رحلات باكستان والهند

الرحلات | سلسلة في المشارق والمغارب | 19 صفحة
صفحة 4 من 19 2- في مدينة لاهور

2- في مدينة لاهور

2- في مدينة لاهور

في المنصورة (مقر الجماعة الإسلامية):

وكان في استقبالنا الأخ فيض الرحمن (رحمه الله) كُلِّف باستقبالنا من قبل الجماعة الإسلامية بسيارة خاصة، واصطحبنا معه إلى مدينة المنصورة الخاصة بالجماعة والتي تحتوي على دار للضيافة ضمن مبانيها تتكون من دورين، وهي شبيهة بفندق صغير.
وكان في استقبالنا الأخ الأستاذ خليل الحامدي مدير دار العروبة، وهي إدارة مختصة بما يتعلق باللغة العربية ترجمة وتأليفاً وغير ذلك، وقد هيئوا لنا غرفة خاصة نزلنا بها فشعرنا بالارتياح ونحن ننزل بين إخوة أحبة في الله، واسترحنا من أجواء الفنادق التي سئمنا النزول بها.
وكان مجلس شورى الجماعة عند وصولنا منعقداً، وخرج رئيس المجلس، وكان عندئذ قاضي أحمد الذي أصبح أمير الجماعة بعد الأستاذ طفيل، خرج من الاجتماع مرحباً بنا، وقال: إننا نرغب في حضورك معنا لتعرف أحوالنا ونستفيد منك، فقلت له: أرجو ألا تستسمن ذا ورم، فلست بذاك، ثم أنتم تتحدثون بلغتكم، ولو حضرت لاضطررتم إلى ضياع الوقت في الترجمة، بدون فائدة.
وبعد قليل من نزولنا جاء إلينا الأستاذ طفيل محمد أمير الجماعة وبعض أعضاء الجماعة فرحبوا بنا وأظهروا سرورهم لزيارتنا، فشكرناهم على حسن الضيافة والاستقبال.
وبعد أن قدم لنا طعام العشاء، صلينا العشاء ثم نمنا إلى الصباح.

الأربعاء 28/8/98هـ

بعد صلاة الفجر بقليل جاء إلينا الأخ خليل الحامدي وقُدِّم طعام الإفطار والشاي، ثم أخذنا الأخ خليل الحامدي لزيارة المدينة "المنصورة" التي تشتمل على مباني سكنية لعوائل العاملين المتفرغين من الجماعة، وعلى رأسهم أمير الجماعة، ومكاتب إدارية، ومسجد كبير بجواره مسجد صغير للنساء، فصل عن مسجد الرجال بجميع مرافقه، ولكنه وضع ليكون صالحاً لتصلي فيه النساء صلاة الجماعة مع الرجال، والدور الأعلى في المسجد خصص ليكون معهداً وضع له منهج يخرج المسلم الذي يجمع بين علم السلف والعلوم المعاصرة.
وعندهم مشروعات للمستقبل جيدة، ولكنهم يسيرون خطوة خُطوة في التنفيذ حسب استطاعتهم.

مع أمير الجماعة الإسلامية:

ثم زرنا الأستاذ طفيل أمير الجماعة الذي كان في انتظارنا في مكتبه، وشرح لنا منهاج الجماعة الإسلامية في العمل والأوضاع الحالية في الباكستان، وطلب منا أن ندعو للباكستان بأن يبلغها الله غايتها التي انفصلت عن الهند من أجلها وهي تطبيق الإسلام، وأثنى آنذاك على الجنرال ضياء الحق وذكر أنه يريد تطبيق الإسلام في الباكستان، كما يظهر من حاله وأعماله، والله سبحانه المسؤول أن يذلل الصعاب التي تعترضه في ذلك. [اختلفت الجماعة بعد ذلك مع ضياء الحق بحجة أنه لم يطبق نظام الشورى، ولكل وجهة نظر... والله المستعان. راجع الكلام عن ضياء الحق وقصة اغتياله في المجلد الثاني عشر في رحلة البرتغال. الصفحات (92-99)].
وكان قد ضرب لنا موعداً مع الأستاذ أبي الأعلى المودودي أمير الجماعة سابقاً، وحدد الموعد بعد صلاة العصر من هذا اليوم عدنا بعد ذلك إلى مقر نزولنا.

زيارة الأستاذ المودودي:

وبعد صلاة العصر اصطحبنا الأستاذ خليل الحامدي (رحمه الله) لزيارة الأستاذ المودودي في داخل المدينة، وكان، وصولنا إلى منزله في تمام الساعة السادسة مساء، وكان عنده بعض الزوار، ولم ننتظر في غرفة الانتظار إلا دقيقتين تقريباً، فخرج الذين كانوا عنده ودخلنا نحن إلى الغرفة الصغيرة التي انطلقت منها صيحات إنذار الأستاذ المودودي منذ أكثر من ثلاثين سنة، وفيها ربى رجاله الذي رأى فيهم ثمار تربيته في حياته.
لم أكن قد رأيت الأستاذ المودودي شخصياً على رغم أنه زار الحجاز وزار المدينة المنورة، وأنا موجود فيها، عندما كنت طالباً بالجامعة الإسلامية في كلية الشريعة وهي أول كلية أنشأت بالجامعة، لأني في تلك الفترة لم أكن قد قرأت كتب المودودي بإمعان، وإن كنت مررت مروراً سريعاً ببعضها، ولكني بعد ذلك قرأت غالب كتبه فرأيت فيها عمق التفكير وتشريح الواقع الذي تعيشه الأمة الإسلامية، وبيان الجذور التي أثمرت هذا الواقع داخلية كانت أم خارجية، ثم الدعوة إلى تغيير هذا الواقع الأليم، بأسلوب الإسلام في الدعوة والتربية والتكوين وإقامة راية الإسلام، بإقامة نظامه الذي طبقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ومن سار بعدهم على هديهم.
كما سمعت عن المودودي أنه كان يطبق ما يدعو إليه فعلاً، فتعرض للمخاطر والمضايقات والسجون والمعتقلات، وهو واقف كالجبل الأشم الذي لا تحركه عواصف الامتحان والابتلاء، من قبل قوم أذاقوا المسلمين وبالاً وشعوبهم فناء، كل ذلك جعلني أشتاق للقاء عملاق الفكر الإسلامي الذي أنجب أمة عاهدته على السير في طريقه الذي هو طريق الرسول صلى الله عليه وسلم، ألا وهو الدعوة إلى الله على بصيرة مع الصبر على الأذى مهما كان ذلك الأذى.
دخلنا غرفة الأستاذ المودودي، وهو يقعد على كرسي عادي، بجانبه بعض الكراسي المشابهة للزوار، فسلمنا عليه ورحب بنا، وجعلت أحييه وأنا أنظر إلى هذه الغرفة التي ملئت بالمصادر الإسلامية باللغة العربية والإنجليزية والأردية، وعن يساره من الجهة الشمالية الشرقية من الغرفة يوجد الباب الذي يدخل منه ويخرج إلى غرفة نومه، ومنها إلى هذه الغرفة، وعندما سألناه عن حاله أجاب بقوله: الحمد لله، اشتدت عليّ الآلام من مدة سبعة شهور حيث أشعر بأني مشلول النصف الأسفل.
وعمر الرجل خمس وسبعون سنة، كان أغلبها في جهاد وكفاح مريرين، ولا زال الرجل يجاهد ويكافح، إذ يقضي ثماني عشرة ساعة يومياً في العمل كما أفادنا الأستاذ خليل الحامدي.
وكانت عندي بعض الأسئلة تتعلق بنقد بعض العلماء في الباكستان للمودودي كنت أود أن أساله عنها، ولكنه في تلك الحال لا يتحمل كثرة النقاش وإطالة الكلام، وكان يتكلم معنا باللغة العربية وإن كان فيها ثقل فهي مفهومة، وسُئل الأستاذ المودودي أن يقدم نصيحة لنا وللمسلمين فلم يزد على وصية الله للأولين والآخرين، وهي تقوى الله وخشيته في السر والعلانية.
والسؤال الوحيد الذي طلبت منه الإجابة عنه، هو: هل الشورى ملزمة أو معلمة؟
فقال: بل هي ملزمة.
قلت: إذا رأى غالب جماعتك رأياً، ورأيت أنت خلافه، وأنت مقتنع بأن رأيك هو الصواب، ورأيهم خطأ، وإذا نفذ رأيهم توقعت أن تكون آثاره خطيرة على الدعوة، فما ذا تفعل، وأنت أمير الجماعة؟
قال: إذا كان الأمر كذلك فسأحاول أن أبين لهم وجهة نظري وما يترتب عليها من مصالح، وما يترتب على رأيهم من مفاسد، فإن اقتنعوا بذلك، وإلا قدمت استقالتي من إمارة الجماعة.
وتخفيفا عن الرجل استأذنا لندعه يستريح فأذن لنا ودعا لنا بخير، وبعد أن خرجنا وأردنا أن نركب السيارة جاءنا مدير مكتبه الخاص الذي لم يكن موجوداً من قبل، يطلب منا الرجوع إلى غرفة الاستقبال لنتناول الشاي أو البارد، وكان ذلك بطلب من الأستاذ المودودي، الذي قال لمدير مكتبه اعتذر لي منهم لخروجهم من عندي قبل أن يتناولوا شيئاً، ولا بد أن يُقدم لهم شيء، فحققنا رغبة الأستاذ ثم خرجنا.
وسألت الأستاذ خليل الحامدي عن الدار التي يسكن فيها الأستاذ المودودي بأسرته أهي ملك له أم مستأجرة؟ فأجاب: عندما انفصلت باكستان عن الهند أقام أعضاء الجماعة الإسلامية المخيمات في مدينة لاهور، ثم استأجرت الجماعة هذه الدار منذ ثلاثين سنة، وأخذ الأستاذ المودودي شقة منها لأسرته وكان يعطي الجماعة أجرتها سنوياً، وعندما ارتفعت الأسعار كان هو يزيد باستمرار، ويقول: كما يزيد الناس في الأجرة فأنا يجب أن أزيد.
وفي عام 1973م اشترى المودودي المنزل فأصبح ملكاً له، بعد أن اشترى للجماعة الأرض التي أقيمت عليها مدينة المنصورة حالياً.
وقد تنازل الأستاذ المودودي عن إمارة الجماعة بصفة رسمية، ولكن الجماعة لا زالت تتجمع حوله كما يتجمع خلايا النحل على اليعسوب يستشيرونه في أمورهم المهمة، وهو ينصح ويشير. [ولقد نقل إلينا نبأ وفاة مجدد القرن الرابع عشر الهجري عملاق الفكر الإسلامي المجاهد في سبيل الله العلامة الشيخ أبي الأعلى المودودي رحمه الله في يوم 22 سبتمبر 1979م. حيث وافته المنية في إحدى مستشفيات نيويورك، وقد نقل جثمانه بعد ذلك بثلاثة أيام حيث صلى عليه في كراتشي وإسلام أباد ما يقارب مليوناً من المسلمين. وقد هز نبأ وفاته العالم الإسلامي كله، وقد وجهت خطاب تعزية لأمير الجماعة الإسلامية الأستاذ طفيل محمد، بعد سماع نبأ وفاته كما أنشأت قصيدة في رثائه رحمه الله بعنوان: (غوثاه) وقد نشرت في العدد الأول من السنة الثانية عشرة من مجلة الجامعة الإسلامية. وكانت وفاته في وقت إعدادي هذه المذكرات للطبع، رحمه الله رحمة واسعة].
وفي طريقنا إلى المنصورة تعطلت بنا السيارة، فاستأجروا سيارة لإيصالنا، وعندما ركبنا نزل السائق وهو شيخ كبير السن مثل سيارته، فأخذ يغلق الأبواب من خارج السيارة بقوة ليطمئن أنها أغلقت، والظاهر أنها لا تغلق إلا بمثل تلك القوة، لأنها متصلبة، كبقية هيكلها وأخذت ترتفع منها أصوات ضربات الحديد بعضه ببعض، وعندما أظلم الليل لم نر للسيارة نوراً فسألناه إن كان للسيارة نور؟ فمال بسيارته إلى جانب الطريق ونزل منها ففتح غطاء الماكينة وأشعل النور من هناك بسبب عدم إيصال النور بالمفتاح الذي عنده في داخل السيارة.
وهنا تواردت الذكريات السودانية على الزميل الدكتور محمد بيلو فقال: كأننا في السودان، ثم شرح ذلك بحالة السيارات في السودان بأنها لا تختلف عن هذه، ولقد وصلنا إلى مدينة المنصورة في تلك السيارة والحمد لله.

الخميس الموافق 29/8/1398هـ

بعد أن تناولنا طعام الإفطار تم اللقاء مرة أخرى بالأستاذ خليل الحامدي الذي زودنا ببعض مؤلفات الأستاذ المودودي.

نبذة موجزة عن حياة المودودي:

1_ ولادته: ولد بمدينة أورنك أباد في ولاية حيدر أباد في أسرة هندية فاضلة اشتهرت بالدين والفضل والعلم.
2_ تعليمه: التحق بمدرسة دينية في سن الحادية عشرة، وقد كان والده على ثقافة عالية، رفض هذا الوالد أن يرسل أولاده إلى المدارس الإنجليزية ومنهم المودودي، ولم يتمكن المودودي من إكمال تعليمه وحصل على الشهادة الثانوية فقط، لتدهور صحة والده بسبب إصابته بالشلل، فانصرف إلى خدمة والده وتعلم منه في المنزل اللغات الأردية والعربية والفارسية والإنجليزية، ولم تطل حياة هذا الأب الفاضل ففقده المودودي في يفاعته وهو في السادسة عشرة من عمره.
3_ أهم أعماله: تولى منصب رئاسة التحرير في كبريات صحف الهند مثل "تاج" و"مسلم" وصحيفة "الجمعية" في دلهي، ثم أصدر مجلته الشهيرة بـ"ترجمان القرآن" عام 1923م وقدم على صفحاتها تصوراً واضحاً للإسلام، ولكنه خطا خطوات أعظم آثاراً في ميدان العمل الإسلامي، بإيجاد تجمع حركي يتمثل هذا التصور الواضح للإسلام في حياته الواقعية.
وأول خطوة خطاها في هذا السبيل إنشاؤه "دار السلام" عام 1938م بدأت هذه الدار بأربعة رجال شاركوه في تبني الفكرة، وأخذ العدد يتزايد يوماً بعد يوم، مما شكل خطراً على المودودي نفسه، وبدأت حملات مكثفة للنيل منه شأن كل داعية يكون له أثر في دنيا الناس، كما أرجف به المرجفون وجسموا له المخاطر التي ستحيق به إن هو واصل السير في هذا الميدان الإسلامي، فقال قولته الشهيرة الفياضة بروح اليقين والثقة بالله، قال: وهل خفي عني كل ذلك عندما أقدمت، لقد أعددت للشدة يقيناً وللمعوقات ديناً، وللظلم صبراً، وللسجون قرآناً وذكراً، وللمشانق: {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} هذا اليقين والإيمان هو الذي يقف في وجه الطغيان المائج الهائج، ولا يقدر على ذلك من لا يملك هذه الروح وهذا الإيمان والتجارب أمامنا أكبر برهان.
تعرض المودودي للسجون واعتبرته السلطات الحاكمة خطراً عليها، فشددت الرقابة عليه وزجوا به في السجن في أكتوبر عام 1948م وأطلق سراحه في 28من مايو سنة 1950م ثم قبض عليه في 28من شهر مارس عام 1953م عندما كتب كتابه "المسألة القاديانية" ثم أطلق سراحه في 7من مايو في نفس السنة، ثم اعتقل مرة أخرى في العام نفسه وقدم إلى محكمة عسكرية حكمت عليه بالإعدام شنقاً.
وحين سمع المودودي الحكم وقف في ملابس الإعدام وخاطب ابنه قائلاً: "لا تضطرب يا بني.. لو ناداني ربي إلى جواره وحانت لحظات اللقاء فعلى الإنسان أن يذهب للقاء ربه مسروراً، وإذا لم يصدر حكمه عز وجل في هذا الأمر، فلن يشنقوا لي إصبعا واحداً رغم كل من شنقوهم من قبل".
واهتز العالم الإسلامي لنبأ هذا الحكم وانهالت برقيات الاحتجاج، وتدخلت حكومة المملكة العربية السعودية في ذلك الوقت، فخفف الحكم إلى السجن المؤبد وحين طلب منه أن يلتمس العفو رفض في عزة المؤمن بالله قائلاً: "إن تعليقي على حبل المشنقة أهون عليّ من أن أطلب العفو من أناس يعرفون جيداً ما هي التهمة الموجهة ضدي". [قلت ما أشبه موقف سيد قطب رحمه الله بموقف الأستاذ المودودي، عندما طلب منه أن يوقع اعتذاراً للطغاة الذين اعتقلوه مراراً ثم حكموا عليه بالقتل، فلم يزد على قوله: إن السبابة التي أشير بها إلى توحيد الله لا يمكن أن توقع على ورقة اعتذار لهؤلاء الطغاة أو كما قال رحمه الله].
قال الأستاذ خليل: وفي هذا السجن أكمل المودودي لتفسيره الشهير بـ"تفهيم القرآن" في سبعة مجلدات.
وفي سنة 1955م صدر حكم بالإفراج عنه وعن زملائه، ثم في عام 1967م اعتقل مرة أخرى لمدة شهرين ثم أطلق سراحه، هكذا كانت حياة المودودي سلسلة متصلة الحلقات من الكفاح الطويل والنضال المرير.
وألف مجموعة من الكتب الفكرية هدف منها إلى تنقيح الأفكار وغربلة الدعوات ومعالجة المشكلات، في الاقتصاد والاجتماع والتربية والسياسة، كما هدف إلى إفراغ التعاليم الإسلامية في قالب عصري يلائم مدارك أهل العصر وأذواقهم مع الاحتفاظ بالأصالة الإسلامية التي لا تمييع فيها ولا جمود، وقد كشف النقاب عن عورات زنادقة هذا العصر والمنحرفين والقاديانيين، وفند مزاعم منكري حجية السنة وانتقد جمود بعض علماء المسلمين، وزيف أباطيل المتصوفة المنحرفين عن منهج الكتاب والسنة، ومعظم تراث هذا الداعية باللغة الأردية لم يترجم منه إلى العربية إلا النزر اليسير.
عاش المودودي حياته كلها وهو يسعى لتحقيق قيام الإسلام، ليحكم حياة الناس واتخذ لذلك أساليب شتى جديرة بالدراسة الجادة للاستفادة منها، فأفكار هؤلاء المفكرين ليست هي النهاية في التصور الإسلامي الواعي، ولكنها منافذ معرفة وفكر يدخل منها الجيل الإسلامي المنشود ليشيد البناء وليتمم العمل وليكمل النقص، أما الوقوف عند هذه الأفكار واعتبارها النهاية القصوى في المعرفة والفكر، فذلك لا يعدو أن يكون تقليداً أعمى على غرار التقليد المذهبي المتعصب الجامد الذي أمات روح الابتكار ووقف بالمد الإسلامي عند اجترار أفكار من سبق، فكانت كارثة عظيمة لا تخفى نتائجها في كل الظواهر، فعسى أن لا تكرر المأساة مع العاملين في الحقل الإسلامي، وأن يأخذوا العبرة ويطوروا من أساليب العمل للإسلام.
نال المودودي الرضا في جميع الأوساط الإسلامية، ونهل الشباب والعلماء من بحر أفكاره ولا تزال كتبه ورسائله ومحاضراته معيناً فكرياً غزيراً، وقد توجته المملكة العربية السعودية بجائزة الملك فيصل العالمية، تكريماً منها له على جهوده العظيمة في مجال الجهاد والفكر والعمل الإسلامي في شتى المجالات.
وفي يوم السبت الثاني والعشرين من سبتمبر عام 1979م توفي المودودي بعد أن خلف تركة ضخمة في خدمة ميراث النبوة، جزاه الله عن كل ما قدم خير ما يجزي عباده الصادقين، ورزق الله المسلمين خير خلف لخير سلف وإنا لله وإنا إليه راجعون.
[أخذت غالب هذه المعلومات من الشيخ خليل الحامدي رحمه الله، ومن رسالة صغيرة عن حياته ودعوته].
هذا وقد رثيت الأستاذ المودودي بقصيدة عنوانها: (غوثاه) بلغت(54 بيتاً) مطلعها:

غوثاه يا رب للإسلام غوثاهفكم من الكيد يا الله يلقاه

وقد نشرت في كتيب (هتاف العزة والجهاد). [طبع سنة: 1411هـ ـ 1991م عن طريق دار المجتمع للنشر والتوزيع في جدة، وهو يشتمل على بعض القصائد التي نظمتها في أوقات مختلفة، والقصيدة المذكورة في صفحة: 40].

نص قصيدة رثاء الأستاذ المودودي رحمه الله:

غوثاه

غوثاه يا رب للإسلام غوثاهفكم من الكيد يا الله يلقاه
وما أقل الأولي يحمون حوزتهمن العدو الذي ما كل مسعاه
هذي يهود طغت في الأرض عاتيةوهم أذل عباد أوجد الله
عاثوا فساداً بأرض الرُّسْل بل فسقوافي قبلة المصطفى الأولى ومسراه
وللنصارى على الإسلام غارتهموكلهم بالغ في الكيد أقصاه
والملحدون وأهل الزيغ ما فتئوايهاجمون من الإسلام أعلاه
قد أغرقوا الجيل في طوفان باطلهمفصار معبوده ما كان يهواه
وغاية الخلق أضحت عنده عبثاًرضا الإله الذي ما كان أغلاه
هانت عليه عُلاَ أجداده فهوىإلى رذائل من بالكفر ولاه
وحاملوا العلم للطاغوت قد خضعوايحدوهم الخوف ثم المال والجاه
لكن أسداً لهذا الدين قد وقفتتهدي الحِمام لمن يطغى وتهواه
وللفقيد أبي الأعلى الإمام هنامضمار سبق على الأقران وافاه
رأى المصائب بالإسلام نازلةمن كل صوب وخلق الله قد تاهوا
فشام سيف الهدى في وجه مغتصبعاتٍ ومستَعْبَدٍ في الشعب والاه
وقام يدعو إلى الإسلام مصطبراًعلى أذى القوم معتزاً بتقواه
كان انطلاق الفتى في الفكر مستنداًإلى العقيدة ( ركن الحق) مبداه
وليس يعدل بالوحيين غيرهماما دام يوجد في الوحيين مرماه
يرى الأئمة أعلاماً ورمز هدىيفيد منهم إذا أفتى فتاواه
لكنه يكره التقليد مقتفياًهدى الإله الذي التقليد ناواه
وكان في فهمه عمق يفوق بهمعاصريه الأولي تاقوا لعلياه
غاصت مداركه في كل معتركمن الحياة، فأنّى سرت تلقاه
ولم يكن في سبيل الله تأخذهملامة الناس والرحمن مولاه
كم حاولوا صده عن نشر دعوتهفما انثنى، بل تولى أمْرَه الله
قالوا: اسجنوه فزاد السجن قوتهقالوا: اقتلوه فقال الله ألقاه
ربى رجالاً على الإسلام تربيةفيها الدليل على ما الله أولاه
به أحاطوا على حب وتضحيةكما أحاطت بيعسوب خلاياه
كل الفئات انضوت في ظل دعوتهعلى الإخاء الذي الرحمن يرضاه
هذا طبيب، وذا قاض، وغيرهمامن عاملين ومن أغناهم الله
وأنعش الروح في الأتباع فانطلقواما في الصواريخ للأتباع أشباه
راحوا يرومون تغييراً لواقعنامن الخمول ومن ذل ألفناه
إلى النهوض بهذا الجيل حيث غداهمّ الفقيد إلى أن زار مثواه
وكان يعلن أن الدين ليس كمايراه شيخ الزوايا في زواياه
بل منهج لحياة الناس أجمعهالا يسعدون إذا ما عنه قد تاهوا
وسنة الله أن تُعطَى خزائنُهمن جدّ فيها، وللكسلان أوّاه
وغاية السعي في الدنيا إقامتهنظام حكم على الإسلام مبناه
وغسل أفكار هذا الجيل من درنإحدى وسائلها، والغرس عقباه
ثم اصطفاء لأفراد وتربيةفَسَلْكهُم في نظام طاب مغزاه
يليه سعي إلى إصلاح مجتمعيرضى الشريعة لا قمع وإكراه
والحكم إن فاته الإصلاح كان لهمن الفساد الذي الحكامُ تهواه
والجاهلية عرَّاها بواقعهافبان من زيفها ما كان عرّاه
والعالم اليوم من عرب ومن عجمفي الشرق والغرب هذا ليس يخفاه
وصاحب الحقد مدعو لتوبتهوللرجوع لإرث ما فقدناه
هذي مآثره تحكي محامدهجيلٌ قويٌّ بوحي الله روّاه
تراثه قد بدا نورا يضئ لنادرب الجهاد الذي كنا أضعناه
وقد أبانت لباكستان دعوتهأن السعادة فيما اختاره الله
وقد رأينا ضياء الحق متجهاًللحكم بالشرع أزكى الله مسعاه
لهفي عليك أبا الأعلى وقد فقدتبفقدك الأرض عملاقاً خسرناه
لولا التأسي وأمر الصبر ما فتئتبالمسلم الحق تُجري الدمعَ عيناه
والله نسأل أن تغشاه رحمتهوأن يكون بدار الخلد مثواه
وأن يواصل جند الحق رحلتهحتى يحقق للإسلام مرماه
تابع طفيلُ خُطى العملاق مرتقياًبالصحب فوق ذُرَى نصر تمناه
وقل لهم عهدنا ما زال منعقداًفتابعوني على عهد عقدناه
وفي ممات رسول الله معتبرلمن تأسى كما الصديق أبداه
غوثاه يا رب للإسلام غوثاهبركب أمثال شيخ قد فقدناه

مقابلة صحفية:

وكان في انتظارنا أحد الصحفيين الباكستانيين لإجراء مقابلة معنا حول رحلتنا إلى بريطانيا وأمريكا واليابان وهونغ كونغ، وذكر الأخ خليل الحامدي، أن عدداً من الصحفيين تسابقوا للقائنا، ولكن صاحب هذه الصحيفة وأظن أن اسمها "الحياة" هو الذي أُعطِي حق المقابلة من قبل الجماعة، والظاهر أن ذلك بسبب التزام الجريدة بالخط الإسلامي أكثر من غيرها.
كانت الأسئلة تدور حول أمرين:
الأمر الأول: انطباعاتنا بالنسبة للمسلمين في الدول التي زرناها.
والأمر الثاني: حول ما تقوم به كلية اللغة العربية في الجامعة الإسلامية في الأدب العربي، وأدب الدعوة الإسلامية، وموقفها من الاتجاهات الأدبية المعاصرة.

رغبة الجماعة في التعاون بينها وبين الجامعة الإسلامية:

ثم واصلنا الحديث مع الأخ خليل الحامدي، فذكر أنه لا بد من التعاون بين الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة والجماعة الإسلامية في باكستان، وضرب لذلك مثالاً: قال: لقد كان للجماعة الإسلامية مدارس منتشرة في كل أنحاء باكستان، ولكن الحكومات المعادية لحركة الجماعة الإسلامية أممت تلك المدارس، والآن يوجد للجماعة طلاب في كل المناطق وفي كل المراحل، والجماعة تود لو أن الجامعة الإسلامية تنشي لها فرعاً تحت اسم كلية العلوم الإسلامية أو الدراسات الإسلامية التي ربما تتطور إلى جامعة في المستقبل حتى تضم طلبة الجماعة المؤهلين.
وذكر مجالاً آخر هو تخصيص منح دراسية في الجامعة الإسلامية في كل كلية من كليات الجامعة، حتى يكون عند الجماعة علماء متخصصون في فروع الشريعة الإسلامية المتنوعة.
كما أنه يمكن أن تبعث الجامعة عدداً من طلبتها للقيام بالدعوة في الباكستان، ليتدربوا على الدعوة وأساليبها، ويمكن أن يستفيدوا من تجارب الجماعة في ذلك.
وقد سبقت إلى ذلك جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، حيث بعثت أربعين طالباً من طلابها فأقاموا في مدينة المنصورة، ووضعت لهم برامج كان فيها فائدة لمدة أسبوعين، كما أن جامعة الرياض قد حذت حذو جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

جولة في مدينة لاهور:

وبعد صلاة العصر من يوم الخميس قمنا بجولة في مدينة لاهور، وفي طريقنا رأينا حالة البؤس وعلامة الفقر المدقع، ورأينا حالة وسائل النقل السيئة، إذ يتراكم الناس في عربة خشبية تجرها الخيل أو الحمير يختلط فيها الرجال والنساء.
كان يرافقنا في هذه الجولة الأخ فيض الرحمن الذي لم يفارقنا مدة بقائنا في لاهور إلا في أوقات الراحة أو النوم، وهناك أرانا المكان الذي اعتُدِيَ فيه على المودودي وهو يخطب في جماهير المسلمين في أول قيامه بالدعوة في باكستان. حيث أُطلِق عليه الرصاص، وقد طلب منه أن يجلس خشية تكرر ذلك فرفض وبقي واقفاً، وقال لهم: إذا لم أثبت أنا فكيف تثبتون أنتم؟
كما أن أعداء الدعوة قطعوا التيار الكهربائي فكان يقول الأستاذ المودودي الجملة فينقلها القريب منه إلى من يليه، ثم يبلغها هذا إلى الآخرين حتى انتهى من خطابه، وكانت تلك سنة علماء الإسلام في حلقاتهم التي لم تكن توجد فيها أنوار كهرباء ولا مكبرات صوت.

شاهي مسجد الذي يرقد بجانبه محمد إقبال:

ثم ذهبنا إلى قصور بعض الحكام السابقين، وهي أثرية ذات بناء قوي، لا زالت أسوارها قائمة، وكان وقت السماح بدخولها قد انتهى، فذهبنا لمسجد قريب منها يقع بقربه قبر الشاعر المسلم محمد إقبال الذي يقف في كل ركن من أركان ساحته جندي مسلح، وعندما سألنا فيض الرحمن عن السبب؟ قال: لم يكن هذا موجوداً من قبل، والظاهر أن الجنرال ضياء الحق أراد منع الناس من التبرك به، لأنهم كانوا يأتون إلى قبره ويتبركون به ويسمى الجامع الذي بجانبه، شاهي مسجد، ويقدر أساس المسجد بأربعة عشر قدماً.

إن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى!

وللمسجد منارة عالية تشرف على مدينة لاهور كلها، فقال الأخ فيض الرحمن: هل تريدون أن تصعدوا إلى أعلى هذه المنارة؟ - والناس يصعدون فعلاً ـ فقلت له: نحن في هذه الليلة سوف لا نرتاح لأنا سنسافر إلى كراتشي، ثم نبقى في المطار إلى أن نسافر إلى المملكة في الصباح، فإذا صعدنا فإن ذلك سيزيدنا إرهاقاً ولكنه ألح علينا، فوافقت، وأخذنا نصعد وكان فيض الرحمن أمامي وأردت أن أكافئه على إلحاحه بإتعابه، فكنت أقول له: أصعد، كلما أراد أن يقف، وهكذا صعدنا إلى أعلى المنارة دون أن نقف.
وعندما وصلنا هناك كان الأمر بالعكس ففيض الرحمن تعب، ولكنه لم يصب بما أصبت به أنا، فقد أصبت بدوار شديد وهبوط في الجسم وتصبب العرق حتى كنت أظن أنني سأطلب الإسعاف في ذلك الوقت، قلت: لقد أدبني ربي فأحسن تأديبي، أردت أن أوقع صاحبي في شيء وقعت فيه أنا، لذلك قعدت قليلاً حتى عاد إلي نَفَسي وارتحت. [وقد بلغني بعد ذلك أن الأخ فيض الرحمن قد انتقل إلى جوار ربه رحمه الله]
أما زميلي الدكتور فقد نفعته هنا أناتُه السودانية التي يحبها الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فقد كان كلما قطع مجموعة من الدرجات وقف على الشرفة المقابلة لها في المنارة يشم الهواء ويستجم ثم يصعد، وهكذا، فوصل إلى القمة دون أن يتعب، وإذ ذاك تذكرت قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((إن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى))، ولكنها دروس لعلي أستفيد منها، وعندما نزلنا عددنا الدرجات فكان عددها مائتين وعشر درجة.

تغريم من لم يلبس المَغفر من ركاب الدراجات النارية:

وفي الطريق رأينا جنود المرور يَقِفُون سائقي الدراجات النارية ويلزمونهم بدفع غرامة، فظننت أن ذلك بسبب عدم حمل رخصة القيادة أو تصريح سير الدراجة، ولكن رأينا أن من يلبس المغفر على رأسه لا يقفونه، فسألت الأخ فيض الرحمن؟ فقال: إنهم يلزمون السائقين بوضع المغفر على رؤوسهم، وهو في الغرب كذلك، قلت: مع حالة الباكستانيين هذه وحاجتهم إلى المال لينفقوه على أنفسهم، يلزمون بشراء المغفر البريطاني؟
ثم قلت: الظاهر أن الشركة التي تصنع هذه المغافر لها يد في هذا الإلزام، فقال الزميل بيلو: لعل بعض ضباط المرور زار بعض البلدان الأوربية فرجع بالفكرة، وقال الأخ فيض الرحمن: إن أكثر الباكستانيين في أمس الحاجة إلى ما يؤمن لهم لقمة العيش، وهذه الغرامات تزيدهم مشقة، وقد لا يجد كثير منهم المبلغ المطلوب، فيضطر إلى اقتراضه من غيره، ولكن أخانا فيض الرحمن أراد أن يسلينا بقصة وقعت لبعض أعضاء الجماعة الإسلامية فقد وقفه جندي المرور وطلب منه دفع الغرامة، فقال له: أتريد أن تأخذ مني مالاً وأنا من الجماعة الإسلامية؟ إن المال الذي تأخذه الجماعة أحق به فكيف تطيب نفسك بأخذه؟ فتركه الجندي فذهب دون أن يدفع شيئاً. [نعم حالة الباكستانيين المادية صعبة، وتغريمهم يزيدها صعوبة، ولكن أنظمة المرور، فيها وقاية من كثير من الحوادث، إما وقاية كاملة وإما التخفيف منها، والله يكون في عونهم].
عدنا بعد ذلك إلى المنصورة لنأخذ حقائبنا اليدوية ونذهب إلى مطار لاهور، وهناك وجدنا الأخ خليل الحامدي الذي ودعنا هو وبعض أعضاء الجماعة، ونحن ودعناهم وشكرناهم على كرم الضيافة، وشكوت فيض الرحمن الذي أتعبني بصعود درج منارة المسجد إلى الأخ خليل، فابتسم وقال لعلك تعود وقد ركب في المنارة مصعد كهربائي فلا تتعب مرة أخرى إن شاء الله.

نبذة عن الجماعة الإسلامية:

وفي ختام الكلام على الجماعة الإسلامية أحب أن أعطي القارئ بعض المعلومات عن الجماعة من الرسالة المنشورة باسم: الجماعة الإسلامية.
ـ تأسست الجماعة عام 1941م ومرت بالمراحل الآتية:
1_مرحلة النقد والتبليغ.
2_مرحلة التربية والإعداد.
3_مرحلة الكفاح والنضال.
ولكل مرحلة وسائلها ومنهاجها وكتبها التي ألفها الأستاذ المودودي.
غاية الجماعة:
إن الغاية الوحيدة التي لأجلها قامت الجماعة الإسلامية، إنما هي إقامة النظام الإسلامي ابتغاء لوجه الله تعالى وحده.
وسيلة الجماعة:
ولتحقيق هذه الغاية اتخذت الجماعة برنامجاً شاملاً يتضمن أربعة أجزاء.
الجزء الأول: هو تطهير الأفكار وتعهدها بالغرس والتنمية.
الجزء الثاني: هو استخلاص الأفراد الصالحين وجمعهم في نظام واحد وتربيتهم.
الجزء الثالث: هو السعي في الإصلاح الاجتماعي، وهو يشمل إصلاح كل طبقة في المجتمع حسب أحوالها.
الجزء الرابع: هو إصلاح الحكم والإدارة.
ويكفي أن أنقل تفصيلاً لهذا الجزء الأخير:
ذلك بأنه من عقيدتنا أنه لا يمكن أن ينجح تدبير من التدابير في إصلاح مفاسد الحياة الحاضرة، ما دامت لا تبذل المساعي لإصلاح نظام الحكم والإدارة، مع المساعي الإصلاحية الأخرى على قوة الثقافة والقانون والإدارة وتوزيع الرزق.
لا يمكن أن تجدي شيئاً في درء تلك المساعي التي تبذل للإصلاح والبناء بوسائل الوعظ والتلقين والدعوة والإرشاد فقط، فإن كنا نريد اليوم أن نصرف نظام الحياة في بلادنا عن طريق الضلال والفساد والفسق والعصيان إلى طريق الإسلام المستقيم، فلا مندوحة لنا من أن نبذل سعينا بطريق مباشر في إزاحة الفساد عن منصة القيادة والسلطة وإحلال الصلاح مكانه، والظاهر أنه إذا كان زمام الأمر والسلطة بأيدي الصالحين المؤمنين، فإنهم يحدثون في أعوام قلائل من التغييرات الهامة في نظم التعليم والقانون والإدارة، ما لا يمكن أن تأتي به الجهود غير السياسية في مدة قرن كامل، فإن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.
أما كيف يتأتى هذا التغيير فليس له من سبيل في نظام ديمقراطي، إلا السعي في الانتخابات، وذلك أن نربي الرأي العام في البلاد، وننشر الوعي السياسي الصحيح فيها، ونغير مقياس الناس في انتخابهم لممثليهم في المجالس النيابية، ونصلح طرق الانتخاب ونطهرها من اللصوصية والغش والتزوير، ثم نسلم مقاليد الحكم والسلطة إلى رجال صالحين يحبون ويقدرون أن ينهضوا بصرح نظام البلاد على أسس الإسلام وهدي الكتاب والسنة انتهى. [لاحظ أن التغيير الذي تريد الجماعة إحداثه في إصلاح الحكم والإدارة مبني على الإصلاح السلمي والانتخابات، وليس على العنف والشدة].

شُعَبُ الجماعة التي يقومون بنشاطهم من خلالها:

1_ شعبة التنظيم والإدارة، للإشراف على فروع الجماعة وتنظيمها في باكستان كلها.
2_ شعبة بيت المال، لتنظيم ميزانية الجماعة، والإشراف على بيوت المال الفرعية في أنحاء البلاد ومحاسبتها.
3_ شعبة الخدمات الاجتماعية، لجمع أموال الصدقات والتبرعات من الأغنياء ومساعدة الفقراء.
4_ شعبة النشر والإعلام، لنشر أخبار الجماعة وإعلاناتها في مختلف الصحف والمجلات في داخل البلاد وخارجها، والإشراف على مجلات الجماعة وجرائدها.
5_ شعبة الشؤون العمالية، لتنظيم العمال والفلاحين والموظفين القليلي الدخل في مصالح الحكومة... ومساعدتهم في مشاكلهم.
6_ شعبة التربية، لتربية أعضاء الجماعة وأنصارها تربية علمية وعملية، وإعداد رجال صالحين للقيام بمهمة الدعوة الإسلامية حسب مقتضى العصر الحاضر.
7_ شعبة المدارس والمعاهد ومكافحة الأمية.
8_ دار الترجمة الإنجليزية لنقل كتب الجماعة، والمؤلفات الإسلامية الأخرى إلى الإنجليزية.
9_ دار الترجمة البنغالية لنقل كتب الجماعة إلى اللغة البنغالية...
10_ المجتمع الإسلامي، الذي أنشئ تحت إشراف الأستاذ المودودي لمجابهة تحدي الحضارة الغربية المادية...
11_ شعبة الشؤون البرلمانية، للاتصال بنواب المجالس البرلمانية والبرلمانات عامة. ونواب الجماعة في هذه المجالس خاصة لإشعارهم بوجهة نظر الشريعة الإسلامية في كل تشريع يناقش في المجالس.
12_ شعبة الانتخابات (وللجماعة نظام خاص ومنهاج يختلف عن منهاج الأحزاب الأخرى).
13_ قسم الأخوات المسلمات لنشر الدعوة في المحيط النسائي.

ويل للشجي من الخلي!

هذا وقد سمعت نقداً شديداً يوجهه بعض علماء الباكستان إلى الأستاذ المودودي، وسمعت نقداً منهم ومن غيرهم يوجه إلى الجماعة نفسها، والنقد لا يسلم منه أحد، لا سيما إذا كان من يوجه إليه النقد عاملاً متحركاً، فإن الإنسان ليس بمعصوم، قد يحصل منه الخطأ كما يحصل منه الصواب، والذي يكون خطؤه أكثر من صوابه يعتبر ناجحاً في عمله، وإذا كان مجتهداً فله أجران فيما أصاب وأجر فيما أخطأ.
وقد يسلم من النقد الشخص الخامل الذي لا يعمل ولا يدري عنه الناس أين يقع؟
وهذا ذكرني ببعض طلبة الجامعة الإسلامية عندما كنت مسؤولاً عن شؤون الطلاب، وكنا نقوم برحلات يخدم فيها الطلبة أنفسهم، بل ويتحملون هم نفقاتها، فكان بعضهم نشيطاً في العمل فنقد الخاملون النشطين وفي مرحلة أخرى تواطأ هؤلاء النشطون ألا يعملوا فلم يوجه إليهم نقداً، وإنما وجه إلى غيرهم ممن قام بالعمل، والمثل يقول: (ويل للشجي من الخلي).

من لاهور إلى كراتشي:

الخميس الموافق 29/8/1398هـ.
أقلعت بنا الطائرة من مطار لاهور في الساعة الحادية عشرة وخمس عشرة دقيقة، وهبطت في مطار كراتشي في الساعة الثانية عشرة والدقيقة الخمسين، وفور نزولنا وجدنا الأخ خليق أحمد ومعه صديق له في انتظارنا، ومعهما حقائبنا التي كنا تركناها عند الأخ خليق عندما سافرنا إلى لاهور، فشكرناهما على ذلك، وكنا نفكر فيما نفعل: هل نذهب إلى أحد الفنادق لننام إلى الوقت المقرر حضوره في آخر الليل أو نبقى في المطار إلى الصباح؟
وكان الأخ خليق يفضل الأولى، أما زميلي الدكتور فإنه فضل الثانية، وعلل ذلك بأن الوقت ضيق وأعصابنا مشدودة للسفر، فأما أن نبقى في الفندق بدون نوم، أو ننام ويخشى أن تفوتنا الرحلة ونحن متعبون، فوافقت الزميل حتى لا نختلف، وللقناعة بتعليله وطلبنا من الأخ خليق أن يعود إلى بيته لينام، لأنه مقيم ونحن مسافرون ففعل بعد تردد، لأنه يريد أن يبقى معنا إلى أن نغادر المطار.
ويسر الله لنا مقعدين فارغين في لحظة من اللحظات داخل مبنى المطار، وهذه اللحظة أندر من الكبريت الأحمر، لقلة المقاعد وكثرة من يريد القعود.
وجاء الزميل بعربة نقل الأثاث، فرصصنا حقائبنا عليها، وقربناها منا وقعدنا متلذذين بالقعود لشدة تعبنا، وغالب الناس واقفون، ومنهم القاعد في الأرض بل ومنهم النائم.
وكان بعض النائمين على المقاعد المجاورة لنا ينام فيشخر حتى يكاد يقفز فيقع رأسه عليّ ثم يقوم قليلاً ثم يعود، وكان زميلي يقوم ليستفسر عن وقت وزن العفش والإجراءات اللازمة ثم يعود.

الكرتون أم الحقائب؟!

ورأيت أربعة من الشباب يقف كل منهم وراء الآخر، والخامس جلس بجانبي وأخذ يكلمني بلغته، وكنت قد سمعت من الهنود والباكستانيين كلمة نفعتني مع هذا الشاب، قلت له: "معلوم ني" أي لا أفهم ما تقول، ولكنه كان مصمماً على مخاطبتي، وكأنه عيِّنَ للجلوس معي لكونه يتكلف النطق ببعض الكلمات العربية يلهيني بها، وجماعته يفعلون ما يريدون فقال: "أنا شوية كلام عربي"، قلت له كيف تعلمت ذلك؟ وأنا أنظر إلى زملائه وهم يقتربون الواحد تلو الآخر، فإذا رأوني التفت نحوهم وقفوا.
قال: "أنا في الرياض كنت هناك".
قلت: ماذا كنت تعمل؟ قال: "كنت بقالة هناك أحمل كرتون" ثم سكتُّ عنه ولم أتكلم معه، ولم ألتفت إليه، لأني خشيت أن يحمل زملاؤه الحقائب بدل الكرتون!
وعندما يئسوا مني قام هو إليهم وأخذوا يتهامسون ثم انصرفوا، وجاء الزميل وأخبرته بالأمر، وكان هناك أيضاً غير هؤلاء يحاول الاقتراب بحجة أنه يريد العربة ولكني صرفته بقوة.
وهكذا بتنا في مطار كراتشي إلى الساعة الخامسة والنصف صباحاً، وبدأ الناس يتحركون لوزن العفش وختم الجوازات، فدخلنا إلى القاعة التي فيها إجراء تلك المعاملات، ولأول مرة في رحلتنا يوزن العفش، لأن الشركات الأخرى تقرر للراكب ثلاث حقائب، فإذا زادت عن الثلاث بعد ذلك تزن عفشه، وقال الموظف لزميلي: العفش زاد عن الوزن المقرر خمسة كيلو فقال الزميل مشيها فمشاها، وكانت مخالفة للنظام ولكنها مشت!

موظف ثقيل!

وبدأ صف المسافرين يتزاحم كل واحد يريد أن يسبق من قبله والعدد كبير، والإجراءات يقوم بها اثنان فقط، وكان أحدهما ثقيلاً في إجراءاته فوضوياً في تنظيمه، فكان من مدّ له جوازه أخذه ويتأمل الجواز ثم البطاقة المرفقة سطراً سطراً، وإذا ختم الجواز سمعت صوت الختم كأنه مطرقة نجار يدق بها وتداً، فتزاحم الناس عنده، وكان زميلي في الصف المتجه إليه، فنصحته أن يخرج من هذا الصف القصير الذي سيكون أقصر منه الصف الطويل الآخر، فخرج الزميل ودخل في الصف الآخر، وكان فعلاً هذا الصف أسرع من ذاك على رغم طوله.

يوم الجمعة 30/8/1398هـ

وبعد انتهاء الإجراءات دخلنا إلى قاعة الانتظار وهناك صلينا الفجر، وفي الساعة السابعة والدقيقة الثلاثين أقلعت بنا الطائرة من مطار كراتشي إلى مطار الظهران فوق المحيط الهندي ثم الخليج العربي وكانت مدة الطيران ساعتين.