1- في مدينة شانج ماي (CHIANG MAI)
1- في مدينة شانج ماي (CHIANG MAI)
في محطة القطار:
الثلاثاء: 24/11/1409هـ ـ 27/6/1989م
وقف بنا القطار في محطة شانج ماي في الساعة الثامنة والنصف صباحاً، فكانت مدة سيره ـ مع وقفات قليلة جداً في بعض المحطات ـ اثنتي عشرة ساعة ونصف الساعة.
وكان الإخوة قد اتصلوا بمدير مدرسة التقوى وأخبروه بقدومي فوجدناه في المحطة الأخ مصطفى سوركيت ـ سيأتي التعريف به ـ وولد مدير المدرسة الأخ علي، وهو طالب يدْرس في كلية الدعوة وأصول الدين في الجامعة الإسلامية، وقد وصل البارحة من المدينة لقضاء الإجازة الصيفية في بلده، وهو قد نجح من السنة الثالثة إلى الرابعة.
وجدناهما في استقبالنا، وقالا لي: إن مدير المدرسة قد أعد لك مكاناً في المدرسة لتنزل فيه، فاعتذرت وأخبرتهم بأنه قد حجز لي في فندق في المدينة يسمى دويست إن (DUSIT INN) عن طريق فندق شيراتون في بانكوك، وطلبت منهما أن يأذنا لي بالراحة لحاجتي إليها لأني لم أنم ومدة السفر كانت طويلة، فقالا لي: لا بأس وسنأتيك في الساعة الثالثة مساء لتتناول طعام الغداء في المدرسة.
ونزلت في الفندق ويعتبر من أفضل الفنادق الموجودة في هذه المدينة (درجة أولى).
والأخ مصطفى سوركيت حسن متخرج من كلية الدعوة وأصول الدين في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة سنة 1400هـ.
ولد سنة 1951م في شنغهاي.
درس في دار العلوم الإسلامية ـ سبق التعريف بها ـ ثم التحق بالمعهد الثانوي بالجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، ثم بكلية الدعوة فيها، وهو متزوج وله بنتان، ويدرِّس الآن في مدرسة التقوى، وهو وحيد ـ من طلاب الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة ـ أي من الذين تخرجوا وبقي في هذه البلدة.
وكان له زملاء آخرون تخرجوا معه ولكنهم رجعوا إلى المملكة العربية السعودية للعمل فيها.
وكان الأخ مصطفى يرغب في التعاقد مع الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، أو مع رابطة العالم الإسلامي في المملكة العربية السعودية، ليكون داعية كغيره يستعين بالراتب الذي يخصص للدعاة ولكنه لم يتيسر له.
زيارة مدرسة التقوى:
وجاءني الأخوان مصطفى وعلي في الساعة الثالثة في الفندق حسب الوعد، وذهبنا إلى المدرسة حيث التقيت الشيخ عبد الرحمن الصيني ـ سيـأتي التعريف به ـ الذي رحب بي ترحيباً حاراً، وهو رجل كريم بشوش جاد، والجد عادة للصينيين إذا أحسوا بالحرية في تصرفاتهم ـ يعني لم يكونوا تحت السيطرة الشيوعية ـ وتناولنا طعام الغداء.
مع بعض الطلاب البرماويين:
ووجدت من بين طلاب المدرسة طالبين برماويين وهما سليمان بن علي، المولود سنة 1967م في بورما.
درَس قليلاً في المسجد، وزميله أبو بكر إسماعيل المولود سنة 1967م ودرس كزميله سليمان قليلاً عن الإسلام في المسجد، وقد خرجا من بلادهما سنة 1989م مهاجرين لطلب العلم والفرار من ضغط الحكومة الشيوعية في بورما.
قال الأخ أبو بكر: إن عدد المسلمين في قريته خمسمائة تقريباً وقال الآخر سليمان: إن عدد المسلمين في قريته ألفان، ونسبة المسلمين في بورما 70% تقريباً، ومع هذه النسبة فإن الحكومة تضايقهم مضايقة شديدة في بعض المناطق، إلا أن عندهم نوعاً من الحرية في مساجدهم، وفي هذه الأيام توجد بعض المدارس الخاصة بالمسلمين.
والمشكلة التي تعترضهم من قبل الحكومة هي أنهم يريدون تطبيق الإسلام بصفة عامة والحكومة تعارضهم في ذلك، والحكومة تقبض على كل المرافق المهمة: الاقتصادية والسياسية والإعلامية والتعليمية والأمن والجيش، ويوجد قليل من المسلمين في بعض الوظائف الحكومية.
وقال الإخوان: إن المسلمين متمسكون بإسلامهم ويدرسون أبناءهم الإسلام ويربونهم عليه ويحفظ كثير من أبنائهم القرآن الكريم.
ويوجد بعض الأغنياء من المسلمين، ولكن الحكومة تصادر أموالهم والبوذيون أكثر تعلماً للعلوم العصرية [وهذا حالهم في غالب البلدان مع غير المسلمين الذين يستولون على مقاليد الأمور دونهم]. وأكثر المسلمين في بورما مهاجرون ـ أصلاً ـ من بنغلاديش وباكستان والصين الشعبية.
والحكومة تمنع المسلمين من دخول الجامعات لخوفها منهم إذا أصبحوا مؤهلين.
الاجتماع الأول بالشيخ عبد الرحمن إسحاق الصيني:
وهو مدير مدرسة التقوى، ولد سنة 1914م أي أن عمره الآن 75سنة.
ولد في إحدى قرى منطقة يونان في الصين.

درَس اللغة الصينية في نفس القرية، وعندما بلغ خمسة عشرة عاماً بدأ يدرس اللغة العربية كما درس القرآن الكريم ومبادئ الإسلام.
تزوج وعمره تسعة عشر عاماً في ديسمبر 1933م، واشتغل بالتجارة إلى أن صار عمره 22 سنة، وبعد أن جمع مبلغاً من المال طلب من أخيه أن يبقى في البيت وهو يسافر إلى بلد آخر، ليواصل دراسته عند عالم كبير في إحدى القرى، فوافق أخوه على ذلك، وسافر هو فدرس على ذلك العالم لمدة سنة، ثم طلب أخوه منه الرجوع للمشاركة في التجارة لأنه لا يستطيع وحده القيام بها.
فرجع وتشاور مع أخيه في بناء مدرسة فوافق أخوه على ذلك وبدءا بناء المدرسة، وسميت: نور محمد، وطلب من أستاذه الذي كان يدرس عنده أن يأتي ليدرس في هذه المدرسة، فوافق ونقل مكتبته معه فكان يدرس اللغة الصينية واللغة العربية، ثم توفي بعد ثلاث سنوات. فبحث عن أستاذ أخر ودرس عليه اللغة العربية، ثم توفي كذلك بعد ثلاث سنوات. قال الشيخ عبد الرحمن: وهذان الأستاذان كانا من كبار الأساتذة في الصين تلك الأيام.
قال: وفي أثناء الست سنوات هذه نجح في التجارة وأصبح مشهوراً في القرية بأنه تاجر صغير.
وطلبوا منه أهل القرية أن يرشح نفسه لينتخبوه عضواً في لجنة الشعب.
قال وذلك برغبة منهم وليس بشراء ضمائرهم، كما يفعل الناس في أكثر البلدان، واختير في هذا المنصب الذي بقي فيه سنة واحدة.
قال: وكانت قبل ذلك حصلت مشكلة بين الحكومة وأهل البلد، فحل هو تلك المشكلة، ورغبت الحكومة لتستفيد منه وتكافئه بأن توظفه وظيفة أكبر، ولكنه رفض هو ذلك، لأنه يفضل التجارة على الوظيفة، ولذلك سافر إلى بورما، فكان ينتقل بينها وبين بلاده في التجارة.
وفي هذا الوقت دخل اليابانيون في معارك الحرب العالمية الثانية من سنة 1929 ـ 1930م ودخلوا بعد ذلك في بورما سنة 1942م.
وكان المسلمون في الصين في تلك الفترة عندهم حرية في التدين في مساجدهم وتدريس أبنائهم الإسلام، وإن كانت الحكومة ـ وهي بوذية ـ لم تساعدهم.
الثورة الشيوعية:
وبعد انتهاء الحرب مع اليابان بدأت الحرب القومية في الصين سنة 1946م ـ 1947م بين ماو تسي تونج، وتشنج خاني تشك.
وكانت الفوارق بين الناس كبيرة، منهم الغني غنى فاحشاً ومنهم الفقير الفقر المدقع وهم الأكثر.
فاغتنم ماو ذلك وقام بالثورة وحرض الناس على الأغنياء، وقف تْشِنْجْ ضد ماو، وكان عبد الرحمن في صف هذا، وطلب منه تشنج أن يكون رئيساً للجيش في منطقته وعددهم حوالي أربعمائة ألف فرفض عبد الرحمن ذلك، لمعرفته بأن الشعب في صف الثورة ضد الأغنياء الذين تساندهم الحكومة الوطنية وأكثر الناس ضد هذه الحكومة.
وفي سنة 1959م أصبحت الصين شيوعية فسيطر عليها ماو وحزبه.
وفي هذه السنة انتشر الجواسيس في البلد وأرادوا القبض على عبد الرحمن، ولكن رئيسهم أمرهم أن يتركوه لأنه يريد أن يستغل عبد الرحمن للعمل معه، ليحل لهم بعض المشكلات ويمكنهم بعد ذلك القبض عليه.
فلما علموا أنه يفكر في الهجرة عن البلد قبضوا عليه، وذهب أخوه يتشفع فيه فأطلقوا سراحه، وكانوا في أثناء القبض عليه عرضوا عليه منصباً كبيراً فرفض ذلك.
وبعد الإفراج عنه مكث ليلة واحدة هرب بعدها إلى بورما.
وفي نفس السنة ذهب إلى الحج في طائرة إلى العراق ثم إلى الحجاز (المملكة العربية السعودية) وآخر سنة ذهب فيها إلى الحج هي سنة 1979م.
قال: وكانت الحجاز في حجته الأولى متأخرة جداً، بيوتها من الطين والطرق كانت غير ممهدة، بل مليئة بالحجارة أما في حجه الأخير فكانت قد تطورت كثيراً.
الهجرة إلى شانج ماي وإنشاء المدرسة:
وبعد رجوعه من الحج ـ في المرة الأولى ـ إلى بورما وجد صعوبة في البقاء في بورما فسافر إلى تايلاند سنة 1951م فنزل بهذه البلدة (شانج ماي) فرأى أحوال المسلمين فيها سيئة لا يعرفون دينهم ويذوبون في المجتمع البوذي والنصراني، وليس عندهم من الإسلام إلا الاسم.
وكان ماو في الصين يعذب العلماء والأساتذة من المسلمين، فأراد عبد الرحمن أن يشكر الله على نجاته ويقوم بإنشاء مدرسة للمسلمين، وبخاصة أولادهم الصغار فاشترى الأرض للمسجد ـ وهو بجانب المدرسة الآن ـ ثم أراد بناء المدرسة فبحث عن أولاد المسلمين وجاء أبو مصطفى ـ وهو الآن من أساتذة المدرسة ـ فاتفقا هو وأبو مصطفى على بعث مصطفى واثنان معه لطلب العلم في أيوتيا، وكان ذلك في سنة 1965م والاثنان اللذان ذهبا معه هما محمد شريف وشهري.
فدرسوا الإسلام في مدرسة (الإسلام سي آيوتيا) وكذلك العلوم العصرية، ثم واصلوا الدراسة في دار العلوم الإسلامية باللغة العربية، وذهب بعد ذلك مصطفى إلى الجامعة الإسلامية في المدينة، وهو الآن أستاذ في المدرسة وداعية، ورجع زميلاه.
وكان الناس يخافون من بعث أبنائهم للدراسة في تلك الأيام إلى بانكوك لأنهم لا يدرون عن أوضاعهم المعيشية هناك كما أن الفيضانات كانت بين حين وآخر تحدث خسائر في الأرواح قرب المدرسة، ولكن أبا مصطفى كان قوي الإيمان وكذلك وليا أمر زميليه، ولذلك توكلوا على الله وبعثوهم للدراسة، فكان ذلك سبباً في تشجيع الناس على بعث أولادهم للدراسة، وعندما وجد من يمكن أن يقوم بالتدريس بدأ عبد الرحمن يفكر في المال الذي تبنى به المدرسة والمسجد، فجمع أصدقاءه وتحدث معهم في ذلك فاتفقوا على شراء أرض للمدرسة وبناء المسجد، فبنوا المسجد وافتتح سنة 1970م وبنيت مدرسة صغيرة وافتتحت سنة 1973م.
طلحة الأنصاري المدني فاتحة خير لتايلاند:
ثم جاء الشاب المدني طلحة الأنصاري [جلسنا أنا وهو على مقعدين متجاورين في الدرجة الأولى على الطائرة السعودية عندما سافرت إلى إندونيسيا عام 1426هـ ـ 2005م ولم أكن قد عرفته من قبل فتعارفنا عندئذ] ورأى ضيق المدرسة فقام ببناء مسكن للطلاب غير مكان الدراسة وساعد في توسعة بناء المسجد.
وعندما رجع إلى المدينة أخبر والده الشيخ عبد الرحيم الأنصاري، بما رأى من حاجة المسلمين هنا إلى المساعدة ببناء المدرسة والمال الذي ينفق عليها لتستمر فجاء الشيخ عبد الرحيم بنفسه وشاهد الحالة سنة 1982م، فاشترى الأرض الموجودة الآن وأنشأ المبنى السكني التجاري على ثلاث مراحل وفيه 34 شقة وجعله وقفاً على المدرسة، ثم بنى القسم الداخلي سكناً للطلاب وفيه ثمانية وعشرون غرفة، وفي أسفله مستوصف للعلاج ومكاتب إدارية ومكتبة وغرفة مراقبين، وعدد الطلبة الآن مائة واثنان وستون في القسم الداخلي، منهم ثمانية وسبعون من البنين، وأربع وثمانون من البنات.
وعدد المدرسين عشرة: سبعة رجال، وثلاث نساء.
والمدرسة مرحلتان: المرحلة الابتدائية أربع سنوات، والمرحلة المتوسطة ثلاث سنوات.
40% من الطلاب من شانج ماي، و30% من بورما، وأصلهم من الصين و30% من وسط تايلاند.
ومنهج المدرسة هو المنهج السعودي وبخاصة منهج اللغة العربية ـ من مقررات الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، وعندهم كتب عربية للناشئين من وزارة المعارف السعودية صوروها ووزعوها على الأساتذة والطلاب والمدارس الأخرى في المنطقة.
وطلب الشيخ عبد الرحمن من الجامعة الإسلامية أن تهتم بالمنطقة، وتخصص للمدرسة منحاً دراسية لأن المنطقة تخدم الطلاب في شانج ماي والصين وبورما حيث يأتي من البلدين مهاجرون من الطلاب، وكذلك لو تيسر بعث مدرسين من قبل الرابطة والرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد في المملكة العربية السعودية.
معلومات عن الصين الشعبية من الشيخ عبد الرحمن:
وطلبت من الشيخ عبد الرحمن أن يزودني ببعض المعلومات عن الصين وما خلفته فيها ثورة ماو، فأدلى بما يأتي:
قال: من سنة 1950 ـ 1976م كان الصين تحت سيطرة الحكومة الشيوعية المادية ـ أي ستة عشر سنة.
أول ما قام ماو بالثورة قال الناس: إنه سيأخذ المال من الأغنياء ويوزعه على الفقراء حتى يتساووا، ولكنه أخذ أموال الأغنياء ولم يعط الفقراء، فساوى بين الأغنياء والفقراء في الجوع والمسكنة.
وقتل حوالي عشرة ملايين في الصين كلها، ومات بسبب الجوع سبعة ملايين، وبعد ذلك كانت الحكومة تعطي الناس شيئاً من الطعام لسد رمقهم.
وأمروا الناس بالعمل الزراعي وأخذوا المحاصيل وهدموا دور الكتب وأحرقوا الكتب والمصاحف والكتب البوذية كذلك.
كانت المساجد في الصين 45 ألف مسجداً فصادروها وجعلوها مصانع ومسارح وبيوت سينما، أنشأوا بيوت المياه في محاريبها إهانة لها وإغاظة للمسلمين.
وبحثوا عن العلماء وكتفوهم وقتلوا كثيراً منهم، لا يقل عددهم عن مليون منهم أستاذ للشيخ عبد الرحمن، عذبوه وأمروه بحمل القاذورات ليسمد بها الأرض الزراعية، وكانوا يعلقون الكومة من القاذورات في أعناقهم ويقولون: هؤلاء يعبدون الله فأين الله ولماذا لم يساعدهم؟!
كانوا يبعثون الجواسيس لمعرفة المتدين فإذا عرفوه أخذوه وعذبوه وقتلوه.
ومع ذلك كان الناس يتمسكون بالدين، كانوا يعلقون الأبواب ويطفئون الأنوار ويصلون سراً، وكانوا في نهار رمضان يطبخون ليوهموا الجواسيس أنهم يأكلون في النهار، ولكنهم يصومون ويأكلون في الليل.
وكانوا يكلفون المسلمين تربية الخنازير، لعلمهم بأنهم يكرهونها وهي محرمة عندهم.
وكان المسلم يضطر إذا سمع أو رأى الشرطة تقترب من منزله أن يقلد صوت الخنازير، ليؤكد للشرطي أن في بيته خنازير ليحمي نفسه من سطوتهم.
ولم يعرف أولاد المسلمين في هذه الفترة الحرجة شيئاً من الإسلام وما كانوا يسمونهم أسماء إسلامية.
وكانت جنازة المسلم لا يشيعها المسلمون، وإنما تدفنها الحكومة.
والمآسي التي حصلت في عهد ماو يصعب ذكرها وحصرها، والذي امتاز به ماو أنه استطاع أن يجعل الصين كلها حزباً واحداً بالقوة والإكراه، وعدد سكان الصين كبير ووحدتها صعبة.
وكان ماو يعذب أهل الأديان كلهم مسلمين ومسيحيين وبوذيين.
وعندما مات ماو بدأت الحكومة برئاسة هوكو فونج تعطي شيئاً من الحرية الدينية والتجارية وفتحت المساجد والمدارس الدينية وقام الناس بعبادة ربهم.
كانت هذه المعلومات حصيلة الجلسة الأولى مع الشيخ عبد الرحمن، وقد استغرقت خمس ساعات ونصف الساعة، من الساعة الرابعة عصراً إلى الساعة التاسعة والنصف بعد العشاء ـ لم يتخللها إلا الصلاة ـ واتفقنا أن نواصل في جلسة أخرى العمل على استكمال المعلومات سواء كانت تتعلق بالصين أو بورما أو شانج ماي، كما اتفقنا على أن يكون برنامج الزيارة غداً لبعض مساجد شانج ماي وأن يتصل هو ببعض البوذيين ليحدد لي لقاء معهم لأقدم لهم كعادتي أسئلة تتعلق بدينهم.
ومدينة شانج ماي (CHIANG MAI) في منبسط من الأرض تحيط بها جبال شاهقة تلتحف في أغلب أوقاتها ـ هذه الأيام ـ بالسحب المثقلة بالأمطار، وهذه الأيام هي أيام نزولها في المنطقة.
الاجتماع الثاني بالشيخ عبد الرحمن:
الأربعاء: 25/11/1409هـ -28/6/1989م
المساجد في شانج ماي:
قال الشيخ عبد الرحمن: إنه عندما وصل إلى شانج ماي لم تكن توجد فيها إلا أربعة مساجد، وعدد المسلمين لا يقل عن خمسة آلاف، وقد أنشئت بعد ذلك تسعة مساجد فعدد المساجد الآن ثلاثة عشر مسجداً، والمسلمون يزيدون عن ثلاثين ألفاً، والمسجد هي:
1 ) مسجد الرحمة .
2 ) مسجد الإيمان .
3 ) مسجد السعادة .
4 ) مسجد الإحسان .
5 ) مسجد الأقصى .
6 ) مسجد التقوى .
7 ) مسجد الفضل .
8 ) مسجد السلام .
9 ) مسجد الأنصاري. [سيأتي الكلام عن الأنصاري ومشروعه].
10 ) مسجد هداية الإسلام .
11 ) مسجد تشانغ خان .
12 ) مسجد النور .
13 ) مسجد نور الهدى .
والأربعة الأخيرة هي المساجد القديمة.
ولكل مسجد مدرسة لتعليم القرآن ومبادئ الإسلام، وأساتذة المساجد وخطباؤها متخرجون من مدرسة التقوى.
المسجد أولاً:
قال الشيخ عبد الرحمن: إنه كان نوى أولاً بناء المدرسة للتعليم، ولكنه رأى أن العلم لا بد له من العمل فبدأ ببناء المسجد ليجمع الطلاب فيه بين العلم والعمل.
وعندما فتح المدرسة كان هدفه منها أن يدرس فيها أولاد المسلمين في هذه المنطقة، ولكن المسلمين بعثوا أولادهم إلى المدارس الحكومية ولم يرسلوهم إلى المدرسة، فكان عدد الطلاب قليلاً، فبعث إلى المسلمين في خارج المنطقة، فجاء الطلاب من بانكوك والجنوب وعدد الذين تخرجوا في المدرسة ثلاثة وستون طالباً خلال سبعة عشرة عاماً ممن بعثوا للدراسة في الخارج:
في ليبيا 10، وفي المغرب 4، وفي ماليزيا 4، وفي الجامعة الإسلامية بالمدينة 21، وفي الأزهر 22، وفي قطر 2، وخلال هذه الفترة اعترضت المدرسة عقبات، فقد أراد بعض الناس الذين يكرهون المدرسة هدمها، فبعث الله من أنقذها وساعدها واستمرت في أداء مهمتها.
وسبب كراهتهم لها الحسد وبعض الخلافات المذهبية، قال الشيخ: اتهمنا بعضُ المسلمين أننا لم نرد ببناء هذه المدرسة إلا الرياء واستقبال الضيوف وأخذ الصور ـ قال ـ وأنا آخذ الصور من أجل أن تكون وثائق وأما ما في القلب فالله هو الذي يعلمه وأما الناس فلا يعلمون ذلك.
قال: والذي شجعني على بناء المدرسة ومواصلة التعليم فيها، هو ما كنت أسمعه من المشكلات التي يعانيها المسلمون في الصين وجهل المسلمين في هذه المنطقة.
وعندما جاء الشيخ عبد الرحيم الأنصاري وعدنا بالمساعدة للارتقاء بهذه المدرسة، فقلت له: إذا كنت معنا فإننا سنسعى في تقويتها وتثبيتها، والحمد لله لقد اكتملت مرافقها الآن، وأنا أذكر أن الله ساعدني كثيراً في العمل للإسلام، ومن ذلك تيسيره تعالى لابني على الدراسة في الجامعة بالمدينة المنورة، وقد كان أهل البيت كلهم يريدون له الدخول في الجامعة التايلندية، وقد سبقه إلى الجامعة تسعة طلاب، كلهم دخلوا الشعبة ثم يدخلون القسم الثانوي، وهو وحده الذي دخل الكلية مباشرة، وإن شاء الله يعود بعد سنة ويقوم هو بتدبير المدرسة.
وقد سألت الشيخ عبد الرحيم الأنصاري لماذا سميت المدرسة: مدرسة التقوى وكذلك المسجد؟
فقال: إني وجدت التقوى ومشتقاتها ذكرت في القرآن أكثر من أربعمائة مرة.
وبعد أن اكتملت المدرسة ـ في السابق ـ طلبت من الشيخ علي عيسى أن يسمي المدرسة فكتب عدة أسماء منها التقوى، فكانت القرعة في فوز كلمة التقوى.
عدد السكان وعدد المسلمين:
وسألت الشيخ عبد الرحمن عن عدد سكان المنطقة؟
فقال: مليون ومائتا ألف.
وعدد المسلمين ثلاثون ألفاً.
وعدد سكان المدينة مائتا ألف.
وعدد المسلمين في المدينة عشرة آلاف.
الأغنياء أكثرهم من البوذيين، ويوجد أغنياء من المسلمين نسبياً.
أكثر المسلمين ـ أصلهم ـ من خارج تايلاند، من بنغلاديش وباكستان والهند وبورما والصين، وأكثر الصينيين جاءوا بعد الثورة الشيوعية، وكانوا قبل ذلك قليلين هنا وهم الآن أكثر من غيرهم.
دخول الإسلام في المنطقة ومدى تمسك المسلمين بالإسلام:
قلت له: متى دخل الإسلام إلى شانج ماي؟
قال: منذ مائتي سنة تقريباً.
والذين دخلوا هنا من المسلمين كانوا من التجار الهنود وغيرهم.
قلت: كيف تمسكُ المسلمين بالإسلام هنا؟
قال: كانوا قبل غير متمسكين، وكان المسلم يتزوج بوذية، وأولاده لا يعرفون الإسلام، وما كانوا يعرفون من الإسلام إلا الاحتفال بالعيد وعدم أكل لحم الخنزير، وغالبهم لم يكونوا يصلون في المساجد، والآن المساجد مفتوحة والناس يصلون فيها.
وكان الأئمة والمدرسون يأتون من بانكوك والآن هم متخرجون من مدرسة التقوى.
ولا زال بعض الشباب المسلمين يتزوجون بوذيات بسبب جهلهم، وأساتذة المدرسة لا يحضرون احتفالات هذا الزواج، كما توجد بعض الفتيات المسلمات يتزوجن بوذيين.
ومن الأعمال التي تولاها الشيخ عبد الرحمن رئاسة المجلس الإسلامي في شانج ماي.
قال: إنه عندما علم شيخ الإسلام أنه يعامل الناس معاملة طيبة عينه رئيساً للمجلس الإسلامي وهو ـ أيضاً ـ عضو في المجلس الأعلى الإسلامي.
وقال:إنه يتعامل مع المحافظ في شانج ماي تعاملاً طيباً، وإن كلاً منهما يزور الآخر، وإن المحافظ يؤيد استمرار مدرسة التقوى، لما فيه من تربية للشباب على التمسك بالدين والأدب والسلوك الإسلامي.
وسألت الشيخ عبد الرحمن عن ترابط الأسر البوذية، فقال: إن ترابطها أكثر والتفكك قليل، وكذلك الطلاق لأنهم يوصون بالأخلاق التي حث عليها بوذا، والمعاملة بينهم وبين المسلمين طيبة.
الخلاف بين المسلمين وسببه:
وسألت الشيخ عبد الرحمن: هل يوجد خلاف بين المسلمين في هذه المنطقة؟ وإذا وجد فما سببه؟
فقال: في شمال تايلاند أكثر المسلمين من اللاجئين الصينيين وبنغلاديش وباكستان والهند، وهم على المذهب الحنفي، ويوجد قليل من أتباع المذهب الشافعي، والخلاف هو بين المذهبين، وتوجد خلافات الآن في بعض المسائل، من ذلك وليمة الموت ومولد الرسول صلى الله عليه وسلم في رجب، بعض المساجد تحتفل بذلك وبعضها لا تحتفل، وكذلك التسبيح الجماعي والدعاء الجهري بعد الصلاة، بعضهم يرى ذلك وبعضهم لا يراه.
وسألني بعد أن ذكر هذه الأمور: ما رأيك أنت في ذلك؟
فقلت: هذه أمور فرعية وينبغي فيها اتباع ما صح عن الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ولكن إذا حصلت من بعض المسلمين اعتقاداً منهم أنها سنة فينبغي أن ينصحهم من عنده دليل على عدم سنيتها بالتي هي أحسن، بدون شقاق يصل إلى درجة القطيعة والهجر وعدم التعاون على ما فيه مصلحة المسلمين وبخاصة في هذا الجو الوثني.
وذكر كذلك الخلاف في عدد النوافل الراتبة.
التزاوج بين المسلمين والبوذيين ذكورا وإناثا!
ومن الأمور القبيحة التي تحصل هذه الأيام زيادة التزاوج بين المسلمين والبوذيين.
فبعض البوذيين يدخل في الإسلام، وبعد أسبوع أو أسبوعين يطلب الزواج بمسلمة، وقد يترك الإسلام بعد الزواج بها وبعض الرجال المسلمين يتزوجون نساء بوذيات على طريقتهم وبعد ذلك يندمون وعندهم منهن أولاد ويريدون الرجوع إلى الإسلام هم وأولادهم، وزوجاتهم قد يستجبن للدخول في الإسلام ويعقدون النكاح من جديد.
قلت: هل يوجد في البلد شيعة؟
فقال: قليل جداً وليس عندهم نشاط، وأولادهم يدرسون عندنا في المدرسة في المركز الصيفي، وهم مقلدون وليسوا نشيطين، ولكن الشيعة في إيران عندهم مندوب في بانكوك وينشرون كتبهم في المدارس والمنازل.
وجاء بعضهم من بانكوك وعرضوا مساعدة لنا فرفضناها لأننا نعرف أهدافهم من المساعدة.
الصين بعد ماو تسي تونج:
قلت للشيخ عبد الرحمن: كيف حال الصين بعد ماوتسي تونج؟
فقال: في سنة 1976م مات ماو، وجاء بعده هوانج كوانج رئيساً جديداً ثلاث سنوات.
وكان ماو خلال حكمه أغلق البلاد، فلم يسمح لأحد بالدخول إليها ولا بالخروج منها.
فلما جاء الرئيس الجديد سمح للناس بدخول الصين، كما سمح بالخروج منها لبعض الناس، وبعد سنة ـ أي في سنة 1977م ـ سافر الشيخ عبد الرحمن إلى الصين ودخل بعض المناطق، ولم يدخل إلى قريته، وحاول أن يلتقي ببعض أهله فمنعتهم الحكومة من ذلك، وفي السنة الثانية أذنت الحكومة لأهله أن يلتقوه وكان عددهم عشرين شخصاً.
وقد أعادت الحكومة بعض الأراضي إلى أهلها في حدود ما يكفيهم لزراعة قوتهم، فملك بعض الناس شيئاً من الأرض وغلتها.
وفي سنة 1979م جاء الرئيس الجديد بينج شاو بينج، وبدأ يقسم الأرض بين الناس بحسب قلتهم وكثرتهم وتأخذ الحكومة 30% من محصول الأرض والباقي تتركه للمزارعين، وأصبح الناس يتمتعون بشيء من أرزاقهم التي يملكونها.
وبدأوا يتبادلون السلع بالبيع والشراء، ووجد نوع من حرية التجارة وبقيت المصانع الكبيرة بيد الدولة، وأعادوا المساجد إلى المسلمين، وعددها أربعون ألف مسجد، كما منحوا المسلمين معونات لترميمها، وأقيمت فيها الصلوات بعد انقطاع طويل، ووجدت حرية للمسلمين أكثر من المسيحيين والبوذيين، فقد منعوا بعض المسيحيين من فتح كنائسهم، وسبب تساهلهم مع المسلمين هو محاولة تحسين علاقاتهم مع العرب سياسياً واقتصادياً [قلت: لو أن للمسلمين، ومنهم العرب شخصية قوية، وإرادة لنصر الإسلام والمسلمين لخطب ودهم العالم ومنح المسلمين حرية العبادة، والدعوة، ولكن لا حياة لمن تنادي!] ولكنهم لم يسمحوا بدخول الكتب الإسلامية من خارج الصين، وإنما سمحوا بدراسة الكتب الموجودة في الداخل.
قال الشيخ: كنا نبعث ببعض الكتب ولكنهم رجعوها عدة مرات، وفي سنة 1984م دخل بنفسه ومعه بعض الكتب فصادروها، وكانوا يمنعون الشريط إذا كان مسجلاً عليه الأذان. [وقد تغيرت الأحوال بعد ذلك، وحصل المسلمون على حرية أكثر من قبل، وكثر الطلاب الصينيون الذين يدرسون في الخارج، كما تمكن المسلمون من زيارة الصين والاتصال بالمسلمين الصينيين، وأصبحت الكتب الإسلامية تصل إلى الصين، ولكن المراقبة لا زالت مستمرة، وهذه التسهيلات القليلة لا يتمتع بها المسلمون في تركستان الشرقية التي أطلق عليها الصينيون اسم: (سانكيانج) وقد قمت بزيارة للصين في عام: 1416هـ كما سيأتي في الكتاب الخاص بتلك الرحلة].
ثم وجدت علاقات مع الدول الخارجية وسافر الرئيس إلى الخارج، وأذن للشركات الأجنبية بالاستثمارات المحدودة، أما المصانع فلم يأذنوا فيها لأحد وإنما بقيت في يد الحكومة.
ونشط بعض الناس في التجارة وأصبحوا أغنياء، أما الفلاحون فاجتهدوا في الزراعة لأنهم يحصلون على 70% من المحاصيل فأصبحوا يملكون محصولاً كثيراً ويستفيدون منه فارتفعت معيشتهم.
أسباب المظاهرات الأخيرة في الصين:
وسألته عن أسباب المظاهرات الأخيرة؟
فقال: توجد أسباب كثيرة، ولكن أهمها ثلاث أسباب:
السبب الأول: أن أولاد الموظفين الكبار خرجوا إلى خارج البلاد واشتروا بعض البضائع من الخارج وباعوها في الصين بأسعار أرخص من أسعارها العادية في الصين فربحوا بسبب ذلك وأصبحوا أغنياء، وكذلك أخذ بعض الموظفين أموالاً كثيرة عن طريق الغش والرشوة وأصبحت هذه الأمور واضحة للناس، ولم تكن موجودة في أيام ماو، فأظهر ذلك ضعف الحكومة وتهاونها إزاء التصرفات السيئة.
السبب الثاني: أن الحكومة أذنت لبعض سكان تايوان بدخول الصين، فاغتنمت حكومة تايوان الفرصة وبعثت جواسيس يشجعون الناس على الحرية والمظاهرات.
والسبب الثالث: أن أمريكا كانت تشجع على المطالبة بالحرية والمظاهرات وتساعد الطلاب وأساتذة الجامعات على قيامهم بذلك.
قلت للشيخ عبد الرحمن: وماذا ترى بعد هذا كله عن مستقبل الصين؟
فقال: لقد سيطرت الحكومة الشيوعية سبعة وعشرين عاماً على الصين وتمكنت الدكتاتورية من إحكام قبضتها على البلد وكتمت أنفاس الشعب، ثم فتحت نافذة صغيرة للحرية، ولا يمكن أن يغير الحكم من الاستبداد المطلق إلى الديمقراطية في فترة قصيرة، ولهذا فإن ما قام به الطلاب في هذه الفترة يعتبر خطأ، ولا مصلحة فيه للصين فالمظاهرات لم تكن مناسبة في هذه الأيام، فقد كانت التطورات في الصين قبل المظاهرات أقرب إلى الديمقراطية، وبعدها جاء الرجل الثاني الذي يميل إلى التشدد فضرر المظاهرات كان واضحاً.
إلى هنا انتهت الجلسة الثانية مع الشيخ عبد الرحمن، وكانت عندي أسئلة أخرى فاتفقنا على عقد جلسة ثالثة معه في يوم الجمعة
الاجتماع الثالث مع الشيخ عبد الرحمن:
الجمعة: 27/11/1409هـ ـ30/6/1989م.
ذكر لي الشيخ عبد الرحمن في هذه الجلسة المساجد التسعة وأماكنها.
قال: في محافظة فانج (FANG) توجد خمسة مساجد وقد وصل المهاجرون إلى هذه المنطقة سنة 1953م ثم افترقوا فسكن كل فريق في منطقة من المحافظة، وكان عددهم خمس فرق، كل فرقة سكنت في قرية، وبنت كل فرقة مسجداً في قريتها، وكانت المساجد مبنية أولاً بالخشب ثم بنيت بعد ذلك بالأسمنت.
1 ـ في سنة 1974م طلب من الحكومة أن تأذن ببناء مسجد في قرية (THATON) فبنى مسجد الرحمة، وأمامه مسجد جانج سيفو (GANG SIFU) وعدد اللجنة تسعة أشخاص، وقد هاجر أحد الصينيين إلى هذه القرية وهو أستاذ في المسجد ويسمى ماجونج (MAGONG) وكان طالباً في مدرسة التقوى.
2 ـ وفي سنة 1975م أسس مسجد الإيمان في قرية فانج (FANG) وهي العاصمة، وإمامه يسمى ناهويا ( NAHUYA) وعدد أعضاء لجنة هذا المسجد سبعة.
3 ـ وفي سنة 1975م أسس مسجد السعادة في قرية وافاي (WHUAFAY) وأستاذ المسجد من مدرسة التقوى ويسمى ماشنج (MASHNG) وإمام المسجد يسمى ماشنج سانج.
4 ـ وفي سنة 1976م أسس مسجد الإحسان في قرية بانج يانج (BANG YANG)، وإمامه يسمى يانج تينج يوا وعدد لجنته 15لأن عدد المسلمين فيه كثير، ويوجد فيه أستاذان: رجل وامرأة، وكلاهما من مدرسة التقوى، والمرأة اسمها سليمة والرجل يسمى ماشنج جي.
5 ـ المسجد الأقصى بني سنة 1977م وإمامه يسمى ماشنج فو، وهو كبير السن، هاجر من الصين، وليس من طلبة مسجد التقوى، والأستاذ في المسجد يسمى ماشنج منج وهذا المسجد لم يؤخذ له إذن من الحكومة إلى الآن.
6 ـ ومن المساجد التي بنيت في خارج المدينة مسجد نور الهدى الذي أنشئ قبل سبعين سنة تقريباً، بناه رجل مسلم أصله من الهند، ويسمى سيبو.
ثم جدد في سنة 1980م جدده مسلم تايلندي جاء من بانكوك، واسمه إبراهيم وإمامه يسمى جانج يوماي، ويوجد في منطقة هذا المسجد عبد الرحمن الذي تخرج هذه السنة في شعبة تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة وسيدخل المرحلة الثانوية. [سبق الحديث عنه، وهو الذي رافقني في القطار من بانكوك إلى شانج ماي].
وعدد لجنة هذا المسجد 15شخصاً وفيه ثلاثة أساتذة: رجل وفتاتان تخرجوا من مدرسة التقوى.
7 ـ ومن المساجد التي بنيت في خارج المدينة مسجد الفضل بني سنة 1972م، أسسه الشيخ عبد الرحمن وهو في قرية (دوي شاركت) افتتح يوم 7يوليو من ذلك العام وحضر افتتاحه شيخ الإسلام السابق (طونج سوانج ساس) ويدعى إمام المسجد (جانج) وعدد أعضاء لجنته تسعة.
8 ـ وفي سنة 1979م بنى مسجد السلام في قرية (شنج كم بنج) وإمامه يسمى ناونج سي، وعدد أعضائه أحد عشر شخصاً.
9 ـ مسجد الأنصاري بني سنة 1984م بمساعدة الشيخ عبد الرحيم الأنصاري المدني وأبنائه، وسمي باسم المؤسسة التي قامت بإنشائه، وإمامه يسمى تاوي، وكان أحد المدرسين في مدرسة التقوى اختاره الشيخ عبد الرحمن ليكون إماماً وأستاذاً للمسجد.
إلى هنا انتهت الجلسة الثالثة مع الشيخ عبد الرحمن وبها تتم المعلومات التي كتبتها عنه. [وقد تعجب الشيخ عبد الرحمن من طريقتي في أخذ المعلومات مفصلة وطلب مني أن إذن له بتصوير ما كتبت فأذنت له، وقال: إنك أول زائر تكتب هذه المعلومات بالتفصيل وتكتب بهذه السرعة].
وكان المترجم بيني وبين الشيخ الأخ مصطفى الذي رافقني مدة بقائي في هذه المدينة ولم يكن يفارقني إلا عندما أعود إلى الفندق للراحة.
زيارة مسجد النور:
الأربعاء: 25/11/1409هـ ـ 28/6/1989م.
في صباح هذا اليوم زرنا مسجد النور الذي أنشأته جماعة التبليغ سنة 1924م وقد جاءوا عن طريق بورما من بنغلاديش، وأول إمام له يسمى مولوي علي.
وتشرف على المسجد لجنة من أولاد المؤسسين، والأخ مصطفى هو إمامه الآن، وأصله أيضاً من بنغلاديش، ومن نشاطات المسجد إلقاء محاضرة عامة مساء كل جمعة للرجال، بعد صلاة العشاء، وبعد ظهر الأحد للنساء في الأسبوعين مرة.
ويدرس فيه الصغار القرآن الكريم من بعد صلاة العصر إلى المغرب من يوم الاثنين إلى يوم الخميس، ويدرس القرآن الكريم ومبادئ الإسلام ـ كالفقه والتوحيد ـ يومي السبت والأحد من الساعة التاسعة صباحاً إلى الظهر.
وتتبع المسجد مدرسة تسمى مدرسة نور الإسلام، يدرس فيها الأطفال، ويوجد مصلى في المدرسة للنساء يصلين فيه يوم الجمعة.
وذكر لي الأخ مصطفى مسجداً آخر لم يذكره الشيخ عبد الرحمن وهو مسجد تشانجلان (CHANGKLAN) ويشرف عليه جماعة التبليغ ويجتمعون فيه يوم الخميس وينطلقون منه للتجول في المناطق المختلفة، وقد أنشئ سنة 1964م وإمامه يسمى شكري حنفي من آيوتيا في وسط تايلاند.
زيارة مدرسة السلام:
ثم ذهبنا لزيارة مدرسة السلام، فلم نجد مديرها فالتقينا إحدى مدرساتها، وأعطتنا عنها المعلومات الآتية:
أنشئت المدرسة سنة 1984م وقد أنشأتها مؤسسة المسلمين الصينيين.
عدد الأساتذة في المدرسة عشرون.
وعدد الطلاب 180بنين وبنات.
أنشئت بالتدريج، بحيث يزاد فيها فصل كل سنة، وبها الآن ستة فصول، والمراحل الموجودة بها هي:
روضة الأطفال ثلاث سنوات، وتدرس فيها العلوم العامة (منهج حكومي).
الابتدائية: تدرس فيها المواد الإسلامية، إضافة إلى المنهج الحكومي، ويربى فيها الطلاب على الإسلام، فيؤمرون بالصلاة إذا بلغوا سبعاً، وكذلك يدربون على السلوك الإسلامي.
والسبب في الجمع بين المنهجين أن الأولاد في المدارس الحكومية يتأثرون بالمنهج الحكومي والسلوك العام في تايلاند وهو سلوك وثني، ويضعف فهم أولاد المسلمين للإسلام والتمسك بالسلوك الإسلامي، ولذلك أنشئت لهم مدرسة مستقلة يعلمهم المسلمون المبادئ الإسلامية والسلوك الإسلامي، وتدريس الإسلام وحده لا يكفي، لأن الأولاد ينبغي أن يلتحقوا بالجامعات الحكومية ليستفيدوا من العلوم الأخرى، ويكون لهم دور في المجتمع.
وتريد المدرسة إنشاء قسم داخلي لمساعدة أبناء المسلمين الذين يريدون الالتحاق بالمدرسة من خارج المدينة، لإيوائهم وتؤخذ أجرة المباني ورواتب الأساتذة من آباء الأولاد الموسرين، أما الفقراء فيدرسون مجاناً.
ويوجد طلاب غير مسلمين في المدرسة ـ والغالب من أولاد المسلمين ـ وقد أنكر بعض المسلمين على المدرسة قبولها لغير المسلمين، ولكن المسؤولين في المدرسة رأوا أن وجود أبناء غير المسلمين مع أبناء المسلمين في المدرسة سيكون له أثر طيب على أبناء غير المسلمين، وذلك أنهم باختلاطهم بأبناء المسلمين في المدرسة يأخذون بعض الأخلاق الإسلامية التي يتربى عليها أبناء المسلمين، ويرونهم وهم يزاولون الصلاة فيتأثرون بهم، والحمد لله فقد تبين للذين أنكروا على المدرسة قبولهم أن الصواب مع المدرسة.
واسم هذه المُدَرِّسة التي أعطتنا هذه المعلومات: ندا.
زيارة مسجد هداية الإسلام:
ثم زرنا مسجد هداية الإسلام، أنشأ هذا المسجد مجموعة من الصينيين الذين هاجروا إلى المنطقة عن طريق بورما، وعددهم خمسة. وكان ذلك في سنة 1915م ثم جدد مرة أخرى سنة 1964م. وعدد جماعته الآن 152عائلة، وعدد الرجال حوالي أربعمائة. يتبع المسجد مدرسة فيها أربعة أساتذة، وثمانون طالباً.
الدراسة يوم السبت ويوم الأحد من الصباح إلى الظهر، وفي بقية الأيام من بعد العصر إلى المغرب. وفي السنة القادمة سيفتح قسم داخلي لأبناء المسلمين من خارج البلدة ليتلقوا تعليمهم في هذه المدرسة، حيث يوجد في منطقة الجبل عدد من الأسر الصينية لا يعرف أولادهم مبادئ الإسلام.
سألت إمام المسجد، ويدعى إبراهيم، وعمره 70سنة لأنه، ولد سنة 1919م: كيف تمسكُ الأولاد بالإسلام؟ فقال: التمسك موجود، والاهتمام بالإسلام طيب والشباب يأتون يوم الجمعة إلى المساجد لأداء الصلاة من الجامعات، والمدارس، والنساء والفتيات لهن مصلى ويدرس الإمام الناس في المسجد الفقه.
وتجديد المسجد قام به المتأخرون من الصينيين، والشيخ عبد الرحمن عضو في لجنة بناء المسجد، وكانوا يريدون عند إنشاء المسجد توسعة المدرسة، ولكن الأرض لم تتسع فبنيت مدرسة التقوى.
وقال الإمام: إنه درس مبادئ الإسلام في منطقة يونان في بلاده بالصين، وكان أبوه قد أنشأ مدرسة إسلامية قبل ثورة ماو، وقد هدمت، وصلة المهاجرين الصينيين ببلدهم الآن جيدة يذهبون لزيارتها ويعودون.
زيارة قرية الأنصاري الخيرية النموذجية:
الشيخ عبد الرحيم الأنصاري من سكان المدينة المنورة، وهو كما سمعت عنه رجل صالح، ولم أحظ بالتعرف عليه، مع أني سكنت في المدينة المنورة إلى هذا العام 27سنة، والسبب في ذلك أنني لم أغادر البيت إلا إلى الجامعة الإسلامية أو المسجد النبوي أو المسجد المجاور، فإذا ما حصلت دعوة من بعض زملائي في الجامعة لبيتها عندما يكون عندي وقت وذلك قليل. لذلك لم أسمع عن الشيخ الأنصاري إلا في شانج ماي عندما زرتها، فقد أثنى عليه طلبة العلم، وأثنى عليه الشيخ عبد الرحمن الصيني.


سحابة من المدينة المنورة تمطر في شانج ماي:
وأخبروني أنه ساعد في بناء مدرسة التقوى، وبناء السكن الداخلي لطلابها، وبناء السكن التجاري الموقوف عليها، وبناء القرية الأنصارية في شانج ماي، وبناء قرية مشابهة في جنوب شانج ماي ـ في محافظة لمبونج ـ فاشتقت للقاء هذا الرجل الكريم الصالح، وعندما سألت عنه قالوا لي: لقد توفي، رحمه الله رحمة واسعة.
ذهبنا لزيارة هذه القرية التي تقع ـ في غالب ظني ـ جنوب شرق مدينة شانج ماي، وهي تتكون من 38 شقة ومسجد ومدرسة، اشترى رحمه الله الأرض وأقام عليها هذه المرافق وعين لها إماماً ومدرساً يسمى محمد رملي ولم نجد الإمام، لأنه كان مسافراً لأداء مناسك الحج.
يوجد بها مكان لاستقبال الضيوف، به مقاعد جيدة، وسألت عن السبب الذي جعل الأنصاري يطير إلى تلك المنطقة النائية، ليقوم بهذه الأعمال الجليلة؟ فأخبروني أن أحد أبنائه ويدعى طلحة، تزوج فتاة تايلندية، ورأى حاجة المسلمين هنا إلى المساعدة، فأسهم بما تيسر ثم أخبر والده بذلك، فسافر إلى هناك ليطلع على أوضاع المسلمين بنفسه وقام بعد ذلك بهذه الأعمال.
أما الهدف من بناء هذه القرية، ووقفها، فهو إسكان ضعفة المسلمين بها الذين لم يكونوا يجدون المأوى، وإيجاد طالب علم في وسطهم يصلي بهم ويشرف على تعليمهم مبادئ الإسلام ويعلم أبناءهم، وقد التقطت بعض الصور الفوتوغرافية للقرية.
وكذلك القرية الأخرى تحتوي على ثماني شقق ومسجد ومدرسة، ولم أتمكن من زيارتها.
وقد رغبت أن أكتب عن الشيخ عبد الرحيم بعض المعلومات فزرت بعض أبنائه في المدينة عندما رجعت من السفر ووعدوني بكتابة ترجمة موجزة له.
ترجمة الشيخ عبد الرحيم الأنصاري:
وقد تفضل أحد أولاد الشيخ الأنصاري وهو الأستاذ حسن [أخبرني أخوه طلحة الذي التقيته في الطائرة كما سبق أن أخاه حسناً أصيب بداء السرطان وتوفي رحمه الله] فكتب له ترجمة مختصرة هذا نصها:
هو: عبد الرحيم بن عبد الرازق بن محمد الأنصاري.
ولد في شهر محرم عام 1317م هجرية بمدينة بـ( كرمسنج) من بلاد فارس ونشأ في بيت عرف بالعلم والإفتاء في المنطقة منذ سبعة أجيال تقريباً، وتلقى العلم في المدارس التي كانت منتشرة في بلاد فارس، فرحل إلى علمائها واحداً بعد الآخر حتى بلغ سن العشرين عاماً، ثم عين إماماً وخطيباً وفقيهاً لأهل السنة والجماعة بمدينة (بندر عباس) وما جاورها من المدن، وكان في هذه الفترة يتولى تدريس طلبة العلم العلوم الدينية والفقه على مذهب الأمام الشافعي رضي الله عنه (حيث إن أهل السنة في فارس كلهم يقلدون مذهب الإمام الشافعي).
ثم رحل إلى المدينة المنورة فدخلها في المحرم عام 1352هـ بعد أن رفض إصدار فتوى تدعو إلى جواز سفور المرأة وكشف حجابها ـ بأمر من ملك إيران في ذلك العهد (رضا شاه) وتولى تدريس بعض طلبة أهل العلم القادمين من بلاد فارس ومن أهل المدينة وبلاد الشام الفقه على المذهب الشافعي، وفي نفس الوقت كان يحضر دروس علماء الحرم المكي والحرم النبوي الشريفين، وكان مقرئاً لبعضهم مثل الشيخ عمر حمدان والشيخ التمبكتي وعبد الرؤوف المصري وغيرهم.
وقد أسهم منذ صغره في بناء المدارس والمساجد والأربطة في المدينة ومكة وبعض البلاد الإسلامية وغيرها، حتى رحل إلى جوار ربه الكريم ليلة الاثنين 13 من ربيع الثاني عام 1409من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم. [وفاته كانت قبل زيارتي لقريته في تايلاند بستة أشهر تقريباً].
كتب هذه الترجمة ولد الشيخ: حسن عبد الرحيم الأنصاري.
لقاء مع كبير سدنة المعبد البوذي:
الخميس: 26/11/1409هـ ـ 29/6/1989م.
طلبت من الشيخ عبد الرحمن أن يضرب لي موعداً مع كبير سدنة المعبد البوذي في المدينة، فاتصل به وحدد لنا موعداً اليوم، وقد ذكر له الشيخ عبد الرحمن أن أستاذاً جامعياً من المملكة العربية السعودية يرغب في مقابلته لإلقاء أسئلة في بحث أكاديمي يتعلق بمقارنة الأديان فوافقه على ذلك. [والقصد من هذه اللقاءات أمران: الأمر الأول: محاولة إقامة الحجة بإيصال بعض مبادئ الإسلام إلى أمثال هذا الرجل، من قادة أهل الأديان، بأسلوب البحث العلمي، لأنهم ينفرون من المقابلات إذا علموا أن الزائر يريد أن يشرح لهم الإسلام ويدعوهم إليه. الأمر الثاني: جمع مادة ميدانية للاستشهاد بها على غير المسلم بأنه لا يوجد دين يستحق أن يجند له من يقوم بالبلاغ المبين إلا دين الإسلام].

وبهذه المناسبة قلت للشيخ عبد الرحمن قبل الذهاب إلى هذا البوذي: ألا توجد عندكم خطة لدعوة غير المسلمين؟
فقال: نحن أولاً نربي الطلبة المسلمين علماً وعملاً ودعوة، وفي شهر رمضان من كل عام يذهب الأساتذة والطلاب إلى المساجد لتوعية المسلمين وتشجيعهم على دعوة غيرهم، ونحن نذهب ـ مع بعض الأساتذة ـ إلى الجامعة البوذية لإلقاء محاضرات ونوزع بعض الكتب التي تشرح مبادئ الإسلام، وكذلك نزور المعبد أحياناً ونتحدث مع السدنة ونعقد اجتماعات مع المسيحيين والبوذيين وكل منا يتحدث عن دينه.
قلت له: إن من أهم الوسائل التي ينبغي عملها تأسيس مدارس على طراز مدرسة دار الإسلام على مستوى راق في البناء والأثاث والترتيب والمناهج والأساتذة والكتب والوسائل التعليمية، وإشراك نسبة معينة من أبناء البوذيين من سن الصغر ـ ولا يكون عددهم كثيراً ـ والاهتمام بتعليم أبناء المسلمين المبادئ الإسلامية وتربيتهم تربية إسلامية سلمية في العقيدة والسلوك والمعاملة والعبادة، حتى يكونوا قدوة حسنة لزملائهم فيؤثروا فيهم بذلك، فإن مخالطتهم لأبناء المسلمين الذين يربون تلك التربية وكذلك الأساتذة يجعلهم يتأثرون بذلك ويعودون إلى أسرهم، فيظهر منهم سلوك طيب غير شعوري، فيرى آباؤهم ذلك وقد يؤثر فيهم.
كما أن ذلك سيكون له أثره في معاملة الطلاب غير المسلمين عندما يتقلدون وظائف في الدولة لزملائهم المسلمين.
قال الشيخ عبد الرحمن: هذا اقتراح جيد، ونحن في حاجة إلى الأفكار المفيدة والتجارب النافعة، وهذه الأمور تحتاج إلى مبالغ مالية ولعل الله ييسر ذلك.
حوار مع السادن البوذي في مكتبه بمدرسة المعبد:
الاسم: براتيب تاوي.
التخصص: درس في هذا المعبد إلى الدرجة الخامسة (أي من درجات رهبانية البوذية، وهي تسع درجات).
قلت: متى وجدت هذه الديانة؟
قال: قبل 2532سنة.
قلت:من أول من نادى بها؟
قال: بربوتاجْوَا.
قلت: ما هدفها؟
قال: تعليم الناس ما يخرجهم من متاعب الحياة.
قلت: ما أُسسها؟
قال:
1 ـ الإحسان. 2 ـ الطمأنينة. 3 ـ العقل السليم. 4 ـ الأخلاق.
5 ـ والسلوك وتربية الناس على معرفة هذه الأسس وتطبيقها في عملهم.
قلت: ما مصدرها؟
قال: مصدرها الرجل الذي بدأ ينشرها بفكره وعقله.
قلت: هل هي خاصة بقوم من الناس؟
قال: الهدف إيصالها لكل البشر.
قلت: ما حكم من خرج من هذه الديانة بعد دخوله فيها؟
قال: لا يوجد حكم وهو حر فيما يفعل.
قلت: ما مظاهر هذه الديانة؟
قال: في كل صباح ومساء يعبدون الأصنام، مع حسن التصرف في الحياة، وصورة العبادة، تقديم الزهور والبخور والسجود على الأرض، والدعاء بصيغة معينة.
قلت: لمن تقدم هذه العبادة؟
قال: لثلاثة:
1 ـ برابوت: ناشر الدين.
2 ـ براتام : حديث الناشر.
3 ـ براسونج: أصحاب النشر.
قلت: هل يوجد في الديانة البوذية ما يشير إلى خالق هذا الكون المتقن؟
قال: الذي أوجد الكون هو الطبيعة.
قلت: الكون هو الطبيعة، فهل أوجد الكون نفسه؟ وهل يوجد مصنوع بدون صانع؟
قال: لا يوجد جواب عن هذا في هذه الديانة، وإنما هم يعتقدون ذلك بأنفسهم.
قلت: هل جاء بوذا بهذه العقيدة؟
قال: نعم.
قلت: إلى أين ينتقل من يموت من البشر؟ وما مصيره؟
قال: يولدون مرة أخرى.
(كنت أريد مناقشته في كثير من هذه الأجوبة، ولكن الرجل ذكر أن وقته ضيق وعنده موعد).
قلت: هل تؤمنون بيوم آخر يحاسب فيه الإنسان على عمله؟
قال: الذي يعمل عملاً صالحاً يعود بعد موته بحياة طيبة (يقصد بالعودة ما سبق من أنه يولد مرة أخرى في الدنيا) والذي يعمل عملاً سيئاً يعود بحياة سيئة.
قلت: هل تدرسون الأديان المقارنة؟
قال: عندهم دراسة في الجامعات.
قلت: هل تعتقدون أن هذا الدين الذي أنتم عليه، حق أو يوجد فيه شيء من الشك ولو قليل؟
قال: نعتقد أنه حق مائة في المائة.
قلت: بحجج وبراهين؟
قال: بطريقتين بالقلب وبالحجج.
وهنا اعتذر السادن عن الاستمرار في النقاش، لأن وقته انتهى معنا كما قال وعنده موعد آخر. وقد أهدى له الشيخ عبد الرحمن كتاباً فيه شرح لبعض مبادئ الإسلام. كان الرجل يحاول الاختصار الشديد في الإجابة، وكان يظهر عليه الضيق وعدم الانبساط معنا، وأشار مرتين إلى أن عنده موعداً آخر.
كل ذلك يدل أن الرجل لم يكن راضياً عن هذه المحاورة.
لقد أحرج الرجل!
هذا، وقد علق الشيخ عبد الرحمن بعد خروجنا من عند هذا السادن، فقال: لقد أحرج الرجل بهذه الأسئلة، وكانت مفاجأة له لم يتوقعها، لأنها لم تطرق سمعه قبل هذا اليوم وظهر عليه أثر الإحراج عندما لم يستطع الإجابة عن بعض الأسئلة، ولذلك كان يلح على إنهاء المقابلة بحجة أن عنده موعداً آخر!
أسرة الشيخ عبد الرحمن:
بعد أن فرغنا من محاورة هذا البوذي ذهب بنا الشيخ عبد الرحمن لتناول طعام الغداء في مطعم زوج ابنته في داخل المدينة، وأطلعنا على مصنعه الذي تصنع فيه الكراتين، وكذلك معرضه الذي تباع فيه الدراجات النارية (هوندا) ويعمل فيه أحد أبنائه، وله معرض آخر فرع لهذا، يعمل فيه ولد له آخر.
وهنا سألته مازحاً: لماذا يحسن الصينيون أساليب التجارة؟
قال: لأنهم يحبون الفلوس. وسألته عن عدد أولاده؟
فقال: عنده أربعة عشر ولداً، أربعة ذكور في الصين وأربع بنات كذلك.
وفي شانج ماي ثلاثة ذكور وثلاث بنات، أكبر أولاده عمره اثنتان وثلاثون سنة، وأصغرهم عمره خمس وعشرون سنة، وهو علي الذي يدرس في الجامعة الإسلامية.
جولة في بعض المناطق السياحية:
ثم ذهبنا إلى المسجد فصلينا الظهر، وانطلقنا إلى منطقة سياحية، ذات جبال كثيرة وشعاب ووديان تغطيها كلها الغابات، وتخلل بعض شعابها ووديانها الشلالات.


إحدى تلك المناطق تسمى: كريسدادوي (KRISDADOI) وبها منازل شعبية يستأجرها السائحون، ليتمتعوا بالمناظر الجملية والجو الطبيعي، يرون الأزهار والورود والأعشاب والأشجار الكثيفة، ويسمعون خرير المياه الجارية في الوديان والشعاب، وأصوات الطيور الجميلة التي تكون تغاريدها موسيقى تنعش السامع وتطربه ولا خلاف بين البشر في التمتع بسماعها.
وأشار لي الإخوة إلى شلال صغير نازل من قمة أحد الجبال فتذكرت شلالات نياغرا في كندا التي تأخذ بالألباب ولا يوجد ـ فيما علمت مثلها في العالم ـ فذكرتها لهم، وكنت قد رأيتها عندما زرنا كندا أنا والشيخ عمر محمد فلاتة سنة 1405هـ ، وقلت: أين الفار من الأسد وأين الجدول من النهر وأين النهر من البحر وأين البحر من المحيط؟ ومن قصد البحر استقل السواقيا.
وكان معي في هذه الجولة الأخوان علي بن الشيخ عبد الرحمن، والأخ مصطفى، وهذه المنطقة تبعد عن المدينة بخمسة وعشرين كيلو متر تقريباً، في الجنوب الغربي لمدينة شانج ماي.
ثم ذهبنا إلى منطقة سياحية أخرى في شمال غرب المدينة وتسمى: ميئسا (MEASA) وهي تبعد عن المدينة بعشرين كيلو متر تقريباً، والمسافة إليها من المنطقة الأولى أكثر من أربعين كيلو متر.
وفي الطريق إلى هذه المنطقة أشار لي الإخوة إلى القصر الملكي في الجبل على يسارنا ـ غرب المدينة ـ وقالوا: إن الملك الحالي هو الوريث التاسع في الأسرة، وأن هذه الأسرة لها مائتا سنة في الملك، ويسمى الملك الحالي: (فوميء فون أدول ياديش) (POOMIPON ADUL YADESH).
وفي المنطقة الأخيرة شلالات أكبر من الشلالات الموجودة في المنطقة السابقة، ومصدرها نهر يصب من أعلى الجبل في شعب طويل يُكوِّن شلالاً على الصخور المرتفعة وينزل منها إلى مهوى عميق، وقد بني درج من الحجارة ليصعد عليه السائحون إلى الجبل، بحيث يؤدي بالصاعد إلى محطات استراحة، كل محطة بنيت فيها مظلة من الأخشاب والقش، وفي بعض تلك المظلات مقاعد من الخشب أيضاً، يستكن الناس في تلك المظلات من الأمطار، وكان الوقت موسم أمطار وكان المطر منهمراً في هذا الوقت بغزارة، فاستفدنا من تلك المظلات، وقد مررنا بخمس محطات، عند كل محطة ترى شكلاً آخر للشلال بحسب الصخور التي يمر عليها.
وعندما خف المطر قليلاً نزلنا مسرعين إلى السيارة، وقفلنا راجعين إلى المدينة في وسط مطر غزير لا يكاد السائق يرى الشارع من غزارته.
ويبدو للناظر أن مدينة شانج ماي محاطة بالجبال، إلا أنها تقرب من بعض الجبال وتبتعد من بعض، فمن الجهة الغربية والجهة الجنوبية الغربية والشمالية الغربية قريبة من المدينة نسبياً، بخلاف الجهات الأخرى، فإن الجبال فيها أبعد، وتوجد بين الجبال منافذ قد تكون واسعة بحيث تظن من بعد عدم وجود جبل في تلك الجهة، ولكن عندما تقترب ترى طرف جبل قريباً من طرف جبل آخر، وقد تكون المنافذ ضيقة، كما أن بعض الجبال مرتفعة جداً، وبعضها أقل ارتفاعاً، ومن الجبال المرتفعة الجبل الواقع غرب المدينة لذلك ترى السحب مخيمة على أكثر أجزائه وبخاصة قمته.
أوصلني الإخوة إلى الفندق على أن يعودوا إلي غداً صباحاً، لنذهب إلى الجبل الذي شيد فيه القصر الملكي، والمعبد ثم نعود لصلاة الجمعة.
الرهبان والشحاذة!
فتحت التلفزيون في غرفتي بالفندق، فإذا برنامج طويل تعرض فيه طقوس البوذيين، وهم يلبسون الأردية الحمراء، وكبيرهم يشرح لهم وينصحهم، ثم تراهم وقد كونوا صفاً طويلاً بعضهم يتبع بعضاً وبأيديهم مواعين الطعام الفارغة، وقد اصطف غيرهم من الناس ومعهم مواعين فيها طعام وفاكهة، فيمر السدنة على هؤلاء الناس ليلقي كل واحد منهم شيئاً من الطعام والفاكهة في مواعين السدنة حتى ينتهي إلى صغيرهم، وهذه هي رهبنتهم يحلقون رؤوسهم ويسكنون في منازل بالغابات مع الكلاب والقطط والدجاج والطيور، وإذا جاعوا أخذوا مواعينهم وتكففوا الناس باسم العبادة.
[وهنا تذكرت أهل الصفة حفظة القرآن الكريم الذين كانوا يحتطبون ويأكلون ويجاهدون الأعداء حتى قتل في المعارك عدد كبير منهم مما دفع أبا بكر وعمر رضي الله عنهـما إلى جمع القرآن خشية موت القراء قبل جمعه].
أخذ مني هذا البرنامج وقتاً وأنا كنت متعباً أريد أن أرتاح.
اغتيال الحق!
وبعد أن انتهى البرنامج اضطجعت لأنام، فإذا بشيء آخر يهجم عليّ ويطرد عني النوم، وهو التفكير في أحوال المسلمين، وبخاصة ذوبان بعضهم في المجتمع البوذي إلى درجة أن تتزوج الفتاة المسلمة بوذياً ويتزوج المسلم بوذية، وما يتبع ذلك من فساد وبعد عن دين الإسلام، فتحركت المشاعر وثار القريظ فأنشأت هذه القصيدة بعنوان: اغتيال الحق.
مقارنة بين وضع الإسلام في دول الغرب ودول الشرق الأقصى:
الجمعة: 27/11/1409هـ ـ 30/6/1989م.
سبق أن زرت دول أوربا الغربية، والولايات المتحدة الأمريكية وكندا وأستراليا، وزرت من قبل بعض دول شرق آسيا وجنوب شرق آسيا، وغيرها، واليوم في الصباح تأخر مجيء الأخوين مصطفى وعلي، وبقيت وحدي في الغرفة، فجالت بخاطري المقارنة العاجلة بين دول الغرب والبلدان الشرقية، أو ما يسمى الآن في الاصطلاح السياسي: دول الشمال ودول الجنوب، من حيث كثرة قبول الإسلام وقلته، فبدت لي الأمور الآتية:
الأمر الأول: أن الإسلام وصل إلى البلدان الشرقية بدون حروب ـ غالباً ـ ووصل إليها مبكراً، واستوطن فيها وأقام دولاً، وبقي فيها المسلمون إلى الآن، بخلاف أوربا، فإن المسلمين فتحوا بعض بلدانها بالمعارك الجهادية، ولم يستوطنوها ويقيموا فيها دولاً ما عدا الأندلس في العهد الأموي وما تلاه، وبعض الشعوب الأوروبية في عهد الأتراك، ولكنهم لم يبقوا فيها إلى الآن عدا الجزء الأوربي من تركيا: استنبول وما جاورها.
الأمر الثاني: أن صورة الإسلام لم يصل تشويهها في البلدان الشرقية كما هو الحال في الغرب ـ وإن كان التشويه حاصلاً في الجملة ـ فالحملات الاستشراقية والتنصيرية والسياسية والإعلامية لا يوجد نظيرها في الغرب، وإن كانت وصلت إلى الشرق في صورة أقل.
الأمر الثالث: أن كثيراً من بلدان الشرق، يوجد كثير من أهلها مسلمون وقد يكون المسلمون في بعضها أغلبية وإن لم تحكم بالإسلام، بخلاف الغرب فالمسلمون من أهل البلدان ـ أصلاً ـ قليلون وحديثو عهد بإسلام، والضغوط التي يواجهها المسلمون في الغرب من حيث الجو الاجتماعي أشد من الضغوط الاجتماعية في الشرق في الجملة.
الأمر الرابع: أن الحملات الصليبية لم تنقطع في الغرب منذ زمن بعيد إلى الآن، وإن اختلفت أساليبها من وقت لآخر، وأثر تلك الحملات في الغرب أكثر قبولاً وأشد انتشاراً منه في الشرق، وإن كان يوجد في الشرق أيضاً.
الأمر الخامس: أن جهود اليهود ومؤسساتهم اهتمت ولا تزال تهتم بحرب الإسلام على كل المستويات وفي كل الاتجاهات في الغرب أكثر من اهتمامها بذلك في الشرق، وإن كانت الحرب ضد الإسلام موجودة في كل مكان، والسبب في اهتمامهم بالغرب هو أنهم إذا سيطروا عليه ـ وقد سيطروا فعلاً ـ استطاعوا أن يحاربوا بالغرب الإسلام في كل مكان، نظراً لهيمنة الغرب ـ وبخاصة أمريكا ـ على العالم سياسياً واقتصادياً وعسكرياً.
ولهذا فإنه يبدو لي أن انتشار الإسلام في الشرق سيكون أسهل وأكثر من الغرب، لو بذلت جهود في ذلك من المسلمين على وقف خطط مدروسة وبوسائل مناسبة، ولو تساوت الجهود في الشرق وفي الغرب فسيكون الأثر في الشرق أكثر، وبخاصة إذا تذكرنا أن الغربيين عندهم كبرياء وغطرسة يرون أنفسهم فوق العالم بسبب جنسهم وحضارتهم المادية.
ولكن التأثير في الغرب ـ وإن كان بطيئاً ـ سيكون قوياً تقل الكمية العددية للداخلين في الإسلام، ويكون للكيف وزنه وثقله.
وإذا قارنا بين المسلمين في الشرق والمسلمين في الغرب من وجه آخر، نرى المسلمين في الشرق عند كثير منهم هزيمة نفسية يشعرون بأنهم في موقف دفاع عن أنفسهم، وبخاصة الأقليات منهم، والواجب أن تنفخ في نفوسهم العزة والكرامة، وأن يتخذوا زمام المبادرة لدعوة غيرهم إلى الإسلام بالأساليب المناسبة الممكنة كل في موقعه.
هذه الهزيمة النفسية توجد في كثير من أبناء الجاليات الإسلامية في الغرب، ولكنها لا توجد عند كثير من الشباب المسلم، وبخاصة الطلاب الذين وفدوا إلى الغرب، وقد تسلحوا بسلاح الإيمان والفكر الإسلامي، وكونوا جمعيات واتحادات ومراكز إسلامية، فقد كان لهم أثر كبير على الجاليات الإسلامية وحمايتها ـ في الجملة ـ من الذوبان في المجتمع الغربي، كما وجد لنشاطهم أثر في أهل البلدان الغربية أنفسهم فدخل بعضهم في الإسلام.
هذه بعض الخواطر التي جالت بذهني، ولا أزعم أن هذه المقارنة دقيقة فاصلة بين الشرق والغرب، لأنها ليست ناشئة عن دراسة بحثية، وإنما هي خواطر مبنية على استنتاجات عابرة.
بعد هذا أطللت من نافذة الغرفة في الفندق، فرأيت أحد المساجد التي زرتها في هذه المدينة، وهو مسجد هداية الإسلام، وهو قريب جداً من الفندق لا يبعد عنه أكثر من مائة متر، وله مئذنتان وثلاث قباب خضراء.
جولة سياحية أخرى:
ثم جاء الإخوان وذهبنا إلى الجبل الواقع غرب المدينة ويسمى داي سوثيب (DOISUTHEP) والمسافة إليه من المدينة نصف ساعة، تجولنا في المعبد البوذي الموجود فيه، ثم ذهبنا لنرى القصر الملكي، ولكن وجدناه مغلقاً وقيل لنا إنه لا يفتح إلا يومي السبت والأحد/ وأيام الإجازات، ثم رجعنا لأداء صلاة الجمعة.
صلاة الجمعة في مسجد التقوى:
عندما دخلت المسجد قبيل الصلاة وجدت الطلاب متحلقين في حلقتين كبيرتين، بيد كل طالب جزء من أجزاء القرآن يقرأه قبل صلاة الجمعة.
ثم أذن المؤذن قبل الساعة الواحدة وخطب أحد الطلاب خطبتي الجمعة في ورقة مكتوبة، علمت بعد ذلك أن الطلاب يمرنون على خطب الجمعة يكتبونها ويصحح لهم الإمام ذلك ثم يقومون بإلقائها، ويصلي الإمام بعد ذلك بالناس ويسمى الإمام عمر إسحاق، وقد درس في المغرب.
العودة إلى بانكوك:
ثم ذهب الشيخ عبد الرحمن والأخ مصطفى إلى محطة القطار لتوديع الحجاج المسافرين إلى مكة المكرمة عن طريق بانكوك، وذهب معي الأخ علي فأوصلني إلى المطار لأسافر إلى بانكوك. وكان المقرر أن تقلع الطائرة في الساعة الخامسة والنصف فتأخرت ولم تقلع إلا في الساعة السادسة، وكان المطر ينهمر بغزارة والجو مغيماً والمناظر جميلة خلابة. وهبطت بنا الطائرة في مطار بانكوك في الساعة السابعة.
وجدت في المطار ـ في انتظاري ـ الأخ عبد الرشيد، وهو من الطلاب الذين تخرجوا في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. وقد رافقني إلى الفندق (شيراتون).
حضور اجتماع رؤساء وحدات الامتحانات في المدارس الإسلامية:
السبت 28/11/1409هـ ـ 1/7/1989م.
توجد مؤسسة تسمى:(تون سواتسات الخيرية) ومبناها ـ في الأصل ـ كان مقراً لشيخ الإسلام سابقاً، وهو الآن مقر جمعية المعلمين المسلمين في تايلاند، وقد عقد بها هذه الأيام مؤتمر رؤساء وحدات الامتحانات في المدارس الإسلامية الأهلية في تايلاند، يتدارسون فيه المشكلات التي حدثت في الامتحانات وإيجاد حلول لها.

وقد مكثت أكثر من ساعتين وأنا لا أدري ماذا يقول المؤتمرون، وطلبت من الأخ عبد الرشيد مغادرة المكان لعدم الاستفادة، فقال: نحن قد أخذنا موعداً من بعضهم لتجتمع بهم، قلت: الموعد يجب أن يكون محدداً بوقت أستطيع أن أستفيد منه، وقال لي الأخ عبد الرشيد ـ مسلياً ـ إن الأعضاء يناقشون ما يحصل من الغش في الامتحانات ومعرفة أسباب ذلك، وإيجاد حلول لهذه المشكلة في المستقبل، ويقترحون توحيد نظام الامتحانات وأوراق الدرجات والشهادات، حتى تكون منظمة متفقة غير مختلفة من مدرسة لأخرى.
والشيء الذي كان واضحاً في المؤتمر هو خلط الجد بالهزل ومقابلة المتحدث الذي قد يبدو في أسلوبه الغضب بالضحك، التايلنديون يكثرون من الضحك، وهو قاسم مشترك بينهم إلا أن منهم المقل ومنهم المكثر. وبعد انتهاء الاجتماع التقيت ـ لقاءً عابراً ـ بالأخوين عبد الحكيم الشافعي، والدكتور سافت.
لقاء مع الأخ عبد الشكور الشافعي:
عمره (38سنة) وهو من محافظة نونتابري.
وعندهم مسجد يسمى مسجد نهضة الإصلاح (NAHDAT ULIISLAH) وإمام المسجد عبد الكريم ونئلو. أنشئ المسجد منذ خمسين سنة تقريباً.
والذي أنشأه أبو الإمام الموجود حالياً، واسمه شافعي، وعبد الحكيم هو أخو الإمام الحالي، ويقوم المسجد بجمع الزكاة وتعليم مبادئ الإسلام.
وعدد أعضائه خمسة عشر شخصاً، ولجنة جمع الزكاة عدد أعضائها ثلاثون.
وعدد المسلمين المنتسبين للمسجد خمسة آلاف شخص تقريباً، وفي المحافظة ثمانية عشر مسجداً، وعدد المسلمين في المحافظة أكثر من عشرة آلاف.
وإمام المسجد تخرج في الأزهر قبل عشر سنين، وعمره أربعون سنة.
والأخ عبد الحكيم متخرج من كلية أصول الدين بالأزهر أيضاً قبل عشر سنين، وهو مدرس في نفس المسجد، ويدرس في مدرسة إسلام سمفن (SAMPAN) وقد أنشئت قبل 45 سنة أنشأها، والدهم وهو الذي أنشأ المسجد وهو الشافعي الذي درس في مكة عشر سنين ولا زال حياً.
ومن أساتذته السيد أمين كتبي، والسيد علوي مالكي، والسيد يس عيسى الأندلسي في مدرسة دار العلوم، والأخ عبد الحكيم درس أيضاً في مكة ست سنين وفي مصر أربع سنين، ومن أساتذته الشيخ يس عيسى والشيخ جابر والشيخ علي الفطاني في المسجد الحرام.
توجد في المحافظة ثلاث مدارس إسلامية، وهي:
1 ـ مدرسة إسلام سمفن.
2 ـ مدرسة تائد سكتا.
3 ـ ومدرسة نور الإسلام.
وعدد المدرسين في المدارس الثلاث ثلاثون مدرساً تقريباً، وفي كل مدرسة خمسمائة طالب، والمشكلات التي يواجهونها هي قلة المال الذي يغطي الميزانية.
وذكر أنه يوجد تزاوج بين أبناء المسلمين وبناتهم وبين أبناء البوذيين وبناتهم، ولكنه قليل، ويوجد بين المسلمين والبوذيين معاملة حسنة، ويقيم المسلمون محاضرات إسلامية في مدارس البوذيين، بطلب من المسؤولين في المدارس.
الاجتماع بالدكتور ساتت (SATIT):
عمره 43 سنة، وهو يحمل الدكتوراه في التربية والتعليم.
الوظيفة في إدارة التخطيط للتربية والتعليم (رئيس الإدارة) وهو في الأصل من محافظة سونكلا ولكنه الآن في بانكوك، وعدد المدارس الإسلامية في تلك المحافظة أكثر من ثلاثمائة مدرسة صغيرة وكبيرة، وعدد المساجد ثمانون مسجداً تقريباً.
قلت له: هل تظن أن الإسلام قد بلغ البوذيين؟
قال: يعرفون اسم الإسلام، ولكنهم لا يعرفون حقيقته إلا النادر.
قلت: هل توجد خطة لدعوة غير المسلمين؟
قال: الدعوة منصبة على المسلمين.
قلت: ما الوسيلة المثمرة لدعوة البوذيين إلى الإسلام؟
قال: التلفزيون، والإذاعة، والجريدة، والمؤتمرات، والاجتماعات العامة.
قلت له: ما نسبة المسلمين المتعلمين في تايلاند؟
قال: زاد الآن اهتمام المسلمين بالتعليم، ولكن لا تزيد نسبة المتعلمين عن 25%.
قلت: هل يتأثر المسلمون بالعادات البوذية؟
قال: قليل منهم.
قلت: هل الارتباط الأسري بين البوذيين جيد؟
قال: التفكك هنا أكثر من الارتباط، ونسبة الطلاق بين الأزواج 20% تقريباً، وكثير من الأبناء يفرون من أسرهم.
قلت: كيف تمسك البوذيين بدينهم؟
قال: تمسك مظهري، أكثرهم غير مهتمين به.
قلت: وكيف تمسك الرهبان البوذيين بدينهم؟
قال: يوجد في كثير من الرهبان البوذيين ما يخالف دعواهم، وقد نشرت الجرائد بعض تلك المخالفات، وتوجد أمور خفية كثيرة لم تكشف.
انقلاب في السودان:
في الساعة الحادية عشرة بتوقيت تايلاند، السابعة (مساء) بتوقيت المملكة العربية السعودية سمعت من إذاعة بغداد، نبأ قيام الجيش السوداني بحل الحكومة المدنية والسيطرة على الحكم، وأنه قد كون مجلس قيادة برئاسة العميد أركان حرب عمر حسن أحمد البشير، وأنه قد حظر التجول، وأحيل بعض العسكريين إلى المحاكمة وحذروا من التعرض لمجلس القيادة الجديد، بأي تعرض قولاً أو فعلاً، وأنه قد أفرج عن الضباط الذين كانوا اعتقلوا بأمر رئيس الوزراء السابق السيد الصادق المهدي، الذي أعلن قبل ذلك أنه تم اكتشاف مؤامرة على نظام حكمه.
وقلت آنئذ: يالله للمسلمين.. يالله للسودان. [اتضح فيما بعد أن ضباط الانقلاب عندهم توجه إسلامي، واتهموا بأنهم موالون للجبهة الإسلامية، وهم ينكرون ذلك، ودول الغرب تشن عليهم حملة إعلامية واسعة النطاق وتحيك ضدهم المؤامرات، بل ألبت عليهم الدول المجاورة من كل الجهات، فاعتدوا عليها عسكريا، وشجعوا الانفصاليين من النصارى والوثنيين في الجنوب، واعتدت أمريكا على مصنع الشفاء الطبي بحجة أنه يصنع أسلحة كيماوية، ومما يؤسف له احتدام الصراع بين أهل الهدف من الإسلاميين وتغير الأحوال تغيراً لم يكن أحد يظن وقوعه، فيا لله للمسلمين!].
الأحد: 29/11/1409هـ ـ 2/7/1989م.
لم يكن عندي اليوم برنامج عمل، ولذلك خرجت إلى السوق المركزي الملاصق للفندق على ضفة النهر، وفي هذا السوق ـ وهو مكون من عدة طوابق وفي كل طابق دكاكين كثيرة ومعارض ـ كل ما يحتاج إليه المتسوق من غالي الجواهر والحلي إلى محفظة النقود الجيبية.
ولم أكن أخرج للأسواق ـ إلا نادراً مع بعض الإخوة ـ ولكني اليوم مللت من الجلوس وحدي والسوق قريب، و يوجد معبر بينه وبين الفندق، فخرجت إليه وتجولت فيه ساعة تقريباً، وكان أهل المعارض والدكاكين إذا رأوني اهتموا بي واستقبلوني بحرارة ويسألون: ماذا تريد؟ وأنا أقول لهم سأنظر، فأنظر نظرات في أرجاء الدكاكين ثم أخرج، وهكذا إلى أن خرجت من السوق دون أن أشتري شيئاً.
واتصل بي في المساء الأخ آرون، وأخبرني أنه اتصل بالإخوة في فطاني: الدكتور إسماعيل علي وبعض زملائه وأخبرهم بوصولي غداً إلى مطار هادياي، وإنهم سيستقبلونني هناك.
وقال لي الأخ آرون: إنه سيأتيني غداً في الساعة الثامنة صباحاً ليوصلني إلى المطار.
الاثنين: 30/11/1409هـ ـ 3/7/1989م.
جاء الأخ آرون حسب الموعد وحاسبنا الفندق وذهبنا إلى المطار، فودعني ـ بعد أن نصحته هو وزملاءه ـ بالسعي بالجاد في الاتصال بالمسؤولين في الجمعيات الإسلامية في بلادهم لإيجاد التعاون فيما بينهم، لتحقيق الصالح العام للمسلمين في هذا البلد الوثني، ووعد أن يحاول ذلك حسب الاستطاعة.
وأبدى سروره بإهدائي لهم كتابي: الجهاد في سبيل الله حقيقته وغايته، وقال: لقد قرأت فيه المبحث الخاص بجهاد النفس فأثلج صدري، لأن هذا المعنى الشامل لمعنى النفس الإنسانية في القرآن والمنهج الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة من نشاطات النفس، قل من يفهمه ويهتم به من طلبة العلم اليوم.
السفر إلى جنوب تايلاند ـ فطاني:
وقد أقلعت الطائرة من المطار في بانكوك إلى مدينة هادياي في الجنوب في الساعة العاشرة والدقيقة الخمسين صباحاً، واستمرت الطائرة سائرة على مدينة بانكوك ما يقارب خمس دقائق، وذلك دليل على سعة المدينة.
بعد ذلك مباشرة كانت تحلق فوق سماء البحر، وكان الجو في أول الأمر صحواً، ثم أخذت السحب تغطي الأرض فلم نر براً ولا بحراً، ولكنها كما يبدو من الخريطة، كانت تطير فوق خليج تايلند (GULF OF TAHAILAND) على الشاطئ الشرقي لذيل تايلند الطويل الممتد إلى الجنوب، ثم صحا الجو فإذا الأمر كما ذكرت فقد كانت موازية لشاطئ ذلك الذيل، واقتربت الطائرة من مدينة هادياي، فإذا هي في مكان منبسط من الأرض تحيط بها الجبال من بعد، وهي أرض زراعية ذات بساتين بها أشجار ملتفة، تختفي بها المنازل، كان ذلك في ضواحي المدينة، وهي مدينة تجارية، ومع أنها في منطقة الجنوب التي يكون المسلمون فيها أغلبية، فإن المسلمين فيها أقل من غيرهم، ومما يؤسف له أن تكون المنطقة أغلب سكانها مسلمون، ويكون أغلب تجارها وموظفوها وذوو الكفاءات والمؤهلات من غير المسلمين، وهبطت بنا الطائرة في مطار هادياي في الساعة الثانية عشر ظهراً ـ أي أن مدة الطيران كانت ساعة واحدة وعشر دقائق.
السفر إلى مدينة فطاني:
وعندما نزلت وجدت الأخ الدكتور إسماعيل علي وزميلاً له يدعى عبد الرحمن في انتظاري. خرجنا من المدينة ـ هادياي إلى فطاني ـ في الساعة الثانية عشرة والربع بالسيارة، سائرين إلى مدينة فطاني شرقاً بمحاذاة البحر في كثير من الأحيان، وتلبدت السماء بالسحب، ثم انهمرت الأمطار بغزارة، قال الأخ إسماعيل لم يكن الجو اليوم ممطراً، ولا كانت توجد علامات على أنه يوم ممطر وقد نزل فجأة، والمسافة بين مدينة هادياي و مدينة فطاني 120 كيلو متراً.
وصلنا مدينة فطاني في الساعة الثانية إلا ربعاً.