رحلات تايلاند (بانكوك)

الرحلات | سلسلة في المشارق والمغارب | 9 صفحة
صفحة 5 من 9 2- في مدينة فطاني

2- في مدينة فطاني

2- في مدينة فطاني

لا يوجد في مدينة فطاني إلا فندق واحد:

قلت للدكتور إسماعيل: عسى أن تكونوا حجزتم لي في فندق جيد؟
فقال: لا يوجد في مدينة فطاني إلا فندق واحد يسمى: مي جاردنس (MY GARDENSZ) فنزلنا في الفندق الوحيد.

منظر التقط من الفندق لجانب من فطاني
منظر التقط من الفندق لجانب من فطاني

وقلت للأخ إسماعيل: أخبرهم أنني أريد غرفة واسعة، فقالت الموظفة: الغرفة الواسعة أجرتها في اليوم الواحد أربعمائة وخمسون باتاً تايلندياً ـ يعني ثمانية عشر دولاراً أمريكياً، فقلت: لا بأس، وظهر أن الفندق نظيف والغرفة واسعة جيدة، بها طقم من المقاعد (كنب) وثلاجة وهي مكيفة بها هاتف، وكنت خائفاً أن يكون الفندق غير نظيف وأنا أنوي الإقامة أكثر من أسبوعين هنا.

متى يصحو المسلمون من نومهم؟

وبعد أن صلينا قال الأخ إسماعيل: نذهب إلى مطعم نتغدى ثم نعود، فتغدينا، والمطاعم النظيفة كلها بوذية، وقد أدهشني ذلك، وقلت للأخ إسماعيل: ألا يوجد أغنياء من المسلمين، وهم كثرة، ليقيموا مثل هذه المرافق؟ قال: يوجدون ولكنهم نائمون!
وتركني الأخ إسماعيل لآخذ راحتي ثم يعود بعد ذلك لنضع برنامجاً للزيارة.
وقد جاءني الأخ إسماعيل بعد المغرب وكتبنا المدن الموجودة في الجنوب والمؤسسات التي يمكن زيارتها في الجملة ولكن قبل الحديث عن برنامج الزيارة، لا بد من كتابة نبذة عن فطاني (المنطقة الجنوبية) ثم مواصلة كتابة المذكرات بعد ذلك.

نبذة عن منطقة فطاني:

قبل كتابة المذكرات التي كتبتها عن مدينة فطاني من خلال مقابلاتي لبعض المسلمين من علماء وزعماء جمعيات أو مؤسسات إسلامية، وكذلك المدن المجاورة لمدينة فطاني والضواحي القريبة أو البعيدة منها، قبل ذلك لا بد من كتابة نبذة عن فطاني:

تطلق فطاني إطلاقين:

إطلاق قديم يشمل المنطقة الجنوبية من تايلاند، وهي ـ في الأساس قطعة من شبه الجزيرة الملايوية أرضاً وتاريخاً ولغة وعادات وديناً، وكانت من حيث السياسة دولة مستقلة قديماً، كما أنها كانت دولة إسلامية مستقلة بعد أن فشا فيها الإسلام، وسيأتي الكلام عنها.
إطلاق حديث وهو يعني مدينة فطاني ـ وهي عاصمة محافظة صغيرة.
وهذا الإطلاق يعتبر إطلاقاً تايلاندياً، فحكومة تايلاند لا تطلق اسم فطاني إلا على هذه المدينة، أما المنطقة كلها فيطلقون عليها: محافظات الحدود الجنوبية، كما هو واضح من كتيب خاص طبع بعنوان: مركز إدارات محافظات الحدود الجنوبية، صدر في سنة 1988م باللغة العربية واللغة الإنجليزية واللغة التايلندية، وهو كتاب رسمي كتبه مدير مركز إدارة المحافظات الجنوبية (براكيت أوت تأموت).
وقد يطلق عليها رسمياً: المنطقة الجنوبية اختصاراً، كما في كتاب: تايلاند والعالم الإسلامي أصدرته الحكومة أيضاً كما سبق في بداية الكلام عن تايلاند.

فطاني الإسلامية:

[احترازاً من الإطلاق الرسمي الذي يقصد به الولاية الخاصة].
الموقع والمناخ: تقع منطقة فطاني بين خطي عرض 5 ـ 8 شمال خط الاستواء، حرارتها مرتفعة في الغالب، ودرجة حرارتها المتوسطة 25، وتختلف درجة الحرارة باختلاف المناطق ارتفاعاً وانخفاضاً، وهي دائمة الرطوبة لقرب البحر منها، وأمطارها غزيرة، وبها عدة أنهار، منها نهر فطاني، الذي هو أطول أنهار المنطقة، وينبع من عدة ينابيع من المناطق المرتفعة قرب الحدود الماليزية، يسير في مقاطعة جالا ويدخل في مقاطعة فطاني، ويصب في غرب مدينة فطاني.

حاصلات فطاني:

وهي ذات غابات وأدغال تغطي كثيراً من أراضيها، وأراضيها زراعية، بها كثير من أنواع الفواكه ومن أهم محاصيلها الرز والخضروات والذرة الشامية، والمطاط، وكذلك جوز الهند والأخشاب، وبها ثروة سمكية، ومن أهم ثرواتها المعدنية القصدير.
ولسنا في حاجة هنا إلى التوسع في تاريخ هذه البلدة أو غيرها من البلدان التي كتب الله لنا زيارتها فيما يتعلق بما قبل الإسلام، لما في ذلك من التطويل في غير محله، ولتوافره ـ في الجملة ـ في كتب التاريخ بلغات مختلفة، وإن كانت قليلة باللغة العربية.

متى دخل الإسلام إلى فطاني؟

والذي يهمنا هو: متى دخل الإسلام في هذه البلدان، ومتى انتشر فيها ومن أين وصل، ومن أوصله؟
أما الوقت الذي دخل فيه الإسلام فيصعب تحديده في بلدان شرق وجنوب شرق آسيا، وقد كانت هذه المنطقة التي تميز كلُّ بلد منها باسم يخصه في هذا العصر، كإندونيسيا وماليزيا وفطاني وبروناي وسنغافورة.... تسمى كلها بالملايو أو ماليزيا.
واختلفت الروايات التاريخية في وقت دخول الإسلام في منطقة الملايو، ومما لا شك فيه أن العرب كانوا على صلة تجارية قوية بالملايو في الجنوب، وبالصين في الشمال من قديم الزمان.
وبناء على ذلك فإن الفرض أن يكون تجار المسلمين قد وصلوا إلى المنطقتين: الملايو والصين في عهد الخلفاء الراشدين، وبخاصة في آخر هذا العهد، هذا بالنسبة لدخول المسلمين تجاراً في المنطقة، وبخاصة في الموانئ التجارية الواقعة على السواحل، مثل باساي في شمال سومطرة وكذلك آتشيه، وملقا في جنوب شبه جزيرة الملايو ـ ماليزيا حالياً ـ وكذلك ميناء سري فجايان، وهو ميناء يقع في شمال غرب ماليزيا الآن ـ غرب فطاني.
لكن لا يلزم من وجود التجار المسلمين في المنطقة في وقت مبكر دخول السكان في الإسلام ـ ولو عدداً قليلاً ـ فما كل تاجر مسلم يكون داعية إلى الإسلام، وما كل تاجر مسلم يكون قدوة حسنة لغيره يدعوهم إلى اتباعه ـ وإن كان الأصل في المسلم ذلك ـ ثم إن الناس شديدو الرغبة في بقائهم على أديانهم وعاداتهم والنفور ـ أو التمهل على الأقل ـ من دين جديد أو عادة أجنبية عنهم.
ويجوز أن يدخل في الإسلام أفراد من أهل المنطقة اقتنعوا به في سلوك صاحبة الوافد أو دعوته إياهم إلى الإسلام، وبخاصة الملتصقين بالمسلمين ممن تجمعهم مصالح مشتركة كالتجارة ومستلزماتها.
وتذكر بعض كتب التاريخ أن سيطرة العرب على التجارة في موانئ المنطقة، بدأت تظهر في أواخر القرن الثامن وأوائل القرن التاسع الميلادي في سواحل الملايو جنوباً، وكذلك في جنوب بحر الصين، وفي هذا الوقت كان العرب قد أصبحوا كلهم مسلمين، بل قد نقلوا الإسلام إلى بلاد فارس والروم.

من أدخل الإسلام؟

وهل العرب هم الذين نقلوا الإسلام مباشرة إلى المنطقة، أو الهنود الذين أصبحوا مسلمين في جنوب الهند أو شمال غربها، أو العرب والهنود معاً؟ هذا الأمر فيه خلاف بين المؤرخين ويبدو أنه لا تنافي بين ذلك، فالعرب هم الذين أوصلوا الإسلام إلى جنوب الهند وشمالها واستوطنوا هناك، وكانوا تجاراً كالهنود وكانوا يصلون إلى المنطقة عن طريق الهند من مستوطنيها، ومن سكان الجزيرة العربية مباشرة وبخاصة الحضارم.

من أين وصل الإسلام؟

أما من أين وصل الإسلام، فيتضح مما مضى أنه إما أن يكون وصل من الجزيرة العربية مباشرة عن طريق تجارتها، وإما من الهند ـ من جنوبها أو شمالها الغربي ـ وإما عن طريق الصين.
وأرى أنه لا مانع من أن يكون الإسلام وصل إلى الملايو من هذه الطرق الثلاث، ولكن الجزم بأن أول وصوله كان بإحداها فيه صعوبة.
وتذكر بعض الروايات ـ بالنسبة لفطاني ـ أن رجلاً يدعى الشيخ سعيد جاء إلى المنطقة في القرن التاسع الميلادي، وأنه عالج ملكها المسمى برأيا توانترا، وأنه دخل في الإسلام وأصبحت مملكته مملكة إسلامية آنذاك. [كتاب تايلاند والعالم الإسلامي ـ أصدرته الحكومة التايلاندية باللغة العربية].
ويستبعد بعض المؤرخين ذلك، ويرون أن الإسلام وصل إلى فطاني في القرن الخامس عشر الميلادي عن طريق ملقا من باساي [محمود شاكر، فطاني28]. ولكن هذا الاستبعاد يمكن أن يسلم فيما يتعلق بإقامة مملكة إسلامية تنفذ أحكام الشريعة، وتشتهر بذلك وتبعث الدعاة إلى الإسلام في المملكة وما جاورها، فهذا يحتاج إلى دليل يثبته لأن قيام مملكة إسلامية تقيم حكم الله فيها مهما صغرت لا بد أن يشتهر وتوجد بعض الأدلة والقرائن على وجوده.
أما إذا أخذ في الحسبان إسلام ملك أو أمير لبلدة صغيرة، وقد يسلم بعض أفراد حاشيته وبعض أتباعه إسلاماً طوعياً يتدرج به إلى المزيد من طاعة الله في نفسه، ولا يكره أتباعه على ذلك لأن الإكراه على الدين ليس مشروعاً، إذا أخذ هذا في الحسبان فما المانع من وجوده؟
والفرق الزمني (وهو ستة قرون) بين ما ذكر في هذه الرواية التاريخية وما ذكره محمود شاكر من وصول الإسلام إلى فطاني بعيد جداً.
مع أن بعض المؤرخين ذكروا أنه وجد أثر في ولاية كده (قدح) في شمال ماليزيا اليوم، يدل على أن قدح أصبحت مركزاً للدعوة الإسلامية في شبه جزيرة الملايو من منتصف القرن السابع الميلادي، وذلك باكتشاف قبر لمسلم يدعى شيخ عبدالقادر بن حسين شاه عالم والتاريخ المكتوب على القبر 291 هـ ـ 903م. [الدعوة الإسلامية في ماليزيا ـ الدكتور حسين عزمي والدكتور هارون دين ص 72الطبعة الأولى].
وذكر كذلك أن آثار المقابر الإسلامية حول قبر الشيخ، منتشرة في القرى وعلى ضفاف النهر في مساحة حوالي ميل مربع، وهذا يدل على أن له أتباعاً دخلوا في الإسلام من زمن بعيد ولكنهم من أفراد الشعب. [الدعوة الإسلامية في ماليزيا، المرجع السابق: ص 82].
ومعروف أن ولاية قدح هذه ليست بعيدة من فطاني، وقد يقال: إنه إذا دخل ملك في الإسلام فلا بد أن يوجد من آثاره ما يدل على إسلامه، والجواب أن ذلك وارد ولكن قد يحول بين كشفه حائل، وقد يكون الأثر موجوداً ولكنه مطمور، وقد يوجد في المستقبل، فالوقت طويل وكثير من الآثار لا تكتشف إلا بعد دهر طويل من الزمن، ويكتشف ما حدث بعدها وما قبلها.
وليس معنى هذه أني أثبت صحة الرواية المذكورة ولكني أرفض استبعاد حصولها.
فإذا ما ثبت ذلك يكون الإسلام قد وصل فطاني في القرن الأول الهجري تقريباً.
ويجب التفريق بين وصول الإسلام إلى البلد وانتشاره فيها، فوصول الإسلام يكون مبكراً، وانتشاره يكون متأخراً، وقد يصل وينتشر في وقت متقارب، والله أعلم.

سيطرة الإسلام على حياة الناس في فطاني:

وعندما تمكن الإسلام من فطاني في قلوب سلاطينها وشعبها، أصبح الإسلام هو المسيطر على حياة الناس، وأصبح الدين الإسلامي هو دين الدولة الرسمي، وسيطروا على الموانئ البحرية المجاورة، وأخضع المسلمون البحر والتجارة لهم، وكان السلطان ووزراؤه يفصلون في قضايا الناس.
ولكن الأمر يحتاج إلى وضوح أكثر في تنفيذ الشريعة الإسلامية، هل كانوا ينفذونها تنفيذاً عاماً شاملاً أو لا؟ ولم أر شيئاً في هذا مما وقفت عليه من المراجع المتيسرة.
يبلغ عدد سكان فطاني ـ المنطقة كلها ـ أكثر من ثلاثة ملايين نسمة من المسلمين، وأكثر من هذا العدد في مناطق تايلاند الأخرى في الوسط والشمال..
واللغة التي يتحدثون بها ويكتبون بها ويدرسون أبناءهم بها إلى الآن، هي اللغة الملايوية ذات الأحرف العربية، ومع أن الحرب مستمرة لهذه اللغة وحروفها ـ من قبل حكومة تايلاند، ومع أن أغلب الحكومات في الشعوب الملايوية قد غيرت الحروف من العربية إلى اللاتينية، ولم تبق الحروف العربية رسمياً إلا في سلطنة بروناي ـ فلا زال المسلمون في فطاني مع كل ذلك متمسكين بلغتهم وبحروفها العربية، وهي غنية بالمفردات العربية.
وقد قسمت فطاني ـ الآن ـ رسمياً إلى أربع ولايات، وهي:
فطاني، وبنغنازا، (ويسمى الآن ناراتيوات) وجالا وستول (وتسمى الآن ساتون) وتشمل جزءاً من مقاطعة سونكلا.
الاستعمار [الاحتلال] التايلاندي لمقاطعة فطاني والمقاومة الجهادية.
في أول القرن العاشر الهجري وأول القرن السادس عشر الميلادي احتل البرتغاليون ملقا، وبعده تحرك التايلانديون جنوباً، واحتلوا المقاطعات الشمالية من شبه جزيرة الملايو: قدح وفطاني وكيلانتون وترنجانو، ولكن فطاني استطاعت بقيادة سلطانها أن تستقل إدارياً عن تايلاند.
وجرت عدة محاولات من قبل تايلاند للاستيلاء على فطاني، وقامت بعدة هجومات عليها، ولكنها كلها كانت تبوء بالفشل، واستبسل المسلمون في الدفاع عن أرضهم ودينهم، مع قلتهم وقلة إمكاناتهم أمام كثرة عدوهم وإمكاناته.
وفي سنة 1201هـ 1786م أحكموا سيطرتهم على فطاني، وقسموها سبع ولايات لإضعاف المسلمين فيها.
فقام الأمير تنكو لميدين بالجهاد ضد المحتلين، ولكنه سقط شهيداً، وكان ذلك في سنة 1202هـ 1787م.
ثم عين الملك التايلاندي داتو فنكلان وزير بحرية فطاني حاكماً على فطاني، ولكنه أعلن استقلال فطاني وثار ضد التايلنديين سنة 1223هـ ـ 1808م إلا أن ثورته فشلت.
وعندما أحس التايلانديون أن المسلمين في فطاني لا يمكن أن يخضعوا لهم وأنهم متكاتفون وراء زعمائهم ضد المحتلين، قسموا المنطقة إلى ولايات صغيرة وشردوا زعماء المسلمين ووضعوا بجانب كل أمير مسلم مستشار تايلاندي ـ والهدف من ذلك مراقبة تحركات المسلمين وفرضوا ضرائب خضوع على الأمراء.
وفي سنة 1247هـ 1831م قام ولي عهد ملك قدح الأمير تنكو دين مع أربعة من أمراء فطاني بثورة ضد التايلانديين ولكن الثورة فشلت، واحتلت الجيوش التايلاندية ولاية قدح والإمارات الفطانية الأخرى، وعاثت في الأرض فساداً بتهديم الديار وقتل الرجال ونهب الأموال، وأسرت أربعين ألفاً من الإمارات وتم نقلهم إلى بانكوك، فوضعت بعضهم في السجون، وبعضهم جعلوهم يخدمونهم في الأرض مثل العبيد، ثم خطت الحكومة التايلاندية خطوة أخرى وهي إبعاد الأمراء الفطانيين عن إدارة البلاد، وتعيين حاكم تايلاندي على المنطقة التي ضمت إمارتها كلها في وحدة إدارية واحدة تتبع بانكوك مباشرة، وحاول الأمير تنكو عبد القادر قمر الدين أن يقاوم من أجل الاستقلال البلاد، ولكنه فشل واعتقل، وحاولوا حمله على التوقيع على التنازل عن حقه في الإمارة فرفض، كان هذا سنة 1320هـ 1902م.

المؤامرة الصليبية الوثنية:

وفي عام 1327هـ ـ 1909م تمت المؤامرة بين تايلاند وبريطانيا على المنطقة باتفاقية أصبحت بموجبها المنطقة (فطاني وسونكلا وستول وجالا) تسمى: تايلاند الجنوبية.
وفي سنة 1342هـ ـ 1923م نظم المسلمون أنفسهم وقاموا بحركة ضد تايلاند ورفضوا دفع الضرائب، ولكن حركتهم أخمدت، وقتل كثير من قادتهم وشرد كثير منهم وسجن كثير منهم مع التعذيب الشديد.
وفي سنة 1359هـ ـ 1940م اشتدت الفتنة على المسلمين فأغلق الأعداء مساجدهم ومدارسهم الدينية.
ثم جاءت الحرب العالمية الثانية واحتل اليابانيون البلاد سنة 1360هـ ـ 1941م المنطقة، ونظم الإنجليز حركة لمقاومتهم، فخدعوا المسلمين ووعدوهم بالاستقلال إذا طُرِد اليابانيون من البلاد فتعاون المسلمون معهم بقيادة أميرهم محمود محي الدين، ولكن وعود الإنجليز الماكرة تلاشت بعد اندحار اليابان سنة 1365هـ ـ 1945م.

مطالب المسلمين السبعة:

وفي سنة 1368هـ ـ 1948م قاد أحد العلماءِ المسلمين (الحاج محمد سولنج) للمطالبة بحقوقهم التي تتلخص في الأمور السبعة الآتية:
أولاً: تعيين حاكم مسلم على الولايات الفطانية يختاره المسلمون ويكون حراً في تصريف شؤونهم.
ثانياً: أن يستفيد المسلمون من محاصيل ولاياتهم ولا تؤخذ لخارج تلك الولايات.
ثالثاً: إقرار دراسة اللغة الملايوية في المدارس الابتدائية إلى السنة الرابعة.
رابعاً: أن يكون موظفو الولايات من المسلمين بنسبة 80%.
خامساً: أن تستعمل اللغة الملايوية بجانب اللغة التايلاندية في الإدارات الحكومية.
سادساً: أن تعترف الحكومة بشرعية المجلس الديني للولايات وحقه في إصدار القرارات المتعلقة بالأمور الدينية بموافقة الحاكم المسلم الذي يختاره المسلمون.
سابعاً: فصل القضاء الشرعي عن القضاء المدني في الولايات بحيث يكون القضاء الشرعي مستقلاً في إصدار الأحكام الشرعية.
ورفع المسلمون مطالبهم إلى الأمم المتحدة، طالبين منها التدخل لتحقيق تلك المطالب، فلم يجد المسلمون إلا الإهمال لمطالبهم، وقبضت الحكومة على العالِم وهو الحاج محمد سولنج وأربعة معه، وأودعوهم السجن ثم أفرجوا عنهم بعد ثلاث سنوات، وقاموا باغتيالهم. ويذكر الفطانيون أنهم ألقوهم بطائرة هليكوبتر في البحر.
ولم ييأس الفطانيون من المطالبة بحقوقهم، فتكونت عدة منظمات وأحزاب سياسية بقيادات متعددة، لم يحالفها التوفيق في إحراز نصر على العدو.

أسباب فشل المسلمين في الانتصار على عدوهم:

ومن أهم أسباب ذلك اختلاف الاتجاهات والانشقاق بين الجماعات وعدم التعاون فيما بينهم، بل إن بعض الجماعات تتهم باعتناق بعض المبادئ اليسارية، ولو أن هذه الجماعات اتحدت على كلمة الحق، وخططت لتربية المسلمين وتثقيفهم وتوعيتهم بالخطر، وإعداد العدة وصبروا حتى تقوى شوكتهم، وقاموا باتصالات مع المنظمات الإسلامية وبعض الحكومات الإسلامية لمساعدتهم، لربما وفقوا في أعمالهم ولكن بلاء المسلمين يكمن في نفوسهم، والله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، يضاف إلى ذلك ضعف المسلمين المادي أمام قوة العدو المادية.
خطط التايلنديون لتذويب المسلمين في فطاني بعدة أمور:
الأمر الأول: تهجير البوذيين من الشمال إلى المنطقة.
والهدف من ذلك إضعاف نسبة المسلمين في المنطقة التي كان أهلها كلهم مسلمين، واتخاذ البوذيين جواسيس على أهل البلاد، والاستعانة بهم ضد المسلمين عندما تحصل صدامات معهم، وللسيطرة على أكبر قدر ممكن من الأراضي السكنية والزراعية، ولنشر الثقافة البوذية وعاداتها.
الأمر الثاني: إضعاف المسلمين اقتصادياً.
وذلك باغتصاب الأراضي الخصبة وتسليمها للبوذيين، وبذلك تقل موارد المسلمين ونتاجهم ودخلهم، والقصد من ذلك إخضاع المسلمين للدولة بسبب فقرهم، لأن الفقر من أهم وسائل السيطرة على الشعوب.
الأمر الثالث: تغيير مسيرة التعليم.
عندما استولت تايلاند على فطاني كانت المدارس فيها إسلامية، أساتذتها فطانيون ولغتها الملايوية، وحروفها العربية، فأنشأت الحكومة مدارس تايلاندية، وأدخلت فيها التربية التايلاندية وقللت من شأن التربية الإسلامية، كل ذلك لإبعاد المسلمين عن دينهم وأغلقت كتاتيب المسلمين التي كانوا يعلمون فيها أبناءهم اللغة العربية ومبادئ الإسلام.
الأمر الرابع: إيجاد التنازع بين المسلمين وإفساد شبابهم.
هذا إضافة إلى محاولة نشر الفرقة والخلاف بين المسلمين ومنع دخول المسلمين من خارج فطاني إليها وخاصة الصحفيين، ومحاولة نشر الفساد بإقامة بيوت الدعارة الرسمية والملاهي وتعليم الرقص في المدارس.
الأمر الخامس: نشر الرعب والبطش بمن يخالف الدولة.
ونشر الرعب والخوف في الأهالي بالبطش والتنكيل والسجن والاغتيال واختطاف المدرسين، وحاصرت مساجد المسلمين وألغت التعليم الإسلامي فيها.
وكانت تتخذ أي وسيلة مزيفة لمضايقة المسلمين، فتتهمهم مرة بأنهم عملاء لإندونيسيا وهي دولة أجنبية وتعاقبهم على ذلك، كما أنها نسقت مع حكومة الفلبين، لتبادل الخبرات بين الدولتين في أساليب القمع للمسلمين، لتشابه الدولتين في وجود المسلمين في جنوب كل منهما، يرفضون الذوبان في المجتمع الوثني في تايلاند والمجتمع النصراني في الفلبين.
وتعاونت الحكومة التايلندية مع اليهود في فلسطين والصينيين في سنغافورة، بحيث تستقبل مدرسين يهود للتدريس في المدارس الفطانية، وتساعدها سنغافورة إعلامياً ضد المسلمين، ولقد استمر المسلمون الفطانيون يقاومون المحتل التايلاندي بتكوين فرق محاربة ولكن الخلاف بينهم أضعفهم.
وقوف رئيس وزراء ماليزيا تنكو عبد الرزاق ضد مسلمي فطاني.
إضافة إلى عدم وجود جهة قريبة تساعدهم، فماليزيا لم تكن تساعدهم، بل أعلن تنكو عبد الرازق بعد انتهاء حكم تنكو عبد الرحمن سنة 1970م أنه سيقمع أي حركة انفصالية تايلاندية بشدة، ولا توجد للفطانيين أرض مع أي دولة يمكنهم أن يفروا إليها إذا اضطروا إلا ماليزيا.
هذا مع العلم أن حلف جنوب شرق آسيا يضم ماليزيا وتايلاند، ومن أصعب العقبات التي تحول بين الفطانيين ومواصلة الكفاح الحصول على السلاح.
فقد أُسلم الفطانيون لعدوهم من قبل بعض المسلمين، ومن المنظمات الدولية كهيئة الأمم المتحدة، ولم يبق لهم إلا الله الذي خلقهم، وهو القادر على خلاصهم من سيطرة عدوهم. [هذه النبذة التي أثبتها هنا عن فطاني مأخوذة من كتيب (فطاني) للأستاذ محمود شاكر مع شيء من التصرف والإضافة والاختصار وسيأتي ما كتبته ميدانياً عن فطاني في زيارتي لها ومقابلاتي لعلمائها وزعماء مؤسساتها التعليمية وغيرها، وسيجد القارئ ما استجد في فطاني بعد زمن كتابة الأستاذ محمود شاكر لكتابه عن فطاني].

تعريف بالأخ الدكتور إسماعيل علي:

ولد سنة 1950م في مدينة ناراتيوات، وأخذ الشهادة الابتدائية من نفس البلدة، ودرس على يد أبيه مبادئ الإسلام لمدة أربع سنوات، وكذلك اللغة العربية.
ثم أكمل دراسته في مدرسة الترقية الإسلامية في بلدته.
وفي سنة 1969م ذهب إلى المدينة المنورة والتحق بالجامعة الإسلامية، وبدأ دراسته من السنة الثالثة في المرحلة المتوسطة التابعة للجامعة، وواصل دراسته في المعهد الثانوي التابع للجامعة.
وفي سنة 1973م التحق بكلية الشريعة، ومع دراسته فيها واصل دراسته في كلية الدعوة وأصول الدين انتساباً، وتخرج من الكليتين سنة 1977م وحصل على شهادة الماجستير في قسم الدارسات العليا بالجامعة نفسها سنة 1981م وكان موضوع رسالته الملكيات الخاصة، ونال درجة الدكتوراه من نفس القسم سنة 1985م، وموضوعها الحقوق المتعلقة بالتركة (وكنت أحد المناقشين لرسالته).
وهو الآن يُدرّس في كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية في جامعة الأمير سونكلا (وهي جامعة حكومية) في فطاني.
وفيها فرع للدارسات الإسلامية، ويتوقع أن يكون هذا الفرع كلية باسم كلية الدراسات الإسلامية.
وقد وافق على إنشائها مجلس الوزراء، وينتظر صدور مرسوم ملكي بذلك.
قال الأخ إسماعيل: محافظات جنوب تايلاند (فطاني) هي:
1 ـ فطاني. 2 ـ جالا. 3 ـ ناراتيوات. 4 ـ ستول. 5 ـ سونكلا.
وقال: في فطاني يمكن زيارة المجلس الإسلامي، والمدرسة الرحمانية ومعهد التربية، والمعهد الإسلامي، ومركز الدراسات العالي، وجامعة الأمير سونكلا (فرع الدراسات الإسلامية) والمعهد الإسلامي.
وفي جالا يمكن زيارة الكلية الإسلامية (ومعهد نهضة العلوم) ومعهد البعثات الدينية، والمجلس الإسلامي.
وفي ناراتيوات: المجلس الإسلامي، ومدرسة الترقية الإسلامية والمؤسسة الخيرية الإسلامية. [وقد زرت أغلبها كما يأتي].

الموافقة على اعتماد الكلية:

هذا وقد كتب لي الأخ إسماعيل علي خطاباً بتاريخ 25شوال 1410هـ أخبرني أن الموافقة الرسمية قد صدرت في الجريدة الرسمية على اعتماد هذه الكلية، وهذا نص خطابه:
بسم الله الرحمن الرحيم
فضيلة أستاذي الدكتور عبد الله أحمد قادري الأهدل، حفظه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بعد التحية والاحترام
فقد تسلمت بعد أيام من مغادرتكم فطاني مجموعة من مؤلفاتكم القيمة، وأخذت أطالعها واحدة تلو الأخرى، وما أحوجني إلى الاستزادة بمثل هذه المؤلفات لمواجهة التحديات الفكرية والواقعية التي أعيشها اليوم، فجزاكم الله خير الجزاء، وأرجو أن تستمروا بتزويدي بآخر إنتاجكم العلمي والفكري.
وأود أن أحيطكم علماً بأن مشروع كلية الدراسات الإسلامية بجامعة الأمير سونكلا شطر فطاني قد خرج إلى حيز الوجود، وذلك بعد موافقة مجلس الوزراء على المشروع وأعلن في جريدة رسمية في أواخر عام 1989م، كما تم تعييني من قبل مجلس الجامعة عميداً لهذه الكلية الوليدة، وأصبحت المسؤول الأول عنها لفترة أربع سنوات، كما هو متبع في أنظمة الجامعات التايلاندية.
وأتطلع الآن إلى إيجاد علاقة تعاون ـ أو بعبارة أدق العون من الجامعة الإسلامية ـ بوصفي ابنا للجامعة حيث درست فيها من المتوسطة إلى الدكتوراه، ويكون التعاون على شكل تبادل الزيارات وإقامة مشاريع مشتركة تمولها الجامعة ومساعدة الجامعة في تطوير الكوادر العلمية للكلية ونحوها من النشاطات التي تعود بالنفع على المسلمين في تايلاند، ولا أدري ما مدى إمكانية مثل هذا الأمر.
ومن حيث مقدرة الكلية الآن، فإنها لا زالت في البداية، ولها خمسة من المدرسين وعدد من الإداريين، ومنهج دراسي واحد فقط، غير أننا أعددنا مشروعاً لفتح أربعة تخصصات أخرى هي الشريعة وأصول الدين والتربية الإسلامية والاقتصاد الإسلامي، وسيتم هذا في خلال ست سنوات بإذن الله، مع زيادة في الكوادر العلمية والإدارية، رغم أني أتوقع الصعوبة في الحصول على المدرسين الكفء [الأكفاء] من حملة الماجستير في التخصصات المختلفة، لكني سأحاول قدر الإمكان في تنفيذ هذا المشروع، كما سأحاول جهدي لتكون الكلية مؤسسة علمية لخدمة الإسلام والمسلمين في البلاد.
وأخيراً تفضلوا بقبول تحياتي وسلامي مع رجاء إبلاغ تحياتي لمعالي رئيس الجامعة الإسلامية ورئيس قسم الدراسات العليا.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
في 25شوال 1410هـ.
ابنكم
د. إسماعيل علي. [أدرجت خطاب الأخ الدكتور إسماعيل على، لأنه وثيقة تثبت إنشاء الكلية المذكورة، وهي أول كلية حكومية من نوعها في تايلاند، كما أنه أول عميد لها].
وفي جالا يمكن زيارة الكلية الإسلامية، ومعهد نهضة العلوم، ومعهد البعثات الدينية، والمجلس الإسلامي.
وفي ناراتيواس: المجلس الإسلامي، ومدرسة الترقية الإسلامية، والمؤسسة الخيرية الإسلامية. [وقد زرت أغلبها كما سيأتي].

خواطر عن موضوع البلاغ المبين الذي أود الكتابة فيه:

وبعد أن ذهب الدكتور إسماعيل علي من عندي، جال بخاطري موضوع البلاغ المبين، وأخذت أفكر في مسيرة حياتي الدراسية والدعوية، والمشكلات التي واجهتني من أول سنة بدأت أطلب العلم فيها في سامطة من سنة 1374هـ.
حيث تعلمت شيئاً يسيراً من نصوص القرآن والسنة ومبادئ التوحيد والفقه، وكنت في أيام الإجازات الصيفية أرجع إلى بلدي في اليمن، فأعلنتها حرباً شعواء على الشركيات والبدع والخرافات بحدة وعنف، وكنت أظن أن الواجب عليّ وقد عرفت الحق الذي يجهله الناس أن أجفف منابع البدع والخرافات والشركيات بيدي، وفهمت من قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده...)) الحديث أن الاستطاعة هي قدرة الإنسان على التصدي للمنكر ليزيله بيده ولو كان في ذلك حتفه، ولو ترتب عليه ما ترتب، لعدم اطلاعي على فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وشروط وجوبهما، وأنه إذا ترتب على المنكر المزال ما هو أنكر منه فلا يقدم عليه، كما كنت لا أعلم أنه لا يحكم على الإنسان بالشرك إلا إذا أقيمت عليه الحجة وعاند، ولذلك كنت أحكم على كل من أرى أن عمله شرك أنه مشرك، ورتبت على هذا الحكم آثاراً من الأحكام، فإذا مات لا يصلى عليه ولا يرث ولا يورث ولا تؤكل ذبيحته.
وألفت في ذلك رسالة نظماً مع التعليق عليه نثراً، وفيها من الأسلوب الشديد ما فيها، وسميتها: بهجة القلوب بتوحيد علام الغيوب، واطلع عليها سماحة والدنا العلامة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز وطبعها وبعث بها إلى اليمن فوراً لتوزيعها، فأحدثت ضجة شديدة، ونفع الله بها بعض الناس وعاداني بسببها أكثر الناس، وبخاصة بعض أقاربي الذين دامت القطيعة بيني وبينهم ما يزيد على أربع سنوات، وكنت أظن أن أسلوبي هذا هو أسلوب الأنبياء والرسل الذي اتخذوه في تبليغ الناس.
ولكني كلما ازددت قليلاً من العلم كنت أفكر في ذلك الأسلوب، وأرى أنني أحتاج إلى مراجعة نفسي في ذلك، وغلب على ظني أنني لو كنت اتخذت في دعوتي أسلوب اللين والحكمة والمجادلة بالحسنى لنفع الله الناس بدعوتي أكثر، وأن أسلوبي نفر الناس مني أكثر مما قربهم إليّ، وتأملت كثيراً في قول الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ..} [آل عمران: 159]، وقوله تعالى لموسى وهارون عندما بعثهما إلى فرعون: {فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى }[طه:44]، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((ما جاء اللين في شيء إلا زانه، وما جاء العنف في شيء إلا شانه)).
قارنت بين معاني هذه النصوص وأشباهها وبين ما كنت أتبعه من أسلوب فندمت، ولكن تذكرت في نفس الوقت صغر سني وقلة علمي واعتقادي بأني على حق في كل ما فعلته، فخفف ذلك من ندمي، لأن الله سبحانه وتعالى لا يكلف نفساً إلا وسعها، ولم يكن بوسعي إلا ذلك في ذلك الوقت، إضافة إلى ذلك تذكرت أن الدافع لي إلى اتخاذ ذلك الأسلوب لم يكن إلا الإشفاق على الناس ومحبة الخير لهم وتنفيذ أمر الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فما كنت أطمع في سمعة ولا جاه ولا أتباع، بل كان الأمر بالعكس يوافقني واحد ويحبني ويكرهني العشرات من الناس، وإن كانت الثمرة جيدة فيما بعد.
وكان قد سبقني إلى المنطقة بعض طلبة العلم من أهل البلد درسوا في سامطة قبلي بسنين كثيرة، ودعوا أهل قريتهم إلى التوحيد، ولكن دعوتهم لم تجاوز قريتهم، أما أنا فلم أزل أتنقل في شهور الإجازة الصيفية من قرية إلى أخرى في كل المناطق التي استطعت الوصول إليها، وجبت الأسواق لمطاردة السحرة والكذابين والمنجمين، ومطاردة الراقصات وحملة الثعابين الذين يدجلون على الناس، وكنت في أول الأمر وحيداً أحمل سيفاً بدون غمد أريد أن أقاتل به من يخالفني، ثم يسر الله لي فيما بعد من كان يقف بجانبي في بعض الأحيان على حذر.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد فقد سافرت إلى الحديدة والتقيت بمن يسمى في ذلك الوقت: رئيس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا أذكر من اسمه إلا لقبه (الشرفي) وهو أحد علماء الزيدية عينه الإمام أحمد في هذا المنصب، ولم يكن له أثر يذكر إلا بعض النصائح والخطب التي يلقيها في جامع الحديدة، وذكرت له المنكرات الموجودة وطلبت منه أن يزودني بأمر إلى ولاة الأمر في منطقتي ليساعدوني ففعل، وعندما عدت إلى منطقتي اتصلت بقاضي البلدة ـ ولا أذكر من اسمه إلا لقبه (المضواحي) ـ وسلمته الأمر فوعدني بالمساعدة، وكنت أطلب منه بعث جنود إلى السحرة والمنجمين ومن يسمون بمشايخ الزار، الذين يزعمون أنهم يشفون المرضى عن طريق آلات اللهو كالدفوف والمزامير والرقص، وكذلك الذبائح للشياطين وشرب المرضى دماء الذبائح، وطلبت منه أن يؤدبهم، وكان يفعل ذلك ويسجن أمثال هؤلاء ثم يخرجهم بشفاعات وربما برشوات.

مظاهر دعوية وتصرفات عدوانية:

هذه الأساليب كنت أتبعها وأظن أنها هي المشروعة وواصلت الدعوة: قراءة وتعلماً على يد بعض العلماء، وخطابة وتغييراً باليد ـ مع المبالغة في ذلك حسب فهمي لمعنى الاستطاعة ـ حتى هاجرت إلى المدينة المنورة في أول سنة 1382هـ ـ 1962م فوجدت طائفة من نوع آخر ممن يزعمون أنهم دعاة، قوم يظهرون الحماس الشديد للدعوة وأنهم وحدهم على الحق، ومن كان خارج صفهم على الباطل، ولم يكتفوا بذلك، بل خدعوا بعض دعاة الخير بلباقة وذكاء حتى استظلوا بظلهم، وأخذوا يتهمون رجالاً آخرين بالتصوف والخرافات والبدع، وانضويت في صف هذه الطائفة، ثقة بمن تستظل به من جهة وبحماسها من جهة، ثم اكتشفت أن بعض متصدريها يكذبون ويتأكلون يرومون أن يتقربوا إلى أهل الخير الذين يظنون أنهم يستفيدون منهم مادياً بالطعن في غيرهم واغتيابهم وإسقاط اعتبارهم، ففارقتهم بعد مصارحتهم مصارحة واضحة مني ومن بعض زملائي الذين لا يزال كثير منهم على قيد الحياة.

لا بد للطالب من شيخ يصقله:

ويسر الله لي أن أدرس على علماء أجلاء في قاعات الدرس الرسمية في الجامعة الإسلامية من أمثال العلامة الكبير الشيخ محمد الأمين الشنقيطي الذي درست على يديه مادة التفسير وهو أهل لها أربع سنوات، ومادة أصول الفقه لمدة ثلاث سنوات، فازدادت معلوماتي وفقهي في دين الله، كما حضرت له بعض دروسه الرمضانية في التفسير التي كان يداوم عليها من بعد صلاة العصر إلى المغرب في المسجد النبوي، وتتلمذت على سماحة والدي وشيخي العلامة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، وهو نائب رئيس الجامعة، ثم رئيسها، في المسجد النبوي في الحديث وعلومه والتفسير والتوحيد وغيرهما، كما استفدت من ملازمته ومصاحبته في منزله وفي مكتبه بالجامعة، لأني كنت مسؤولاً عن شؤون الطلاب في الجامعة في عهده، بل قد صاحبته في الرحلات الطلابية والمخيمات التي كنا نقيمها لطلاب الجامعة في المناطق الأثرية المحيطة بالمدينة المنورة، كبدر وأحد وخيبر، وغيرها، فأكسبتني القدوة الحسنة منه صفات أخرى، ونبهني بلسان الحال والقال، على أخطاء كانت تصدر مني كنت أظنها صحيحة.
والتقيت علماء ومفكرين ودعاة آخرين، من داخل المملكة ومن خارجها فتوسعت المدارك أكثر.
ثم انفتحت لي نافذة أكبر فقمت برحلات عالمية شرقاً وغرباً في البلاد الإسلامية وغيرها، وزرت مراكز وجمعيات وزعماء منظمات إسلامية، وحضرت مؤتمرات، والتقيت مسلمين حديثي عهد بالإسلام من بلدان مختلفة وغير المسلمين، واطلعت على مناهج الجماعات الإسلامية المختلفة، فظهر لي منها الإيجابي والسلبي، وعرفت كيفية دعوة هؤلاء وهؤلاء، كما عرفت سبل وصول الإسلام إلى غير المسلمين، صحيحة كانت أم غير صحيحة، وماذا وصلهم من معاني الإسلام وهل وصلهم مشوهاً أو سليماً، وقمت بحوارات تتعلق بالدعوة مع كل هؤلاء، ثم كنت إذا قرأت القرآن أتأمل بعض آيات الدعوة والبلاغ، فتَكَوَّن عندي من ذلك أسئلةٌ كثيرة حول معنى البلاغ المبين الذي كلف الله رسوله وأمته القيام به، وهل هو قائم في هذا العصر كما يريده الله أو لا؟ ومن المسؤول عنه؟ وما جوهره؟ وما وسائله؟ وما يترتب على وجوده أو عدم وجوده غير كامل؟ فعزمت على الكتابة في هذا الموضوع وطلبت من الجامعة رسمياً الموافقة على تفريغي سنة من أجل جمع مادته ومحاولة الكتابة فيه، ووضعت خلاصة الأسئلة التي دارت بذهني، لألقيها على العلماء والمفكرين وأحاورهم فيها وأجمع ما تيسر ليكون مرجعاً لي ضمن المراجع الأصلية: الكتاب والسنة والسيرة النبوية.
وقد بدأت أتصل ببعض العلماء في داخل المملكة العربية السعودية وخارجها، فيما يتعلق بهذا الموضوع، لكني واجهت صعوبات، في ذلك حيث أجد بعض العلماء مشغولين وبعضهم يعتذرون ويعدون بالكتابة في الموضوع وقليل من يتجاوب فيجيب، وما كل إجابة مفيدة والله المستعان. [ممن استجاب للإجابة عن بعض الأسئلة سماحة الوالد الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، جزاه الله خيراً].
على كل حال جالت بذهني هذه الأفكار بعد ذهاب الدكتور إسماعيل علي من عندي، فسجلتها قبل النوم حتى لا تذهب بدون تقييد.