1- في مدينة كراتشي
1- في مدينة كراتشي
وكنت في غالب الرحلة نائماً، لم أفق من نومي إلا بالقرب من مطار كراتشي عندما بدأت الطائرة تستعد للهبوط، وكان الهبوط في مطار كراتشي في تمام الساعة الخامسة صباحاً بتوقيت هونغ كونغ، والساعة الثالثة بتوقيت كراتشي، والفرق بين توقيت هونغ كونغ وتوقيت كراتشي ساعتان.
بذلك تكون مدة الطيران من هونغ كونغ إلى كراتشي ست ساعات تقريباً.
بطء الخدمات في المطار:
ودخلنا إلى قاعة تسلم الأمتعة في المطار وأخذنا في الانتظار، وكان العمال يأتون بحقائب راكبَين أو ثلاثة فيشكو الباقون، وتتصل الموظفة المسؤولة بجهاز اللاسلكي بالجهات المسؤولة، فيأتي العمال بمثل ذلك، وهكذا استمر الحال وشبهت حالنا وحال أمتعتنا بالطفل الذي يجب أن يعطيه الدواء ولي أمره بمقدر معين في أوقات معينة، وكان انتظارنا لا يقل عن ساعتين حتى فرج الله علينا، بمجيء حقائبنا التي كنا نظنها قد طارت بين السماء والأرض في الطائرة السويسرية.
وتذاكرنا أنا وزميلي ما كان يحصل في مطارات الغرب حيث كانت حقائبنا في كثير من الأحيان تسبقنا وتنتظرنا هي على الساحب، وأخذنا نلتفت يمنة ويسرة لعلنا نرى الأخ خليق أحمد أحد طلبة كلية القرآن الكريم والدراسات الإسلامية في الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، الذي تم الاتصال بأسرته من هونغ كونغ، وكان الأمل في لقائه ضعيفاً، لأن أهله ذكروا أنه مريض، ولكن الرجل كان ينتظرنا هو وزميل له من نفس الكلية ومعهما والد زميله، وعندما رأونا أسرعوا إلينا، وكان الوقت متأخراً جداً، فرحبوا بنا وأخذوا حقائبنا إلى الجمرك الذي احترمنا فلم يفتش الحقائب بل أشر عليها بدون تفتيش، وكان التفتيش في البلدان المسماة بالنامية هو الأصل، ولكن سفرنا إلى البلدان الغربية التي كانت في ذلك الوقت تعامل المسافرين في مطاراتها وإداراتها ومؤسساتها معاملة ميسرة لم نألفها فيما يسمى بالشرق الأوسط.
في فندق مهران:
ركبنا في السيارة التي كانت معهم وأوصلونا إلى فندق مهران وتركونا، حيث لم يبق على الفجر إلا نصف ساعة تقريباً، ووعدنا الأخ خليق أحمد أن يأتينا غداً، بل اليوم الاثنين في الساعة الثانية عشرة ظهراً لتناول طعام الغداء في منزل والده، توضأنا وصلينا الفجر، ثم أسلمنا أنفسنا لربنا فأخذ النوم حقه فلم يُطْلِقْنا إلا عندما قرع الباب الأخ خليق أحمد في الوقت الذي وعدنا أن يأتينا فيه الساعة الثانية عشرة ظهراً.
في منزل مفتي رشيد أحمد:
الاثنين 26/8/1398هـ.
قمنا فتوضأنا ولبسنا ثيابنا وذهبنا معه، وكان وصولنا وقت أذان الظهر دخلنا المسجد الذي يقع بجوار بيت والده، بل في داخل حائط منزله، وجاء والده واسمه مفتي رشيد أحمد إلى المسجد فرحب بنا وأقيمت الصلاة فصلى بالناس إماماً.
ثم طلب منا الدخول معه إلى منزله، فدخلنا في غرفة الاستقبال التي يجتمع به فيها تلاميذه وضيوفه، وفيها بعض الكتب من المراجع الإسلامية ومن مؤلفاته وفتاواه.
والرجل يحب العزلة إلا في مذاكرة العلم، ويكثر من ذكر الله تعالى فبدأ في مذاكرة بعض المسائل العلمية، ومنها كيفية تحديد القبلة بمناسبة رحلتنا الطويلة التي كانت حول الأرض في مشارقها ومغاربها، وكذلك تحديد أوقات الصلاة، وتحديد الأهلة، وله إلمام طيب بعلم الفلك وله في ذلك مؤلفات، تأتيه الفتاوى من داخل باكستان ومن خارجها فيجيب عنها.
ومن الأمور التي أنكر التبكير بصلاة الفجر في الحرمين الشريفين كما قال، فقلت له: إننا نصلي في المسجد النبوي، ونخرج والصبح مسفر جداً، أما في المسجد الحرام فلم أنتبه له، وله ملاحظات على تقويم أم القرى ويرى أنه مأخوذ عن تقويم أجنبي غير سليم، ولذلك لا بد من إعادة النظر في ذلك، وقلت له: إن الخلاف بينكم وبين الشافعية في هذه المسألة قديم، وصلاة المسلمين في الحرمين لا يمكن أن تكون قبل الوقت، لأن الجزيرة العربية يوجد بها علماء فلك، وخبراء بالأوقات من أهل البادية، وأنا لا علم لي بالفلك.
ثم وقفت على كلام الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في كتابه "الرسالة" وقد جمع بين القول بالتبكير بصلاة الفجر، والقول بالإسفار بها، وقد وردا في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وبيَّن رحمه الله السبب في ترجيح التبكير، والسعة في الإسفار. [وقد طلبت منه كتابة ما يرى من التصويب فكتب رسالة بعثت بها إلى أحد أئمة الحرم المكي ويغلب على ظني أنه فضيلة الشيخ محمد السبيل، ولا أدري عن النتيجة. وانظر: كتاب "الرسالة" للإمام الشافعي، تحقيق الشيخ أحمد شاكر، ص: 282-293].
وكان من الحاضرين في المجلس، الشيخ محمود أمين عام دار العلوم، الذي طلب منا زيارة الدار غداً الثلاثاء فلبينا الطلب.
وبعد أن تناولنا طعام الغداء عدنا إلى الفندق وفي هذا اليوم تم الحجز في الخطوط الباكستانية ذهاباً وإياباً إلى مدينة لاهور لزيارة الجماعة الإسلامية هناك، كما تم الحجز في الخطوط السعودية من كراتشي إلى جدة يوم الجمعة الموافق 30/8/1398هـ.
لقاء مع زميلي الدراسة:
الاثنين 26/8/1398هـ.
زارنا بالفندق الأخ عبد الله كاكاخيل الذي يعمل الآن مدرساً في نيجيريا، والأخ عبد الرازق اسكندر، وكلاهما كانا من زملائي في الجامعة الإسلامية إذ تخرجنا معاً في عام: 85- 1386هـ.
وفي الساعة الحادية عشرة جاء إلينا الأخ خليق فأخبرنا أن والده في انتظارنا ليصحبنا إلى دار العلوم، فحاسبنا المسؤولين في الفندق وأخذنا حقائبنا، ليوصلها الأخ خليق إلى منزلهم، لأنا سنسافر مساء اليوم إلى لاهور، على أن يقابلنا الأخ خليق بالحقائب مساء الخميس في مطار كراتشي.
متخمون وعالة!
وعندما خرجنا إلى والد الأخ خليق الذي كان ينتظرنا في السيارة، وجدنا بعض الفقراء موجودين يتوسمون فينا قضاء بعض حاجاتهم، وكانوا يلحون في الطلب، فسألت الدكتور إذا كان عنده شيء يمكن أن يساعدهم به؟ وعندما رأوه يدخل يده في جيبه أخذوا يتزاحمون ويتدافعون فأعطى بعضهم ما كان معه وكانت عجوز مسنة تمد يدها ففاتها أن تنال شيئاً، لنفاد النقود في جيب الدكتور، فأخذَتْ تصرخ وتتعارك مع بعض الذين نالوا شيئاً، وهكذا وجدنا حالة الناس في باكستان بائسة جداً، إذ لم يجد بعضهم المأوى، فرأينا من ينام تحت قطعة قماش ربطت على أربعة أوتاد لا يستر جوانبها شيء، ومنهم من ينام تحت الأشجار ومنهم من ينام تحت الجسور.
وسبب ذكري لهذا الأمر هو التنبيه على حالة بعض المسلمين في الشعوب الإسلامية، مع أن الناس في شعوب أخرى يلتمسون ما يهضم لهم الأكل الذي أصيبوا به من كثرته وتنوعه بالتخمة وبالأمراض الكثيرة التي تستدعي العلاج والاستشفاء، ويرمى كثير من الناس الطعام في آنية القمامة فتأكل منه الحيوانات ويزيد، مع أن الآخرين لا يجدون لقمة العيش بسهولة.
بعد هذا كله قلت: ترى لو أن للمسلمين خليفة واحداً ترتفع راية خلافته على كل بلاد من بلدانهم أترى كان يحصل هذا التفاوت العظيم؟!
وهنا رجوت لدعوة التضامن الإسلامي ـ التي جد في الدعوة إليها ودعمها وحزم حقائبه وجال في كثير من الشعوب الإسلامية ليقنع زعماءها بالانضواء تحت رايتها الملك فيصل رحمه الله ـ أن تحقق أمل المسلمين في كل مكان.
في دار العلوم:
ذهبنا بعد ذلك إلى دار العلوم، وهي في ضاحية من ضواحي كراتشي، حيث تم اللقاء بالأمين العام للدار، ونائب المدير العام وبعض أساتذة الحديث الشريف في الدار.
وحصل نقاش ومذاكرة لأحوال المسلمين الذين زرناهم في جولتنا هذه وللعمل الإسلامي في باكستان، وقد خُصِّصَت للدار أرض واسعة أقيمت عليها مباني سكنية للطلبة، وفصول دراسية ومسجد ومكاتب إدارية، وتبنى الآن مكتبة كبيرة تتسع للكتب الموجودة وغيرها من الكتب التي تشترى مستقبلاً وبها قاعات للمطالعة.
وذكرنا لهم حاجة الإخوة الباكستانيين في هونغ كونغ إلى التشجيع ببعث الكتب المترجمة إلى اللغة الإنجليزية، أو المؤلفة بالأردية فوعدوا بمراسلتهم.
وقد تأسست دار العلوم في كراتشي عام 1371هـ أسسها الشيخ محمد شفيع، وهي تشتمل على ثلاث مراحل:
المرحلة الابتدائية: ومدتها خمس سنوات.
المرحلة الثانوية: ومدتها خمس سنوات.
المرحلة العالية: ومدتها خمس سنوات.
وبها مدرسة لتحفيظ القرآن الكريم.
في جامعة العلوم الإسلامية:
وبعد أن انتهينا من زيارة دار العلوم ذهبنا إلى جامعة العلوم الإسلامية التي أسسها الشيخ محمد يوسف البنوري [الذي كنت التقيته في المدينة المنورة في موسم من مواسم الحج في منزل الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله عندما كان يسكن في حي باب العنبرية] إذ كنا على موعد مع الأخ عبد الرازق اسكندر الذي يعمل في نفس الجامعة المذكورة. وعند بابها ودعنا الشيخ مفتي رشيد أحمد الذي عاد إلى منزله.
استقبلنا الأخ عبد الرازق وكانت الصلاة قد أقيمت فصلينا معهم الظهر في المسجد الموجود بداخل المدرسة وهو جامع كبير.
وبعد الصلاة أطلعنا الأخ عبد الرازق على أقسام الدراسة بالجامعة فقال: يوجد بها أربعة أقسام، وهي:
القسم الإعدادي، ومدته ثلاث سنوات.
القسم الثانوي ومدته ثلاث سنوات.
القسم العالي ومدته أربع سنوات.
و قسم التخصص في ثلاث شعب هي: الحديث، والفقه الإسلامي، والدعوة والإرشاد، ومدته سنتان في كل شعبة.
وأن في الجامعة طلبة وافدين من خارج باكستان من نحو خمس وعشرين دولة من دول أوربا وأمريكا وآسيا وإفريقيا وكندا.
وتجولنا في مباني الجامعة، المشتملة على فصول الدراسة والمسجد وسكن الطلبة المغتربين والمكتبة، ودار الإفتاء ودار التصنيف.
كما ذكر الأخ عبد الرازق أن للجامعة مشاريع جديدة منها مساكن لأساتذة الجامعة وموظفيها.
ثم قدم لنا طعام الغداء في نفس الجامعة، وودعناهم بعد ذلك.
السفر إلى مدينة لاهور:
وذهبنا إلى مطار كراتشي، للسفر إلى لاهور، وباطلاعنا على دار العلوم، وجامعة العلوم الإسلامية رأينا تلك الجهود الطيبة التي يقوم بها المسلمون، دون عون يأتي من الحكومات، بل يقومون بجهود يحاربها بعض الحكام، وهذا يدل على الرغبة الشديدة عند الأهالي لنشر العلوم الإسلامية وتعليم أبنائهم.
والواجب على المسلمين أن يكونوا مستعدين دائماً للبذل والتضحية في سبيل نشر العلم الإسلامي، وإقامة المساجد والمؤسسات الإسلامية، سواء حصلت إعانات من حكام تلك الشعوب لتلك المؤسسات أم معارضات.
وعلى تبرعات الأهالي تقوم المؤسسات الإسلامية في الهند والباكستان وغيرها من العالم، من مساجد ومدارس وجامعات ومستشفيات وغيرها.
ذهبنا إلى مطار كراتشي، ومعنا التذاكر التي تم الحجز عليها إلى لاهور، ثم من لاهور إلى كراتشي، وعندما وصلنا إلى المطار، نظرت الموظفة في التذاكر وقالت لم يحجز إلا لواحد منكما، قلنا كيف؟ قالت: هكذا، وواحد منكم ينتظر وبعد ربع ساعة راجعها الأخ خليق، فقالت: لا يوجد مقعد لأحد منهما ولم يتم الحجز.
وتأثر الأخ خليق وذهب ليشكو إلى صديق له في المطار، ولكن الموظفة بعد قليل أخذت التذاكر وأعطتنا بطاقتي الدخول.
وهكذا في خلال ساعة تقريباً حصلت هذه التناقضات، وكان إقلاع الطائرة من مطار كراتشي في الساعة الخامسة والدقيقة العشرين كما كان هبوطها في مطار لاهور في الساعة السادسة والدقيقة الخامسة والأربعين من مساء يوم الثلاثاء المذكور.