد عبرت عن مشاعري هذه وغيرها في هذه القصيدة الطويلة وقد عنونتها بـ(بنت الملوك) وهذا نصها:
بنت الملوك!
زيارة المؤسسة الخيرية في مركز جاها:
الجمعة: 11/12/1409هـ ـ 14/7/1989م.
تقع جاها قرب مدينة جالا.
ويرأس هذه المؤسسة الأخ محمد الحاج ساعي (سعيد) نال درجة الليسانس من العراق، ونال شهادة الماجستير من كلية أصول الدين في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في التفسير سنة 1401هـ وتعاقد قبل ذلك مع رابطة العالم الإسلامي داعية.
وهو رئيس قسم الدعوة بالمجلس الإسلامي في ولاية جالا، ونشاطه الدعوي في هذه المجالات.
ويقوم بدورات مستمرة لأئمة المساجد وخطبائها وأعضائها في المجلس الإسلامي.
ويقوم بالتدريس في معهد دار الإسلام في قرية تانجو كسنا في مركز جالا، وقد صاهره الدكتور إسماعيل لطفي فتزوج ابنته.
المجلس الإسلامي:
وسألته عن المجلس الإسلامي في جالا؟
فقال: إنه أنشئ منذ خمسين عاماً.
والذي أسسه هو والده الحاج مصطفى الحاج ساعي، وقد توفي منذ تسع سنوات.
وأعضاء المجلس 15 شخصاً.
رئيسه الآن الحاج وان إسماعيل هون.
ونشاط المجلس في عدة أقسام: الدعوة، والتعليم، والمالية، والتسجيلات.
عدد المساجد في جالا تحت إشراف المجلس (306) وعدد المدارس 13 مدرسة.
نسبة المسلمين في الولاية 75%.
وعدد سكانها أكثر من مائتي ألف.
إهمال متعمد واضح:
المرافق في هذه الولايات متأخرة: الطرق والشوارع في داخل المدن وخارجها، والمواصلات وغيرها، يظهر ذلك للقادم مباشرة، وبخاصة القادم من العاصمة بانكوك ـ وإن كانوا بدؤوا الآن يهتمون بإصلاح بعض الشوارع.
ومن المرافق السيئة الأداء: خدمات الهاتف.
أردت أن أتصل بأهلي في مكة وجدة، لأهنئهم بالعيد وأطمئن على صحتهم وأطمئنهم على صحتي، فطلبت من مأمور السنترال في الفندق الوحيد في فطاني أن يوصلني بالهاتف في إحدى المدينتين ثم الأخرى، فاعتذر بأنهم لا يستطيعون الاتصال من عندهم بالخارج مباشرة، وأن الاتصال يكون من مكتب البريد.
وعندما جاءني الأخ إسماعيل لطفي أخبرته، فذهبنا إلى المكتب البريدي وكنت أظن أن الاتصال من المكتب مباشرة، فإذا هو لا يتصل منه إلا عن طريق البريد المركزي في بانكوك.
فعجبت لذلك! وقد كنت أتصل من غرفتي مباشرة في بانكوك، لقد بقيت هذه المنطقة من تايلاند ـ وهي منطقة أجنبية عنها في الحقيقة تاريخاً وديناً وعادات وغيرها ـ ولكن الله ابتلى أهلها بحكم وثني ماكر، بقيت هذه المنطقة على ما عليه الحال قبل عشرين سنة في بعض البلدان، وكأن الأقمار الصناعية وحضارة القرن العشرين المادية لم تَدْرِ عن بلدة في العالم تسمى فطاني.
وقد اتصلت ـ بعد انتظار طويل ـ ببعض الأهل وأعطيتهم رقم هاتف الفندق ورقم الغرفة ليتصل بي أهل المنزل الآخر. [كان هذا قبل ما يقارب ستة عشر عاماً ـ نحن الآن في عام 2005م ـ ولعل الأمور قد تحسنت الآن].
زيارة بعض الآثار الإسلامية في فطاني:
السبت: 12/12/1409هـ ـ 15/7/1989م
في هذا اليوم ذهبنا لزيارة مسجد راجا (أي مسجد السلطان) في قرية شيبنج تيجا (CHBANG TIGA) ومعناها: مفترق الطرق الثلاث.
طول المسجد من الداخل 21 خطوة وعرضه 9 خطوات، ومن الخارج طوله 31خطوة وعرضه 10خطوات، أما طوله من الجدار الخلفي القريب من باب المسجد إلى مقدمة المسجد فهو 37خطوة وعرض المسجد الأساسي 17خطوة، أما البهو الخارجي للمسجد فهو مربع طوله 9 خطوات وعرضه كذلك.
وقد التقينا أحد جيران المسجد ويسمى وان حسن وعمره (69 سنة).
وقال لنا: إن المسجد أنشئ منذ 140سنة، أنشأه السلطان كوبوتيه (KUPUTEH) وهو ابن تنكو أحمد بشير (BESAR).
وكل ما هو من أسفل المسجد فهو من أصل بنيانه حتى الخشب ولم يجدد إلا السقف.
والد السلطان الثاني أصله من كلنتن بماليزيا، ومات هذا السلطان في كلنتن بماليزيا بعد أن بنى المسجد وكان عنده زوجتان: إحداهما في فطاني يبقى عندها سنة، والأخرى في كلنتن يبقى عندها سنة أخرى.
ولم يكن حاكماً في كلنتن، وإنما كان له منزل هناك، وقصره في فطاني وهو قريب من المسجد بني منذ 150سنة.
وتوجد مقابر قرب المسجد ـ من جهة الشرق ـ وفيها قبر السلطان الرابع، واسمه كو سليمان، وله قصر بقي منه بعض الآثار.
والسلطان الثالث يسمى كوتيمن "COTEMEN " وهو أيضاً مدفون بهذه المقبرة.
والخامس يسمى كو عبد القدير بن كو سليمان، قبض عليه من قبل السلطات التايلاندية وحمل إلى منطقة بيستولوتوهي "BISTOLOTOHI " تقع بين بانكوك وشانجماي، وكان السفر إليها في تلك الأيام من بانكوك 15يوماً بالباخرة.
وهذا السلطان معاصر لمحدثنا وان حسن.
وقد ذهب السلطان إلى كلنتن ومات بها.
والسلطان الأول هو أحمد شاه وكان حكمه قبل 450 سنة، وهو الذي بنى المسجد الخشبي الموجود في ولاية ناراتيوات، وبعض أقارب تنكو أحمد بشير، ويسمى مسجد وادي الحسين (وقد زرت هذا المسجد وسبق الحديث عنه) وعمر هذا المسجد 360 سنة كما قيل ويقال: 370 سنة وإذا كان حكم بانيه كان قبل 450 سنة، فعمر المسجد أكثر من ذلك.
أما المسجد المبني بالآجر الأحمر فقد بني في عهد السلطان الأول أحمد شاه.
ولا زال بعض أبناء السلطان يعيشون إلى الآن، وقال الأخ وان حسن: إن أخاه الأكبر الذي مات قبل سنة كان من أعوان السلطان وكان يخدمه، وكان أجداده من قبلُ أعوان السلاطين، ولذلك فإنه أي وان حسن نقل هذه المعلومات عمن قبله من قرابته.
ودخلنا منزلاً قريباً من القصر والمسجد قالوا لنا: إن زوجة السلطان عبد القدير اشترت هذا المنزل بعد وفاته، وإن الذي يسكن فيه الآن حفيد أختها.
وقد التقينا صاحب المنزل ويسمى زهري عمر، وعمره (38 سنة).
وتوجد في المنطقة آبار أثرية وهي قريبة من الحمام الذي كان السلطان يستحم فيه.
وكان مرافقي في هذا اليوم الأخ أحمد حسين ماما ماما، وعمره (35سنة).
درس المرحلة الثانوية في فطاني بمعهد اتحاد المدارس وقد أغلق هذا المعهد، وكان المسؤول عنه الشيخ عبد الرحمن عبد اللطيف جافاكيا.
ثم التحق بالجامعة الإسلامية في المدينة ـ كلية الشريعة ـ بعد أن درس في السنة الثالثة من القسم الثانوي في المعهد التابع للجامعة، وكان تخرجه من الجامعة سنة 1399هـ وهو الآن مدير المدرسة الرحمانية، وقد قام بهذا العمل منذ تخرجه.
ثم ذهبنا بعد هذه الجولة إلى مطعم الياسمين قرب الفندق فتغدينا فيه ثم رجعنا لأخذ الراحة.
هذا، وقد حاولت أن أجد مكاناً مرتفعاً في فطاني لالتقاط بعض الصور الفوتوغرافية للمدينة، فلم أتمكن من ذلك فطلبت من أصحاب الفندق أن يأذنوا لي بالصعود إلى سطحه لألتقط منه ما تيسر فأذنوا، ولكن عندما صعدت إلى السطح لم أجد مكاناً فسيحاً يطل على المدينة من كل الجهات، بل وجدت بعضه مسقوفاً تجفف فيه الثياب فالتقطت ما تيسر من الصور لبعض جهات المدينة التي تمكنت من تصويرها، وتُرى المنازل القصيرة مغروزة بين الأشجار.
إبعاد المسلمين عن أصول ثقافتهم!
ولا زال المسلمون في المنطقة يكتبون لغتهم الملايوية بالحروف العربية، مع محاولة الحكومة الجادة في أن يستبدلوا بها الحروف التايلاندية، بحجة توحيد الثقافة في البلاد، ومرادها من ذلك سلخ أجيال المسلمين من ثقافتهم التي توالت عليها العصور بهذه الحروف، وكانت شاملة لكل جزر الملايو (ماليزيا، وإندونيسيا، وفطاني، وبروناي دار السلام، وجنوب الفلبين) ولم تبق الآن رسمياً إلا في بروناي، أما في إندونيسيا فقد قضى عليها سوكارنو واستبدل بها الحروف اللاتينية، وكذلك فعل تنكو عبد الرحمن في ماليزيا كما سبقهما إلى ذلك كمال أتاتورك في تركيا.
وهكذا يسجل أذناب الاستعمار ـ وبخاصة بعض أبناء المسلمين ـ الذين يلقبون بالعظماء على أنفسهم عاراً سيبقى يلاحقهم ويلاحق من سار على دربهم إلى يوم القيامة، ويوردون شعوبهم المهالك بسبب فصلهم عن ثقافتهم وأصول نجاحهم في الدنيا والآخرة.
وعلى الرغم من أن الفطانيين لم يجدوا من يدافع عنهم من الحكومات والدول في الشعوب الإسلامية، فإنهم لا يزالون صامدين على إبقاء لغتهم وحروفها العربية، مع المحاولة الشديدة بالترغيب والترهيب من الحكومة التايلاندية للقضاء على ذلك النبع الثقافي العريق. [ولو أن مسلماً علمانياً تولى شؤون المسلمين في هذه المنطقة لكان قد أجبرهم على التخلي عن الحروف العربية وألزمهم بغيرها اقتداء بإخوانه من عملاء الاستعمار الذين ينفذ بهم ما لا ينفذه هو مباشرة في بلدان المسلمين في الغالب].
زيارة معهد التربية والدعوة الإسلامية في منطقة جالا لام:
الأحد: 13/12/1409هـ ـ 16/7/1989م
أي جالا القديمة، وجدنا الأخ حسن حاج إسحاق، مدير المعهد ومؤسسه الذي يبلغ من العمر 45 سنة.
وهو متخرج من الجامعة الأزهرية في الشريعة والتربية سنة 1970م.
وكان قبل ذلك قد درس في دار العلوم بمكة المكرمة سنة 1371هـ.
من أساتذته في مكة الشيخ عبد الله الحجي والشيخ محمد ياسين فاداني، والشيخ محمد السقاف (توفي) والشيخ أحمد منصوري والشيخ حامد علوي الكاف، وتخرج في دار العلوم سنة 1384هـ ذهب بعدها إلى مصر.
ومن مشايخه في الحرم الشيخ عبد القادر المنديلي، والشيخ عبد الكريم بنجر، وكان يحضر بعض الحلقات للسيد علوي مالكي، والشيخ حسن المشاط.
وقد أنشأ هذا المعهد سنة 1975م.
وحدد أهدافه في تعليم القرآن الكريم والحديث النبوي، وتدريس اللغة العربية الفصحى، وتدريس العقيدة السليمة، ومحاربة البدع والخرافات، ونشر الدعوة وتبليغ رسالة الإسلام الخالدة بين الناس، وتوجيههم وإرشادهم إلى ما يرضي الله ورسوله، وتعليم المبادئ الأولية في القراءة والكتابة.
وتتبع المعهد إحدى عشرة مدرسة، كلها في محافظة جالا.
وعدد المدرسين عشرون تقريباً، وفيه ثلاث مراحل: الابتدائية، والمتوسطة، والثانوية.
زيارة معهد دار العلوم في منطقة بانجول كنا ـ مركز جاها ـ جالا:
أنشأ هذا المعهد الحاج مصطفى الحاج محمد ساعي منذ 18سنة بجانب مسجد دار السلام الذي بني قبل المدرسة بسنة واحدة، وهو مسجد كبير مسلح وله مئذنة طويلة.

وعدد سكان المركز (مركز جاها) أكثر من ثلاثة آلاف نفس، وعدد الأسر أربعمائة أسرة. وهو المركز الوحيد الذي يصلي أهله كلهم في مسجد واحد أيام الجمع والأعياد، يبلغ عدد المصلين فيه يوم الجمعة ألفاً تقريباً، وكان عدد المصلين للفرائض بعد الحرب العالمية الثانية لا يزيد عن سبعة أشخاص.
عدد أساتذة المعهد الذين يدرسون العلوم الإسلامية 33 وعدد الأكاديميين (وهم الذين يدرسون المواد الحكومية) 20 وعدد الطلاب (600 طالب).
وهو ثلاث مراحل: الابتدائية والمتوسطة والثانوية، ومدير المعهد الآن هو الأخ محمد الحاج ساعي (سعيد) وهو ولد الحاج مصطفى.
وذكر عن والده أنه تعلم في الحرم المكي على يد علماء عرب، على غير ما عهد من طلاب جنوب شرق آسيا الذين يذهبون لطلب العلم في المسجد الحرام فإنهم ـ غالباً ـ يتعلمون على أيدي علماء من بني جنسهم من إندونيسيا، وماليزيا وفطاني، أما هو فقد اختار التعلم على أيدي علماء العرب، ووفق لتعلم العقيدة السلفية والتمسك بالسنة، وهو أول من نشرهما في هذه المنطقة، ووقف ضده العلماء التقليديون الذين هم على العقيدة الأشعرية، وقد وحد كلمة سكان القرى المجاورة.
ويبعد مقر المعهد عن جالا 17كيلومترا غرباً بجانب الجبل، والقرية تقع على مساحة 7كيلومتر مربع وبها تسعة مصليات، وأهل المركز متعاونون فيما بينهم، وعمدته يتصل بالأعيان في القرى المجاورة ويشاورهم في مصالحهم وليس بينهم تفرق.
مشكلة الهاتف مرة أخرى!
تقرر سفري يوم غد الاثنين إلى كوالالامبور عاصمة ماليزيا، وعندما رجعنا من جولتنا اليوم أردت الاتصال بسعادة سفير المملكة العربية السعودية الأستاذ فؤاد الخطيب، وقد سبق لي التعرف عليه عندما كان سفيراً في بنغلاديش، سنة 1400هـ لأخبره بوصولي، وأطلب منه أن يبعث لي من يستقبلني في المطار، وكنت أظن أن الاتصال بماليزيا، وهي دولة مجاورة، ومن دول حلف جنوب شرق آسيا الذي يربط بينها وبين تايلاند إضافة إلى رباط الجوار، ولكن الفندق اعتذر أيضاً بأنه لا يستطيع الاتصال المباشر.
وذهب معي الأخ حسين أمين عام معهد النهضة (نهضة العلوم) إلى مكتب البريد الذي لم أكن أشك في إمكان الاتصال منه، فإذا الموظف يقول: إن الاتصال بماليزيا ولاوس ممنوع من هنا! فغضبت وقلت للأخ حسين: قل له: وماذا يفعل الضيف المضطر عندكم إذا أراد الاتصال ومن يساعده غير موظفي الدولة؟! فلم يزد على أن ابتسم وقال: يوجد مكتب خدمات خاصة مرخص له في الاتصال، فاذهبوا إليه، فذهبنا وتم الاتصال من المكتب المذكور.
طريقة التعليم في فطاني كطريقة التعليم في اليمن:
طريقة تعليم المسلمين في فطاني شبيهة جدا بطريقة التعليم في اليمن: تجد طلبة العلم يتجمعون حول منزل الفقيه في غرفهم المبنية من الخشب [طلاب اليمن يسكنون غالبا في المسجد أو في رباط موقوف عليهم] وتسمى غرفهم مع منزل الشيخ وقاعة الدراسة والمسجد بالفندق، ويكونون حلقات علمية على الطريقة القديمة، الطلاب يحفظون ويقرؤون، والشيخ يشرح لهم الدرس لفظة فلفظة وجملة فجملة.
كما تجدهم يكونون حلقات للذكر.
ويلبسون الفوطة والقميص القصير والعمامة الصغيرة، ونساؤهم يلبسن الفوطة والقميص وغطاء الرأس كأنهن في المراوعة أو زبيد أو بيت الفقيه أو الزيدية، أو غيرها من مناطق حضرموت ونحوها.
زارني الأخ الدكتور إسماعيل لطفي في الفندق بعد صلاة العشاء، وبقي معي أكثر من ساعة جرى فيها الحديث عن الدعوة وأساليبها، وكيفية التأثير في الناس والعوامل التي يمكن أن تقرب بين الجماعات والجمعيات الإسلامية وتخفف من الشقاق والخلاف والعداوات.
السفر إلى مدينة هادياي:
الاثنين: 14/12/1409هـ ـ 17/7/1989م.
جاءني الأخ الدكتور إسماعيل علي جزاه الله خيراً لإيصالي إلى مطار هادياي، وكان قبل ذلك في ناراتيوات والمسافة بينها وبين فطاني 140كيلومتر، والمسافة بين فطاني وهادياي 120كيلومتر، والمطار يبعد عن هادياي 20 كيلومتر، ويصحب الدكتور إسماعيل ابنه الصغير الذي يبلغ من العمر سبع سنين، وقد سماه "أكرم"باسم الدكتور أكرم العمري العراقي الذي كان في وقت دراسة إسماعيل علي في الجامعة الإسلامية رئيساً لقسم الدراسات العليا.
قلت للأخ إسماعيل: تسمية الصغير بالكبير تقتضي في عرفنا أن يقدم المسمى به هدية للصغير، فهل أخبرت الدكتور العمري بذلك؟ قال: لا، قلت: لا بد أن أخبره بذلك ليزور سميه ويقدم له الهدايا في فطاني.
وقد تجولنا في مدينة هادياي أكثر من ساعة ونصف الساعة وتغدينا في المطعم الذي يديره مسلمون، وهو الذي فطرنا فيه وتعشينا يوم سفرنا إلى سورتاني للقاء من يسمونه بـ(الفيلسوف البوذي).
اعتداءات الحكومة على المسلمين في فطاني:
كنت قبل سفري من المملكة العربية السعودية سمعت عن اعتداءات جديدة من الحكومة التايلندية على المسلمين في فطاني.
وأردت أن أستوثق من ذلك.
الاعتداءات المباشرة غير مقصودة:
فأخبرت أن اعتداءات الحكومة الواضحة، كالقتل والاختطاف والاغتيال، خفت كثيراً، وتوجد مبالغات في هذا الأمر من بعض المنظمات من المسلمين الذين يوجد بعض زعمائهم في خارج البلاد.
وأن حادثة واحدة حصلت وقتل فيها بعض المسلمين، ولكن يبدو أنها حصلت بسبب سوء فهم وليست متعمدة، وقد اعتذرت عنها الحكومة ودفعت تعويضات أكثر من المعتاد، وذلك أن فرقة من العسكريين كانت ضد فرقة أخرى، وأرادت إحدى الفرقتين النكاية بالأخرى بإحداث مشكلة بينها وبين المسلمين وإحراجها أمام الدولة.
وكان عدد من المسلمين مسلحين رسمياً، وهم حراس كانوا في طريقهم إلى إحدى القرى، فاتصلت إحدى الفرقتين العسكريتين بالفرقة الأخرى التي يوجد بعض أعضائها في القرية التي يقصدها المسلمون المسلحون، وأخبرتها أن عدداً من المسلمين المسلحين في طريقهم للهجوم على القرية، فاستعد رجال الحكومة في القرية ـ وهم لا يعلمون أن ذلك مكيدة من الطائفة الأخرى ـ وعندما رأى حراس القرية البوذيون المسلمين المسلحين قادمين أطلقوا عليهم النار وقتل منهم ـ أي من المسلمين المسلحين ـ أقل من عشرة أشخاص، وحصلت بسبب ذلك ضجة وحققت الحكومة في ذلك ودفعت تعويضات كثيرة واتضح من التحقيق أن ذلك لم يكن مقصوداً.
محاولة تذويب المسلمين وطرق إضعافهم:
وأما الضغط على المسلمين وإيذاؤهم فهو موجود، ولكن بطرق ماكرة وغير مباشرة.
ويحاول بعض الموظفين من رجال الحكومة، أن يوجدوا مشكلات بين الدولة والمسلمين، لأنهم يستفيدون من ذلك مالياً ومناصب، ولكن الجيش ضد أولئك الموظفين ـ في الظاهر لمصالح أخرى أيضاً ـ فهو يريد أن يكون الوضع هادئاً، وعند الجيش مشروع يسمى: "الأمل الجديد" وهو تهدئة المسلمين وترضيتهم بإيجاد مشروعات اقتصادية وتسهيلات، ويريدون أن يكونوا هم مرجع المسلمين ليحلوا مشكلاتهم، ويبدو أن ذلك من تنازع الأقوياء على الضعفاء.
كما توجد ضغوط من الحكومة على المسلمين في المناهج التعليمية، لتقوية اللغة التايلاندية والعلوم العصرية في المدارس الأهلية، والهدف من ذلك إضعاف المناهج الإسلامية واللغة العربية، ليسهل عليهم بالتدريج إضعاف المعاني الإسلامية في نفوس أبناء المسلمين، فتكون النتيجة البعيدة المدى تذويب المسلمين في المجتمع التايلاندي البوذي.
ومن مشروعات الحكومة في ذلك إلغاء ما هو موجود الآن في مناهج المسلمين، وهو ثلاثون حصة للتعليم الإسلامي، وثلاثون للتعليم العصري، ويريدون أن تكون الحصص الإسلامية عشرين حصة إجبارية، والحصص العصرية عشرين إجبارية، وتبقى عشرون اختيارية.
وقد انقسم المسلمون في ذلك، فبعضهم يعارض مشروع الحكومة، وبعضهم يؤيده، ولكن نسبة المعارضين والمؤيدين غير واضحة إلى الآن.
كما تحاول الحكومة أن تكون دراسة المواد الإسلامية، كالفقه والتوحيد والتفسير وغيرها باللغة التايلاندية، بدلاً من اللغة العربية واللغة الملايوية، بحجة أن المسلمين هم جزء من سكان تايلاند واللغة التايلندية أقرب إليهم من غيرها.
وقد بدأت الحكومة بترجمة بعض الكتب الإسلامية ووزعوها في بعض المدارس، ولكن المسلمين رفضوها.
وتدعي الحكومة أنها لا تريد تقرير هذه الكتب في مدارس المسلمين في الجنوب، وإنما تريد تقريرها في مدارس المسلمين في المناطق الوسطى والشمالية، نظراً لكون المسلمين أقلية في هذه المناطق. [كل ذلك من باب المكر والخداع والتدرج في إبعاد المسلمين عن مصادر ثقافتهم وعلومهم].
نشاط الشيعة:
هذا وقد سمعت أن الشيعة قليلون جداً في الجنوب ومركزهم في ستول، حيث أسسوا مسجداً، وأنشئوا مدرسة، ولكن الأهالي بدأوا ينفرون منهم وأغلقت مدرستهم لعدم مداومة الطلاب على الدراسة فيها.
ويوجد عدد قليل في جالا من المثقفين ثقافة غير إسلامية.
أما في بانكوك فنشاطهم أكثر عن طريق السفارة الإيرانية.
الاجتماع بالأستاذ عز الدين بن عبد الرحمن:
جرت عادتي أن أكتب هذه المعلومات تباعاً بحسب تاريخها بدون تقديم ولا تأخير، وهذا هو الغالب، ولكن بعض المعلومات التي تكون متناسبة ينبغي جمعها، وعدم تفريقها، وبخاصة إذا كانت ذات موضوع واحد.
ولهذا السبب قدمت ـ هنا ـ اللقاء مع الأستاذ عز الدين مع ذكر التاريخ الذي التقيته فيه. [في 29/12/1409 هـ الموافق 1 أغسطس 1989م في مدينة كوتابارو عاصمة كلنتن].

فالأستاذ عز الدين أحد قادة النضال ضد حكومة تايلاند التي استعمرت في بلاد فطاني، ولقائي به كان في ماليزيا في مدينة كوتابارو عاصمة كلنتن، وكان الترتيب المتبع أن يذكر هناك ولكن الترتيب المناسب ذكرُه هنا، لينتهي الكلام عن فطاني، ويبدأ بعد ذلك الكلام عن ماليزيا.
ولد الأستاذ عز الدين سنة 1934م.
والتحق بالأزهر سنة 1966م كلية اللغة العربية قسم الترجمة وتخرج سنة 1970م.
وهو متعاقد مع رابطة العالم الإسلامي يقوم بالدعوة ويشرف على الدعاة ويقيم في ماليزيا ولكن صلته ببلده مستمرة.
وقد حدثني عن النضال ضد الحكومة التايلاندية، وما قامت به من أعمال شنيعة ضد المسلمين في القديم والحديث، وما يقوم به هذه الأيام هو وجماعته.
وأكد أن الحكومة التايلاندية ما زالت تؤذي المسلمين وتعتدي عليهم، وزودني ببعض ما أصدرته جبهته من وثائق.
الجبهة الإسلامية لتحرير فطاني:
وقد كانت الجبهة التي يتزعمها تسمى: جبهة التحرير الوطنية الفطانية، ثم أصبح اسمها كما هو واضح من إصداراتها الأخيرة: الجبهة الإسلامية لتحرير فطاني، والسبب في ذلك كما يبدو أن الرجل تفقه في الإسلام أكثر واقتنع بالنهج السليم، وهو الانتماء إلى الإسلام وليس إلى الوطنية التي كانت تجمع عناصر مختلفة منها بعض المنتمين إلى مذاهب يسارية.
ومما ذكره الأخ عز الدين أن الحكومة التايلاندية تجبر المسلمين على تغيير أسمائهم الإسلامية أو تحرفها عندما تصدر لهم شهادات ميلاد ولا توافق على التعديل، وذكر أشياء كثيرة في هذا الصدد وغيره.
العناية بالتربية الإيمانية والعلمية للأولاد والأتباع:
هذا وقد نصحته أن يصب اجتهاده على تربية اتباعه على الإسلام وتعليم أولادهم وتنشئتهم تنشئة إسلامية، وأن الوقت الآن ليس وقت قتال العدو، وإنما هو وقت إعداد للجهاد بمعناه الشامل: الجهاد المعنوي بالتربية والتعليم والدعوة والتمسك بالكتاب والسنة وجمع الكلمة، وتحقيق الإخاء بين المسلمين، والجهاد المادي بتحصيل وسائله المناسبة، فذكر الأخ عز الدين أنهم الآن انصرفوا فعلاً إلى تربية المسلمين كباراً وصغاراً وأنهم جمعوا ما عندهم من سلاح وخزنوه، لأنهم علموا بالتجارب الماضية أنه لا بد من التربية والتعليم للمسلمين حتى يقوى إيمانهم ويفقهوا دينهم ليصمدوا أمام العدو مجتمعةً كلمتهم.
ملحقات:
وأرى أن أثبت بعض الوثائق التي سلمني إياها هنا لأنها تبرز وجهة نظر هذه الجبهة في القضية الفطانية بوضوح، وهي تتضمن ستة ملحقات مرتبة في آخر الكتاب تحت عنوان ملحقات الكتاب.
لماذا أخروا جوازي عندهم؟!
أوصلني الأخ الدكتور إسماعيل علي إلى المطار وودعني ورجع وأنا دخلت إلى قاعة الانتظار.
نظر الموظف المختص بالجوازات في جوازي، وقال: انتظر، وذهب بالجواز إلى آخر، ورجع قال لي: تفضل ادخل إلى القاعة، ولم يسلمني الجواز، فقلت له: أريد جوازي، فقال: سيأتيك.
ومكثت فترة في القاعة انتظر الجواز، وخشيت أن يحين وقت إقلاع الطائرة قبل أن يسلموني الجواز ويؤخروني عن السفر، وكلما تأخروا زاد قلقي، وأخذت أتساءل في نفسي: عن السبب في هذا التأخير؟
وتأخرت الطائرة عن إقلاعها في موعدها، إذ كان المقرر إقلاعها في الساعة الرابعة حسب الإعلان، فلم تقلع إلا في الساعة الخامسة إلا ربعاً، بعد أن سلموني الجواز قبل ذلك بربع ساعة تقريباً، ونظرت في صفحات الجواز فرأيت كتابة في إحدى صفحاته بالحروف التايلاندية والتاريخ البوذي، ولا أدري ماذا يعني ذلك، لأن الكتابة طويلة وقد جرت العادة أن يكتفى بختم الخروج وفيه التاريخ.
واتضح لي بعد أن وصلت إلى كوالالامبور، عندما قرأ الكتابة أحد الإخوة الذين يقرءون التايلاندية، أن السبب في ذلك هو خروجي من مطار غير المطار الذي دخلت منه، فقد دخلت البلاد من مطار بانكوك، وإذا خرجت من مطار آخر فسيبقى خروجي غير معروف ما لم يثبت ذلك كتابة عندهم في جوازي، هكذا قيل لي والله أعلم بالصواب.
وبعد أن استوت الطائرة في الجو ـ وهي تسير على البحر ـ كانت الشمس ساطعة على يميننا وهي تستعد للغروب عن هذه المنطقة لتشرق على منطقة أخرى.
وبعد سبع عشرة دقيقة ظهرت مدينة على اليمين بجانب جبل طويل، وفي شرقها البحر وبها عمارات شاهقة، وأردت أن أسأل: هل هذه المدينة من مدن تايلاند أم من ماليزيا؟ فإذا الطائرة تنزل هابطة في المطار الساعة الخامسة والدقيقة الخامسة، فكانت مدة الطيران من هادياي إلى هذه المدينة 20 دقيقة، وعندما نزلنا من الطائرة قالوا لنا: "ترانزيت" يعني أننا سننتظر قليلاً في المطار ثم نعود إلى الطائرة مرة أخرى.
ودخلنا نتجول قليلاً في الأسواق، وسألت أحد الموظفين ما هذه المدينة؟ فقال: بينانج (PENANG) وهي من المدن الماليزية السياحية المهمة وبعد نصف ساعة دعونا فصعدنا إلى الطائرة التي أقلعت بنا في الساعة الخامسة والدقيقة السادسة والثلاثين.
وكانت الطائرة تسير إلى الجنوب مع ميل قليل إلى الشرق مرةً على البحر وأخرى على اليابسة الخضراء (لأن الأرض كلها مكسوة بالغابات).
تمت مراجعة هذا الكتاب في 18 رمضان سنة 1426 هـ ـ 2005م
وصلى الله وسلم على سيدنا وحبيبنا ورسولنا محمد صلى الله عليه وسلم.