الرحلة الرئيسة إلى تايلاند 1409هـ ـ 1989م
الرحلة الرئيسة إلى تايلاند 1409هـ ـ 1989م
بانكوك:
الاثنين: 16/11/1409هـ ـ 19/6/1989م.
هذه هي الدولة الثالثة التي زرتها في رحلة 1989م سبقتها كل من جمهورية باكستان الإسلامية والجمهورية الهندية.
أقلعت بنا الطائرة الفرنسية من مطار دلهي الدولي في الساعة السادسة إلا ربعاً صباحاً بتوقيت الهند متجهة إلى بانكوك، وهبطت في مطار بانكوك في الساعة التاسعة والربع بتوقيت الهند، فكانت مدة الطيران ثلاث ساعات ونصف الساعة.
نزلت في فندق مريديان برزدنت في وسط البلد، واتصلت بالأخ آرون بون شوم الذي تخرج في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة ـ كلية الحديث ـ سنة 1400هـ ، والأخ عبد الرشيد عبد الوهاب الذي تخرج في نفس الجامعة ـ كلية الدعوة وأصول الدين ـ سنة 1406هـ فجاءاني في الفندق وسألتهما عن المؤسسات الإسلامية التي يمكن أن أزورها في بانكوك وفي تايلاند، فوعداني بكتابة ذلك والمجيء غداً لإعطائي بياناً بالمؤسسات، والذهاب إلى السفارة السعودية.
وقد اتصلت بالقائم بالأعمال السعودي الأستاذ عبد الله الشبيلي وطلبت منه موعداً للقائه فحدد لي غداً الساعة العاشرة.
الثلاثاء: 17/11/1409هـ ـ 20/6/1989م.
كلف الإخوة التايلانديون: الشيخ آرون وزملاؤه الأخ يحيى طه، وهو شاب نشيط متحمس يعمل مع جماعة التبليغ بمرافقتي في تنقلاتي، فذهبنا إلى السفارة حيث التقيت القائم بالأعمال السعودي عبد الله الشبيلي، وحصل تفاهم حول السكن في بانكوك وزيارة ما تيسر من المؤسسات.
وقد كلف بعض الموظفين التايلانديين في السفارة أن يحجزوا لي في فندق شيراتون بسعر مخفض، فتم ذلك وكنت نزلت في الليلة الماضية في فندق مريديان برزدنت، وكانت أجرته في الليلة 137دولار ـ وزعم موظفوه أنهم خفضوا لي أيضاً ـ وكان التخفيض في فندق شيراتون أجمل وغرفه أوسع وفيه ميزات جيدة لا توجد في فندق برزدنت، ويقع فندق شيراتون على النهر الذي يفصل المدينة وتقع عليه عدة جسور وبجانبه سوق مركزي كبير.

وقد طلبت من الأخ يحيى طه أن يذكر لي أهم المؤسسات الإسلامية التي يمكن زيارتها، فذكر لي قائمة كذلك ـ بعد أن تشاور مع إخوانه الطلاب في ذلك ـ وهي:
1 ـ مسجد دار الإحسان.
2 ـ جمعية الإصلاح.
3 ـ مسجد أنصار السنة.
4 ـ مجلس شيخ الإسلام.
5 ـ مدرسة مفتاح العلوم الدينية.
6 ـ معهد رضوان الإسلام.
7 ـ المعهد العلمي ومسجد الهدى.
8 ـ مسجد كمال الإسلام.
9 ـ مدرسة إسلام سري وانا.
10 ـ مسجد نور الإسلام.
11 ـ مسجد جامع الإسلام.
12 ـ المركز الإسلامي.
13 ـ مدرسة مسلم وتياخان.
14 ـ مسجد نشر السنة خلونج سيب كاو.
15 ـ مسجد نهضة الإصلاح.
16 ـ مدرسة لطيف الدين.
17 ـ جمعية مؤتمر المعلمين الإسلامية.
18 ـ مسجد مهاناك.
19 ـ مدرسة تربية الإسلام (روضة الأطفال).
وسيأتي ذكر ما تمت زيارته من هذه المؤسسات.
وانتقلت إلى فندق شيراتون الواقع على ضفة النهر الذي يقسم المدينة كما يقسم نهر النيل القاهرة، وذكرني هذا الفندق بفندق هيلتون رمسيس الذي كنت أنزل فيه غالباً في القاهرة، وهو يشرف على نهر النيل، وكانت القوارب السياحية والسفن التي تحمل البضائع تمخر فيه ذاهبة آيبة.
وترى الجو في وقت ما صحوا والشمس ظاهرة، ولكن سرعان ما تلف الغيوم والسحب كل ما حولك وينهمر المطر بغزارة.
وفي هذا اليوم اتصل بي الدكتور إسماعيل علي من فطاني في جنوب تايلاند بالهاتف، وذكر لي أنه كلف بعض أصدقائه في بانكوك استقبالي في المطار عندما جئت من دلهي، ولكنه لم يتمكن من التعرف علي، وهو لا يتحدث اللغة العربية.
معلومات موجزة عن تايلاند:
الحدود: تقع تايلاند في جنوب شرق آسيا، يحدها من الشمال والشمال الغربي بورما، ومن الغرب بحر أندمان ومضيق ملقا.
وتبلغ مساحتها 198.455 ميلاً مربعاً.
التضاريس: وهي تتكون من سهول في الوسط وغيره وسلسلة من الجبال في الشمال والشرق والغرب والجنوب، وتغطي كثيراً من أراضيها الغابات، كما تنتشر في سهولها المزارع المختلفة.
وبها عدة أنهار في الشمال والشرق كما توجد أنهار صغيرة وقصيرة في مناطق مختلفة، وأطول أنهارها نهر نان الذي يبلغ طوله أكثر من ألف كيلو متر.
المناخ والمناطق السياحية: تختلف درجة حرارتها في الشمال والجنوب إذ تبلغ درجة الحرارة في شهر يناير 15درجة في الشمال، و26 درجة في الجنوب في موسم الجفاف.
وبها مناطق كثيرة جميلة يرتادها السائحون للاطلاع على بعض الآثار القديمة نسبياً كقصور الملوك.
وكذلك توجد بعض الشلالات الجميلة في المنطقة الوسطى والمنطقة الشمالية.
كما أن المنطقة الجنوبية بها آثار إسلامية: قصور ومساجد وقبور لزعماء المسلمين.
وفي تايلاند ثلاثة مواسم، وهي موسم الأمطار ما بين شهر مايو وشهر أكتوبر، وموسم الشتاء ما بين شهر نوفمبر وشهر فبراير ـ وهذا الموسم يظهر واضحاً في المناطق الشمالية ـ وموسم الصيف ما بين شهر فبراير وشهر مايو.
وتغطي الغابات كثيراً من أجزاء تايلاند، وبخاصة الجبال والمرتفعات، وإن كانوا قد أزالوا كثيراً من تلك الغابات في السهول من أجل استغلالها زراعياً.
وغاباتها غنية بالأخشاب المختلفة التي يستفيدون منها في الداخل، ويصدرون كثيراً منها إلى الخارج.
وكذلك توجد في تلك الغابات ثروة حيوانية، كالنمور والفهود والقردة وأنواع من الطيور والفيلة.
الثروات الطبيعية: ومن أهم الثروات الزراعية فيها: الأرز والذرة وجوز الهند واللوز السوداني والسمسم، والقطن والكتان، وأنواع كثيرة جداً من الخضار والفاكهة.
وتكثر في الجنوب والساحل الشرقي زراعة المطاط.
كما تكثر عندهم الثروة السمكية.
الصناعات: ومن الصناعات التايلاندية: المنسوجات والورق، والأدوات الخشبية والسكر، والمعلبات المختلفة، كالأناناس والأسماك، والجلود، وبعض الأدوات الكهربائية.
السكان: أما سكان تايلاند فغالبهم قدموا إليها من جنوب الصين من منطقة تسمى يونان، وبعضهم قدموا من كمبوديا وماليزيا، ويوجد بها من أصل البدائيين: اللاو، وكارنر، والياوس.
الديانات: وأما الديانات الموجودة بها فهي: البوذية، وهي دين الكثرة، ويليها الإسلام في كثرة الأتباع، ثم المسيحية التي يقال: إنها بدأت في القرن الرابع عشر الميلادي.
ويطلق التايلانديون على أرضهم: (موانج تاي) ومعناها أرض الأحرار، وهم يفتخرون بأن بلادهم لم تدخل تحت سلطة أي مستعمر.
ويبدو أن المستعمرين كانوا يخشون من التوغل في أراضي هذا البلد، ولم يروا جدوى في ذلك من الناحية الاقتصادية آنذاك، أما من الناحية الاستراتيجية، فقد سيطروا على أغلب المناطق القريبة منه.
وكانت البلد تسمى من قبل: سيام، ثم غير اسمها بعد إلى مملكة تايلاند سنة 1300هـ وعاصمتها بانكوك.
ويبدو أن عصور هذا البلد القديمة لا يوجد لها تاريخ معروف إلا ما يقال من وجود بعض الآثار التي وجدت في بعض المناطق على حضارة (مزعومة) كانت موجودة قبل التاريخ.
بداية التاريخ في تايلاند: والتاريخ المعروف عند التايلانديين يبدأ من القرن الثالث عشر الميلادي، فقد قسموا عصور تاريخ تايلاند إلى ثلاث أقسام، سموا كل عصر باسم العاصمة التي كانت فيه.
العصر الأول: عصر سؤختاي من سنة 1257 ـ 1350م.
العصر الثاني: عصر أيوتا من 1350 ـ 1767م.
العصر الثالث: عصر رنتاكوسين من 1783 ـ إلى الآن.
ونظام الحكم الآن في تايلاند نظام ملكي ـ يقال عنه إنه ـ ديمقراطي ملكي يقولون عن الملك: إنه شخص لا يقع منه الخطأ.. وفقاً للقاعدة القائلة بأن الملك شخص معتبر وجوده فوقه السياسة، ويقولون عنه: إنه يرمز للاحترام والتقديس ولا يجوز لأحد أن يتعدى هذه الحدود، ولا يجوز رفع شكوى ضده أبداً، وعلى أي حال من الأحوال ـ أي أنه لا يسأل عما يفعل ـ وهذه من خصائص الخالق عند المسلمين.
ويعترف التايلانديون أن دخول الإسلام على هذا البلد ـ فطاني ـ جنوب تايلاند ـ كان في آخر القرن الثامن وأول القرن التاسع الميلادي، وانتشر هناك بسبب اعتناق بعض أمراء البلاد للإسلام، ومنهم الأمير (برأيا توانكوانترا) ويذكرون في سبب إسلامه قصة يبدو عليها التلفيق.
موقف الحكومة المعلن من المسلمين:
ويزعم التايلانديون أن عدد المسلمين في تايلاند كلها مليونان ـ مليون في الولايات الجنوبية التي كان يطلق عليها فطاني ـ أصبحت فطاني الآن تطلق على ولاية من أربع ولايات.
ويمتن التايلانديون على المسلمين بأنهم يعطونهم الحرية في أمورهم الخاصة ومشاركتهم في الحكم وأنهم يعينون لهم أحد كبارهم باسم شيخ الإسلام ليشرف على شؤونهم.
ويساعدونهم في بناء المساجد ويمكنونهم من تولي الوظائف المناسبة، وأنهم أصدروا قانوناً خاصاً يمكن المسلمين من ممارسة أحكام الإسلام في الأحوال الشخصية، ويطلقون على لقب شيخ الإسلام في اللغة التايلاندية: (جولا رجشا مونتري) ويذكرون أن أول شيخ إسلام كان تاجراً عربياً هاجر إلى تايلاند واستوطن في آيوتيا، العاصمة في ذلك الوقت ويسمى شيخ أحمد.
وقد نصوا على وظيفة شيخ الإسلام والهدف منها: "ويعتبر منصب جولا راجشا منتري منصباً عالياً في الشؤون الإسلامية ووظيفته كمستشار الحكومة في الشؤون الإسلامية، بواسطة الإدارة الدينية والتابعة لوزارة التربية والتعليم وكمستشار الشؤون الإسلامية لوزارة الداخلية، باعتباره رئيساً للهيئة الإسلامية العامة بتايلاند، وباعتباره رئيساً للأقليات الإسلامية في تايلاند".
وكون هذا المنصب يولى صاحبه بمرسوم ملكي وليس باختيار من المسلمين أنفسهم، قد يستغل ضد مصالح المسلمين، إما اضطراراً، أو من بعض شيوخ الإسلام السابقين، ويرى المسلمون أن شيخ الإسلام الحالي أفضل من سابقه في الجملة.
ومن وظائف شيخ الإسلام (جولا راجشا مونتري) الإشراف على شؤون المساجد وإصدار الشروط واللوائح المتعلقة بها، وهو لا يصدر شيئاً من ذلك إلا بعد موافقة الدولة على ذلك.
هيئتان رسميتان للمسلمين:
وللمسلمين في تايلاند هيئتان رسميتان في البلد:
الهيئة الأولى: الهيئة العامة: ويرأسها شيخ الإسلام، وعدد أعضائها لا يقل عن خمسة أشخاص ويتم تعيينهم وعزلهم بمرسوم ملكي بتوصية من وزير الداخلية.
وتتولى هذه الهيئة تنصيب وعزل المسؤولين في المساجد، والإذن ببنائها بعد إذن وزارة الداخلية.
أما الهيئة الثانية: فهي الهيئات الفرعية لكل محافظة. وتوجد الآن 28 هيئة إسلامية فرعية في 28 محافظة.
والهيئة الفرعية مكونة من رئيس وأعضاء لا يقلون عن خمسة، ويتم تنصيبهم وعزلهم عن طريق وزارة الداخلية ـ ومعنى هذا أن الدولة تتحكم تحكماً كاملاً في الهيئة العامة والهيئات الفرعية..!
والمسلمون الذين لا توجد لهم هيئة فرعية في محافظتهم، يرجعون في شؤونهم إلى الهيئة العامة.
وقد صدر بتأسيس الهيئتين مرسوم ملكي سنة 1955م، وهو ينص على أن للحكومة الحق في تعيين الهيئة العامة بتايلاند كمستشارين في الشؤون الإسلامية، بواسطة وزارة التعليم ووزارة الداخلية. [الأولى لمراقبة الفكر، والثانية لمراقبة الاتجاه السياسي].
المساجد والجمعيات المعترف بها رسمياً:
وصدر مرسوم ملكي سنة 1947م يتعلق بالمساجد، يحدد مفهوم المسجد بأنه مكان خاص للمسلمين، يستعملونه في أداء عباداتهم وواجباتهم نحو الإسلام.
وعدد المساجد الرسمية ـ أي حسب إحصاءات الدولة واعترافها ـ (2336) منها 150 مسجداً في العاصمة بانكوك، و438 في فطاني، و372 في ناراتيوات و203 في جالا، و126 في ستول، وفي محافظة سونجلا 256 وبقية المساجد منتشرة في أنحاء أخرى، ولكل مسجد لجنة إدارية مكونة من 7إلى 12 شخصاً، منهم الإمام والمؤذن والخطيب، وهم ينتخبون من قبل المسلمين المسيطرين في كل مسجد ومدة عضويتهم أربع سنوات ما عدا الإمام والمؤذن والخطيب فوظائفهم لا تنقطع إلا بموت أو استقالة.
وللمسلمين بعض الجمعيات الخيرية المعترف بها من قبل الحكومة، كالمؤسسة الخيرية لرعاية الأيتام وجمعية الطلبة المسلمين وجمعية الشبان المسلمين.
وتحاول الحكومة إبراز عنايتها للمسلمين، من ذلك ما كان الملك التايلاندي يقوم به من زيارتهم والجلوس معهم في الجنوب في السبعينات، وكذلك زيارات الملكة بعض أسرهم، وقد نشروا ذلك في بعض الكتيبات باللغة العربية، منها كتيب أعدته وزارة الخارجية التايلاندية سنة 1978م بعنوان المسلمون في تايلاند، وآخر أعدته وزارات الدفاع والخارجية والداخلية بالتعاون مع معهد لدراسات الشرق الأوسط والعالم الإسلامي والدوائر الرسمية وكلية العلوم السياسية في جامعة جولا لونج كورون.
وهذه المعلومات مأخوذة ـ غالباً ـ من هذين الكتيبين.
أما المعلومات المتعلقة بالمسلمين المأخوذة من المسلمين أنفسهم فستأتي مبثوثة في المقابلات التي أجريتها معهم في المناطق المختلفة، سواء في فطاني أو غيرها، وسواء كانوا موظفين مع الحكومة أو مستقلين بمؤسسات ومدارس ومساجد.
زيارة تربية الإسلام:
الأربعاء: 18/11/1409هـ ـ 21/6/1989م.
في هذا اليوم زرنا مدرسة (تربية الإسلام) وهي روضة أطفال.
وجدنا مديرها، وهو شاب مثقف متحمس لدينه مجتهد في تنشية الأطفال على الإسلام، ويسمى عبد القادر بن يونس.
يبلغ من العمر ثلاثون سنة تقريباً.
درس القانون في جامعة رام كام هينج.
ويعمل في جماعة التبليغ والدعوة.
قال: إن هذه الروضة أنشأت منذ ثلاث سنوات في يونيو 1987م، وهو الذي فكر في إنشائها وقام به.
وذكر أن سبب تفكيره في إنشائها أنه أراد أن يعلم ولده الإسلام، فلم ير محضناً يصلح لتعليمه، وتوجد مدرسة شبيهة بهذه المدرسة ولكنها بعيدة من مكانه.
وقد أنشأ المدرسة في منزل أبيه بعد وفاته.
والأطفال الذين بدأوا بالدراسة فيها، وهم أولاد الأشخاص الذين يعملون معه في جماعة التبليغ، وكان عددهم عشرة وقد وصل عدد الأطفال الآن خمسة وخمسين طالباً وطالبة، والنفقات تؤخذ من آباء الأولاد ومن بعض المحسنين.
والمدرسون: واحد من الرجال وأربع من النساء، ومنهجهم يسير في طريقتين:
أولاً: دراسة عامة لتعليم اللغة التايلاندية والكتابة والتعبير.
ثانياً: دراسة دينية إسلامية، يحفظون القرآن الكريم، والحروف العربية والأدعية، ويدربون على إقامة الصلاة عملياً، وعندهم أمل أن تترقى المدرسة إلى المرحلة الابتدائية في مشروعاتهم المستقبلية والمهم الذي يحول بينهم وبين تنفيذ مشروعاتهم عدم وجود المال.
حوار مع الأخت المسلمة آمنة:
وهي مسلمة تايلندية جديدة تعمل في هذه الروضة.
كانت تسمى: أورانوث، وبعد أن دخلت في الإسلام تسمت (آمنة).
ولدت سنة 1964م.
نشأت في أسرة بوذية.
سبب عدم اقتناعها بالبوذية وميلها إلى الإسلام:
سألتها: هل كنت ملتزمة بالديانة البوذية؟
قالت: نعم، لأن والدها كان يبيع أدوات العبادة التي تستعمل في المعابد.
قلت: هل كنت تشعرين بأن الديانة البوذية صحيحة وكنت مقتنعة بها؟
قالت: كانت تسمع عن الإسلام، وهي صغيرة، وكانت تقارن بين البوذية والإسلام، لأنها كانت تعيش في منطقة بين المسلمين، ولم تكن مقتنعة بالبوذية.
والسبب في عدم اقتناعها أن الدين البوذي ليس فيه ما يقنع العقل بالنسبة للخالق الإله. [بل ينكر الفلاسفة البوذيون على أتباعهم التعرض لمسألة وجود الخالق، بل وينكرون وجوده كما سيأتي].
أما الإسلام فإنها علمت منه ما يقنعها بالخالق الإله.
وسألتها عن سبب إسلامها؟
فقالت: إن أحد المسلمين دعاها إلى الإسلام قبل ثلاث سنوات، وهو زميل لها في المعهد التعليمي.
قلت: هل استجبت لهذه الدعوة بسرعة أو ترددت؟
قالت: إنها فكرت في ذلك ثلاث سنوات، وقرأت عن الإسلام بعض كتب الفقه والعقيدة، وتعلمت صفة الصلاة.
الفرق بين حياتها في الجاهلية وحياتها في الإسلام:
قلت لها: ما الفرق بين حياتك قبل الإسلام وبعده؟
قالت: إنها بعد الإسلام شعرت بالراحة والطمأنينة، وتغير سلوكها فأصبح موافقاً لتعاليم الإسلام.
أما قبل الإسلام فكانت تشعر بالقلق وعدم الراحة، وكذلك تحسنت معاملتها لأسرتها بعد الإسلام، ومع ذلك فقد طردوها سنة كاملة، ثم رجعت إليهم مرة أخرى ورضوا عنها، وهي تتحدث مع أمها عن الإسلام، أما أبوها فقد غضب منها غضباً شديداً في أول الأمر.
ولا زالت زميلاتها البوذيات يتصلن بها وهي تحاورهن في أمور الإسلام.
قلت لها: هل يقبل البوذيون سماع من يشرح لهم الإسلام؟
قالت: نعم إذا وضعت لذلك خطة مناسبة.
زيارة مسجد نور الإسلام:
وبعد زيارة الروضة (تربية الإسلام) ذهبنا إلى مسجد نور الإسلام، وهو أكبر مساجد بانكوك.
ويتبعه معهد الإسلام (سري وانا)، كان إمام المسجد غائباً، وقد أم الناس في صلاة الظهر نائبه الأستاذ عبد الله رملي، هو أستاذ في المدرسة التابعة للمسجد.
ولد سنة 1953م.
درس في صغره فروض العين في هذه المدرسة ثم ذهب إلى الأزهر ودرس في كلية أصول الدين وتخرج منها سنة 1983م.
سألت الأخ عبد الله: متى أنشئ هذا المسجد؟
فقال: في زمن الأجداد أكثر من ستين سنة، وأما المدرسة فأنشأت منذ عشرين سنة، وأنشئ المعهد الجديد بجانب المسجد وبدأت الدراسة فيه في السنة الماضية ـ أي سنة 1988م ـ ويوجد فيه من المدرسين ستة أشخاص.
وفي المدرسة ثمانية، منهم مدرِّستان.
وعدد الطلاب مائة، وعدد الطالبات ثمانون وهو ـ أي المعهد ـ إعدادي، وسيفتح فيه قسم ثانوي والمواد تدرس باللغة العربية وتشرح باللغة التايلاندية.
والمنهج أخذ من وزارة المعارف السعودية ومن المعاهد الأزهرية في مصر.
ويطلب الأخ عبد الله بعث كتب المنهج الجديد في السعودية.
وقال: إن مؤسسة خيرية قامت بإنشاء المسجد والمدرسة والذي تسبب في إنشاء المسجد هو جد الإمام الحالي، ويقوم المسجد والمدرسة على التبرعات.
ويدفع الطالب عندما يلتحق بالمدرسة مبلغاً رمزياً وقيمة الكتب والدفاتر، وما عدا ذلك يكون مجاناً.
ومن نشاط المسجد إلقاء محاضرة أسبوعية ليلة الثلاثاء يدعى لها المسلمون وكذلك له نشاط في المناسبات كالعيدين وفي افتتاح المدرسة.
وفي المدرسة محاضرات كل ليلة ما عدا ليلتي السبت والأحد.
وذكر الأخ عبد الله أنه يذهب إلى مسجد أبي الأبرار لإلقاء محاضرة، وفي معهد ضياء الإسلام الاثنين لكبار السن.
وسألت الأخ عبد الله عن دعوة غير المسلمين إلى الإسلام؟
فقال: نحن نفكر الآن في حماية أبناء المسلمين فقط.
تنبيهات:
التنبيه الأول: لم أجد إمام المسجد المذكور، وهو أيضاً ناظر المدرسة وإنما وجدت الأستاذ عبد الله، وهو نائبه في المسجد، وأستاذ في المدرسة، وكان معه زميل له تخرج أيضاً من الأزهر في كلية الشريعة، ولم أجد عندهما معلومات دقيقة عن تاريخ إنشاء المسجد، والعجيب أن المسلمين التايلانديين يصعب عليهم ذكر تواريخ مؤسساتهم ومواليدهم بالتاريخ الهجري أو الميلادي إلا بعد تفكير وطرح من التاريخ البوذي، وهو الآن (2532) أي قبل تاريخ ميلاد المسيح بـ(543).
التنبيه الثاني: يبدو أن العناية بكتابة تاريخ الإسلام والمسلمين قليلة جداً، ولذلك كلما سألت أحدهم عن شيء أحال على غيره، وكان الذين أسألهم يحيلون إلى الشيخ علي عيسى، وهو غير موجود هذه الأيام.
وقد سلمني الأخ يحيى طه كتاباً باللغة العربية بعنوان تايلاند والعالم الإسلامي كما سبق ذكره، ولكن المعلومات المذكورة فيه هي سجلت من قبل الحكومة التايلاندية، وهل ينتظر من الحكومة التايلاندية أن تذكر الحقائق الصحيحة عن الإسلام والمسلمين في تايلاند؟!
إن الواجب على المسلمين وبخاصة العلماء وطلاب العلم الذين عندهم مقدرة على البحث والاستقصاء أن يكتبوا تاريخ الإسلام والمسلمين في هذا البلد، وأن يكتبوا معلومات وافية عن الشخصيات الإسلامية في القديم والحديث، وكذلك المؤسسات الإسلامية من مساجد ومدارس ومعاهد وغيرها، وأن يكتبوا ذلك باللغة العربية، ليطلع عليه إخوانهم المسلمون العرب لما في ذلك من تقوية الصلات والروابط بين المسلمين.
التنبيه الثالث: أن المسلمين الذين يهمهم الإسلام وتربية أبنائهم عليه، يفكرون في الخلاص من ذوبان أبنائهم في المجتمعات الكافرة التي يعيشون فيها، ويسعون في إيجاد الأسباب التي تساعدهم، ولو كلفهم ذلك مشقات، والله تعالى يقول: { وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً}. [الطلاق: 2].
فهذا الرجل ـ مدير روضة الأطفال ـ الذي بدأ يفكر في تربية ابنه وبعد ثلاث سنوات أصبح عددهم خمسة وخمسين طفلاً، ويسر الله لهم بسبب تعاونهم وجود المدرسين والمدرسات، وهم يفكرون الآن في التمكن من استمرار المدرسة وترقيتها إلى مراحل أعلى، خشية على أولادهم من الذوبان في المدارس البوذية.
وبقرب داره أرض معروضة للبيع، ليت أهل الخير ممن رزقهم الله يشترونها ويقفونها على هذه المدرسة المباركة، فمبنى الروضة منزل صغير لا يتسع الآن لمن فيه.
التنبيه الرابع: لو أن المسلمين يجتهدون في حدود طاقتهم وفي مواقعهم ـ في السكن والعمل ـ في دعوة غير المسلمين إلى الإسلام، لنفعهم الله بدخول غير المسلمين في الإسلام، فالأخت أمينة قائمة الآن معهم بتعليم أبنائهم بجد وإخلاص ـ ولا أزكي على الله أحداً ـ وهي حديثة عهد بالإسلام، وكلما اجتهدوا في دعوة غيرهم، أسعفتهم بركة هذه الدعوة بمزيد من الداخلين في الإسلام، وكثروا بذلك سواد المسلمين وزاد تعاونهم على الخير.
التنبيه الخامس: يتضح من كلام الأخ عبد الله رملي أنهم لا يفكرون في دعوة غير المسلمين، وقد ناقشته كثيراً في ذلك وسلم في آخر الأمر أنه لا بد من إيصال الإسلام إلى غير المسلمين حسب الطاقة، وإن كان يجب الاهتمام أكثر بأبناء المسلمين في مثل هذا الجو.
التنبيه السادس: يبدو أن المسلمين غير حريصين على كتابة تاريخ الإسلام في بلدهم، وفي ذلك تضييع لتاريخ أقلية مسلمة في بلد وثني، والتاريخ فيه معتبر بسلبياته وإيجابياته للأجيال المقبلة، وقد يكون هناك من يهتم به في حدود معينة، وليس اهتماماً شاملاً بتاريخ الأشخاص والمؤسسات والجمعيات والمساجد والمدارس وغيرها، وبخاصة باللغة العربية، فلا تكاد تجد معلومات شافية عن المسلمين في هذا البلد.
التنبيه السابع: يتضح للناظر في المشقات التي يعاني منها المسلمون في هذا البلد ـ وهم يحاولون وقاية أبنائهم من الذوبان في المجتمع الوثني وسلوكياته مع قلة الإمكانات وكثرة العقبات التي تقف أمامهم ـ يتضح الوزر الكبير الذي يقع على من يتسبب في بذر السموم العقدية والأخلاقية والفكرية في بلدان المسلمين في المناهج التعليمية والإعلامية والاجتماعية والسياسية، مع أن تثبيت الإيمان وإشاعة الخير والوقاية من الشر والفساد، وإعداد الأجيال في الشعوب الإسلامية سهل غير عسير، أي إن الشعوب نفسها قابلة لذلك، وهو من صميم دينها الذي تؤمن به وترغب في تطبيقه.
فبناء الأجيال في هذه الشعوب ميسرة وسائله، مقبولة مناهجه وخططه ـ بخلاف الهدم ـ وإن قيل في المثل ألف بان لهادم ـ فإنه اقتضى من أهله جهوداً ضخمة مالية وعسكرية ومناهج تعليمية وإعلامية لفرضه على الشعوب الإسلامية، ولهذا، فإن جرم الساعين في الصد عن سبيل الله في الشعوب الإسلامية شديد يستحقون عليه اللعنات المتتابعة من الأجيال الحاضرة والقادمة ومن الله وملائكته والناس أجمعين.
أقول هذا، وقد أخبرني الإخوة في الروضة (تربية الإسلام) أن بعض الآباء يحضرون أولادهم إليها من مسافات بعيدة في مدينة بانكوك الشديدة الزحام في غالب الأوقات ـ وبخاصة أوقات الدوام بدءاً وانتهاء ـ وأقول هذا وأنا أعلم مشقات أكثر على المسلمين في هذا البلد وفي غيره من البلدان المشابهة.
الخروج في سبيل الله:
التقيت في مسجد نور الإسلام مجموعة من جماعة التبليغ، وهم من الهند وسريلانكا وبنغلاديش.
وعندما علموا أنني جئت من المدينة سروا كثيراً، وجلس أحدهم بجانبي وقال لي: أنت من المدينة؟
قلت: نعم، فسلم عليّ وأخذ ينتحب بكاء، ويصلي على الرسول صلى الله عليه وسلم.
ثم قال: إنني خرجت من بلادي لمدة اثني عشر شهراً، منها شهر ونصف الشهر في تايلاند، وأظهر سروره بهذا الخروج، ويبدو أن الرجل عامي ليس عنده علم.
وقد أصبح الخروج عند أفراد هذه الجماعة كأنه غاية في حد ذاته ويسمونه الخروج في سبيل الله.
والحقيقة أن الخروج إذا كان لإبلاغ الناس دين الإسلام، بحيث يكون الخارج عنده علم شرعي قادر على إيصاله إلى الناس يتوافر فيه الحد الأدنى من شروط الداعية، وكان خروجه أكثر فائدة من بقائه في بلده، إذا لم يفوت بخروجه ما هو أعظم مصلحة، فإن ذلك أمر محمود مطلوب من أجل نشر دين الله والدعوة إليه.
وإذا كانت عنده مقدرة ليجعل هذا الخروج فعلاً في سبيل الله الذي هو الجهاد لأعداء الله مع أوليائه ـ كما هو الحال اليوم في أفغانستان التي يدمر أهلها الاتحاد السوفييتي الملحد، أو أي كافر يعتدي على بلدان المسلمين في أي أرض من أرض الله ـ بأن يشترك بنفسه أو بماله أو يحث المسلمين على القيام به ومشاركة أهله، فإن ذلك أوجب.
أما أن يكون الخروج كحال كثير من أفراد هذه الجماعة، أكثرهم يجهلون الإسلام ولا يفيدون الناس بعلم شرعي ولا دعوة ناجعة ـ وهذا بخلاف علمائهم وهم قليل ـ فإن بقاء الفرد في بلاده وبين أهله وأسرته يقوم بحقوقهم، ويطلب العلم على يد العلماء بلده، ويقوم بالدعوة ـ بعد التعلم ـ بين جهال المسلمين وبين غير المسلمين، أولى من خروجه، ولا ينبغي أن يكون الخروج في حد ذاته غاية يتنافس فيها المتنافسون، وإنما ينظر لما يحصل من ثمرة هذا الخروج على الفرد وعلى الأمة الإسلامية وعلى المجتمعات التي يخرجون إليها.
وقد سمعت من بعض الشباب الذين ينكرون جماعة التبليغ ما معناه:
أن هذه الجماعة تزعم أنها تخرج في سبيل الله، وهي تخرج من مسجد وتدخل في آخر، ولكنها لم تخرج إلى المعارك الجهادية التي غلب عليها لفظ سبيل الله، بل إنها تصد الناس عن المشاركة فيها وتدعوهم إلى الخروج الذي تسميه هي في سبيل الله!
ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم يخرج أو يأمر أصحابه بالخروج إلا لما فيه مصلحة راجحة، كالجهاد في سبيل الله، أو الدعوة إلى الله عن علم وبصيرة، أو الحج.
أما قوة الصلة بالله والقيام بالعبادة والذكر وقراءة القرآن، فإن ذلك متاح في منزل المسلم ومسجده وبلاده عامة، فلا ينبغي جعل الخروج من حيث هو غاية.!
زيارة مجلس شيخ الإسلام:
الخميس: 19/11/1409هـ ـ 22/6/1989م.
زرنا صباح هذا اليوم مجلس شيخ الإسلام. ولم نجد في أول الأمر شيخ الإسلام وإنما وجدنا عدداً من الأساتذة. ومنهم أمين عام الهيئة الإسلامية العامة التي يرأسها شيخ الإسلام، وهو الأستاذ مروان سمعون الذي ولد سنة 1940م في مدينة بانكوك.
تخرج في المدرسة الحسنية في فطاني. وقد ترجم معاني القرآن الكريم من العربية والملايوية إلى اللغة التايلاندية، و طبع ووزع على المسلمين.
وقال: إنه راعى في الترجمة أفهام الناس المعنيين ولم يخرج في ترجمته عن محيط النص.
وقد سبقه إلى ترجمة معاني القرآن الكريم إلى التايلاندية اثنان:
أحدهما: إبراهيم قرشي قبل خمسة عشر عاماً.
والثاني: شيخ الإسلام السابق إسماعيل يحياوي، بدأ الترجمة ولكن مروان أتم الترجمة قبله.
وقال: إن ترجمة شيخ الإسلام تتوسع في البيان.
وقال: إن الترجمات توجد في المؤسسات والمكتبات التجارية.
والأخ مروان إمام مسجد كمال الإسلام وقد بني قبل مائة وخمسين سنة.
مع شيخ الإسلام:
ثم جاء شيخ الإسلام ونحن نتحدث مع الأخ مروان فبدأت الحديث معه.
الاسم: محمد بن صالح (فراساريت محمد). ولد سنة 1926م في 30 مايو.

دراسته: درس على المشايخ في المسجد الحرام.
من أساتذته: الشيخ علوي مالكي، والشيخ أمين كتبي، والشيخ حسن يماني، والشيخ حسن مشاط.
وكان عمره عندما ذهب إلى الحرم 28 سنة في سنة 1934م. ومن زملائه بعض أولاد السيد أمين كتبي، زكي وهادي وسعيد كتبي، وكانت استفادته من السيد أمين كتبي أكثر من غيره من المشايخ.
وبعد أن تخرج رجع إلى تايلاند.
وسافر إلى الحج أربع مرات، قال: ولم يبق على الحياة من زملائه ـ أولاد الكتبي ـ إلا هادي وسعيد.
وسألته عن زمن دخول الإسلام في هذا البلد؟
فقال: دخل الإسلام من قديم، في عصر أيوتيا وأول من اشتهر بنشر الإسلام رجل جاء من إيران وأخوه وهما الشيخ أحمد والشيخ سعيد. [عصر أيوتيا بدأ في منتصف القرن الرابع عشر الميلادي 1350م وربما يقصد شيخ الإسلام دخول الإسلام في هذه المنطقة وسط البلاد، أما دخول الإسلام في فطاني فكان في آخر القرن الثامن الميلادي كما تعترف بذلك الحكومة التايلاندية نفسها، وراجع كتاب (تايلاند والعالم الإسلامي 68)].
وأول أثر عرف للمسلمين في تايلاند مسجد كوديكا، ومعناه عند التايلانديين معبد، لعدم معرفتهم اسم المسجد، وهو يقع بقرب جمعية الإصلاح، وسجل لدى الحكومة في الآثار ولا زال المسلمون يصلون فيه.
قلت له: كم عدد سكان تايلاند؟ قال: خمسة وخمسون مليون.
قلت: كم عدد المسلمين في تايلاند؟
قال: ما بين 6 و 7 ملايين. [والحكومة تعترف بمليونين فقط.!].
قلت: كم عدد سكان بانكوك؟
قال: عشرة ملايين تقريباً.
قلت: كم عدد المسلمين بها؟ قال: سبعمائة ألف.
قلت: كم عدد المساجد في تايلاند؟
قال: المسجل منها 2500 ولا يعرف عدد إحصائي لغير المسجل وهي كثيرة.
وعدد المساجد المسجلة في بانكوك 160مسجداً.
قلت: كم عدد المدارس الإسلامية في تايلاند؟
قال: كل مسجد يعد مدرسة لتعليم فرض العين، وهي مرحلة ابتدائية، أما المدارس الثانوية فعددها أربعمائة مدرسة، أكثرها في جنوب تايلاند، وفي بانكوك عشر مدارس ثانوية.
قلت: كم عدد الجمعيات الإسلامية في تايلاند؟
قال: كثيرة، ولكن نشاطها محدود، وفي بانكوك عشر جمعيات مشهورة، والمذهب السائد هو المذهب الشافعي.
قلت: ما الاتجاهات الفكرية الموجودة في تايلاند؟
قال: الغالب، هم أهل السنة وهم يعتقدون العقيدة الأشعرية، ويوجد قليل من الشيعة ولكنهم لا يذكرون.
وذكر شيخ الإسلام أن هناك بعض الاتجاهات الخطيرة، وبخاصة لدى بعض الشباب الذين يحكمون على غيرهم بالكفر، إذا لم يوافقهم على منهجهم، وهم الآن قليلون جداً. [قلت: وهذه من معوقات الدعوة والتأليف بين منظماتها، إذ يوجد بعض صغار الطلاب ممن قل علمهم واشتد حماسهم فنفروا الناس مما قد يكون حقاً بسبب سوء أساليبهم وإقدامهم على تكفير غيرهم].
قلت لشيخ الإسلام: ما المشكلات التي توجد عند المسلمين؟
قال: عدم الانسجام بين المسلمين والحكومة من حيث الثقافة، فالحكومة تريد من المسلمين أن يفعلوا بعض العادات التي تخالف الإسلام، والمسلمون لا يريدون ذلك، ويحاول شيخ الإسلام حل تلك المشكلات، وتوجد ثلاث وعشرون مسألة فيها خلاف بين المسلمين والحكومة، وقد حولتها الحكومة لشيخ الإسلام، وهو سيجيب عنها من حيث الحكم الشرعي والحكومة مستعدة لقبول ذلك ما دام الجواب على ضوء الفقه الإسلامي. [وقد أعطيت نسخة فيها المسائل المذكورة واجوبتها باختصار في ورقة وفقدت مني، أرجو أن أجدها وأسجل نصها هنا].
قلت: هل توجد خطة دعوية شاملة لتفقيه المسلمين في دينهم؟
قال: يوجد مشروع يسمى: نهضة المجتمع الإسلامي ورئيسه الأستاذ مروان، ومن مهامه دعوة اللجان التنفيذية للمساجد للاجتماع والتنسيق.
والهدف من ذلك محاولة جمع كلمة المسلمين وخدمتهم وتحسين معيشتهم وتفهم مبادئ الحكومة والسير في طريق واحد. [عسى أن يكون على الصراط المستقيم.!].
وسألت شيخ الإسلام عن تبليغ الإسلام إلى غير المسلمين؟
فقال: يوجد ذلك بطريق غير مباشر في الإذاعة والتلفزيون والكتب والمحاضرات في المعاهد غير الإسلامية، والحكومة لا تمنع ذلك قانوناً، بشرط أن لا يحصل من وراء ذلك مشكلات.
قلت له: هل ترى أن الحجة قد قامت على غير المسلمين؟
قال: بلغهم الإسلام عن طريق وسائل الإعلام، وإذا اهتموا بذلك فإنهم سيفهمون الإسلام.
قلت: هل يوجد تشويه للإسلام في وسائل الإعلام أو مناهج التعليم؟
فقال: لا يوجد تشويه واضح، كما هو الحال في أوروبا وأمريكا.
وقد قامت إحدى الصحف بالهجوم على الإسلام والسخرية من الرسول صلى الله عليه وسلم، واتهمته بأنه شهواني، فقام المسلمون بتحطيم مقر الجريدة وأدواتها وضربوا رئيس تحريرها، والكفار يخافون من المسلمين.
وقال هارون: نحن في أمس الحاجة إلى الحفاظ على أولادنا قبل الاهتمام بدعوة الآخرين.
قلت: نعم، ولكن هذا لا يمنع من وضع خطة لدعوة غير المسلمين في حدود طاقتنا في مواقع أفرادنا وأسرنا ومؤسساتنا.
قال شيخ الإسلام: الواجب على المسلمين في الشعوب الإسلامية الذين يستقدمون عمالاً من تايلاند أن يستقدموا المسلمين لا الكفار.
قلت: نعم، وفي ذلك فائدتان: الأولى: أن ينتفع بخيراتنا المسلمون، والثانية: أن نقي أنفسنا من فساد الكفار، والمسلمون فسادهم أقل وهم أولى بنا من غيرهم [ولكن استجابة دول المسلمين للعولمة ستكون آثارها مدمرة، نسأل الله العافية].
وسألت شيخ الإسلام عن الحالة الاقتصادية للمسلمين؟ فأجاب: دخلهم الآن أحسن من ذي قبل، وأما ملك الأراضي فهم أضعف من ذي قبل. [يحاول الصينيون أن يستولوا على أراضي المسلمين بإغرائهم بالمال كما فعلوا في سنغافورة وماليزيا ويحاولون ذلك في إندونيسيا مع أنهم أقلية].
وأما التجارة فحالة المسلمين أحسن، وقد صاروا أغنياء بسبب بيع الأراضي التي كانوا يملكونها، وقد حج منهم هذا العام تسعة آلاف شخص.
وسألته عن حالتهم السياسية، فقال: عندهم حرية في الانتخابات، ويوجد منهم في البرلمان اثنا عشر نائباً، ولا يوجد منهم وزراء.
والديمقراطية الموجودة في البلاد هي الديمقراطية الموجودة في البلاد النامية تؤثر فيها قوة الجيش وقوة المال، ولذلك لا تكون سليمة.
قلت: هل توجد أجناس غير تايلاندية في البلاد؟
فقال الأخ مروان: إن أخاه لأمه أبوه سعودي ويسمى الشيخ خالد الباقري وهو صوفي، وقد توفي، ويوجد بعض الأسر من الهند والباكستان وبنغلاديش ومن الصين وكمبوديا في الشمال.
قلت لشيخ الإسلام: ما مدى تمسك المسلمين بدينهم؟
فقال: أكثرهم يهتمون في دراستهم بالعبادات، وبعد نشاط جماعة التبليغ أصبح كثير منهم يؤمون المساجد، وكانوا قبل ذلك لا يأتيها منهم إلا القليل.
ويوجد في الجامعات التايلاندية بعض الطلاب المسلمين، ولهم اتحادات طلابية، ونشاط طلابي جيد.
والطالبات المسلمات يردن ارتداء الحجاب في الجامعات ويطالبن به، ولكن نظام الجامعات لا يأذن به، وقد يوجد في بعضها نوع من التسامح.
قلت: هل يوجد اهتمام بكتابة تاريخ المسلمين في تايلاند؟
فقال: يوجد كتاب عن الأصول الإسلامية في تايلاند باللغة التايلاندية، ألفته امرأة مسلمة، وهي أستاذ مساعد في الجامعة، وقد اهتمت بالماضي والحاضر ولكن فيما يتعلق بأصول المسلمين.
قلت: هل توجد بين مسلمي تايلاند والمسلمين في البلدان المجاورة صلة؟
فقال: توجد صلة بماليزيا بالزيارات والاجتماعات.
وقال: إن للمسلمين مجالس إسلامية في أنحاء تايلاند، وعددها 28 مجلساً، ويجتمع رؤساء هذه المجالس للتنسيق.
قلت: كيف علاقة البوذيين فيما بينهم في الجوار؟
قال: في المدن علاقات الجوار بينهم مقطوعة.
هذا وقد حضر مع شيخ الإسلام والأخ مروان الأستاذ حسيني شمس الدين، وهو رئيس مدرسة مفتاح العلوم الدينية، أما مدير المدرسة ومؤسسها فهو شيخ الإسلام، وكان الاجتماع في مبناها.
وسألت الشيخ عن ارتباط الأسر البوذية؟
فقال: كان ارتباطها من قبل قوياً، أما الآن فقد بدأ تيار الغرب يفككها، ولكن التفكك أقل من الغرب بكثير.
زيارة المعهد العلمي الديني:
ويقع بضاحية نونج شوك (NONGHOK).
المعهد يقع في شمال شرق مدينة بانكوك، يبعد عنها ـ عن وسط المدينة ـ حوالي خمسين كيلو متراً.
التقينا مدير المعهد وبعض أساتذته.
ويسمى مديره: عمران عبد الكريم ماكودي.
ولد سنة 1930م.
تخرج في كلية الشريعة بالأزهر سنة 1963م.
وكان إنشاء المعهد في المنطقة ـ في غير مقره الحالي ـ سنة 1950م أنشأه والد المدير الحالي ويسمى عبد الكريم بن أسعد، وخالاه الحاج محمد بكري، والحاج أحمد بكري، وأول مدير له هو الحاج محمد بكري.
كان عدد الطلاب في المعهد عندما أنشئ مائة طالب تقريباً، وعددهم الآن ثلاثمائة، ونصفهم من الطالبات، وكان في أول الأمر يدرس القرآن ومبادئ الإسلام والآن منهجه كامل مأخوذ من الدول العربية ويغلب عليه المنهج السعودي ـ عدا الحساب والهندسة والجغرافيا فإنها من منهج الكويت.
والمعهد يتبع مؤسسة مسجد الإسلام.
عدد الأساتذة اثنان وعشرون، منهم معلمتان، وعدد الأساتذة الذين تخرجوا في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة ويدرسون في المعهد أربعة وهم الإخوة:
1 ـ محمد هيم أنو كول، تخرج في كلية الدعوة وأصول الدين سنة 1978م.
2 ـ إسحاق شوساك فونج ماني، تخرج في كلية اللغة قبل أربع سنوات.
3 ـ جارون عبد الله تخرج في كلية الشريعة منذ سنتين.
4 ـ براسون كاكا، وتخرج في كلية الشريعة منذ سنتين.
نشاط المعهد:
للمعهد نشاط دعوي: محاضرات ندوات، وصحف حائطية في داخل المعهد، ومحاضرات في خارجه في المساجد وغيرها، ولهم برنامج إذاعي خاص بالمعهد على مستوى تايلاند وهو موجه للمسلمين وغيرهم.
أما مسجد الهدى فقد بني سنة 1929م، والمعهد يتبعه.
ومعظم سكان المنطقة من المسلمين، وعددهم أكثر من عشرين ألفاً، وعدد المساجد أكثر من عشرين مسجداً.
والفقه الشافعي هو السائد، وكذلك العقيدة الأشعرية، ولكن جماعة المعهد على مذهب السلفيين.
ويوجد قرب مسجد الهدى مسجد دار السني، وهو لا يبعد عن مسجد الهدى ـ في تقديري ـ بأكثر من خمسة عشرة متراً، وكان إنشاؤه متأخراً عن مسجد الهدى، وكانت جماعته وجماعة مسجد الهدى يصلون قبل خلاف نشأ بينهم في مسجد الهدى، وعندما اختلفوا أنشأ الآخرون هذا المسجد وانفصلوا عنهم، وهم يصلون الجمعة والجماعة منفردين، كل جماعة في مسجد مع شدة التقارب بينهم في المسافة، وبعض جماعة مسجد دار السني يدرس أبناؤهم في المعهد العلمي التابع لمسجد الهدى.
وتوجد جماعة مسلمة في أيوتيا، وهي العاصمة القديمة قبل بانكوك، وهذه الجماعة عندها خرافات وشركيات، يطوفون بقبر شيخهم ويدعونه ويستغيثون به.
هذا والمعهد يشمل مرحلتين: الإعدادية والثانوية، وقد اجتمع طلابه وطالباته اليوم في مسجد الهدى وهو يبعد عن المعهد بعشرين متراً تقريباً، اجتمعوا لصلاة الظهر ثم سماع المحاضرة المعتادة كل يوم خميس يلقيها عليهم أحد أساتذة المعهد وقد صلينا معهم الظهر وهم يرتدون لباس موحداً: الأبناء يلبسون بنطلوناً وقميصاً وطاقية سوداء في الغالب مثل طاقيات غالب المنطقة بالنسبة للمسلمين في ماليزيا وإندونيسيا وبروناي.
ولا تنازعوا فتفشلوا!
عندما رأيت مسجدي الهدى ودار السني وعلمت قصة إنشاء المسجد الثاني تأثرت تأثراً بالغاً أحزنني حزناً مضافاً إلى أحزاني السابقة بسبب تفرق المسلمين وتصارعهم وعدم تعاونهم على البر والتقوى.
إنه أمر غريب..! غريب أن يبني مسجد بجوار مسجد قديم بسبب اختلافات فرعية ويتفرق أهل المسجدين الذين لم يشرع بناؤهما وبناء كل مسجد في الأرض للمسلمين إلا للجماعة وليس للفرقة، فيؤذن المؤذنان في وقت واحد ويشوش خطيب هذا على خطيب ذلك، والمسجد القديم يتسع لهم ويمكن أن يوسع لو فرض أنه ضاق عليهم.
وتمنيت لو أن جماعة دار السني بنوه بعيداً عن مسجد الهدى بمسافة مناسبة ما داموا قد أصروا على بنائه والانفصال عن المسجد الأول.
وقد نصحت الأخوة جماعة الهدى والمعهد التابع له أن يتصفوا بالحكمة والاتزان واللين مع الناس، لأن الذي يريد التمسك بالسنة، ويدعوا الناس إليها في مثل هذه الأجواء قد يصفه الآخرون بأنه متشدد، وعليه هو أن يثبت لهم أنه ليس كما يقولون، مع عدم تنازله عن الحق الذي يعتقده في ذات نفسه، فاللين من صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحبه الله ورسوله وهو لا يوجد في شيء إلا زانه، والعنف لا يوجد في شيء إلا شانه.
ولو حرصت كل جماعة على ألا تجتمع مع غيرها إلا إذا وافقتها في كل شيء، لما وقف شخص مسلم بجانب أخيه في صلاة الجماعة في أي مسجد من مساجد الجمعة والجماعات، ولمسجدي الحرمين الشريفين قدوة حسنة لكل المساجد، حيث تتراص فيهما صفوف المسلمين من كل أنحاء الأرض، مع تباين عقائدهم الفرعية وأخلاقهم.
وقلت للإخوة: قارنوا بين المصالح والمفاسد فيما يتعلق باتصالكم بالآخرين، مشاركتكم لهم، لأن جمع الكلمة ووحدة صف المسلمين فرض لا يجوز التساهل فيه، والاختلافات الفرعية لا يجوز أن تكون سبباً في عدم التعاون وفي إيجاد التنازع والشقاق.
وطال الحديث مع الإخوة في هذا الموضوع.
والحمد لله فقد رأيت الطلاب الذين تخرجوا في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة عندهم تحمس للتمسك بالكتاب والسنة والعقيدة الصافية، إلا أن الحماس قد يجعل بعضهم يتشددون في الأسلوب والخطاب، وقد اعترفوا بذلك.
وقال أحدهم: نحن الآن بدأنا نخفف من تشددنا في الأسلوب، فدعوت الله لهم بالتوفيق.
حلاوة تعقبها مرارة:
من الأمور الخطيرة التي تهدد المسلمين مادياً وستكون سبباً في ضعفهم معنوياً، أن كثيراً منهم عندهم أراضي في تايلاند وبخاصة في منطقة بانكوك وضواحيها.
وقد ارتفع سعر الأراضي في هذا الوقت ارتفاعاً مذهلاً وأخذ بعض المسلمين ـ اغتناماً لهذا الارتفاع ـ يبيعون أراضيهم، وأكثر من يشتري هذه الأراضي هم الصينيون، ومعنى ذلك أن الأراضي ستصبح ملكاً لغير المسلمين وستشيد عليها الفنادق والمتاجر والأسواق المركزية والعمارات الضخمة، وسيأتي يوم من الأيام ليس ببعيد يندم فيه المسلمون، ويذوقون مرارة هذه الغفلة بعد أن ظنوا أنهم ذاقوا حلاوة الثمن الغالي ـ وهو في الحقيقة رخيص بالنسبة لما يؤول عليه الحال ـ وقد حصل ذلك للمسلمين في سنغافورة الذين كانوا يملكون كثيراً من الأراضي في وسط المدينة وغيره، وعندما دفعت لهم أموال مغرية في حينه من قبل الصينيين باعوها، وأصبحوا بعد فترة فقراء وأصبحت أراضيهم مزدحمة بالفنادق والشركات والأسواق المركزية والمصانع، وقد ندموا على ذلك ولات ساعة مندم، فهل يتعظ المسلمون في تايلاند بذلك.
لقد قلت للإخوة في مدرسة مفتاح العلوم وفي المعهد العلمي الديني: إن عليهم أن يوعوا إخوانهم المسلمين أهل الأراضي أن يتريثوا في الأمر ولا يسرعوا في بيعها.
وفي إمكانهم إذا رأوا المصلحة في بيع بعضها أن يخططوا فيما بينهم، ويكونوا شركات فيبيعوا بعض الأراضي ويستغلوا ثمنها مشتركين في إقامة شركات كبيرة ينافسون فيها غيرهم بتشييد فنادق وأسواق ومصانع، حتى لا يصبحوا عالة على غيرهم كما هو الحال في بلدان كثيرة.
زيارة جمعية الإصلاح:
الجمعة: 20/11/1409هـ ـ 23/6/1989م
زرت صباح هذا اليوم جمعية الإصلاح، في مقرها الذي يحتوي على مسجد ومدرسة ومكاتب إدارية.
ورئيس الجمعية هو الشيخ عبد السلام مسعودي، وكان مسافراً إلى الحجاز لأداء شعائر الحج، وقد ولد سنة 1924م.
والتقيت عدداً من الإخوة الأعضاء في الجمعية منهم نائب الرئيس: عبد الله بن إبراهيم كريمي المولود سنة 1929م في بانكوك.
درس في كلية الشريعة في دمشق، وكان قبلها يدْرس في ماليزيا، ثم مكة المكرمة، وهو الآن داعية متعاقد مع الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد في المملكة العربية السعودية، تعاقد منذ ثلاثة شهور، ويدرِّس في مدرسة دار العلوم الإسلامية.
ومنهم الأخ أحمد حمدي المولود سنة 1930م، وقد تخرج في دار العلوم بالقاهرة سنة 1962م، ودراسته قبل ذلك مثل زميله عبد الله كريم.
ومن زملائه في دار العلوم عبد الصبور شاهين وسعيد عبده، وهو أمين مكتبة جمعية الإصلاح الآن.
ومنهم الأخ مختار مسعودي المولود في 15 أبريل سنة 1929م، درَس في ثانوية حكومية في بانكوك، ودرس في جامعة كراتشي في باكستان اللغة العربية، ودرَس في جامعة جوت هارون العلوم السياسية.
وعمل في وزارة الخارجية التايلندية تنقل في عدة وظائف في سويسرا وإندونيسيا والصين، وعين سفيراً في السنغال، وهو أول مسلم تايلندي يعين سفيراً.
ومنهم الأخ عبد الرحمن حكيمي المولود سنة 1925م ويحمل ماجستير من جامعة إنديانا الأمريكية في مناهج التعليم، وهو يدرِّس الآن في جامعة ناخرين ويروج مانج سيان في شرق تايلاند.
وقد أنشأت جمعية الإصلاح سنة 1953م.
والذي قام بإنشائها الأستاذ عبد الوهاب ـ وهو إندونيسي ـ وزميله الأخ عبد الرحمن الكريمي، وهو أول رئيس للجمعية، وقد توفي منذ ثلاثين سنة.
والهدف من إنشائها نشر الدين الإسلامي وإصلاح عقيدة المسلمين والتمسك بالكتاب والسنة.
ولا تتمسك الجمعية بمذهب معين، والذي أنشأها تربى في بيت أحمد الخطيب وأخذ العقيدة السلفية منه.
وللجمعية أعضاء منتشرون في تايلاند ويتبعها مسجد أنصار السنة المحمدية، ومدرسة أنشونج بانكوك نوي ـ اسم الحي الذي أنشئت فيه ـ وهي مرحلة إعدادية وفيها حضانة.
وكان إنشاؤها منذ سبعين سنة، وهدمت في الحرب العالمية الثانية كغيرها من المنشآت هدمها اليابانيون، ثم انتقلت إلى مبنى اشتُري لها سنة 1949م، وتم بناء المدرسة الحالية سنة 1959م ويدير المدرسة الأستاذ عبد الله عيسى كريمي.
عدد أساتذتها 15أستاذاً، وبها ستة فصول وحضانة، وعدد طلابها الذكور مائة وعشرة طلاب، وعدد الطالبات تسعون طالبة.
ومنهجها يشتمل على المواد الإسلامية والمواد الحكومية، والدراسة فيها صباحاً ومساء، وهي معترف بها من قبل الحكومة، ولذلك يستطيع الطلاب المتخرجون منها أن يكملوا دراستهم في الجامعات الحكومية ويعينون موظفين في الدولة.
ويوجد بالمدرسة طلاب بوذيون يدرسون المنهج الحكومي، ووجودهم مع زملائهم من الطلاب المسلمين قد يؤثر فيهم.
وهذه الجمعية هي أول مؤسسة سارت على العقيدة السلفية، وعدد أعضائها ألفا عضو تقريباً.
ومن فروعها: المعهد العلمي الديني (سبق الكلام عنه) ومدرسة دار العلوم الإسلامية، ومدرسة النهضة الإسلامية في ضاحية من ضواحي بانكوك، والمركز الإسلامي في بانكوك.
ومن نشاطات الجمعية نشر الدعوة بين المسلمين، وهي تصدر مجلة شهرية توزع على الأعضاء والهيئات الإسلامية والمدارس والمكتبات.
ويقوم بعض أعضائها بإلقاء محاضرات في داخل الجمعية وخارجها.
أما المدرسة فلا يوجد فيها نشاط غير التعليم.
ويوجد شيء من الاهتمام بدعوة غير المسلمين.
وتقيم الجمعية أحياناً ندوة في الجامعة ويدعى لها غير المسلمين ـ مع المسلمين ـ ولكن لا توجد خطة خاصة بدعوة غير المسلمين، بل الاهتمام منصب على أولاد المسلمين.
وسألت الإخوة: هل تظنون بأن الحجة قد قامت على غير المسلمين بتبليغهم الإسلام؟
فقالوا: يبدو أن الحجة لم تقم على الجميع، وذكروا من نشاطات الدعوة الإسلامية أن المسلمين لهم برنامج إذاعي للدعوة الإسلامية.
وسألتهم عن صلة الجمعية بالجمعيات الإسلامية الأخرى، فقالوا: لا توجد خطة لذلك والاتصال يحصل عرَضاً كاللقاء في الحفلات ونحوها.
واتصل بي هذا اليوم الأخ الدكتور إسماعيل علي في الصباح وأخبرني أنه وصل إلى بانكوك من فطاني لمقابلتي فأخبرته بمواعيدي واتفقنا على أن نلتقي في الساعة الخامسة مساء في الفندق.
وجاء في الساعة الخامسة وخرجنا نتجول في النهر على مراكب الفندق وتوابعه ـ مجاناً ـ وهي تنقل الركاب من الفندق إلى بعض المطاعم وأماكن تناول القهوة وغيرها بجوار الفندق ثم تعيدهم.
واتفقنا على وضع منهج مبدئي لزيارة المنطقة الجنوبية التي أغلب سكانها مسلمون وبقي معي إلى الساعة الثامنة ثم ودعني وذهب.
زيارة السفارة السعودية:
السبت: 21/11/1409هـ ـ 24/6/1989م.
اجتمعت بالقائم بالأعمال السعودي الأستاذ عبد الله الشبيلي البالغ من العمر خمسين سنة تقريباً.
تخرج في كلية الآداب في جامعة الرياض ـ جامعة الملك سعود حالياً سنة 1384هـ ـ 1385هـ قسم التاريخ.
عمل في السكرتارية العامة في الديوان الملكي، ثم في التشريفات الملكية، ثم في وزارة الخارجية، وهو الآن وزير مفوض قائم بالأعمال.
عمل في ألمانيا ثم صار قنصلاً عاماً في بومباي في الهند، ثم عمل سنة في المراسم وله سنة في السفارة في بانكوك.
وقال إنه يعتبر نفسه حلقة وصل بين الجهات المعنية بالدعوة الإسلامية في المملكة وبين المؤسسات الإسلامية في تايلاند، ويحاول تزويد المساجد بالمصاحف وتزويد المؤسسات الإسلامية بالكتب والجرائد الإسلامية والإعلامية.
المعبد البوذي الملكي:
ثم ذهبنا لأخذ تصور عام عن المعبد البوذي الملكي في بانكوك، وهو عبارة عن مدينة صغيرة في داخل المدينة ـ بانكوك ـ وهو محاط بسور كبير على مساحة واسعة في الأرض، وقد بولغ في زخرفته وكثرة علاماته (الشبيهة بمنارات المساجد، ولا أريد أن أسميها منارات) وعلى جدرانه نقوش كثيرة قيل لي أنها تحكي تاريخ تايلاند، وأكثر نقوشه ذهبية اللون، وتوجد به متاحف لأدوات الملوك والأثاث قديماً وحديثاً، وبعض المتاحف مليئة بالمجوهرات الذهبية والفضية وغيرها.
وكان مُضِل المعبد ـ ولا أسميه مرشداً ـ كلما دخل أحد من السائحين يأمره بالجلوس، وقد تجاهلناه نحن وأخذنا نتجول بين صفوف الناس الجالسين وهم سكوت، حتى عرفنا ما في المعبد، ثم خرجنا وما فيه ـ غير ما سبق ذكره ـ إلا كثرة هياكل الأصنام المزخرفة.
زيارة دار العلوم الإسلامية:
الأحد: 22/11/1409هـ ـ 25/6/1989م
رافقني في القطار ذهاباً الأخ عبد الله كريم.
والمدرسة تقع في ضاحية ـ شرق بانكوك ـ تسمى كلونك سيب كاو (KLONG SIB KOA) وهي تبعد خمسة وثمانين كيلومتراً عن بانكوك، وهي قريبة من حدود كمبوديا.


وقد التقينا الإخوة الذين يدرِّسون في هذه المدرسة وتخرجوا في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة وهم:
عبد الغني عبد المطلب (يوناي يون مالورث) تخرج في كلية الدعوة وأصول الدين سنة 1398هـ.
والأخ عمران كودبا، وقد تخرج في كلية الشريعة سنة 1399هـ.
والأخ صالح ساسيميج ولد سنة 1947م، وتخرج في كلية الشريعة سنة 1394هـ. وهو من الطلاب الذين درستهم مادة السيرة النبوية في المعهد الثانوي بالجامعة الإسلامية. أنشئت دار العلوم الإسلامية سنة 1951م.
والذي تسبب في إنشائها هو عبد الرحمن مسعودي والد عبد السلام مسعودي، فهي من فروع جمعية الإصلاح.
ومديرها هو سليم كلين هوم، ولد سنة 1929م، والمدير الخارجي لها هو سعيد عبد الله.
وهي تضم ثلاث مراحل:
شعبة اللغة مدتها سنتان، والمتوسطة ومدتها ثلاث سنوات، والثانوية ومدتها ثلاث سنوات.
وهي معادلة في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.
عدد أساتذتها الدائمين ثلاثة عشر، ويوجد عشرة أساتذة آخرون يدرسون بعض المواد في بعض الأيام وعندهم أعمال أخرى في غيرها.
وعدد طلابها مائتان وسبعون طالباً وطالبة.
ويقوم أساتذة المدرسة بإلقاء محاضرات في القرى المجاورة وأهل القرية كلهم مسلمون، وغالب أهل القرى المجاورة بوذيون.
عدد المسلمين في هذه القرية خمسمائة وهي تابعة لمحافظة شاشونج ساو.
ولا يوجد نشاط دعوي بين البوذيين إلا في بعض المناسبات القليلة يبين فيها محاسن الإسلام.
ولهم نشاط إذاعي من الساعة الرابعة إلى الساعة الخامسة صباحاً، وفي رمضان بعد منتصف الليل إلى الصباح.
أول فوج تخرج في هذه المدرسة سنة 1969م ـ 1389هـ وطلابها يدرسون في جامعات عربية وإسلامية في الأزهر وفي الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة وفي ليبيا والجزائر والكويت والمغرب، وكذلك يدرسون في بعض المدارس في ماليزيا وإندونيسيا.
وبعد زيارة المدرسة صلينا الظهر في المسجد مع مسؤولي المدرسة وأساتذتها وطلابها، وطلب مني أن ألقي كلمة فلبيت الطلب، وكانت الكلمة تتضمن حث الطلاب على الجد في طلب العلم والاهتمام بتعلم اللغة العربية لغة القرآن الكريم، مع الحرص على العمل بما تعلموه، والدعوة إلى الإسلام.
ثم تناولنا طعام الغداء وودعنا الإخوة وقفلنا راجعين في القطار.
تفريط المسلمين في أملاكهم:
عندما بدأ القطار يتحرك في أطراف بانكوك الشرقية إلى هذه المنطقة أخذ الأخ عبد الله كريم، يشير لي إلى الحارات الواقعة على جانبي الطريق بأنها ذات أغلبية مسلمة، وبعد قليل أشار إلى مسجد كبير ذي مئذنة طويلة، وقال: إن هذا هو مسجد المركز الإسلامي، وهكذا كان بين فترة وأخرى يشير لي إلى بعض المساجد والقرى المجاورة لها.
ولكن المؤسف أن أكثر الأراضي في المنطقة كانت ملكاً للمسلمين فأصبحت ملكاً للصينيين الذين أغروا المسلمين بالزهيد من المال، وانهمكوا في شراء أراضيهم فأصبحوا يسيطرون على اقتصاد البلاد بصفة عامة، ولا زالوا يحاولون شراء الأراضي وبخاصة أراضي المسلمين.
وهكذا يفرط المسلمون في أملاكهم لغيرهم في كثير من البلدان، كما حصل في سنغافورة وفي ماليزيا وفي إندونيسيا وغيرها.
والأراضي التي مررنا بها كلها مزروعة بالرز والموز والنارجيل وأشجار أخرى مثمرة.
وعندما وصلت إلى الفندق اتصل بي الأخ إسحاق (شوساك فونج ماني) وهو متخرج في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وأخبرني أنه حجز لي ولأخيه الذي سيرافقني إلى مدينة "شانج ماي" في الشمال، حجز لنا في القطار الذي سيغادر بانكوك بعد المغرب يوم غد، وكنت أود أن يكون السفر صباحاً لأطلع على مناظر البلد في الطريق ولكن الأخ إسحاق ذكر أنه لا يوجد قطار مريح في الصباح.
ثلاث ساعات ونصف الساعة في مكتب الخطوط السعودية!
الاثنين: 23/11/1409هـ ـ 26/6/1989م.
كانت تذاكر السفر ـ حسب خط السير ـ تقتضي أن أشتري تذكرة ذهاباً وإياباً من بانكوك إلى فطاني ومنها إلى بانكوك، لأن خط السير تضمن السفر من بانكوك إلى كوالالامبور، وأنا في غاية الشوق لزيارة المسلمين في أراضيهم السليبة، وما أكثر الأراضي السليبة للمسلمين.
ونصحني بعض الإخوة بأن أغير خط السير ـ بدلاً من الذهاب إلى فطاني ثم الرجوع إلى بانكوك ـ إلى فطاني فكوالالامبور مباشرة لوجود طائرات من هناك رأساً وهي قريبة ـ أي فطاني ـ من الحدود الماليزية، فاستحسنت ذلك، وذهبت إلى مكتب الخطوط السعودية وطلبت منهم ذلك التغيير، إضافة إلى تغيير خط السير من سنغافورة إلى مانيلا، بحيث يكون من سنغافورة إلى بروناي، ثم إلى مانيلا، فوافقوا على ذلك وأخذوا يحسبون ويطرحون ويضربون ويجمعون عن طريق الآلة السريعة الكمبيوتر، ولكنهم استغرقوا في هذا التغيير ثلاث ساعات ونصف الساعة، وكان النتيجة طلب مبلغ زهيد ـ لا أذكر كم هو الآن ـ إضافة إلى التذاكر فأعطيتهم، وعندما نظرت إلى خط السير وجدتهم قد حذفوا بروناي فأعدتها إليهم فعدَّلوا وأضافوا، وحمدت الله على تمام ذلك، ولكن الموظفة قالت لي عن طريق المترجم: أرجو أن لا تتعب غيرنا مرة أخرى بالتغيير! فوعدتها خيراً.
السفر إلى مدينة شانج ماي:
ذهبنا بعد ذلك إلى الفندق وتناولنا طعام الغداء، ثم حاسبنا الفندق وذهبنا إلى محطة القطار الذي حجز لنا فيه غرفة مكيفة في الدرجة الأولى سريرين أحدهما لي والآخر لمرافقي، وهو طالب جاء من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة لقضاء الإجازة الصيفية في بلاده، نجح من شعبة اللغة العربية إلى المعهد الثانوي بها، يسمى: عبدالرحمن بن حسين، وهو في طريقه من المدينة المنورة إلى بلده في ضاحية من ضواحي شانج ماي، وعمره تسعة عشرة عاماً، وقد أظهر فرحه الشديد بتمكنه من طلب العلم في الجامعة الإسلامية في المدينة، وفرحه الأشد بتعلمه العقيدة السليمة المأخوذة من الكتاب والسنة على مذهب السلف الصالح، وهي العقيدة التي حذره منها بعض كبار السن المتصوفة في بلاده قبل أن يسافر إلى المدينة.
تحرك القطار في الساعة الثامنة إلا ربعاً مساء.
لا أدري كيف أدعو الناس؟!
الطريق إلى شانج ماي طويل استغرق الليل كله وجزءً من النهار كما سيأتي.
وقعد عبدالرحمن بن حسين، واسمه التايلندي: (أدول فونج ماني) بجانبي على سريري وأخذنا نتحدث، ورغبت كعادتي أن أعرف حياة هذا الشاب الحديث السن، فحكى لي قصة حياته:
قال: إنه نشأ يتيماً بوفاة أبيه، وأن أمه تزوجت بهندي مسلم جاء إلى بلاده قبل تقسيم الهند، ودرس عبد الرحمن في المدرسة الابتدائية الحكومية،وكان في المساء يدرس عند بعض أئمة المساجد بعض مبادئ الإسلام، ورغب في أن يلتحق بمدرسة دينية في بانكوك، فلم يتمكن من ذلك لعدم وجود من ينفق عليه وهو لا يجد شيئاً لذلك، ففاتت عليه سنة كان يعمل خلالها فلاحاً رغم صغر سنه ثم يسر الله له بعض قريباته فأنفقت عليه والتحق بالمعهد العلمي الديني.
وبعد أن تخرج من هذا المعهد هيأ الله له الالتحاق بالجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، ونجح بامتياز من شعبة اللغة العربية، وسجل بالمعهد الثانوي التابع للجامعة.
وقال: إنه في غاية السرور بذلك، وأنه يصل ليله ونهاره للاجتهاد في طلب العلم، ويحفظ ما يستطيع من القرآن والحديث والنصوص الأدبية، وقال: إن بلاده مليئة بالشرك والوثنية والبوذية، ولا توجد جماعة تحاول نشر الإسلام إلا جماعة التبليغ حسب فهمها للإسلام، وكثير من أعضائها ليس عندهم علم شرعي، وكثير من المسلمين متعصبون للمذاهب، وتوجد قباب على بعض قبور المسلمين، والناس يقرؤون عليها القرآن ويتبركون بها. وسكت عبد الرحمن قليلاً ثم تنهد وقال: لا أدري كيف أدعو الناس؟!

قالها بحرقة وحسرة وألم وكاد يبكي عندئذ!
ما أشبه حالتينا في بداية طلبي العلم!
فنظرت إلى وجهه وتذكرت أيام صغري عندما بدأت طلب العلم وكنت احترق غيظاً من الجهل الذي كان منتشراً في بلدي ـ اليمن ـ وما يوجد بسببه من الخرافات والبدع من قبل الجهال وأرباع العلماء، وكنت في أيام الصيف أذهب من سامطة التي كنت أدرس فيها في المعهد العلمي وهي قريبة من الحدود اليمنية، إلى بلدي فأدعو إلى الإسلام بحسب ما أفهم وما أملك من أسلوب فأواجه صعاباً ومشقات، وكان أسلوبي بسبب صغر سني وقلة علمي أسلوباً شديداً لم أعرف شدته إلا بعد وقت طويل.
نظرت إلى عَيْنَيْ عبد الرحمن وأنا استحضر أيام صغري واغرورقت عيناي إشفاقاً على هذا الناشئ الصغير الذي يسأل ـ متحيراً ـ لا أدري كيف أدعو الناس؟؟!
سنه صغير وعقله مثله، وعلمه قليل، ومهمته عظيمة، حوله الشرك البوذي كالأمواج المتلاطمة، وجهل المسلمين بدينهم، وعبد الرحمن قد تعلم العقيدة الصحيحة وذاق حلاوتها، ويرى كثيراً من الناس محرومين منها، ويود لو أنهم تمتعوا بها كما تمتع بها هو، كما تعلم العمل الصالح المبني على الإخلاص لله ومتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم، ويتلهف ليوصل ذلك إلى المسلمين الذين هم في أمس الحاجة إليه، ولكنه قد عرف أن كبار المسلمين هنا قد عاش صغيرهم على ما مضى عليه كبيرهم، وقد حذروه من هذه العقيدة والانصياع للمذهب الوهابي.!
ماذا يفعل هذا الناشئ في هذا الجو، هل يعمل بما تعلمه وإن بدا شاذاً بين قومه، هل يرفع يديه في الصلاة ولو أغاظ الجهال المنتسبين إلى الحنفية؟ أو يترك الرفع ولو أغاظ الشافعية [منطقته يوجد فيها الحنفيون الصينيون والشافعية] وهل ينصح الناس بترك ما يعتقد أنه بدعة ويفعل ما يعلم أنه سنة، وهو وحيد في المنطقة قد لا يجد له نصيراً من البشر، وقد يطردونه من البلد ويحتقرونه لصغر سنه.
فكرت في ذلك كله بعد أن سمعت تلك الكلمة: كيف أدعو الناس؟؟!
من المسؤول عن الإجابة على هذا السؤال؟
فكرت ملياً في هذا السؤال ثم قلت في نفسي: يا بني هذا السؤال يجب أن يوجه أولاً إلي أنا وإلى أمثالي من أساتذتي وزملائي المسؤولين في التربية والتعليم في الجامعات والمعاهد الإسلامية، ويجب أن تجد الجواب عن سؤالك في كل سطر تقرأه وفي كل صفحة تقلبها، وفي كل حركة يتحركها معلمك وكل نشاط تقوم به المؤسسات التعليمية، فما أصعبه من سؤال! ليس عليك وعلى أمثالك فحسب، ولكن عليّ أنا وعلى زملائي الذين لك عليهم حق الإجابة عن هذا السؤال: كيف أدعو الناس؟؟!
ستجد يابُنَيَّ من يجيبك قائلاً: قف أمام الناس واصرخ فيهم بكلمة الحق التي تعتقد، ولا تبال بأحد واصبر على ما أصابك فقدوتك الأنبياء والرسل والدعاة إلى الله، فقل للمشرك: يا مشرك، وللمبتدع: يا مبتدع، وقاطع كل من يخالف ما تعلمه، فلا تصل وراء مبتدع ولا تؤاكله ولا تشاربه ولا يرى منك إلا عبوس الوجه والهجر والإدبار حتى يقلع عن بدعته، ولو بقيت في الميدان وحدك.
وستجد من يقول لك: لا تتعب نفسك، فالناس قد ألفوا ما عندهم من شرك ـ إن كانوا مشركين ـ ومن بدع ـ إن كانوا مبتدعين ـ وسوف لا يستجيب لك أحد، وأنت صغير السن قليل البضاعة، والسلامة خير لك!!
وستجد من يقول لك كلاماً مجملاً لا تستطيع أن تطبق حقيقته لبعد مرماه وعدم وضوحه في ذهنك: عليك بالحكمة والصبر على الأذى والحكمة وضع الأمور في مواضعها!
وستجد من يقول لك: إن الذي تعلمته مذهب خامس شاذ عن بقية المذاهب الإسلامية، فعد إلى مذهب أبيك وجدك!
جالت كل هذه المعاني بذهني في وقت قصير، وتذكرت ما عانيته من مشقة في صغري ـ صغر السن وقلة العلم وعدم المرشد ـ وكنت أدعو الناس كيفما بدا لي: قاطعت إخواني وأقاربي وجيراني وهجرت الصلاة وراء أئمة المساجد، وحرَّمت على نفسي أكل لحوم ذبائح عامة الناس، لأنهم عندي كلهم مشركون ـ ولو كانوا جهالاً لم يصل إليهم البلاغ المبين إلا من علِم مثل علمي وصرَّح باعتقاد ما أعتقد، وقد نفع الله بدعوتي تلك بعض النفع، ولكن لو وجدت من يقول لي: كيف أدعو الناس لكان في ظني نفعها أعظم..
وكنت أفرح فرحاً شديداً بوجود شخص يوافقني على ما أدعو إليه، للوحشة التي كنت أعانيها من مقاطعة الناس الذين كنت أعتبرهم مشركين ومنهم إخواني أبناء أبي.
بعد هذا كله أخذت أحاول الإجابة عن سؤال عبد الرحمن، ومكثت فترة طويلة وأنا أشرح له معنى الحكمة وأضرب له بعض الأمثلة، وأبين له معنى اللين والصبر، وكيف يتصل بالشباب الذين هم في مستواه أو أكبر أو أصغر قليلاً، وما يعاملهم به من الصداقة والمودة، والتريث في نصحهم والتدرج وكسبهم بالقدوة الحسنة، ومدارسة بعض السيرة النبوية لإيجاد القوة الإيمانية فيهم ومحبة الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم النصح في المناسبات بالتدرج، وكيف يعامل الكبار من الاحترام والأدب، وعدم مناقشتهم المباشرة وبخاصة الذين يدَّعون العلم، وإنما اتخاذ أسلوب السؤال والاستشكال، وكان عبد الرحمن يصغي إلي إصغاء شديداً ويُطرق إطراق المشدوه، وينظر إليَّ بعينيه نظرة تكاد تنفذ بها إلى قلبي كما أن أذنيه تكاد تلتصق بفمي.
تقديم المستحب على الفرض!
ومن الأمور التي شكا منها عبد الرحمن حادثة وقعت في قريته في رمضان الماضي:
قال: إن إمام المسجد يصلي بالناس عشرين ركعة كما هي عادة الناس، وكما يفعل أئمة الحرمين، ويوجد شاب مهندس تعلم من بعض السلفيين أن السنة في القيام سواء كان في رمضان أو في غيره عدم الزيادة على عشر ركعات والإيتار بواحدة، فتكلم المهندس في المسجد بذلك، فلما لم يأخذوا بقوله جمع بعض الشباب، وترك حتى صلاة الفريضة وراء إمام المسجد وصلى بالشباب في البيت، واشتدت المنازعة بين الفريقين واضطر المهندس أن يترك القرية بسبب ذلك.
وقال لي عبد الرحمن: ماذا أفعل إذا سئلت؟
فقلت له: يا بني! إن هذا المهندس قد فرط في الفرض حفاظاً على ما هو مستحب ـ عند بعض العلماء ـ وهذا دليل على جهله وجهل من أمره أن يفعل ذلك.
قال عبد الرحمن: ماذا تقصد بالفرض والمستحب؟
قلت: الفرض السعي في اجتماع كلمة المسلمين، وصلاة الجماعة في المسجد عند بعض العلماء واجبة، والمستحب ـ عند بعض العلماء ـ هو الاقتصار على عشر ركعات في قيام الليل ـ مع وجود أقوال للعلماء في المسألة ـ والأصل تقديم الفرض أو الواجب على المستحب، والأمور الاجتهادية ليست محل إنكار عند المحققين من العلماء.
أما ماذا تقول لهم إذا استفتوك في هذه المسألة؟ فأجبهم بما يأتي: أنا لا أزال طالباً صغيراً، لا أصلح للفتوى ورأيت أئمة الحرمين يصلون عشرين ركعة غير الوتر، ورأيت الناس يصلون وراءهم حسب رغبتهم، منهم من يتم معهم الصلاة ومنهم من يصلي دون ذلك، كما رأيت بعض أئمة المساجد في مكة والمدينة في غير الحرمين الشريفين يصلون ثماني ركعات أو عشراً بدون نزاع ولا خصام، ويكفيك هذا الجواب.
ففرح عبد الرحمن بذلك، وقال: الحمد لله الذي جمعني بك قبل أن أصل إلى قريتي.
ومن المدن التي مررنا بها في الطريق مدينة لمبانج وبها مسجد واحد، بناه الشيخ الأنصاري المدني قبل ثلاث سنوات.
ثم بعد تلك المذاكرة مع الأخ عبد الرحمن تناولنا طعام العشاء وأخذ كل منا مضجعه، فنام صاحبي، وبقيت بدون نوم أفكر في هذا السؤال وحاجة الدعاة إلى الله إلى الإجابة الواضحة عنه، وأننا في أمس الحاجة إلى إيجاد مادة في المعاهد والجامعات الإسلامية خاصة بالإجابة عنه ليعْلمه المدرس والطالب معاً.
وقد يظن بعض الناس من الذين لم يمارسوا الدعوة مع فئات مختلفة من البشر أن في كلامي هذا تهويلاً للأمر، ولكن إشارة الرسول صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل عندما قال له: ((إنك تأتي قوماً أهل كتاب...)) تشير إلى أن الإجابة عن هذا السؤال مهمة وأن الداعية لا بد أن يستعد بها.
وقد يقول بعض من يدرس مادة الدعوة نظرياً في أي مؤسسة إسلامية أن الجواب على هذا السؤال سهل، وأن في القرآن والسنة والسيرة النبوية الجواب الكافي عن هذا السؤال!
وأقول: حقاً حَقاً حقاً إن في القرآن والسنة والسيرة النبوية ما يكفي ويشفي، ولا يشك في ذلك إلا جاهل، ولكن الإجابة الشافية من كثير ممن يتصدرون للدعوة في بعض البيئات، أو يدرسون مادتها، ليست سهلة ولا يسيرة، ولقد وجدنا كثيراً ممن تخرجوا في كليات ومعاهد إسلامية غير قادرين على الإجابة عن هذا السؤال بالممارسة العملية، بل رافق بعضهم الفشل الذريع في كثير من المجتمعات الإسلامية، ووجدنا بعض طلاب الجامعات والمعاهد التي تسمى بالعلمية ولا توجد فيها مواد إسلامية أكثر قدرة على الإجابة عن هذا السؤال بممارساتهم العملية، لأنهم خالطوا تلك المجتمعات وتربوا على قليل من العلماء الذين لهم خبرات في هذا المجال...
حركة القطار المزعجة:
ومما زاد نفور النوم عن عيني حركة القطار والضوضاء التي تحدثها أدواته، وكانت الطريق في وسط الجبال في كثير من الأحيان والغابات تكتنف قضبانه وهو يعلو جبلاً ويهبط منه، وكنت أنظر إلى جهة منه فأرى صخور الجبال تكاد تلامسه وأنظر إلى جهة أخرى فأرى شِعباً عميق البعد، لو مال إليه قطارنا ما بقي من ركابه مخبر، فقلت مخاطباً القطار: