3- في مدينة لكنو
3- في مدينة لكنو
وعندما نزلنا سألَنا أحدُهم هل تريدون منا مساعدة لإيصالكم إلى أي مكان؟ فقال له أصغر نريد فندقاً جيداً، فقال: أنا أوصلكم والسيارة (التاكسي) سيأخذ صاحبها منكم مبلغاً أكبر مما يستحق ولكن أنا معكم، فاستأجرنا سيارة بمبلغ زهيد، وذهب بنا إلى أكبر فندق في البلد وودعنا وذهب، بعد أن ذكر لنا اسم أحد فلاسفة الهندوس في هذه المدينة، وأعطانا عنوانه لنتصل به ونناقشه إذا شئنا، ولكن لم يكن عندنا وقت.
واتصلنا بالأستاذ الندوي وأخبرناه بوصولنا فبعث إلينا بعض أساتذة الندوة ورحبوا بنا واتفقنا على زيارة الندوة غداً.
الاجتماع بالشيخ أبي الحسن الندوي:
الخميس: 12/11/1409 هـ ـ 15/6/1989م.
في الساعة الثامنة - صباحاً - تركنا الفندق وذهبنا إلى الندوة والتقينا فضيلة الشيخ العلامة أبا الحسن الندوي وفقه الله في مكتبه بالندوة.

ودارت مناقشات في موضوعات متعددة، منها موضوع الحاكمية الذي كان قد رد فيه على سيد قطب الذي كفر من لم يحققه اعتقاداً أو عارضه، وكذا رد على الأستاذ المودودي في كتاب واحد وهو التفسير السياسي للإسلام، وكان الندوي يعتقد أن سيد قطب بالغ في ذلك وكذلك المودودي.
وقد ناقشت الأستاذ الندوي في هذا عندما زارني في بيتي قبل سنة في المدينة، وقلت له: إن سيد قطب يرى أن حق التشريع وهو الحاكمية هو من لب التوحيد، وأن الذي يجيز لغير الله أن يشرع أو يحكم بغير ما أنزل يعتبر مشركاً، لأنه أجاز لغير الله أن يشرع ما يخالف شرعه، وأن يكون حاكماً بغير حكمه فاعترف الأستاذ الندوي بذلك، وقال: إنه سيكتب في ذلك وأن الرجوع إلى الحق واجب.
وحاولت أن يجيب الأستاذ الندوي عن أسئلة البلاغ المبين فاعتذر مرة أخرى عن الإجابة المباشرة وقد اعتذر عندما زارني في منزلي ووعد بالكتابة في ذلك وهذه المرة وعد بالكتابة. [إلي الآن لم يصلني منه شيء ونحن الآن في 13رمضان 1410 هـ وعذره كثرة مشاغله وأوجاعه، شفاه الله وأعانه].
هذا وقد أمر الشيخ بعض أساتذة الندوة أن يقوم معنا بجولة في أقسامها فمررنا بها مروراً سريعاً لضيق الوقت.
وكان الشيخ عازماً على السفر هذا اليوم، ولكنه تأخر عندما علم بوصولنا جزاه الله خيراً.
وسأعود للحديث عن ندوة العلماء والأستاذ الندوي قريباً.
أنزلنا الأستاذ الندوي في دار الضيافة لنكون قريبين منه والوقت ضيق، وفي ذهابنا إلى الفندق ورجوعنا منه تضييع لهذا الوقت، ونحن سنسافر اليوم مساء أنا إلى دلهي، ورفيقي إلى بنارس.
حديث مع الأخ أصغر عن ندوة العلماء:
وعندما نزلنا حصل حديث بيني وبين الأخ "أصغر علِى إمام مهدي".
قال الأخ أصغر: إن من أول من فكر في إنشاء هذه الندوة (ندوة العلماء) بعض علماء الحديث، ومنهم الشيخ ثناء الله الأمر السري وهو من أكبر علماء الهند، وهو من سكان البنجاب، وهو أكثر العلماء رداً على القاديانية، حتى لم يكن يعرف كم كتاباً كتب في ذلك، وهو الذي باهل غلام أحمد مرزا القادياني، وله زملاء في التفكير في إنشاء هذه الندوة، وأول جلسة عقدت لذلك في المدرسة الأحمدية السلفية وهي تابعة لأهل الحديث بمديرية آرابولابيهار.
وقد عارض ذلك بعض العلماء وإن كانوا بعد ذلك وافقوا على إنشائها.
والأخ أصغر من الطلاب المتخرجين في الجامعة الإسلامية في المدينة في السنة الماضية 1408هـ من كلية الحديث، وتعاقدت معه الجامعة الإسلامية في المدينة ليقوم بالتدريس في الجامعة السلفية، وهو الذي رافقني هذه الأيام في بنارس وفي سفري إلى لكنو.
قلت: على كل حال هذه المؤسسات تعتبر قلاعاً من قلاع الإسلام التي حفظ الله بها أجيالاً من المسلمين وتربى في أحضانها من نبغوا في العلم والتربية والدعوة وأصبحوا هداة في هذه البلاد.

والذين فكروا في إنشائها أو باشروا ذلك لا يهمهم أن ينسب إليهم فضل على ألسنة الناس وإنما يهمهم - إن شاء الله - أن ينالوا الحظوة والقرب والرضا من الله تعالى، وإن كان الواجب علينا نحن أن ننسب الفضل إلى أهله اعترافاً بالجميل والشكر عليه والدعاء لصاحبه، ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله.
وفي هذه المؤسسة الآن أكثر من ألفي طالب وطالبة، وقد تخرج فيها عدد كبير، منهم المحدث، ومنهم الفقيه، ومنهم المفسر، ومنهم المفكر والكاتب، وذكر لي أن عدد الذين تخرجوا فيها وهم يحفظون القرآن يقاربون ألفي شخص وهي تضم طلاباً من خارج الهند.
ومن نشاطها: النادي العربي وهو يوم في الأسبوع، يتمرن فيه الطلاب في فصول الدراسة على الخطابة والتحدث باللغة العربية تحت إشراف الأساتذة، وكذلك لهم يوم آخر يجتمع فيه الأساتذة والطلاب للتحدث باللغة الأردية - وهي التي تحاول الحكومة القضاء عليها وإحلال اللغة الهندية الرسمية محلها.
ومن نشاطاتهم إقامة المعسكرات، وهي قسمان:
قسم يجمع فيه بين النشاط الرياضي والدعوي والثقافي، والآخر يهتم بدعوة الناس إلى الإسلام، كما هو الحال في نشاط جماعة التبليغ.
هذا، وقد أعدت الندوة حفل غداء اجتمع فيه كبار الأساتذة والموظفين في الندوة، وعلى رأسهم فضيلة الأستاذ الندوي الذي استقبلني استقبالاً حاراً ورحب بي واعتذر عن تأخره لزيارتي في الفندق بنفسه، نظراً للآلام التي يعاني منها في ركبته - شفاه الله - وقد كان بعث للترحيب بي في الفندق وفداً مكوناً من ثلاثة منهم الأستاذ سعيد الأعظمي.
وذكر لي الأخ أصغر أن أحد الهندوسيين دخل في الإسلام وألف كتاباً ضد الهندوسية بين فيه مخازيها وتناقضها وتهكم بها وبآلهتها، وديانتها في أشعار ذكرها في آخر الكتاب منعته الحكومة من التداول والبيع، وكان ذلك قبل خمسين سنة واسم الكتاب تحفة الهند وعدد صفحاته مائتان تقريباً واسم المؤلف: عبيد.
هذا وعندما عرف الأستاذ الندوي رغبتي في الاجتماع بغير المسلمين من الهندوس وبالداخلين في الإسلام منهم حديثاً، قال: لو كان عندك وقت لرتبنا لك لقاء مع صحفي كبير من الهنادك، ويدعى بنكلور... وقد كتب لي الندوي اسم الرجل بالحروف اللاتينية في دفتري (1/156). [يراجع الاسم في الدفتر. وقد أجرت مجلة المجتمع الكويتية في عددها 675 الصادر في 12رمضان سنة 1404هـ ص34 وما بعدها مقابلة مع صحفي رمزت لاسمه ف.ت. راج شيكر وهو في هذه المقابلة يثني على الإسلام، ويرى أنه الدواء الناجح بخلاف المسيحية (المجلد الثامن والعشرون) ولعله هو].
وقال: إن الرجل له مواقف جيدة مع المسلمين ويكتب في الصحف كتابات يؤيد فيها قضايا المسلمين، وقد ألف كتاباً باللغة الإنجليزية بعنوان " الديانة التي قبلها: (مبيكتر) ومبيكتر هذا هو الذي وضع دستور الهند المعمول به الآن، وكان الناس ينتظرون أن يقبل الإسلام ولكنه بعد انتظار طويل قبل الديانة الهندوسية ولم يقبل الإسلام، خوفاً من الضجة التي قد تحدث ضده، لأن اتباعه المنبوذين كثيرون، وإذا دخل في الإسلام فإنهم سيدخل الكثير منهم في الإسلام، والهندوس إنما صاروا أغلبية بهؤلاء المنبوذين، فإذا أسلموا صار الهندوس غير أغلبية.
وقد انتقد هذا الصحفي (بنكلور) هذا الرجل في عدم قبوله الدخول في الإسلام في كتابه هذا.
وذكر الشيخ الندوي أن لوالده كتاباً عن تاريخ الهند الإسلامية بعنوان: الهند في العهد الإسلامي طبعته دائرة العثمانية في حيدر أباد.
وأهدى لي الشيخ نسخة من كتابه هو بعنوان المسلمون في الهند، وهو يعنى بحاضر المسلمين في الهند.
حكمة الندوي في الدفاع عن حقوق المسلمين:
الأستاذ الندوي رجل حليم، يرى التيار الجارف من الأكثرية غير المسلمة ضد الأقلية المسلمة، وهذا التيار تخطط له الحكومة في السر والعلن، يقوم به الحاقدون الهندوس ويحرضون عليه عامة الأتباع من الجهلة.
ويرى الأستاذ الندوي أن الوقوف السياسي ضد الأغلبية الحاقدة ليس مجدياً، ولهذا يسير في الدفاع عن المسلمين مسيرة شعبية وقانونية، يُشعر الحكومة أن القانون الذي تنفذه وتعترف به لا يخولها الاعتداء على حقوق المسلمين الدينية والاجتماعية، ويُشعر الشعب الهندوسي أن المسلمين لا يريدون لهذا الشعب إلا الخير، وأن المسلمين قد ضحوا تضحيات كبيرة في الدفاع عنه، ولا يزالون مستعدين للدفاع عنه، وأن الإسلام لا يقف من غير المسلمين إلا موقف المصلح.
كما يُشعر المسلمين بأن عليهم واجب التمسك بالإسلام وتربية أبنائهم عليه، ويحذرهم من خطر الذوبان في المجتمع الهندوسي، وأن يتحدوا فيما بينهم ويتمسكوا بالمطالبة بحقوقهم.
موقفه من تدخل الحكومة في شؤون التعليم:
وعندما أرادت الحكومة التدخل في شؤون التعليم ومدارس المسلمين ومعاهدهم وجامعاتهم، وقف الشيخ الندوي وقفة صلبة حكيمة ودعا إلى عقد مؤتمر عام في مدينة لكنو في ندوة العلماء للتعليم الديني حضره كبار علماء الهند وكان ذلك من 1-2 من شهر يونيو، أي في مطلع هذا الشهر الذي أزور فيه الهند من هذا العام 1989م، وعارض الحاضرون كلهم تلك المخططات، وذكّروا الحكومة ببعض مواد الدستور الهندي الذي يمنح أتباع كل ديانة حق إدارة شؤونهم الدينية، وتعارض القرارات الحكومية الجديدة مع تلك المواد، وقد نفع الله بذلك المؤتمر، وقد حضره مسؤولون من وزراء الولاية (ولاية أترابراديش) ووافقوا على بقاء الأمور على ما كانت عليه، وألقى الشيخ أبو الحسن كلمة ضافية في المؤتمر كان لها أعظم الأثر في نفوس المؤتمرين وممثلي الحكومة، ذكّر فيها بما قام به المسلمون وما يقومون به من عمل خير لصالح هذا الشعب، وبخاصة التضحية في تحريره من الاستعمار والإسهام في حل كثير من مشكلاته والأعمال الاجتماعية العامة وغيرها.
قرارات المؤتمر الديني المنعقد بندوة العلماء:
اتخذ المؤتمر عدة قرارات هامة حول التعليم الديني، ومدارس المسلمين في الهند. فقد ناشد المؤتمر في إحدى توصياته الحكومة أن ترفض مقترح مجلس التربية الأساسية (12مايو سنة 1985م) الذي يسلب صفة "الأقلية" من المدارس الثانوية المعترف بها، وطلب القرار بإجراء تعديل في مشروع التربية الأساسية، لمنع المجلس من القيام بأي خطوة من هذا النوع في المستقبل، وأن هذا المقترح يحرم الأقليات ذلك الحق الأساسي الذي منحه الدستور إياها بتأسيس الهيئات التعليمية وإدارتها.
وناشد المؤتمرون الحكومة في قرار آخر بأن تجري في مشروع مؤسسة المراقبة للنساء والأطفال لأترابراديش سنة 1956م تعديلاً تستثنى به المدارس الدينية من دائرة نفوذ هذا المشروع.
وفي قرار آخر أن تضفي على اللغة الأردية صفة اللغة الرسمية الثانية لأترابراديش، كما طولب بأن تتخذ وسائل يتمكن بها الأطفال المسلمون الذين يتعلمون في المدارس العامة اليوم أن يعرفوا مبادئ دينهم وأن يقوم مجلس التعليم الديني بإعداد كتب لتحقيق هذا الغرض، وأن تستخدم الوسائل الأخرى لتربية الأطفال المسلمين تربية دينية.
كما أن الاجتماع العام استنكر تصريح وزير الداخلية المستر بوتا سنغ الذي نشر في جريدة تايمز أُف إنديا عدد 19/مايو 1989م الذي صرح فيه بأن المدارس التي تديرها المنظمات الإسلامية ملوثة بجراثيم الطائفية، وأكد الاحتجاج بأن هذه المدارس الدينية قادت حركة استقلال بدمائها الطاهرة، ولم تزل تؤدي دوراً رائعاً في سبيل تقدم الهند اجتماعياً واقتصادياً وحضارياً وثقافياً.
أكد هذا الاجتماع في قرار له: "على المسلمين أن يتولوا بأنفسهم مسؤولية التعليم البدائي لأطفالهم، ويوثقوا صلة أطفالهم بتعاليمهم الدينية والثقافية، حتى يأمنوا خطر الردة" كما أن الاجتماع أعرب عن طمأنينته وثقته بأن التعليم الديني والخلقي لأطفال المسلمين سيساعد في تكوينهم كمواطنين صالحين يساهمون في النظام العلماني للبلاد مساهمة فعالة، الأمر الذي سيقوي الوحدة القومية، فإن مسلماً صالحاً يعني مواطناً صالحاً.
أيّد الاجتماع فكرة أن المسلمين قاموا بدور رائع في التقدم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والحضاري والثقافي والديني والعلمي للبلاد، وتشهد صفحات التاريخ على أن الأمة الإسلامية قدمت سائر قدراتها وكفاءاتها في كفاح تحرير البلاد، وأحس الاجتماع بأن مؤامرة تدبر وتحاك ليل نهار للقضاء على الحضارة والثقافة الإسلامية والقيم الدينية والخلقية، وتشارك في هذه المؤامرة الحكومة والشعب ووسائل الإعلام والصحافة القومية والكتب الدراسية والمقررات المنهجية، وتجري المحاولة لفرض الاتجاهات والأفكار الدينية لطائفة خاصة على المسلمين والأقليات الأخرى في ستار الوحدة القومية.
وطالب الاجتماع في قرار: على الحكومة أن تؤلف لجنة مكونة من ممثلي جميع الطوائف الهندية وتحذف من المقررات المنهجية تلك الأجزاء التي تخص وتنال من كرامة الإسلام، كما صرح في القرار بأن المسؤولين من المصلحة التعليمية وافقوا للمؤسسات التعليمية الثانوية والابتدائية على الكتب التي تحتوي على مواد معارضة للعلمانية والتي تنال من الوحدة القومية.
وطالب الاجتماع الحكومة أن تعيد النظر بشأن تعليم اللغات الأردية والفارسية والعربية من بداية شهر يوليو سنة 1989م ذلك الوضع الذي كان سائداً حتى سنة 1983م.
كما أعرب الاجتماع عن أسفه واستغرابه على أن اللغة الأردية قد طردت من الطائفة البيالوجية في فصول العلم على مستوى المدارس الثانوية، كانت اللغات السنسكريتية والأردية والفارسية والعربية كمواد اختيارية في المدارس الثانوية حتى عام 1983م ثم تغير الوضع وكان علم التجارة هي المادة الاختيارية بدل اللغات السنسكريتية والأردية والعربية من سنة 1984م حتى سنة 1988م، والآن منذ بداية يوليو سنة 1989م، وأزيلت الصفة التي كانت اللغات العربية والفارسية والأردية تتمتع بها حتى عام 1983م.
وبالإضافة إلى هذه القرارات اتخذت قرارات لتوعية المسلمين، وإعادة روح الكفاح، والاجتهاد، والتسامح، وحب العلم والمعرفة فيهم، ودعم المؤسسات التي تعمل من أجلها، ولتحسين علاقات حسن الجوار، وعرض السلوك الإسلامي ورفع مستواهم الاقتصادي والثقافي، وشكر المجتمعون ندوة العلماء على عقد مثل هذا الاجتماع الذي ضم قادة المسلمين، وهيأ منبراً لمناقشة قضايا المسلمين.
نص كلمة الأستاذ الندوي في المؤتمر:
قال سماحته: "إن الحقيقة التاريخية أن حركة تعميم العلم ونشر التعليم والكفاح له ظل مقترناً في كل بلد، وفي كل عهد من عهود التاريخ، بدرجات متفاوتة بالإخلاص، والإيثار، والبساطة واحتمال المكروه، وتحمل الشدائد، وروح التضحية، والمثل العليا، واتصف بهذه الخصال المعلمون والمتعلمون، وكانت ميزة لهم، وواصل ركب العلم والتعلم في جميع العصور والأحوال سيره بهذه الروح لا يثنيه عن سيره تغير الحكام والمجتمع وقيام حكومات مستبدة أو عاطفة ووجود إغراءات، واقتضاء حاجات النفس، والدفاع لتحسين مستوى المعيشة التي تتجدد في كل عصر، وبذلك توسع نطاق القراءة والكتابة والتعليم وانتشرت الثقافة وظلت حقائق الحياة والدين ومثلها تنتقل من جيل إلى جيل، وتدل على تغلغل هذه السمة وغلبة هذه الطبيعة كتب التراجم للعلماء والباحثين ورجال العلم والفن والإصلاح والتربية الدينية للعصور الغابرة، ومن يراجع هذه الكتب يجد هذه الطبيعة في نظام التعليم والتربية سائدة، ومن القيم التي انتقلت منذ آلاف السنين بين الأجيال الإنسانية (رغم وجود خلافات في اللغة والثقافة والدين) والتي تعارفت عليها المجتمعات الإنسانية التمييز بين الطبقة المنحرفة (PROFESSIONAL) والطبقة غير المنحرفة ( NON PROFESSIONAL)
فقد كانت الطبقة الأخيرة (غير المنحرفة) موضع تقدير واحترام واعتراف دائم، وموضع حب وإكرام، وكانت نموذجاً للتقليد والاتباع، وكانت هذه العواطف تساور كل نفس، وقد أدرك هذه الطبيعة الإنسانية، الأنبياء والرسل الذين ابتعثهم الله في مختلف الأزمان والأجيال، فكانوا يؤكدون لدى بدء دعوتهم أنهم لا يبتغون أجراً ولا يسألون رزقاً، وأوضح القرآن الكريم هذا الأمر في كل قصة من قصص الأنبياء، وقد وردت قصص الأنبياء متواصلة في سورة الشعراء، أوضح الأنبياء فيها أنهم لا يطلبون أجرا، أعاد هذا الإعلان، نوح، هود، وصالح، وشعيب، {وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِي إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ}. [الشعراء: 109].
ولما جاء الإسلام وهو آخر الأديان السماوية، فإنه جعل عمل التعليم الصحيح أعلى وسيلة للعبادة، والتقرب إلى الله، وأوصله إلى درجة نيابة الأنبياء، وبفضل هذا الموقف إزاء العلم الذي اتخذه الإسلام، شاع في العالم الإسلامي نظام التعليم الحر وأنشئت المدارس والكتاتيب، وقامت المعاهد والمراكز للتعليم في القرى والمدن، وكانت المساجد بصفة عامة جامعة للعبادة وكسب العلم، وقد نالت هذه المراكز تشجيع الحكام والسلاطين في بعض العصور، لكنها دامت مستقلة وحرة عن أي ارتباط رسمي، وظلت مرتبطة بعامة المسلمين، تسير بأموالهم، وكان لذلك الارتباط بعامة المسلمين أثر طيب في النفوس، فإن الإنسان من طبيعته أنه إذا شارك في أمر بماله، وصرف فيه من وقته الثمين، سواء كان ذلك حركة أو منظمة، أو مدرسة وسواء كان نطاقه محدوداً، فإنه يرتبط به عاطفياً وشعورياً.
لقد قامت في الهند دول إسلامية قوية، وكان بعض الحكام والسلاطين من محبي العلم والدين والمقدرين لهما، وكانوا ينفقون عليهما بسخاء ويكرمون العلماء، لكن ارتباط المسلمين بالمسائل الدينية في هذه القارة الهندية، يرجع إلى هذا النظام الحر للتعليم الديني، وإلى مجهودات خريجي هذه المدارس الحرة الذين كان شعارهم الإيثار، والتضحية، وليس للحكومات الإسلامية فيها نصيب كبير، وإني أستطيع أن أقول بدون أي تردد في ضوء معرفتي للتاريخ أن ما يوجد في المسلمين من عاطفة إسلامية، ومعرفة دينية، وما تقوم بينهم وبين الثقافة الإسلامية من علاقة، وما يوجد فيهم من حرص على اتباعها وتعميمها، وتحمسهم لها، لمدين لهؤلاء الخريجين من المدارس، الذين كانوا ينشرون العلم بالإيثار، والتطوع متمسكين بحياة الزهد، والتوكل على الله.
كان من نتائج هذا التعليم الديني الحر أن الأعمال، والاتجاهات المنحرفة التي شاعت في عصور بعض الحكام والسلاطين، ومحاربتهم للدين وجهودهم لاستئصال جذوره، لم تؤثر على المجتمع الإسلامي بصفة عامة، وإنما بقيت آثارها محدودة في رجال الحاشية والبلاط، وفي دوائر محددة.
ومن الأدلة الساطعة على هذه الحقيقة، أن الإمبراطور أكبر الذي كانت دولته أكبر دولة في العالم الإسلامي بعد السلطان التركي، بذل جهداً جباراً ومدبراً لوحدة الأديان، وإبطال الشريعة الإسلامية بل نسخ الدين المحمدي، وأيده في ذلك بعض عباقرة العلماء، وكبار أذكياءهم، لكن حركته لم تؤثر في المجتمع الإسلامي، وكما اعترف به بعض المؤرخين الأوربيين، ظلت حركته محصورة في أوساط المتصلين بالبلاط، وبقي المسلمون منفصلين عنها، ولم يكن ذلك إلا نتيجة لجهود العلماء الربانيين والمصلحين والدعاة الذين كانوا يحكمون على النفوس، وكان نفوذهم عليها أعمق وأوسع من نفوذ الحكام.
كان من نتيجة هذا الاستغناء عن الحكام والحكومات، والارتباط بعامة المسلمين وغلبة عاطفة الإيثار وروح التضحية أن سقوط الدولة المغولية في عام 1857م وانتقال المسلمين من الحكم والسيادة إلى العبودية والاستعمار الأجنبي لم يغير الوضع التعليمي، ولم يؤثر على نظام التعليم السائد، وعلى العكس حدثت في المسلمين عاطفة مضاعفة لتحمل مسؤولياتهم، وتصعد فيهم الشوق والرغبة في فتح مدارس جديدة لتعليم أجيالهم القادمة وتنشئتها نشأة دينية، وبذلك صان المسلمون أجيالهم القادمة من الردة الدينية والذهنية والثقافية، إنهم خسروا الحكم، لكنهم احتفظوا بشخصيتهم وقامت هذه المدارس، ونابت عن الحكومة الإسلامية عملياً.
حاول الإنجليز في عهد الاستعمار أن يفرضوا نظام تعليمهم بتخطيط دقيق لقطع صلة المسلمين عن ماضيهم، وسلخهم من خصائصهم، وبذلوا قصارى جهدهم لينضب معين المراكز العلمية والتربوية للمسلمين بقطع الشرايين التي كانت تغذيهم وقطع مواردها، ولكن هذه الجهود المضنية لم تستطع أن تقضي على ذلك النظام أو تضعف ذلك النشاط العلمي، ولا يقل ذلك من معجزة، ولا يرجع ذلك إلا إلى عزم المسلمين، وقوتهم الإيمانية باعتبار التحليل التاريخي، وفلسفة الحياة، وإلى حرصهم على أن تبقى مدارسهم الدينية مستقلة وحرة من سيطرة الحكومة، وبقاء أعبائها كلياً على كاهل عامة المسلمين.
اتخذت الحكومة البريطانية جميع أنواع التدابير التي كانت كفيلة بالقضاء على مراكز التعليم الديني وكان منها رد الممتلكات والموارد التي كانت تغذي هذه المدارس، وسن قانون لعدم توظيف المتخرجين من المدارس في أعمال الحكومة، ولعزل هذه المدارس قاموا بإنشاء نظام مواز للتعليم من الابتدائية إلى الدراسات العليا، ودعموا هذا النظام بجميع وسائل الإغراء والتأثير، لكن المسلمين تمسكوا بثقافتهم، واحتفظوا بخصائص مجتمعهم الإسلامية، ومنعوا أنفسهم من الذوبان وأن يكونوا عرضة للردة الفكرية والثقافية، كما تعرض المسلمون في الأندلس بعد سقوط حكومتهم الإسلامية، إنه كان فضل التعليم الحر، وفضل المدارس الحرة، والكتاتيب الدينية المستقلة وخريجيها من القضاة والوعاظ وأئمة المساجد والدعاة وجهودهم الشخصية، وبفضل هذه الجهود، بقيت العلوم الدينية، وبقي الدارسون لها.
وبالإضافة إلى دراسة العلوم الدينية استمرت في المسلمين صلاحية تلاوة القرآن الكريم وحفظه، والتفاهم باللغة الأردية والكتابة فيها إلى الجيل الحاضر، ولذلك رد الدكتور محمد إقبال على أحد الناقدين للمدارس الدينية من المسلمين قائلاً: إياك أن تنتقد هذه المدارس الدينية، فإنها إذا سقطت فإن الهند ستصبح الأندلس الثانية.
بعد هذا الاستعراض لدور العلماء وخريجي المدارس الدينية في صيانة المعرفة الإسلامية، والارتباط بالدين، أشار سماحة الشيخ الندوي إلى جانب مهم آخر، وهو مشاركة العلماء وخريجي المدارس في النضال للحرية، فقال: لعب هؤلاء العلماء دوراً رائداً في هذا المضمار، وكان العلماء في مقدمة المكافحين للاستعمار، فقد واجه الشيخ يحيى علي وأحمد الله العظيم آبادي وعبد الرحيم الصادق بوري والشيخ محمد جعفر التهاني سري النفيَ إلى جزر أندمان، وتوفي الشيخ يحيى والشيخ أحمد في المنفى، وعاد الشيخ محمد جعفر بعد قضاء 18 سنة من الحكم بالأعمال الشاقة والنفي إلى الوطن، وتعرض لنفس الشدائد علماء آخرون من بينهم الشيخ فضل حق خير آبادي، والمفتي عنايت أحمد الكاكوري والمفتي مظهر كريم الدريبادي.
أمثال هؤلاء العلماء قادوا الكفاح لإقرار الخلافة العثمانية، وخاضوا الحرب للحرية السياسية من الإنجليز، وتتصدر قائمة هؤلاء المجاهدين من العلماء أسماء الشيخ محمود الحسن، والشيخ كفايت الله، وأبو المحاسن محمد سجاد البهاري والعلامة السيد سليمان الندوي والشيخ حفيظ الرحمن، والشيخ حسين أحمد المدني.
لقد واجه هؤلاء العلماء شدائد في نضالهم للحرية، وثابروا ورابطوا وكانت هذه العاطفة القوية وروح التضحية من عطاء هذه المدارس والتربية فيها، فقد ارتفعت هذه الطائفة عن كل نوع من المغريات، وتغلبت على المخاوف والشدائد.
وسجل هؤلاء العلماء صفحات رائعة في التركيز على البحث والتحقيق، والتكريس على المطالعة والاجتهاد فيها، وتحمل بعضهم أعباء لا تتحملها الأكاديميات والمجامع، وهم الذين تحملوا أعباء نقل التراث باللغة الأردية إلى الأجيال القادمة، وبفضلهم بقيت اللغة الأردية، والذوق الأدبي فيها، أما خريجو المدارس العصرية، فإن ضعفهم في التعبير في لغة أمهم بلغ حد الاستغناء عنها والكتابة باللغة الإنجليزية أو الهندية، إذا اضطروا إلى الكتابة لآبائهم أو أقاربهم.
يتضح من الحقائق التاريخية المذكورة أن الارتباط بالدين والاحتفاظ بالشخصية الدينية لأي أمة تقترن بحرية التعليم الديني، واستقلاله عن قيود الحكومات واستثنائه من القوانين التي تتخذها الحكومات من حين لآخر لتنظيم مؤسسات الحياة العامة، وإقرار النظام وتلبية المقتضيات المادية العامة، والواقع أن المسؤولين عن الحكومة إذا كانوا يحبون الوطن حقاً ويتصفون بالواقعية يجب عليهم أن يشجعوا مثل هذا النشاط الذي يهدف إلى توسيع مجال العلم، وتنمية الثقافة ومكافحة الجهل، وروح التطوع والإيثار، فإن الذي يجلس تحت شجرة ويعيش على الكفاف من الطعام واللباس، يعكف على نشر العلم، جدير أن ينال تقدير كل محب للوطن، والعلم، وجدير أن تشكر جهوده ويرحب بها، وأن يعتبر وجود مثل هذه النفوس الطيبة من بواعث الفخر والسعادة والاعتزاز، لأن تسخير جميع الوسائل والصلاحيات وإنشاء عدد أكبر من المدارس وتهيئة الأساتذة والمعلمين لها، لا تقدر على تحويل الجزء الأكبر من السكان إلى متعلمين ومثقفين، فضلاً عن تربية خلقية، وتهذيب سلوكهم وتنمية الوعي الإنساني فيهم.
وعلى هذا الأساس إننا مضطرون إلى أن نحتج على قوانين الحكومة التي تشكل تدخلاً في التعليم الديني الحر، وإنشاء مدارس وكتاتيب حرة، وتحول دون ممارسة نشاطات التعليم الديني، والتربية الدينية الحرة، وتقف عقبة في سبيل تعريف المسلمين بمبادئ دينهم اللازمة، فإن هذه القوانين ستحول في إنشاء تلك المدارس وتهدد المدارس التي قامت في الماضي، ومن هذه القوانين قانون فرض الحد الأدنى للأجور (MINIMUM WAGES ACT) وإلزام المدارس بالحصول على تصريح من الحكومة، كما هو في المؤسسات التابعة لوزارة العمل، فإن هذه القوانين لا تتعارض فقط مع طبيعة التعليم الديني الذي كان يتميز منذ عهده الأول بالإيثار والقناعة، ويجب أن تبقى طبيعته هذه وتستمر، بل إن هذه القوانين ستلحق هذا النظام بأضرار جسيمة، وإننا نعتبر ذلك من حقنا الجمهوري، والديني والخلقي، والوطني، وأن نرفع أصواتنا ضدها، فإن دستور بلادنا يمنح كل أقلية ووحدة حق إنشاء مدارس ترغب فيها، وإدارة شؤونها حسب رغبتها، إننا نقول بكل اعتزاز واحترام للوطن، ومشاعر حب البلاد: إن عمل نشر التعليم والثقافة يجب أن يبقى مقترناً بالإيثار وروح التضحية، طبقاً للتقاليد الهندية المتوارثة، وأن تستمر السمة التي كان هذا المجال يتميز بها.
وهناك جانب آخر مهم، وهو أن هذه المدارس التي كانت تمارس نشاطاتها بالمساهمات الشعبية، إذا اعتمدت على مساعدات الحكومة، فإن صلتها بالشعب ستنقطع، وتتحول إلى مؤسسات حكومية، ويخشى أن تنقطع صلتها بالشعب وتصبح عالة على الحكومة، وتواجه متاعب في الحصول على المعونات المالية، كما حدث في بعض القضايا، حيث لم تتسلم بعض المدارس المؤممة المعونة منذ أكثر من 6شهور، وسيكون ذلك خسراناً مبيناً.
إني إذ أؤكد ضرورة إبقاء روح التضحية والإيثار وتحمل المكروه في نظام التعليم الديني، ووقايته من التدخل الرسمي، لا يسعني أن أغض بصري عن رفع مستوى الأساتذة، والمعلمين في المدارس الدينية أو أتجاهل عن الحوائج الطبيعية، ومتطلبات الحياة وتأثير الغلاء، فإن تهيئة ظروف محترمة للحياة ليعيش المنتسبون إلى المدارس بكرامة، من واجب المسؤولين عن المدارس، وأن تلبية هذه المطالب في حدود موارد المدارس وإمكانياتها، أمر لا يمكن الإعراض عنه، ولكن يجب أن يتحقق ذلك بالاحتفاظ باستقلالية هذه المدارس، وبأيدي المسؤولين عنها، بدون اللجوء إلى معونات الحكومة.
واختتم سماحته كلمته بشعر العلامة إقبال الذي يقول فيه:
"إذا لم تعرف من هو رازقك الحقيقي.. كنت عبداً للملوك والأمراء..
وإذا عرفت رازقك.. كان الملوك والأباطرة عبيداً لك..
الأمر بيدك إذا ما اخترت القلب.. أو اخترت البطن ..."..
الشيخ يمنح ضيفه إجازة أسانيد أمهات السنة:
هذا وقد أخذت من الشيخ أبي الحسن الندوي إجازة الأسانيد، بعد أن قرأت عليه أوائل أحاديث الأمهات، وفي تلك الإجازة بعض المشايخ من آل الأهدل الذين أجتمع معهم في السيد علي الأهدل.
وهذا نص الإجازة: وقد نقلتها هنا للحفظ، وعندي الأصل محفوظ في مكتبتي، وعليه توقيع سماحة الشيخ.
بسم الله الرحمن الرحيم
إجازة الأسانيد:
الحمد لله الذي تواتر علينا فضله وإحسانه، الموصول إلينا بره وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ذاته وصفاته، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الذي صح سند كمالاته، وتسلسل لمرفوع ما وصل من هباته، وعلى آله وأصحابه وناصريه وأحزابه .
أما بعد:
فقد التقى بنا الشيخ الصالح الدكتور عبد الله القادري بن أحمد بن يحيى القادري الأهدل، وقرأ علينا أوائل صحيح الإمام البخاري وصحيح الإمام مسلم، وسنن الترمذي، وسنن أبي داود، وسنن ابن ماجه، وسنن النسائي، وموطأ الإمام مالك، ومسند أحمد، وذلك في 10 من ذي القعدة سنة 1409 هـ وطلب من الفقير الإجازة بوصل سنده بسند أهل الجد والأتباع فأجزته بما طلب وأجبته لما له رغب، وإن لم أكن أهلاً لذلك، ولا ممن يخوض تلك المسالك ولكن تشبهاً بالأئمة الأعلام، السابقين الكرام.
فأقول: قد أجزت الأخ المذكور بما ذكر، وبجميع مروياتي ومسموعاتي من كل ما تجوز لي روايته، وتصح عني درايته، كما أخذت قراءة وسماعة، وإجازة، ولله الحمد عن شيخنا العلامة حيدر حسن بن المرحوم أحمد حسن الطونكي، عن شيخه العلامة رأس المحدثين وعمدة المحدثين وخاتم المحدثين شيخ الإسلام حسين بن محسن الأنصاري الخزرجي السعدي، نسبة إلى سعد بن عبادة رئيس الخزرج، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن مشايخ أجلاء أعلام، وسادة كرام، من أجلهم شيخنا الشريف الإمام والمحقق المدقق الهمام محمد بن ناصر الحسيني الحازمي، والقاضي العلامة أحمد بن القاضي الحافظ الرباني محمد بن علي الشوكاني الصنعاني، كلاهما عن والد الثاني-أعني القاضي محمد بن علي الشوكاني-عن شيخه السيد العلامة عبد القادر بن أحمد الكوكباني، عن شيخه السيد العلامة سليمان بن يحيى بن عمر بن مقبول الأهدل، رحمه الله تعالى، ح وبروايته الشريف محمد بن ناصر، والقاضي أحمد بن محمد بن علي الشوكاني، عالياً بدرجة، وشيخنا السيد العلامة ذي المنهج الأعدل، السيد حسن بن عبد الباري الأهدل أيضاً، ثلاثتهم عن السيد العلامة وجيه الدين، وعمدة المحدثين شيخ الإسلام ومفتي الأنام عبد الرحمن، سليمان بن يحيى بن عمر بن مقبول الأهدل رحمهم الله، عن شيخه ووالده السيد العلامة نفيس الدين وخاتمة المحدثين سليمان بن يحيى بن عمر بن مقبول الأهدل، عن شيخه السيد العلامة أحمد بن محمد شريف الأهدل، عن شيخيه العلامتين عبد الله بن سالم البصري المكي، وأحمد بن محمد بن نحل المكي، كلاهما عن المحقق الرباني الشيخ إبراهيم بن الحسن الكردي الكوراني المدني، عن شيخه العلامة أحمد بن محمد القُشاشي المدني، عن شيخه العلامة شمس الدين أحمد الرملي المصري الشافعي، عن شيخ الإسلام القاضي زكريا بن محمد الأنصاري المصري، وبرواية البصري والنخلي أيضاً، عن الشمسي محمد بن علاء الدين البابلي (بكسر الباء الثانية) عن سالم بن محمد السنهوري، عن النجمي محمد بن أحمد النيطي، عن القاضي زكريا بن محمد الأنصاري المصري 1209هـ ، عن شيخ الإسلام وخاتم المحدثين الأعلام أبي الفضل أحمد بن علي بن محمد العسقلاني رحمه الله تعالى، نا روى صحيح الإمام الحافظ أمير المؤمنين في حديث سيد المرسلين أبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري (رحمه الله تعالى) بالأسانيد المذكورة الحافظ ابن حجر العسقلاني، عن شيخه زين الحفاظ أبي الفضل عبد الرحيم بن الحسين العراقي، عن شيخه الإمام الحجة المعجز أبي العباس أحمد بن أبي طالب الحجار، عن شيخه الإمام أبي عبد الله الحسين بن المبارك الزبيدي، عن الحافظ أبي الوقت عبد الأول السجزي، عن الإمام أبي الحسن عبد الرحمن بن محمد بن مظفر الداودي، عن شيخه الحافظ أبي محمد عبد الله بن حمويه السرخسي، عن أبي عبد الله محمد بن يوسف بن مطر الفربري، عن الحافظ أبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الأحنف الملقب بردزبه الجعفي مولاهم البخاري.
أما صحيح الإمام الحافظ مسلم بن الحجاج القشيري، فأرويه بالأسناد السابقة، إلى الحافظ ابن حجر العسقلاني عن الصلاح بن عمر المقدسي، عن أبي الحسن علي بن أحمد المعروف بابن البخاري عن المؤيد محمد الطوسي، عن فقيه الحرم أبي عبد الله محمد بن الفضل بن أحمد الفراري، عن أبي الحسن عبد الغافر بن محمد الفارسي، عن أبي أحمد محمد بن عيسى الجلودي، نسبة بسكنه الجلود قرية بنيسابور الدارسة، وقيل بفتحها نسبة لجلود قرية كذا في ثبت الأمير محمد بن أحمد بن عبد القادر المصري، عن أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان، عن مؤلفه الإمام الحافظ مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري رحمه الله تعالى، إلا ثلاثة فوائت في ثلاثة مواضع لم يسمعها إبراهيم بن محمد بن سفيان عن شيخه الإمام مسلم، فروايتي لها عن مسلم بالإجازة أو بالوجادة، وقد غفل أكثر الرواة عن تبين تلك الحقيقة في إجازتهم وفهارسهم، بل يقولون في جميع الكتاب أخبرنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، قال أخبرنا مسلم بن الحجاج، وهو خطأ، نبه على ذلك بن الصلاح، كما حكاه النووي في مقدمة شرحٍ لمسلم رحمه الله تعالى.
وأما سنن الإمام الحافظ أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني رحمه الله تعالى فبالأسانيد السابقة إلى الحافظ ابن حجر العسقلاني، عن أبي علي المطرزي، عن يوسف بن علي الحنفي، عن الحافظ زكي الدين عبد العظيم المنذري عن أبي حفص عمر بن محمد بن معمر بن طبرزد البغدادي، عن إبراهيم بن محمد بن منصور الكروخي، عن أبي بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي، عن أبي عمرو القاسم بن جعفر بن عبد الواحد الهاشمي، عن أبي محمد بن أحمد اللؤلؤي، عن مؤلفه الحافظ أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني رحمه الله.
وأما جامع الإمام الحافظ أبي عيسى محمد بن سورة الترمذي رحمه الله، فبالأسانيد السابقة إلى شيخ الإسلام القاضي زكريا بن محمد الأنصاري، عن العز عبد الرحيم ابن محمد المعروف بابن الفرات، عن الشيخ أبي حفص عمر بن الحسن المراغي، عن الفخر علي بن أحمد بن عبد الواحد المعروف بابن البخاري، عن عمر بن محمد بن معمر بن طبرزد البغدادي، عن أبي الفتح عبد الملك بن أبي سهل الكروخي (بفتح الكاف وضم الراء) عن القاضي أبي عامر محمود بن القاسم الأزدي، عن أبي محمد عبد الجبار بن محمد بن عبد الله الجراح المروزي، عن الشيخ الثقة الأمين، محمد بن أحمد بن محبوب المحبوبي المروزي، عن مؤلفه الحافظ أبي عيسى محمد بن سورة الترمذي رحمه الله.
وأما سنن الحافظ أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب القريشي بن علي بن بحر بن سنان النسائي رحمه الله تعالى، فبالأسانيد السابقة إلى الحافظ ابن حجر العسقلاني عن إبراهيم بن أحمد التنوخي، عن الإمام أحمد بن أبي طالب الحجار، عن أبي اللطيف ابن محمد بن علي القبطي، عن أبي زرعة طاهر بن محمد المقدسي، عن أبي محمد عبد الرحمن بن أحمد الدوني (بضم الدال وسكون الواو وكسر النون بعده ياء) نسبة إلى دون قرية من قرى دينور، عن القاضي أبي نصر أحمد بن الحسين الكسار، عن أبي بكر أحمد بن محمد بن إسحاق الدينوري المعروف بابن السني، عن مؤلفه الحافظ الإمام أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي بن بحر بن سنان النسائي رحمه الله تعالى.
وأما سنن الحافظ الإمام محمد بن يزيد بن ماجه (بسكون الهاء) القزويني، فبالأسانيد السابقة إلى الحافظ ابن حجر العسقلاني، عن أبي الحسن علي بن أبي المجد الدمشقي، عن أبي العباس، أحمد بن أبي طالب الحجار، عن أبي بن أبي السعادات الحماني، عن أبي زرعة طاهر بن محمد بن طاهر المقدسي، عن الفقيه أبي المنصور محمد بن الحسين بن أحمد المقدامي القزويني، عن أبي طلحة القاسم بن أبي المنذر الخطيب، عن أبي الحسن علي ابن إبراهيم بن سلمة القطان، عن مؤلفه الإمام الحافظ أبي عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القزويني رحمه الله تعالى.
وقد قرأ عليّ أوائل موطأ الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى ومسند الحافظ الحجة أبي عبد الله أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى.
وقد أجزت الأخ الصالح الدكتور عبد الله القادري.
وقد قرأت أوائل الصحاح على المحدث الجليل العلامة عبد الرحمن المبارك فوري صاحب تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي وأجازني في الحديث، فأضيف إجازته إلى الإجازة الأولى، عن شيخنا العلامة حيدر حسن خان بن المرحوم أحمد حسن خان الطونكي شيخ الحديث بدار العلوم ندوة العلماء.
وأوصيه وإياي بتقوى الله في السر والعلن، وترك الفواحش ما ظهر منها وما بطن، والمراقبة لله واتباع السنن، والحياء من الله، وحسن الظن في الله، وأن لا يغفل عن ذكر الله المطلق، وتلاوة كتابه وتدبر معانيه بحسب الطاقة، فيما يقربه إلى الله عز وجل، وأن لا ينساني وشيوخي من صالح دعواته في خلواته وجلواته، في حياتي ومماتي، وفقنا الله وإياه لما يحبه ويرضاه، وسلك بنا وبه طريق النجاة.
والحمد لله رب العالمين أولاً وآخراً، وظاهراً وباطناً
وصلى الله على نبيه محمد وآله وصحبه وسلم
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

صورة الإجازة الأصلية:

وكان أستاذي الشيخ الندوي قد سكت متأملاً عندما طلبت منه الإجازة حتى ظننت أنه سيعتذر، وكنت أشعر أني لست أهلاً لها، ثم قال: أنا لست أهلاً لذلك فأنا تلميذ لتلاميذ أجدادك، فقلت له: يا شيخ ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء وأنت أهل ولكني أنا لست أهلاً له.
وبعد أن فرغ الشيخ رحمه الله من هذه الإجازة، قال: "بضاعتكم ردت إليكم" ومراده أن بعض مشايخه من كبار علماء اليمن، ومنهم بعض أجدادي من بني الأهدل، كما هو واضح.
من هو أستاذي الندوي؟
الأستاذ الندوي من أعلام العلماء المفكرين الدعاة الكتاب المعاصرين، يعرفه المسلمون وغير المسلمين، وله صولات وجولات في الدعوة والتعليم والتربية والدفاع عن المسلمين وحقوقهم، في داخل الهند وخارجها، امتاز بعاطفة جياشة تظهر في كتبه وخطبه ومحاضراته.
يجمع الأستاذ الندوي بين نشر العلم والدعوة محلية وعالمية، وتربية أتباعه تربية إيمانية وعبادية قوية، مبنية على العلم والإخلاص والتواضع، كما أنه امتاز ببراعة دفاعه عن حقوق المسلمين في الهند ضد أعدائهم من المتشددين الهندوس، سواء من المؤسسات الحكومية أو الدينية المتعصبة، أو الشعبية المختلفة، فعلى رغم أن الأستاذ الندوي يظهر بعيداً عن المعارك السياسية، فإنه أثبت بمواقفه الدفاعية عن حقوق المسلمين في الهند وبراعته وحنكته، أنه من كبار رجال السياسة الحكيمة، وذلك أنه في كل مناسبة تحدث، أو يعلم أنها ستحدث، يعقد المؤتمرات ويدعو لها قادة المسلمين وزعماءهم، وبعض الزعماء السياسيين من الهندوس وغيرهم، وكثيراً ما ينجح بقوة بيانه وشدة عاطفته وحججه التي تدعم حقوق المسلمين في إيقاف كثير من الكوارث التي يحتمل أن تنزل بالمسلمين، كما أنه لا يتردد في الاتصال بزعماء الحكومة ونصحهم وحثهم على المحافظة على حقوق المسلمين، وكذلك يقوم بجولات في مناطق الهند المختلفة، للاتصال بالمسلمين والتشاور في أمورهم، والتعاون على حل مشكلاتهم، وبخاصة في أوقات الكوارث والمصائب.
وقد شارك الأستاذ الندوي في عدة مؤتمرات وندوات ومجالس تعليمية وتربوية في العالم الإسلامي.
وقام بجولات ورحلات في عدد من الدول الإسلامية العربية وغير العربية، وكذلك في البلدان غير الإسلامية، وألقى فيها محاضرات، واتصل بزعماء من المسلمين مبدياً لهم النصح الذي لا يريد من ورائه جزاءً ولا شكوراً.
وهو مع تواضعه ولطفه في النصح، صريح في قول كلمة الحق، لا يخاف في الله لومة لائم، وهو شديد الحب لنهوض الشعوب العربية على أساس الإسلام، ويرى أن نهضة الشعوب العربية إسلامياً هي المنطلق لعز المسلمين وانتصارهم في العالم.
والأستاذ الندوي من الأسرة الحسينية الشريفة، وفد أول شخص من أجداده إلى الهند في القرن السابع الهجري، وهو الأمير السيد قطب الدين محمد المدني، عن طريق بغداد وغزنة، مع جماعة من أصحابه في وقت فتنة المغول، ثم تفرعت منه الأسرة.
وقد ولد الأستاذ الندوي سنة 1333 هـ الموافق 1914م أي أن عمره الآن أي في سنة 1989م 76سنة هجرية.
مسيرة الحياة:
وحتى لا أطيل في ترجمة حياته أحيل القارئ إلى الشيخ نفسه، ليكون السند عالياً فقد ألف كتاباً بلغ عدد صفحاته 463 صفحة عن حياته سماه مسيرة الحياة، وقد أهدى لي هذا الكتاب، وعندما رجعت إلى دلهي أكببت على مطالعته في غرفتي بفندق مريديان، وأكملته في أقل من يومين [كان هذا يوم الجمعة 13/11/1409 هـ وقدمت كلاماً هنا لاستكمال ما يتعلق بالأستاذ الندوي] فقد قرأت الكتاب بشغف وذلك لعدة أسباب:
السبب الأول: أسلوب الشيخ الجذاب وسلاسته ولطف تعبيره وأدبه العربي الذي يعرفه كل من يقرأ له أو يسمع محاضراته وأحاديثه.
السبب الثاني: أنه يشرح حياة الشيخ، وكنت قد سألته عندما سلمني الكتاب: هل أستطيع أن آخذ معلومات تاريخية من الكتاب عن حياتك من طفولتك إلى الآن؟ فقال: نعم.
وكنت قد اعتدت أن آخذ المعلومات عمن ألتقيه وبخاصة الدعاة والعلماء - في رحلاتي - مباشرة من الشخص، فلما علمت أن المعلومات عن حياة الشيخ موجودة في هذا الكتاب اكتفيت به. [هذا مع العلم بأني مجاز من فضيلته في رواية كتبه، إضافة إلى أسانيده، كما مضى].
السبب الثالث: أن الكتاب يأخذ بيد القارئ ليتجول مع الكاتب وأسرته العريقة وبعض فروعها في الهند، ومن يمت إليها بصلة من أصدقاء ومعلمين ومؤلفين وتلاميذ وجيران وكتب وبلدان ومفكرين ومحاضرات ومناقشات ورحلات ومذاهب وأحداث إسلامية: إيجابية أو سلبية في الهند وفي غيرها، واستعمار وتحرير، وفقر وغنى، وتأليف وتعليم وتربية، وجماعات ومنظمات إسلامية وشخصيات، يطوف بك في ذلك كله وفي غيره، وكأنك معه في السيارة أو القطار والطائرة والمنزل والغرفة والفندق، والاجتماع والحزن والفرح، والمرض والصحة، في المستشفى وفي المدرسة وغير ذلك.
السبب الرابع: أنني كنت أحدث نفسي بكتابة مماثلة عن مسيرة حياتي، وما حياتي كحياة شيخنا الجليل، ولكن يوجد تشابه في كثرة نعم الله التي أسداها سبحانه وتعالى إليَّ، كما أسداها إلى لأستاذي الندوي، وكذلك التجوال في الأرض في الشرق والغرب، وفي الاهتمام الذي سكبه الله تعالى في نفسي بشؤون المسلمين والدعوة إلى الله ومحاولة الاستفادة من الوقت والحدث والتجربة.
وهناك أمور اختص بها الشيخ لم أنل منها شيئاً، وهي وجود أبوين وإخوان وأعمام وأقارب وأصدقاء، أسرة عنوا كلهم بتعليمه وتربيته، أما أنا - وإن كانت أسرتي الكبيرة "بنو الأهدل" المنتشرة في مدن اليمن وقراها، فيهم علماء ومؤلفون، فإني لم يكن والداي ولا إخواني ولا أقاربي الذين نشأت بينهم، لم يكونوا علماء، ووالدي توفي في صغري ـ وأنا رضيع ـ [ويقال: إنه توفي وأنا في رحم أمي]. ولكن عناية الله ورحمته بي قد ساقتني إلى العلم، ولعل الله ييسر لي الكتابة في ذلك، وإن لم أكن دونت أحداثها وجزئياتها وتواريخها في حينها، ولذلك قد يفوتني الكثير منها بسبب النسيان وبخاصة إذا تأخرت وتقدم السن.. والله المستعان. [سجلت بعض النقاط، تحت عنوان: محطات الحياة، لعل الله ييسر إكمالها].
ندوة العلماء ودار العلوم:
هذه المؤسسة وفروعها تحتاج إلى تاريخ خاص، من الصعب استيعابه هنا، وقد تطورت وخرَّجت علماء من كل الجماعات الإسلامية في الهند، وباكستان وفي مناطق الهند المختلفة والنسبة إليها شبيهة بالنسبة إلى الأزهر، فكما يعتز طلبة الأزهر بالانتساب إليه فيقال: أزهري، فإن طلبة هذه المؤسسة يعتزون بالانتساب إليها فيقال: الندوي.
شيخ ندوة العلماء يصف دار العلوم التابعة لندوة العلماء:
ويكفي هنا أن أنقل نصاً للأستاذ الكريم أبي الحسن الندوي عن هذه المؤسسة المباركة وهو يشمل تاريخ إنشائها وأهدافها ومكانتها بين المدارس العلمية في الهند.
قال: تتوسط بين المدارس القديمة التي تتمسك بالقديم وترى العدول عنه ضرباً من التحريف ونوعاً من البدع، وبين الجامعات المدنية التي تقدس الجديد وتستهين بالقديم، تتوسط بين تلك وهذه دار العلوم التابعة لندوة العلماء التي تأسست في لكنو سنة اثنتي عشرة وثلاث مائة وألف هجرية 1312هـ بيد العالم الرباني الشيخ محمد علي المنكيري وزملائه المخلصين، الذين خافوا على المسلمين من المحافظين ومن المتطرفين، ومن اعتزال العلماء عن الحياة وتخلفهم عن ركب الثقافة والعلم، ومن العصبيات المذهبية والمتاجرات الفقهية التي قويت ونشطت في العهد الأخير.
فأسست ندوة العلماء ودار العلوم التابعة لها على مبدأ التوسط والاعتدال والجمع بين القديم الصالح والجديد النافع، وبين الخالد الذي لا يتغير، والعلم الذي يتغير ويتطور ويتقدم، وبين طوائف أهل السنة التي لا تختلف في العقيدة والمنصوص.
وقامت من أول يومها على الإيمان بأن العلوم الإسلامية علوم حية نامية، وأن من هذه الدراسة ما هو خاضع لناموس التغير والتجدد، فيجب أن يتناوله الإصلاح والتجديد في كل عصر ومصر، وأن يزاد فيه ويحذف منه بحسب تطورات العصر وحاجات المسلمين وأحوالهم.
عنيت دار العلوم بصفة خاصة، بالقرآن الكريم - الرسالة الخالدة - وتدريسه كتاب كل عصر وجيل، وعنيت باللغة العربية التي هي مفتاح فهمه وأمينة خزائنه، ووجهت عنايتها إلى تعليم هذه اللغة الكريمة كلغة حية من لغات البشر يكتب بها ويخطب، لا كلغة أثرية دارسة لا تجاوز الأحجار أو الأسفار، كما كان الشأن في الهند، وقلَّلتْ قسط بعض العلوم القديمة التي لا تفيد كثيراً، وأبدلتها ببعض العلوم العصرية التي لا غنى عنها للعالم العصري الذي يريد أن يخدم دينه وأمته، واجتهدَت أن تخرج رجالاً مبشرين بالدين الإسلامي الخالد لأهل العصر الجديد، شارحين للشريعة الإسلامية بلغة يفهمها أهل العصر، وبأسلوب يستهوي القلوب أمةً وسطاً بين طرفي الجمود والجحود، وقد نجحت في مهمتها نجاحاً لا يستهان بقيمته، بأن أنجبت رجالاً هم خير مثل للعالم المسلم العصري، لهم آثار جميلة خالدة في الأدب الإسلامي وعلم التوحيد لأهل العصر الحديث، والسيرة النبوية - على صاحبها أفضل الصلاة والسلام - والتاريخ. [المسلمون في الهند: لأبي الحسن علي الحسني الندوي ص123، 125].
هذا وعندما حان وقت الذهاب إلى المطار ودعت أستاذنا الكريم أبا الحسن الندوي ومن كان معه من أساتذة الجامعة وذهبنا إلى المطار وكان يرافقني الأخ محمد رضوان الندوي الذي تخرج في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة في كلية القرآن الكريم والدراسات الإسلامية سنة 1401هـ ، وكذلك أخوه محمد إحسان الندوي الذي حفظ القرآن الكريم منذ عشر سنوات، وعمره الآن اثنتان وعشرون سنة، وهو يرغب في الالتحاق بالجامعة الإسلامية في المدينة في كلية القرآن الكريم مثل أخيه.
هذا وقد وافت المنية شيخنا العلامة الفقيه الداعية المربي الشيخ أبا الحسن علي الندوي رحمه الله في يوم الجمعة الرابع والعشرين من شهر رمضان المبارك، من عام 1420هـ 31/12/1999م. أي بعد 11 عاماً من زيارتي له في دار العلوم في لكهنو، وقد تمت لقاءات أخرى به بعد ذلك في المدينة، حيث زارني في منزلي... ولا أذكر التاريخ الذي زارني فيه.
وقد صلى عليه المسلمون في المسجد الحرام، والمسجد النبوي في ليلة الاثنين ليلة السابع والعشرين من شهر الصيام، وقد سمعت من بجواري من الذين صلوا عليه في المسجد النبوي، يحوقلون عندما أعلن عن الصلاة عليه، كما سمعت بعضهم وهو يلح في الدعاء يجهش بالبكاء.
وصلى عليه المسلمون في أنحاء الأرض، مظهرين حزنهم عليه.
وقد رثيته رحمه الله بالقصيدة الآتية:
رثاء الشيخ العلامة أبي الحسن الندوي رحمه الله:
* [في كتابه القيم : (ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟)].
سكت الناس مصغين لصوته بالقرآن:
عندما دخلنا قاعة المطار قعدنا في زاوية منه وطلبت من الأخ محمد إحسان أن يسمعني بصوته شيئاً من القرآن بصوت منخفض، لأن الناس الذين حولنا يتحدثون، فبدأ يقرأ من أول سورة الحج بصوت ندي مؤثر، فسمع من بجوارنا ذلك، فسكتوا وبدأوا يصغون لهذا الصوت، فقلت له: ارفع صوتك فرفع، فسمعه من هم أبعد، وكانوا يتحدثون فسكتوا وأخذوا يصغون له، قلت للأخ محمد رضوان: أهؤلاء مسلمون؟ قال: لا إنهم هندوس.
وكان معنا الأخ أصغر علي الذي رافقني من الجامعة السلفية في بنارس إلى لكنو وبقي معي حتى دخلت إلى غرفة الانتظار، وأكد لي هذا الموقف أن تلاوة القرآن بصوت حسن يؤثر في نفوس السامعين مسلمين وغير مسلمين، كما أكد ذلك بعض العلماء الذين قابلتهم في موضوع البلاغ المبين.
سجدوا على قدميه وقبلوهما!
وفي قاعة الانتظار دخل رجل طويل القامة، وله لحية كثة وافر شعر الرأس مكشوفه، وعليه ثوب مثل الثياب العربية طويل يبلغ الكعبين، وأكمامه قصيرة وقد علق في صدره ما يشبه الميدالية - وهي ذهبية اللون ولعلها من الذهب - وعليها صورة يبدو أنها صورة وثن، وعندما دخل قام إليه عدد من الناس الموجودين في الصالة رجالاً ونساء، فأخذوا ينحنون له ثم يسجدون على قدميه ويقبلونهما، ويأمرون أولادهم الصغار أن يفعلوا ذلك وكان هو يمسح على رؤوسهم للتبريك، وظهر أنه راهب هندوسي.
تبدل الأحوال!
في الطريق إلى المطار قال لي الأخ رضوان: إن المسلمين في لكنو كانوا قبل التقسيم 95% من عدد السكان، والآن لا يزيد عددهم عن 15% وكثير من الأسر مفرقة، بعضها في الهند وبعضها في باكستان، ولا يستطيع أفرادها زيارتها في كلا البلدين إلا بعد سنوات طويلة.
وقال: إن كثيراً من المباني في لكهنو عندما تنظر إليها تعرف أنها من مباني المسلمين وقد أصبحت في قبضة الهندوس.
طائرة الوزراء والرجوع إلى دلهي:
كان الوقت المقرر لإقلاع الطائرة الساعة التاسعة مساء، ولكنها تأخرت فلم تقلع إلا الساعة الحادية عشرة، وقال الإخوة: إن السبب في هذا التأخر هو أن بعض الوزراء في الولاية يذهبون هذه الليلة إلى دلهي في كل أسبوع، ولهذا تتأخر في بعض الأوقات من أجلهم إذا تأخروا.!
ومدة الطيران بين لكنو ودلهي أربعون دقيقة وهي تتجه إلى الشمال مع ميل قليل إلى الغرب.
الجمعة: 13/11/1409هـ ـ 16/6/1989م.
لم يكن عندي اليوم مواعيد فبقيت في الفندق مكباً على قراءة كتاب: (مسيرة الحياة) الذي سبق ذكره.
زيارة مركز جمعية الحديث:
السبت: 14/11/1409هـ ـ 17/6/1989م.
أكملت هذا اليوم قراءة كتاب: (مسيرة الحياة).
وبعد الغداء زرت مركز جمعية أهل الحديث التي يعتبر الشيخ عبد الوهاب الخلجي أميناً عاماً لها، وهي قريبة من الجامع الكبير في دلهي في جنوبه الشرقي، يستطيع راكب السيارة أن يصل إلى مسافة قريبة جداً منه، بخلاف مركز الجماعة الإسلامية، فإنه لا يصل إليه إلا بالركشة، والشوارع المؤدية إليه ضيقة جداً، مزدحمة بالناس وبالركشات التي تكاد تتصادم لكثرتها.
ويمكن الوصول إلى مركز الجماعة الإسلامية من الجامع مشياً بالأقدام، ولكن الضيف إذا مشي في هذه الشوارع يؤذيه الشحاذون، وقد يتعرض للنشل والسرقة، وإذا أردت أن تتصدق على عدد منهم تزاحم عليك الآخرون فتحتاج إلى ميزانية خاصة لتوزيعها عليهم، وتحتاج إلى حراس يدافعون عنك الزحام وما يتبعه.
محنة المسلمين في بلغاريا!
في الساعة الحادية عشرة والنصف مساء سمعت من إذاعة لندن أن بلغاريا تطرد يومياً أكثر من ثلاثة آلاف شخص من المسلمين الأتراك إلى تركيا، وتعلل ذلك لندن على لسان الأتراك - حسب زعمها - أنه بسبب قوميتهم التركية، والحقيقة أن ذلك بسبب أنهم مسلمون، وذكر أن رئيس وزراء تركيا ذهب إلى الحدود التركية البلغارية يتفقد أوضاع الأتراك المطرودين.
قلت: وهذه المشكلات لا زالت مستمرة من آثار القومية التركية التي قضى بها كمال أتاتورك على آخر رمز للخلافة الإسلامية، واستسلم لأوروبا وجر أذيال الهزيمة تحت شعار النصر، وأصبح الأتراك المسلمون الذين هم أبناء الفاتحين في وسط أوروبا معرضين للإذلال والإخراج من بيوتهم.
ويخشى على الجاليات الإسلامية في أوروبا كلها، ليس الشرقية الشيوعية فقط، ولكن الرأسمالية الغربية أيضاً، إذا شعروا بكثرة المسلمين والتزام كثير منهم بالإسلام، وعدم الذوبان في المجتمعات الغربية. [وقد أصبحت دول أوروبا الشيوعية الآن في عداد الدول الغربية الرأسمالية بعد انهيار الأنظمة الشيوعية كما أن مضايقات المسلمين بدأت في بعض الدول الغربية في أوروبا في فرنسا وغيرها، والقرائن تدل على ازدياد ذلك].
مقابلة مع هندوسي في منزله بدلهي:
الأحد: 15/11/1409 هـ - 18/6/1989م.

الاسم وتاريخ الميلاد: أقنفش (AGNIVSH) سنة 1939م..
التخصص: المحاماة (من جامعة كلكتا).
الديانة: قال: إنه يؤمن بإله، ولكنه لا يتقيد بدين معين، ويرى أن الدين ليس ديناً واحداً، ويكفي الإيمان بإله في الجملة.
قلت: كيف توصل إلى هذا المذهب؟
قال: اتخذه من "آرباسماش"وهو أحد فروع الديانة الهندوسية، ويأخذ التعليمات من "سوامي دبانند" الذي ولد سنة 1823هـ [أي بالتاريخ الهندي] وقتل سماً عام 1883هـ وهو اطلع على الأديان المختلفة: اليهودية والنصرانية والإسلام وديانة السيخ، ولخص ذلك في تعليماته في سنة 1875م.
قلت: ما مبادئ هذه الديانة؟
قال: الصفات الإلهية، منها الصدق والعطاء والمساواة، وإعطاء الطمأنينة للآخرين، وهذه مأخوذة من صفات الإله، ولا بد أن يطبقها الناس في أنفسهم ويطبقوها في غيرهم.
قلت: ما أهداف هذه الديانة؟
قال: الأديان الموجودة أصبح أهلها متعصبين لها، وكل أصحاب دين يعطون الناس تعليمات كما يرون، ويفكرون في أنفسهم ولا يفكرون في التعليمات نفسها، ولا يفكرون في صفات الله كما هي ويطبقونها مثلاً: الله لا يغضب!
ولكن الناس يغضبون والمفروض ألا يغضبوا، لأن الله لا يغضب، وصفة الإله موجودة في كل شيء حتى في الرمل! وهدفنا من هذه التعليمات أن نغير أنفسنا بصفات الله ونغير البيئة والمجتمع.
قلت: كيف عرف أن الله لا يغضب، وكيف يعرف أن الله متصف بصفات أخرى كالصدق؟
قال: علماً من (الفيد) وهي كتب مذهبية، وهي عمدتنا، وعرفنا من الأولياء وهم طبقوا ذلك، فعندهم أن الله لم يلد ولم يولد ولا يموت ويوجد في كل محل، والأديان الأخرى لا يرون أن الله في كل مكان، بل بعضهم يرون أنه في السماوات السبع أو الأربع، ويقولون: إنه تشكل في صورة (رام) أو (شنكر) ونحن لا نعتمد ذلك.
قلت: إذا ظلم أحد غيره من البشر ألا يغضب الله عليه؟
قال: هذا شيء آخر، فالذي يدخل يده في النار فالنار تحرقه، وكذلك لكل شيء طبيعته، فنظام الإله يجب أن يطبق، فإذا خالف أحد قوانين الله فهو في خسارة والله يحاسب من خالف بالفعل أو النية، ولكنه لا يغضب.
قلت: هل توجد فروع أخرى للمذهب الهندوسي؟
قال: هذا الذي ذكرته ليس فرعاً للديانة الهندوسية، بل هو مذهب مستقل، ونحن لا نحب أن يوصف هذا المذهب أنه هندوسي، بل نريد تصفية الهندوسية مما ليس صحيحاً.
قلت: هل الإله الذي يعبدونه هو خالق هذا الكون؟
قال: الطبيعة - أي المادة - والنفس والإله لا ينفك بعضها عن بعض، وهي أول وآخر، وكل شيْ نراه في الكون صورة من صور الإله.
قلت: هل المخلوق هو نفس الخالق أو غيره؟
قال: الثلاثة المذكورة موجودة بنفسها، لم يخلقها أحد، والأشياء الأخرى صور الإله.
فالمادة موجودة من أول، والإله هو الذي صورها، ومن هذه المادة نأخذ ونشكلها كما نريد كما نفعل بالخشب نصنع منه كراسي!
قلت: هل يفنى هذا الكون؟
قال: الكون يفنى، لكن المادة التي بنيت منها هذه الأشياء لا تفنى، بل يعاد الكون مرة أخرى.
قلت: ما حقيقة هذه المادة التي لا تفنى؟
قال: العلوم - مثلاً - الباحث يأخذ مادة ويأخذ من المادة أشياء كثيرة، فهذا له تأثير مختلف، وتبقى المادة التي هي الطاقة، والطاقة ليست حية ولا قدرة لها، ولكن الإله هو الذي يكونها ويشكلها.
قلت له: هناك من يرى أن الإله هو خالق كل شيء، ما رأيه في هذا؟
قال: المسلمون يرون أن الله في صورة واحدة، فوق السماوات، وهو الخالق ونحن لا نرى أن الله يخلق وإنما يشكل.
قلت: ما حكم من خرج عن ديانتكم بعد أن أعتقدها؟
قال: ليس عليه حكم عندنا، ونرى أنه تغير وكلنا لسنا كاملين، وإذا كان هو خرج نرجو له أن يعود.
قلت: هل تؤمنون بيوم آخر؟
قال: لا.
قلت: ومتى يحاسب الله الناس على أعمالهم؟
قال: الجزاء موجود في كل وقت، فإذا فعل الإنسان شيئاً طيباً يجزى به، وإذا فعل غير ذلك يجزى به والطيب تبقى طاقته مدة أطول.
قلت: ما مصدر هذه الديانة؟ الوحي أم العقل أم الوجدان؟
قال: مصدرها التجارب والتعليمات الواردة في "الفيد" وهذا يحصل عند الناس الكبار الذين وجدوا في أنفسهم أشياء رأوا أنها دين وكتبوا ذلك في كتب (وهذا المعنى قريب من القول بأن المصدر هو الوجدان) والذين عندهم هذا الوجدان هم الذين يأتون بعد فناء الكون وبقاء المادة، وفي البداية وجد أربعة أشخاص، وجدوا هذه الأمور وكتبوها، وهؤلاء الأربعة هم: أقني، وأبو، وآدينا، وانقرا، وأخذ الناس بعد ذلك منهم.
قلت: هل هذا الدين عندكم حق يقيني أو فيه شك؟
قال: نحن نؤمن أن الإله مائة في المائة حق (يعني الإله في الجملة) أما ما عدا ذلك فيوجد فيه شيء من احتمال الشبهة.
وتبدأ تعليماتنا المذهبية من الشك والشبهة، وكلما حصلت التجربة بالتدريج وصلنا إلى ما يمكن أن يكون يقيناً بالتجربة، فإذا كتبت ذلك في القلب أصبح يقيناً (كما تجرب الحلاوة والمرارة والبرودة والحرارة).
قلت: هل عندكم احتمال أن الأديان الأخرى حق؟ وهل قارنتم بين هذا الدين والأديان الأخرى؟
قال: لم أطلع كثيراً، وقرأت بعض المبادئ الإسلامية والمسيحية، ووجدت أشياء متفقة وفيها روحانية وأرى أن محمداً (صلى الله عليه وسلم) توجد عنده روحانية، وكذلك المسيحية والهندوسية، ولكن الذين جاؤوا بعد ذلك من أهل هذه الأديان غيروا.
وأنتم تعتقدون أن محمداً رسول الله، ونحن نعتقد أن الكون كله يؤدي إلى الطريق إلى الله في كل وقت.
وكان يتخلل كتابة هذه المعلومات مناقشات كثيرة وطال الوقت، فسألته هل بقي عندك وقت للمواصلة، فقال: إن عنده موعداً.
قلت: أنا أرى أنه ينبغي أن تكثر من الاطلاع على الكتب الإسلامية فوعد بذلك.
هذا وقد كان استقبال الرجل (أقنفش) لنا في منزله استقبالاً طيباً بشوشاً.
وبعد المقابلة قال: إنه مسرور جداً لزيارة أول عربي له في منزله ويحاوره في أمر الدين، وقال: إني عندما سمعت أنك عالم ولا تجيد اللغة الإنجليزية سررت كثيراً لأن الناس يعتقدون أن الذي لا يجيد لغة أخرى لا يكون عالماً.
قلت له: ولكني أنا آسف لعدم إجادتي اللغة الإنجليزية بالذات، لا لفضلها عندي ولكن لحاجتي إليها لأبلغ بها ديني للناس وهي لغة عالمية منتشرة أكثر من غيرها ولكني أوافقك أنه لا يشترط في كون الإنسان عالماً أن يجيد غير لغته - وإن كانت إجادته غير لغته تمكنه من الاطلاع على معلومات أوسع -.
ثم قلت له: إن الأديان الموجودة الآن في الأرض لا يوجد منها أي دين ينظم حياة أصحابه الأسرية والاجتماعية والسياسية والعسكرية والعلاقات الدولية وغيرها تنظيماً ربانياً يرضي الله تعالى، ما عدا دين الإسلام إضافة إلى أنه هو الدين الوحيد الذي بقي محفوظاً من يوم نزل على الرسول صلى الله عليه وسلم من عند ربه إلى الآن وسيبقى كذلك إلى يوم القيامة، ولذلك لا بد لمن يريد النجاة في الدنيا والآخرة أن يطلع عليه ويفهمه ولعل الله يهديه له، فقال: الاطلاع لا بد منه، وسكت عن الجزء الآخر من كلامي!
ثم ودعنا الرجل وعدنا إلى الفندق.
تعليق على هذه المقابلة:
هكذا تكون الأديان الفاسدة، لا يعرف تاريخها، ولا وحي لها، ولا رسول قامت الحجج على صدقه، ولا كتاب منزلاً من عند الله، ولا آخرة ولا جنة ولا نار، وهي كذلك لا يوجد لها مصدر سوى التجارب والوجدانات، فإذا جاء شخص ما في أي وقت من الأوقات ونشر بعض أفكاره فصدقه بعض الناس أو اتبعوه لمصالح مادية، ادعوا أن ذلك دين وأنه جاء بعد تجارب ووجدانات، وهذا الكون أصله الطبيعة والنفس والإله، وأن الإله شَكَّل طبيعة هذه الصور للمخلوقات، وهذه الصور تفنى وتبقى الطبيعة، ثم يشكلها الإله مرة أخرى في صور أخرى وهكذا دواليك، والإله موجود في كل ذرة في الكون، لا فرق بين شريف وحقير وطاهر ونجس ونظيف وقذر (استغفر الله).
وهذا نموذج لفرع من فروع الديانة الهندوسية [وإن كان صاحبه يزعم أنه ليس من فروعها] لا تستطيع أن تفهم ألغازه مع تناقضه في تلك الألغاز وكم من فروع لهذه الديانة.
وفي الساعة الخامسة بعد العصر جاء الأخ عبد المنان في الفندق وقال لي: إن القلعة التي بناها شير شاه سوري في القرن السادس عشر قبل الميلاد.
وأما الذي بنى القلعة الحمراء فهو شاه جاهان، وهو الذي بنى الجامع الكبير في دلهي وبنى شاه محل قبراً لزوجته، وأبوه جاهان الكبير وليس له أثر في دلهي، وجده جلال الدين أكبر الذي اخترع ما يسمى بدين إلهي وتزوج إحدى الهندوسيات.
الاجتماع مع محمد يونس قريش:
وزارني بعد ذلك أحد أعضاء أهل الحديث وهو محمد يونس قريش، وهو محاسب في هيئة التخطيط لدلهي، ويحمل شهادة ليسانس في المحاسبة من جامعة دلهي، وكان معه الشيخ عبد الوهاب الخلجي، وقد أخذت منه هذه المعلومات:
سكان مدينة دلهي: ثمانية ملايين حسب إحصاء (1981م) ويمكن أن يكونوا وصلوا الآن إلى عشرة ملايين.
وعدد المسلمين في دلهي حسب إحصائية الحكومة ثلاثمائة ألف، وحسب رأي المسلمين مليون ونصف المليون.
الفقراء من المسلمين 30%.
المنبوذون 25% من الهندوس.
نسبة المنبوذين في الهند 8% حسب إحصاء الحكومة، وعند المسلمين 25%.
عدد السكان في الهند ثلاثمائة مليون.
وعدد السيخ عشرون مليوناً.
البرلمان الهندي 543 عضواً.
وعدد المسلمين 87 عضواً.
عدد الوزراء في مجلس الوزراء المركزي ستون عضواً، وهم قسمان: المجلس التنفيذي الأول (كينيت منستر) وهو المسؤول عن التخطيط العام للدولة، وعددهم عشرون عضواً.
والمجلس التنفيذي الثاني (أسنيد منستر) وهم الباقون.
وتوجد في المجلس الأعلى امرأة فقط من المسلمين مسؤولة عن الإسكان والبلديات، وأربعة في المجلس التنفيذي الثاني.
التعاون على البر والتقوى واجتماع الكلمة:
وجرت مع الأخوين محمد يونس وعبد الوهاب الخلجي مذاكرة طويلة كانت تدور كلها حول نشر الوعي بين شباب المسلمين في الهند وفي غيرها، والانفتاح على العالم الإسلامي وغيره ووجوب التعاون بين المسلمين في المصالح العامة، وإن اختلفوا في بعض الأمور، لأن المصالح العامة لا يجوز أن يفوتها الخلاف بين المسلمين في بعض فروع العقيدة، أو في فروع الأحكام الفقهية.
وكذلك ينبغي للجماعات الإسلامية أن تجتهد في التخطيط لعملها التعليمي والدعوى والسياسي، وغير ذلك وأن تستعمل جميع الطاقات الكامنة في أفرادها كل واحد في موقعه وفي ما يجيده.
وقلت للأخ عبد الوهاب بصفته الأمين العام لجمعية أهل الحديث في الهند: عليك أن تجرب الاتصال ببعض زعماء الجمعيات الأخرى، مثل الجماعة الإسلامية، وجمعية علماء ديوبوند، وحاول التفاهم معهم فيما يمكن أن تتعاونوا عليه فيما بينكم، وذكر أنه يحاول ولكنه يستصعب أن يحصل تعاون بين جماعات غير متفقة على المبادئ.
فقلت له: الاتفاق حاصل على المبادئ، من أصول الإيمان والإسلام وكثير من فروعهما، وأكثر الفرائض والسنن، وكثير من تفاصيل الفروع، وهذا كاف في التعاون على جلب المصالح لعامة المسلمين ودفع المفاسد عنهم، والوقوف ضد العدو المشترك الذي يمثل الأغلبية الساحقة في الهند.
وأما انتظار اتفاق الجماعات كلها على كل المسائل الخلافية ومناهج العمل، فهذا يؤخر التعاون على جلب تلك المصالح ودفع المفاسد، ويضع المسلمين في محل الذلة والمهانة لأعدائهم.
وقد اختلف علماء الإسلام من قديم الزمن في أمور كثيرة في تفاريع من الأصول وفي كثير من الفروع إلى درجة أن بعضهم يحرم الشيء وبعضهم يحلله، وبعضهم يوجب الشيء وبعضهم يمنعه، ولم يمنعهم ذلك من التعاون على مصالح المسلمين ولو انتظرنا حتى تتفق الجماعات كلها فيما هي مختلفة فيه الآن لما حصل تعاون مطلقاً بين المسلمين.
وذكرت للأخ عبد الوهاب رسالة خاصة في هذا الباب للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي مهمة جداً ينبغي الاطلاع عليها، وأن لا ننساق وراء الساعين إلى تفريق كلمة المسلمين وإشعال نار الخلاف بينهم، فإنهم إما أن يكونوا جهالاً بمنهج علماء المسلمين فلا يجوز اتباع الجاهل، وإما غير مقدرين للمخاطر الناجمة عن أساليبهم، والمسلم يجب عليه أن يدرس المصالح والمفاسد المترتبة على أي موقف يتخذه، ولا يقلد أي دعوة بدون وعي وإدراك لما وراءها.
وذكرت الإخوة بما يحيط بهم في الهند من المخاطر التي لا تفرق بين جماعة وأخرى من المسلمين، وذلك يوجب الوقوف صفاً واحداً للدفاع عن المسلمين.
وذلك لا يمنع أي جماعة من بيان وجه الحق الذي تراه، والباطل الذي تراه أيضاً بالأدلة والحوار والتأدب بأدب الخلاف الذي تأدب به أسلافنا من الصحابة ومن تبعهم، واستمرت هذه المحاورة أكثر من ساعتين.
ألم وحسرة!
وذهب الأخوان من عندي، ورتبت حقائبي استعداداً للسفر في آخر الليل إلى المطار، ثم إلى بانكوك.
وحاولت أن أنام فلم أستطع، إذ بت أفكر في حالة المسلمين في هذا البلد: قلة مبعثرة مختلفة تحيط بها كثرة وثنية لا تهدأ من الاعتداء على تلك القلة، وتتفق على ذلك الحكومة والشعب، لا تمر سنة بدون مجزرة تحدث للمسلمين أو إهانة لهم أو اعتداء على مقدساتهم، والمسلمون يكفر بعضهم بعضاً وقد قال لي الأخ عبد الوهاب: إن بعض علماء الحنفية أصدر فتوى يكفرون فيها أهل الحديث، وقرأت أنا كلاماً لبعض المنتسبين إلى أهل الحديث يكفر فيه من يقلدون علماء المذاهب الأربعة.
وأعداء الإسلام يخططون على اختلاف أديانهم ومذاهبهم للقضاء على الإسلام والمسلمين في كل بلد، وبخاصة في الهند فلا حول ولا قوة إلا بالله.
لم أنم إلى الساعة الثانية والنصف الوقت الذي يجب أن أستعد فيه لمغادرة الفندق.
غش متعمد وتزوير مفضوح!
جاء الأخ عبد الوهاب ونزلنا لنحاسب الفندق، وعندما سلمونا ورقة الحساب قلت له: أرجو أن تقرأها بدقة وعندما أخبرني بالمبلغ استكثرته، فقلت له: احسب الليالي التي بتها عندهم وأضرب عددها في أجرة اليوم ففعل، فكانت النتيجة أن هناك زيادة أكثر من أجرة يوم - بعد حساب الليالي والطعام والغسيل والاتصالات الهاتفية - فأصروا على أن الحساب صحيح وأصررت أنا على أنه خطأ، فلما لم يرجعوا عن غشهم قلت لهم: ادعوا لي المدير فجاء نائبه، فقال: ما المشكلة؟ فأخبرته عن طريق الترجمة وحاول هو إقناعي فرفضت، وقلت له: أنا أدفع لكم المبلغ الذي تستحقون فقط وأذهب، فأخذ الورقة ودخل في غرفة قريبة من الاستقبال، ثم خرج بورقة أخرى، الحساب فيها صحيح، وأخذ يعتذر بأن تلك الورقة كانت خطأ ووجدنا الورقة الصحيحة.
ويبدو لي أنه كان متواطئاً مع الموظفين في الصندوق، ليقتسموا الغنيمة ويحاسبوا الفندق بالورقة الصحيحة والورقة المزيفة يخدعونني بها، ولا بد أن يكونوا يفعلون ذلك مع كثير من الناس إذا استطاعوا.
وذهبنا إلى المطار بعد هذه المعركة.
الاثنين: 16/11/1409 هـ ـ 19/6/1989م.
أقلعت بنا الطائرة الفرنسية من مطار دلهي الدولي في الساعة السادسة إلا ربعاً صباحاً بتوقيت الهند متجهة إلى بانكوك.
نظرت من النافذة إلى المدينة الهندوسية، وتذكرت ماضي المسلمين فيها وفي الهند كلها، حيث كانت تحنو فيها الجباه لله، وكانت العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، يقود أهلها رجال عظام من المسلمين الذين أناروا بدين الله أرجاءها وأقاموا بعدل الإسلام دولتها، وحطموا قلاع الظلم فيها، وأرسوا قواعد المساواة بين الناس، فلا فضل لشريف على وضيع ولا لغني على فقير ولا لأبيض على أسود، إلا بالتقوى {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13] مضى على ذلك زمن نبغ فيه من أهل البلاد علماء في كل علم من علوم الإسلام، وبرز منهم قادة عظام في كل شأن من شؤون الحياة.
ثم استدار الزمان شيئاً فشيئاً حيث بدأ أمراء المسلمين يهتمون بمأكلهم ومشربهم ومنازلهم ومراكبهم وجواريهم، ويسخرون أموال الدولة والرعية لترفهم، ونسوا رفع راية دينهم، فنزلت بهم سنة الله، فسلط عليهم من أخذ مقود القطار من أيديهم، فأصبحوا رعية محتقرة، بعد أن كانوا رعاة بررة، وذلوا بعد العز، وافتقروا بعد الغنى، وتفرقوا بعد التجمع، وجهلوا بعد العلم، وصاروا قلة لا يحسب لها حساب، وكان ذلك كله يقتضي منهم العودة إلى الله وتطبيق دينه والاعتصام بحبله، والتعاون على جلب مصالحهم ودفع مضارهم، ولكن المؤسف أن القوم تعمدوا التفرق ونسوا أمر الله لهم بالتوحُّد، كأمره لهم بالتوحيد، وأن العدو الشرس يتربص بهم الدوائر لتدميرهم والقضاء عليهم، ويسره هذا التفرق الذي هو الطريق إلى انتصاره عليهم فيقتل النفوس، وينهب الأموال ويدنس المقدسات.
وعند اشتداد الأمر انقسموا فيما بينهم: طائفة تدعو إلى إقامة دولة مستقلة للمسلمين، وأخرى ترى البقاء على وضعهم، فأقيمت الدولة الباكستانية بشقيها من أجل أن ينعم المسلمون بحكم الله، ويتنسموا عبير القرآن والسنة، ولكن ما إن قامت هذه الدولة حتى صار أهلها شيعاً وأحزابا،ً هذا يساري وهذا يميني، ودعا أهل الحق إلى الحق فخُذلوا من قبل الدولة وتلك الأحزاب المتفرقة، ثم أنزل الله بهم بأسه فاقتتلوا فيما بينهم استجابة لتحريش عدوهم، وانفصلت الباكستان الشرقية عن الغربية تحقيقاً للقومية البنغالية، فضعفت الدولتان، وضعف المسلمون في الهند أكثر من ذي قبل.
تذكرت كل هذا وما جرى من نقاش أمس في نفس هذا الموضوع، وكنت أريد أن آخذ راحتي في الطائرة فأنام تعويضاً عن النوم المفقود بالليل، ولكن عيني جفتا وأبتا أن تغمضا، وتحركت العاطفة وأنشأت هذه القصيدة تحت هذا العنوان النبت الذابل، وهذا نصها:
قصيدة النبت الذابل:
آخر مراجعة لهذا الكتاب كانت بتاريخ 8 من شهر رمضان عام 1426هـ
11 أكتوبر عام 2005م
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً
??
= ـــــــــــــــــ
=
??
??
2