رحلات باكستان والهند

الرحلات | سلسلة في المشارق والمغارب | 19 صفحة
صفحة 18 من 19 2- في مدينة بنارس

2- في مدينة بنارس

2- في مدينة بنارس

في الجامعة السلفية في بنارس:

وقد استقبلني بعض أساتذة الجامعة السلفية في بنارس ونزلت ضيفاً في نفس الجامعة.
وجرى حديث حول موقف بعض العلماء من الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فذكر لي بعض الإخوة أن الشيخ حسين بن أحمد المدني كتب كتاباً سماه الشهاب الثاقب قسا فيه على الشيخ محمد، ووصفه بأنه بليد، وأنه يكفر المسلمين ويقاتلهم ويسبي ذراريهم ونساءهم، وقد درس الشيخ حسين في المدينة بالمدرسة الشرعية قرب المسجد النبوي اثنتي عشرة سنة، وقد اعتذر الشيخ منظور النعماني للشيخ حسين المدني بأنه لم يعرف حال الشيخ محمد بن عبد الوهاب [قلت: إن مكثه في المدينة هذه الفترة الطويلة يصعب معه القول أنه لم يعرف حال الشيخ محمد بن عبد الوهاب لوجود كتبه وتلاميذه الذين ينشرون دعوته في الجزيرة] وذكر الإخوة أن الشيخ إسماعيل الشهيد الدهلوي ألف كتاباً سماه: تقوية الإيمان، وهو شبيه بكتاب التوحيد للشيخ محمد عبد الوهاب، وقد رد عليه البرلويون ودافع عنه الشيخ منظور النعماني.

ندوة مع أساتذة الجامعة تتعلق بالبلاغ المبين:

أطلعت الإخوة المسؤولين في الجامعة على الأسئلة التي أعددتها، لعرضها على العلماء والمفكرين، للاستفادة منهم في البحث الذي أريد الكتابة فيه، وهو البلاغ المبين فاجتمع بعض الأساتذة للاستفسار عن مضمون الأسئلة وكان ذلك من الساعة الخامسة مساء إلى الساعة الثامنة، لم يتخلل ذلك الوقت إلا صلاة المغرب.
ثم اتفقوا بعد ذلك أن يجتمعوا فيما بينهم بعد صلاة العشاء، ليحاولوا الإجابة عنها كتابة.

والأساتذة الذين اجتمعت بهم هم:

الشيخ عبد الوحيد بن عبد القاسم الرحماني شيخ الجامعة السلفية.
الدكتور الحافظ مُقْتَدَى بن حسن بن محمد السلفي الأزهري وكيل الجامعة.
الشيخ نعيم الدين محمد إبراهيم المدني المدرس بالجامعة.
الشيخ محمد عابد حبيب الله الرحماني المدرس بالجامعة.
الشيخ محمد رئيس بن سخاوت علي الندوي المدرس بالجامعة.
الشيخ عبد السلام بن أبي أسلم المدني المدرس بالجامعة.
الشيخ علي أصغر علي السلفي المدرس بالجامعة.
الشيخ أحمد محبتي بن نذير عالم السلفي المدرس بالجامعة.
وقد أجابوا عن الأسئلة في ندوتهم في ست صفحات متوسطة الحجم، بخط الدكتور مُقْتَدَى، كما سجل ذلك بصوته في شريط (كاسيت).

نص إجابة الأساتذة على الأسئلة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الإجابات:
1- الدعوة إلى الله هي المطلوب الأهم والأول في الإسلام، وأحسن الطريق لهذه الدعوة هو البلاغ المبين، ولذا كرر القرآن ذكره حتى يعرف الناس أهمية هذه الفريضة، وبما أن البلاغ المبين لا يتم إلا بإرسال الرسل وإقامة الحجة والبرهان، فإن الله تعالى أورد هذه الأمور في الذكر الحكيم.
المسلم مأمور بتبليغ أحكام الشرع التي يعرفها حسب استطاعته، وبالنسبة إلى من هو مسؤول عنهم ويتصل بهم، والبلاغ بالنظر إلى هذا المعنى فرض عين.
أما البلاغ المبين الذي يحتاج فيه المبلغ إلى المعرفة التامة بأحكام الشريعة من مصادرها الأصلية وإلى إجادة العلوم المساعدة وإلى الخبرة والتجربة فإنه فرض كفاية.
جاء وصف البلاغ بالمبين لأن الإقناع لا يحصل، والإجابة لا تتحقق إلا إذا كان البلاغ مبيناً مقنعاً مدعماً بالحجج والبراهين.
2- الأهداف العامة للبلاغ المبين هي: إيضاح الطريق المستقيم، وإقامة الحجة على المدعو، وإعلاء كلمة الله، وتبرئة الذمة عند الله، وإسعاد البشرية بالعمل بالإسلام.
وهذه الأهداف هي ثابتة غير مختلفة باختلاف الأمكنة والأمم والأزمنة.
وهناك أهداف أخرى للبلاغ المبين تتحدد بالنظر إلى الزمن والأمم والأفراد، وعلى سبيل المثال يكون الرد على البدع هو الهدف الأول والأهم، حينما يكون البلاغ موجهاً إلى المبتلين بالبدع والأهواء.
وأهداف البلاغ في عصرنا الحاضر هي نفس الأهداف العامة التي ذكرناها في بداية الإجابة، نعم هناك بعض الأهداف التي لها أولوية بالنظر إلى حالة المدعو، فإذا كان البلاغ موجهاً إلى الغربيين مثلاً يكون الهدف الأول هو بيان سمو الإسلام وكماله في الأحكام والتشريع وفي الأهداف والغايات، ونفي الأخطاء التي ألصقت بالإسلام وتبرئة ذيله من المطاعن التي وجهت إليه، ثم إقامة الحجة على خلوده وصلاحيته لكل زمان ومكان.
3- مصادر البلاغ المبين هي الكتاب والسنة مع الاستنارة بسيرة السلف الصالح والاعتناء بأسلوبهم في الدعوة.
وينبغي تلاوة القرآن الكريم على غير العربي، إذا تأكد لدى الداعي أنه يستفيد من سماعه ولو لم يتمكن من فهمه، فإن تأثير القرآن لا ينكر في هذا الباب.
4- مسؤولية البلاغ المبين بمعنى تبليغ أحكام الشرع إلى كافة الناس، تقع على عواتق العلماء الذين يحسنون معرفة أحكام الكتاب والسنة ويطلعون على أحوال الشعوب والبلاد، أما بمعنى تبليغ أي حكم معلوم، فإنها تقع على كل فرد من أفراد الأمة.
5- وسائل البلاغ المبين تتلخص في المدارس والجامعات الإسلامية، والإذاعة والتلفزيون والمؤلفات والجرائد والمجلات، وإقامة المعسكرات والندوات وإلقاء الخطب والمحاضرات، وتسجيل الكلمة على الأشرطة، والاتصالات الشخصية على مستوى البيت والمجتمع والدولة.
6- حالة المسلمين السيئة نحو الالتزام بالدين، وتخلفهم المزري في مجالات السياسة والاقتصاد والاجتماع، بسبب الابتعاد عن التوجيهات الإسلامية والمحاولة المستمرة من قبل أعداء الإسلام لتشويه معالمه والنيل من تعاليمه وأهدافه، وقلة الدعاة الأكفاء، وتآمر القوات العالمية الكافرة من الصهيونية والصليبية والشيوعية والهندوكية ضد الإسلام والمسلمين.
7- إن الحجة لم تقم على المسلمين فيما يتعلق بالفرائض العينية في الحواضر والبوادي كما ينبغي.
8- لم تقم الحجة على غير المسلمين في هذا العصر.
9- حكم القسم الثالث هو حكم القسم الثاني، والقسم الثالث موجود في عصرنا أيضاً.[هذا جواب عن تقسيم الغزالي لمن بلغهم الإسلام أو لم يبلغهم، فقد قسم الناس ثلاثة أقسام: القسم الأول: بلغه الإسلام على حقيقته، وهذا إذا لم يستجب له يكون من أهل النار، لأن الحجة قد قامت عليه. القسم الثاني: لم يبلغه الإسلام مطلقاً، وهذا معذور. القسم الثالث: بلغه الإسلام مشوهاً منفراً، وهذا صاحبه معذور كمن لم يبلغه أصلاً].
10- إن العقل والفطرة وكذلك ما أودعه الله في الكون من إبداع لا يكفي وحده بصدد إقامة الحجة على الناس، ولكنه يساعد في فهم الرسالة السماوية التي تأتي على أيدي الرسل عليهم الصلاة والسلام.
11- لا توجد فترة علماء، ولذا يجب على العلماء أن يحاولوا تبليغ الناس في كل مكان.
12- لا توجد الحوافز عند كل أحد للبحث عن الحقيقة والسؤال عن الدين، ولذا لا يستحق التخليد في النار.
13- تجب ترجمة القرآن الكريم إلى لغات أجنبية حتى يعم البلاغ ويؤثر.
والترجمة الحرفية لا تؤدي بياناً تقام به الحجة، بل لا بد من الشرح والإيضاح، والتراجم الموجودة في اللغات الأجنبية لمعاني القرآن الكريم لا تخلو من أسقام وأخطاء، وأنها ليست في متناول طالبي الحقيقة، ولكن مع ذلك يمكن أن تقام بها الحجة على من يعرف تلك اللغات، فإنها ترشد بصفة عامة إلى معاني القرآن الكريم.
لا توجد دار ترجمة لنشر الدعوة الإسلامية باللغات العالمية، والمسؤول عن إيجادها هو الحكومات والشعوب الإسلامية جميعاً حسب الوسائل المتوفرة.
14- يجب أن يكون الداعية متحلياً بالصفات التي تحلى بها الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، الذين أسسوا البلاغ المبين وأرشدوا العلماء والدعاة إلى الطريق السليم للبلاغ، وعلى سبيل المثال نذكر بعض الصفات، وهي:
تقوى الله تعالى والتضحية، والإخلاص، والوقار، والرزانة، والصبر، وذلك بعد التمكن من الاطلاع على أحكام الشرع والالتزام بها التزاماً كاملاً.
والدعاة الموجودون اليوم لا تتوفر فيهم جميع هذه الصفات مجتمعة، ولكن بعضها توجد في بعضهم.
15- الدعوة إلى التوحيد، والرد على الشرك والبدع، والعناية بإصلاح العقيدة، والتنبيه على سعادة الإنسان وفوزه إذا تمسك بالشريعة الإسلامية، ومع هذا ينبغي تحديد ما يبدأ به الداعية بالنظر إلى حالة المدعو.
16- دور أجهزة إعلام الشعوب الإسلامية ضعيف جداً، إلا في بعض الدول الإسلامية العربية التي خصصت ميزانية مستقلة لهذا الهدف، وقامت بإرسال وتعيين الدعاة إلى مختلف الدول والبلاد، أما معظم الدول الإسلامية وكذلك الشعوب فإنها لم تهتم بهذا الموضوع كما تتطلب الظروف وتقتضي الأحوال، والدور الذي يمكن أن تؤديه هذه الأجهزة ـ لو أحسن استخدامها ـ هو دور كبير نافع جداً، فإن الدول الإسلامية كثيرة في العدد، والشعوب الإسلامية منتشرة في أكثر أنحاء العالم، وإمكانية هذه الدول والشعوب كثيرة متوفرة.
17- خطة البلاغ المبين تكون متنوعة حسب تنوع طبقات الناس، وينبغي أن نراعي بهذا الصدد المستوى الفكري للمدعو، فإنه مهم جداً وعليه يتوقف النجاح إلى حد كبير.
18- التعليم بوضعه الحالي لا ينفع البلاغ المبين كثيراً، وجامعات الشعوب الإسلامية بمناهجها وأهدافها الحالية، ليست قادرة على تخريج الدعاة على المستوى المطلوب وبالله التوفيق.
حرره: مُقْتَدَى حسن ياسين
الجامعة السلفية ببنارس8/11/1409هـ .

فضيلة الشيخ مقتدى، الجامعة السلفية في مدينة بنارس الهند 8/11/1409هـ ـ 11/6/1989م
فضيلة الشيخ مقتدى، الجامعة السلفية في مدينة بنارس الهند 8/11/1409هـ ـ 11/6/1989م

اعتراف بجميل أساتذة الجامعة السلفية:

لقد اهتم أساتذة الجامعة السلفية في بنارس بالتعرف على أسئلة البلاغ المبين، فعقدوا مع صاحب الأسئلة ندوة طويلة، واستفسروا عن كل سؤال من تلك الأسئلة، ثم عقدوا ندوة أخرى فيما بينهم وناقشوا تلك الأسئلة مناقشة علمية مستفيضة، ثم اتفقوا على الإجابات التي توصلوا إليها، وسجلوها في شريط بصوت الدكتور مقتدى حسين، ثم مكتوبة في أوراق بخط واضح، وكانت مختصرة مفيدة. ولم أجد هذا الاهتمام بهذه الصفة من أي مؤسسة أخرى، فجزاهم الله خيراً.
ولقد كان للأخ مقتدى حسين جهد كبير في ذلك.

نبذة عن الجامعة السلفية في بنارس:

أنشئت الجامعة في مدينة بنارس (VARANASI) في شمال الهند سنة 1338هـ 1963م.

جانب من الجامعة السلفية في مدينة بنارس 10/11/1409هـ ـ 13/6/1989م
جانب من الجامعة السلفية في مدينة بنارس 10/11/1409هـ ـ 13/6/1989م

وأهدافها تتلخص فيما يأتي:
1- تدريس القرآن الكريم والسنة باعتبارهما مصدري الشريعة الإسلامية، وتدريس اللغة العربية والعلوم الإسلامية على المنهج الذي يلائم حاجات العصر.
2- نشر العلوم الإسلامية والأدبية والاحتفاظ بالتراث الإسلامي في الهند.
3- إعداد الدعاة الصالحين للقيام بالوعظ والإرشاد، ونشر تعاليم الإسلام بين الناس خالصة من الشوائب.
4- المحاولة الجادة لتوحيد صفوف المسلمين والعودة بهم إلى التمسك بالكتاب والسنة، لأن عزتهم وكرامتهم مرهونة بذلك.
وبالجامعة عدة أقسام:
1- تحفيظ القرآن الكريم ومدته ثلاث سنوات.
2- الابتدائي ومدته 5 سنوات.
3- الإعدادي ومدته سنتان.
4- الثانوي ومدته ثلاث سنوات.
5- العالمية (الليسانس) ومدتها ثلاث سنوات.
6- الفضيلة التخصص ومدتها سنتان.
كما يوجد قسم إدارة البحوث والدعوة والإفتاء وقد طبعت عدة كتب.
وبلغ عدد الأساتذة إلى سنة 1408هـ 68 أستاذاً وبلغ عدد الطلاب 1567.
وتخرج في مرحلتي العالمية والفضيلة 916 طالب، وقبل منهم في جامعات بعض الدول العربية وبخاصة في المملكة العربية السعودية 150 طالباً. [أخذت هذه المعلومات من دليل الجامعة نفسها].

أسلم بسبب سماعه القرآن دون فهم معانية:

وذكر الشيخ عبد الوحيد عبد الحق السلفي [وقد انتقل إلي الدار الآخرة في 26ربيع الآخر في سنة 1410هـ (ليلة الأحد) الموافق 25نوفمبر سنة 1989م كما ذكر ذلك في مجلة الجامعة السلفية صوت الأمة، المجلد 22 العدد الثاني رجب 1410 هـ راجع افتتاحية العدد المذكور]. أمين عام الجامعة السلفية (بمناسبة السؤال المتعلق بمشروعية تلاوة القرآن على غير العربي من الكفار أو عدم مشروعية ذلك) ذكر أن أحد الهنادك كان يذهب يومياً إلى نهر " قانج "- وهو نهر مقدس عند الهندوس- يغتسل فيه تعبداً ثم يعود إلى معبده لأداء طقوسه، وكان يسمع في طريقه أحد المسلمين وهو يرتل القرآن الكريم، فيقف بجانب جدار المسلم يسمع وهو لا يفهم من القرآن شيئاً، فأثر فيه ذلك وعزم على الدخول في الإسلام، وذهب إلى أحد كبار علماء المسلمين وأسلم على يديه وحسن إسلامه وكان رجلاً صالحاً تقياً.
هذه القصة تعتبر من شواهد تأثير القرآن الكريم على النفوس، وإن كان من يستمع إليه ليس مسلماً ولا عربياً، وقد وجدت شواهد أخرى سأجمعها إن شاء الله عند الكتابة في موضوع البلاغ المبين، ولكنها لا تقوم بها الحجة بدون فهم السامع، وإنما تقوم الحجة بشرح مبادئ الإسلام بلغته التي يفهمها.

حرص لم يتحقق:

كنت حريصاً على زيارة فضيلة الشيخ عبيد الله المبارك فوري في بلدته مبارك فوري، لما للرجل من علم وفضل وكبر سن.
وكان ابنه عبد الرحمن الذي تخرج في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة سنة 1384هـ موجوداً في الجامعة السلفية في بنارس، واتفقت معه على زيارة والده، ولكنه بعد أن فكر في الأمر جاءني معتذراً مشفقاً بأن القرية التي يسكنها والده نائية والكهرباء فيها تنقطع باستمرار، ووالده لا يستطيع الجلوس لأنه مصاب بالأمراض والشيخوخة، ويخشى أن نذهب ولم نتمكن من الجلوس معه بسبب ذلك والجو شديد الحرارة.
والشيخ عبيد الله تلميذ للشيخ محمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم المبارك فوري شارح سنن الترمذي (تحفة الأحوذي) وهو- أي الشيخ عبيد الله - الذي أكمل الجزأين الأخيرين من هذا الشرح بعد وفاة الشارح.
وهو شارح مشكاة المصابيح وسمى شرحه مرعاة المفاتيح وقد وصل شرحه إلى باب المعاملات في تسعة أجزاء.
وقد رغبت في الوقوف على ترجمة الشيخ عبيد الله، فسلمها لي ولده وهي في مقدمة شرحه مرعاة المفاتيح، كما كنت راغباً في أخذ إجازة من الشيخ في رواية الأمهات وغيرها من رواياته وكتبه ولكن الله لم ييسر ذلك.

ترجمة الشيخ عبيد الرحمن المبارك فوري:

وهذه ترجمته بارك الله في حياته وقد بلغ من العمر ثلاثاً وثمانين سنة هجرية.
هو أبو الحسن عبيد الله بن العلامة محمد عبد السلام بن خان محمد بن أمان الله بن حسام الدين.
ولد في محرم الحرام سنة 1327هـ ببلدة مبارك فور التابعة لمديرية أعظم كرا إحدى مديريات الولاية الشمالية (أتربراديش) في الهند، ودرس كتب الأردية والفارسية الرائجة في المدارس الأهلية آنذاك في المدرسة العالمية ببلدة مئومن بلاد أعظم كرا - وكتب النحو والصرف والأدب والفقه والمنطق والهندسة، أمثال الكافية لابن حاجب وشرحها لملا جامي وشرح الوقاية ومشكاة المصابيح والسراجية في علم الفرائض وشرح الشمسية المعروف بالقطبي وديوان المتنبي وأقليدس، على والده العلامة محمد عبد السلام صاحب سيرة البخاري - رحمه الله - حينما كان هو مدرساً في مدرسة سراج العلوم بقرية بوند يهار من قرى مديرية كوندة في الولاية الشمالية - ثم انتقل مع والده رحمه الله إلى دار الحديث الرحمانية بدلهي، وكمل دراسته هناك، وتخرج على أيدي الأساتذة المتخصصين في كل فن من فنون العلم، فدرس من كتب الحديث: الصحيحين للإمامين البخاري ومسلم، والموطأ للإمام مالك على العلامة المحدث الشيخ أحمد الله البرتا بكرهي، ثم الدهلوي رحمه الله، تلميذ الشيخ السيد نذير حسين المحدث الدهلوي، والشيخ حسين بن محسن الأنصاري الخزرجي، وقد كتب هو له الإجازة برواية كتب الحديث، وهي محفوظة عندنا، وكتب العلوم العقلية الآلية من المنطق والفلسفة الهيئة وعلم الكلام، وكتب الفقه مع أصوله، كشرح هداية الحكمة للصدر الشيرازي، والشمس البازغة وشرح السلم للمولوي حمد الله والقاضي مبارك، وشرح العقائد النسفية وشرح المواقف والتصريح وشرح الجغميني وشرح المطالع ومسلم الثبوت، والتلويح مع التوضيح، والجزأين الأخيرين من الهداية، والتفسير للبيضاوي على العلامة الشيخ غلام يحيى الكانبوري، ونور الأنوار وتفسير الجلالين وجامع الترمذي والمقامات الحريرية وديوان الحماسة على الشيخ الحافظ عبد الرحمن النكرنهسويت والهدلية السعيدية وسنن أبي داود على الشيخ أبى طاهر البهاري، والمقدمة لابن خلدون وشيئاً من الشمس البازغة على العلامة الشيخ عبد الغفور الجيراجبوري، والفوز الكبير في أصول التفسير على الشيخ محمد إسحاق الآروي ـ ودرس أيضاً صدراً من شرح المطالع على العلامة الشيخ عبد الوهاب الآروي، وشيئاً من تفسير البيضاوي على العلامة الحافظ محمد الكونجراوالي البنجابي.
وحصل شهادة العالمية من المدرسة الرحمانية سنة خمس وأربعين بعد الألف وثلاثة مائة، 1345من الهجرة، وقرأ أيضاً في أيام العطلة المدرسية أوائل جامع الترمذي وقدراً معتداً به من شرح النخبة ومقدمه ابن الصلاح السراجية في علم الفرائض على الإمام المحدث الشيخ عبد الرحمن المبارك فوري صاحب تحفة الأحوذي - رحمه الله - في بيته وأجاز له الشيخ رحمه الله برواية كتب الحديث شفاهاً.
ونظراً إلى ذكائه ونجاحه في الاختبار دائماً بالدرجة الممتازة عينه الشيخ عطاء الرحمن، صاحب دار الحديث الرحمانية والمشرف الوحيد عليها والمتكفل بجميع ما تحتاج إليها من النفقات مدرساً فيها في نفس السنة التي تخرج فيها.
وكما هو معلوم لدى الأخوان أن الشيخ الأجل المحدث المبارك فوري قد كف بصره قبل أن يكمل شرحه - تحفة الأحوذي - وكان بحاجة إلى عالم له مناسبة خاصة في علوم الحديث وفنونه يساعده في عمله ذلك، فاختار الشيخ المبارك فوري رحمه الله لذلك فضيلة والدنا الشيخ عبيد الله الرحماني المبارك فوري لمساعدته، فأرسله الشيخ عطاء الرحمن على اقتراح الشيخ المبارك فوري رحمه الله فقضى لديه سنتين خير مساعد له في تكميل الجزئين الأخيرين لشرح جامع الترمذي - تحفة الأحوذي - مع زميله الفاضل الشيخ عبد الصمد المبارك فوري، والعالم الشيخ محمد اللاهوري البنجابي، وقرأ عليه أطرافاً من الصحاح الستة وغيرها، وبذل جهده في الاستغراف من بحار علومه والتأدب بآدابه والاستفادة من فوائده - ثم استدعاه الشيخ عطاء الرحمن للتدريس في دار الحديث الرحمانية وفوض إليه تدريس كتب الحديث، خاصة جامع الترمذي وسنن أبي داود والصحيح للإمام البخاري والموطأ للإمام مالك مع خدمة الإفتاء، فاشتغل به إلى أن انقسم الهند إلى دولتين باكستان والهند في أغسطس عام 1947م الموافق لعام 1366هـ وقفلت دار الحديث الرحمانية لأجل هجرة مشرفها الشيخ عبد الوهاب نجل الشيخ عطاء الرحمن رحمهما الله، إلى كراتشي (الباكستان).
وهو مرجع للمسلمين في ما يشكل عليهم في الأمور الدينية والمسائل الشرعية كما أن فتاواه تكون مدعمة بالدلائل من الكتاب والسنة، ولا يبالي في ذلك لومة لائم، وقد طبع كثير منها في مجلتي "محدث" و"مصباح" وغيرهما.
وقد بدأ تأليف شرح المشكاة - مرعاة المفاتيح - الذي بأيدي القارئين في عام 1948م والموافق لعام 1367هـ بأمر الحافظ محمد زكريا اللائلبوري رحمه الله وأمر والده التقي الورع الزاهد الشيخ محمد باقر أطال الله حياته ـ وهو إلى الآن مشتغل به حسبما تسنح له فرصة ويجد إفاقة من الأمراض التي لازمته من مدة طويلة، عجل الله شفاءه ووفقه لخدمة سنة رسوله وتكميل الشرح ـ إلى جانب رده على المسائل التي ترد إليه كل يوم، وله بحوث قيمة في بعض المسائل طبعها في أجزاء، منها "بيان الشرعة في بيان محل أذان خطبة الجمعة" عين فيها محل أذان خطبة الجمعة من المسجد، وبحث بسيط في عقد التأمين، وغير ذلك.
وقد وفقه الله لزيارة الحرمين الشريفين أربع مرات: الأولى في رمضان سنة 1366هـ الموافق لعام 1947م مع العلامة الشيخ خليل بن محمد حسين بن محسن الأنصاري وفداً إلى المغفور له الملك عبد العزيز برد الله مضجعه، في شأن مدرسة دار الحديث الأهلية بالمدينة المنورة، فقابل الوفد المغفور له الملك عبد العزيز ونائبه في الحجاز إذ ذلك جلالة الملك فيصل بن عبد العزيز رحمه الله، ولقي في الرياض الشيخ محمد عبد اللطيف ومحمد بن إبراهيم وعمر بن حسن، وفي الطائف عبد الله حسن آل الشيخ، وفي المدينة عبد الله بن مزاحم وغيرهم من المشايخ، واعتمر أولاً في آخر رمضان ثم في شوال حين رجوعه من المدينة، ورجع الوفد بعد قضاء مهمته ونجاحه فيها في أوائل ذي القعدة في نفس السنة.
ثم إن والدنا الشارح طالت حياته في صحة وعافية قد أدى فريضة الحج عام 1375هـ الموافق 1956م عن نفسه، وبعده في عام 1382هـ الموافق لعام 1963م وعام 1391هـ الموافق لعام 1971م نيابة، تقبل الله حجه ومد في أجله.....آمين..

ما أشبه الليلة بالبارحة!

بت في غرفة مجاورة لمسجد الجامعة السلفية، وبات طلاب الجامعة يحفظون دروسهم في المسجد: هذا يحفظ القرآن، وهذا يحفظ الحديث، وهذا يحفظ متناً في النحو، وآخر يحفظ متناً في البلاغة.... وهكذا، بأصوات مرتفعة، وكان ذلك شبيهاً بحالتنا عندما كنا طلاباً في معهد سامطة العلمي في منطقة جيزان في جنوب المملكة العربية السعودية الغربي، كانت للمهاجرين حارة خاصة في شمال البلدة، وهؤلاء المهاجرون كانوا من اليمن ومن السعوديين من قرى مختلفة، كنا نبيت طول الليل نحفظ بأصوات مرتفعة المقررات الدراسية وغيرها، وكان الذي يمر بالحارة يسمع للطلاب دوياً، حتى كان فضيلة الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي ـ وهو مدير المعهد ـ يمر في بعض الليالي بأزقة الحارة يتلذذ بأصوات الطلبة وهم يحفظون دروسهم.
ذكرني طلاب الجامعة السلفية في بنارس بأيامنا تلك التي أعتبرها من أحسن أيام حياتي في طلب العلم وكانت ما بين 1373هـ ـ 1381هـ.
والشبه بيننا في تلك الفترة وبين طلاب الجامعة السلفية هذه الأيام شبه كبير جداً، فلم نكن نشغل تلك الأيام بجريدة ولا راديو ولا تلفزيون ولا هاتف ولا وظائف لأن تلك الأشياء كلها لم تكن موجودة عندنا ولم نكن نفكر فيها.
وهكذا طلاب الجامعة السلفية في بنارس هذه الأيام مع أن الفرق الزمني بيننا وبينهم تقارب خمساً وثلاثين سنة.

مسجد بابري واعتداءات الهندوس على المسلمين:

الثلاثاء: 10/11/1409 هـ ـ 13/6/1989م.
في هذه الأيام كانت الاضطرابات بين المسلمين والهندوس على أشدها، بسبب الاعتداءات التي تشن من الهندوس، وهم الأكثرية على المسلمين وهم الأقلية وكان من أسباب الضجة هذه الأيام ما زعمه الهندوس من أن مسجد بابيري الذي يقع في مدينة أيدوهايا، وهو مسجد تاريخي قديم بناه المسلمون على حد زعم الهندوس في البقعة التي ولد بها إلههم رام.
وقدموا شكوى يطلبون من الحكومة هدمه لبناء معبد هندوسي مكانه، وكان قد بناه المسلم الفاتح بابرشاه الذي استولى على بعض مناطق الهند الشمالية في القرن السادس عشر، ويقال: إن زعيم الهندوس في المنطقة - في تلك الأيام - بناه للمسلمين إرضاءً لذلك المسلم الفاتح.
وكانت دعوى الهندوس في المحكمة للمطالبة بهدم المسجد منذ (130 سنة) وقد قضت المحكمة المحلية بالمسجد لصالح الهندوس، وسمحت للهندوس بالدخول فيه بدون إخبار المسلمين، وبدأت المظاهرات من قبل المسلمين احتجاجاً على ذلك وأصبحت القضية خطيرة جداً.
ويدعي الهندوس استحقاقهم لمساجد كثيرة في الهند تبلغ 316 مسجداً.
هذا وقد زاد اعتداء الهندوس على المسلمين بعد ذلك، وقتلوا عدداً كبيراً منهم وجرحوا أعداداً وشردوا أسراً منهم، كما هي عادة أعداء الله الهندوس ضد المسلمين في أوقات كثيرة.
فقد نشرت جريدة "المسلمون" في عددها (250) وتاريخ ربيع الثاني (يوم الجمعة) ص1 من عام 1410هـ عن بيان أصدره علماء المسلمين الهنود: أن عدد القتلى من المسلمين تجاوز 1200 مسلم إضافة إلى آلاف الجرحى والمفقودين، وأن أسراً بأكملها تعيش تحت الأشجار عراة جائعين بعد أن فقدوا بيوتهم ومتاعهم، وأن الحملات الظالمة ضد المسلمين انتشرت في جميع المقاطعات الهندية.
ويحاول علماء المسلمين الدفاع عن رعاياهم بالقيام بالمسيرات والاحتجاجات والاتصال بزعماء الدولة من مسلمين وهندوس. [يمكن مراجعة الجرائد والمجلات الإسلامية وغيرها مما صدر في هذه الفترة وبخاصة جريدة أخبار العالم الإسلامي التي تصدرها رابطة العالم الإسلامي لمعرفة شئ من المآسي التي أصابت المسلمين من أعداء الله الهندوس بسبب هذا المسجد].
وقد هدم الهندوس هذا المسجد العريق الذي بني قبل 450 عاماً، بتشجيع من حكومتهم الظالمة، بتاريخ 6 ديسمبر 1992م.
http://www.islamonline.net/Arabic/news/2001-06/27/Article21.shtml
ويستعد الوثنيون لبناء معبد يذكر فيه غير اسم الله، بدلاً من رفع كلمة الله في ذلك المسجد.
http://www.islamonline.net/iol-arabic/dowalia/alhadath-7-12/alhadath1.asp
ومع أن بيوت الله تهدم على رؤوس المسلمين، في كل مكان، فإن الطامة الكبرى ما يحاوله اليهود من اتخاذ أسباب متنوعة لهدم المسجد الأقصى، الذي لا حامي له إلا الله ثم أطفال وشيوخ ونساء الأرض المباركة الذين يبيدهم اليهود أمام أبصار وأعين أهل عواصم الإسلام المحيطة به، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
نسأل الله أن يفرج كربتهم وكل الأقليات المسلمة في العالم بوجود أمة إسلامية قوية تدافع عنهم.

مشكلاتنا مع قطار بنارس:

الأربعاء: 11/11/1409هـ ـ 14/6/1989م.
كان الإخوة في الجامعة السلفية قد حجزوا لي ولمرافقي في القطار يوم أمس في الدرجة الممتازة المكيفة، لنسافر اليوم إلى لكنو لزيارة ندوة العلماء، وبخاصة شيخنا الكبير الأستاذ أبي الحسن الندوي، وكنت مطمئناً بأن لا تحصل لنا مشكلة كما حصلت لنا من قبل في 28/4 سنة 1402هـ تقريباً أنا والشيخ صالح المحيسن الذي كان عميداً لكلية الدعوة وأصول الدين في الجامعة الإسلامية بالمدينة، عندما كنا في زيارة للهند لحضور ندوة علمية عن الإسلام والمستشرقين في دار المضيفين الهندوس في مدينة أعظم كرا، وهي قريبة من بنارس.
وفي تلك الليلة أُخْبِرنا أن الهندوس سيقومون بمظاهرة في الصباح احتجاجاً على الحكومة في بعض مصالحهم، وخشينا إذا قامت المظاهرة أن تحول بيننا وبين السفر في الصباح فطلبنا من الأستاذ الندوي وكان المسؤول عن المؤتمر أن يرحلنا في الليل إلى بنارس من أجل السفر إلى دلهي لأنا سنسافر أيضاً إلى جنوب الهند لحضور مؤتمر آخر فجهزوا لنا سيارة أوصلتنا إلى الجامعة السلفية في بنارس.
وكانت تلك الأيام توافق أحد الأعياد عند الهندوس الذين يفدون إلى بنارس فيملأون السيارات والقطارات والطائرات فلا يجد مسافر وسيلة نقل.
واجتهد المسؤولون في الجامعة ليحصلوا لنا على وسيلة نقل فلم يجدوا شيئا،ً ثم ذهب بعضهم إلى محطة القطار محاولاً الحصول على مقعدين فوعده أحد الموظفين - بعد أن تسلم منه مبلغاً من المال - بتسهيل الأمر، ومكثنا ذلك اليوم في الجامعة، وبعد المغرب ذهبنا إلى محطة القطار وعندما تحرك القطار قال لنا صاحبنا - المرافق -: اصعدا فصعدنا وهو معنا، ظناً منا أن الأمر تيسر فعلاً.
وعندما صعدنا لم نجد مقاعد، فظللنا واقفين والقطار قد تحرك، وبقينا فترة واقفين ومر أحد المسؤولين في القطار فرآنا على تلك الحال ونحن لابسان اللباس العربي فتعجب، وسأل مرافقنا: ما الأمر؟ فأخبره بما جرى، فغضب غضباً شديداً وأنب رفيقنا وقال له: كيف تسمحون لأنفسكم بإدخال ضيوف غرباء في القطار بدون مقاعد، ثم أخذ يبحث عن مقاعد فلم يجد حتى نزل بعض الركاب بعد فترة طويلة في محطة بالطريق، وحصل لنا على مقاعد فقعدنا بعد وقوف طويل متعب في مكان غير مناسب في القطار.
كانت هذه القصة في بنارس قبل ثمان سنوات، من قصتي الجديدة مع القطار.
أما هذه المرة فقد تم الحجز وذهبنا راكبين الركشة (دراجة عادية تحمل شخصين ويقودها صاحبها بجهده العضلي) قبل صلاة الفجر وكنا نخشى أن يفوتنا القطار.
وعندما وصلنا إلى المحطة قال الموظف المسؤول: إن الرحلة قد ألغيت فحاولنا أن نجد مكاناً في قطار آخر فأعطانا بطاقتين بنصف القيمة الأولى، للدرجة الأولى ولكن بدون حجز مقاعد، إنما يدخل الراكب منتظراً ما يقدره الله له، قد يحصل على مقعد وقد يبقى واقفاً طول الطريق، وقد لا يحصل على مكان يقف فيه.
واتصل الأخ المرافق - ويسمى أصغر وهو من خريجي الجامعة الإسلامية في المدينة - اتصل بالمسؤولين في الجامعة السلفية وأخبرهم فنصحوه بعودتنا لنحجز من جديد.
وقد رأيت في محطة القطار العجب العجاب، أعدادا هائلة من البشر رجالاً ونساء صغاراً وكباراً قد تكدسوا في فناءات المحطة الخارجية وفي عرصاتها الداخلية وممراتها، وهم نائمون بعضهم فوق بعض والروائح الكريهة لا يطيق الإنسان بقاءه معها لحظات، وبعضهم يلقي فضلاته بجانب بعض، ولا يجدون ماء ولا غيره لينظفوا أنفسهم وكنت طول الوقت أغطي أنفي أكاد أختنق لعدم وجود الهواء الذي استنشقه، ولطف الله بي إذ أقعدني الأخ أصغر لدى بعض الموظفين في داخل غرفة بعيدة عن الروائح حتى جاء وقت عودتنا إلى الجامعة فعدنا هذه المرة في ركشة آلية يسوقها صاحب بماكينة.
وعندما رجعنا ذهب أحدهم فحجز لنا في قطار آخر في الدرجة الثانية.
وذهبنا إلى المحطة في الساعة الواحدة والنصف ظهراً، وعندما أردنا الصعود إلى القطار منعنا بعض الموظفين فظننت أن هناك مشكلة أخرى، فسألت الأخ أصغر ماذا عندهم؟ فقال: يريدون أن يرتبوا الأمور، ويسر الله بعد ذلك فركبنا وتحرك القطار في الساعة الثانية ظهراً، فأنشأت هذه الأبيات ذاكرا فيها ما جرى مع قطار بنارس - والقطار هنا اسم جنس- هذه المرة والمرة السابقة فقلت:

طَلِّقْ قطار بنارسٍ مسرورافطلاقه نور يزيدك نورا
ما جئتَه إلا وجدتَ مكانهوحشاً يكشر موحشاً تكشيرا
يا سائرا نحو المدينة بَلِّغَنْعني المحيسنَ ما جرى موفورا
فلعله إن جئته برسالتييدعو لنا أن نمنح التيسيرا
فلقد رأى أنموذجاً فيما مضىيحكي له حالي ويحكي الدورا

أمر غريب وآخر أغرب!

إن الأمر الطبيعي أن يخطب الرجل المرأة إذا أراد أن يتزوجها، وأن يدفع لها مهراً إذا وافقت هي وأولياؤها، وهذا ما جاء به الإسلام، فهي تُكَرَّم مِن قِبَلِ الزوج ومن قِبَلِ الأهل وتزف إلى بيت الزوج، ويولم بما يستطيع إظهاراً للفرح والسرور.
ولكن المرأة عند الهندوس تبقى حبيسة منزل أهلها، ما لم يكن ولي أمرها قادراً على منافسة آباء البنات الأخريات بأمواله على أبناء رجال آخرين، فإذا لم يكن له مال لا تحصل ابنته على زوج، وإذا كان له مال قليل نافسه على الأزواج من له مال كثير ليزوج ابنته، فولى أمر البنت الغني هو الذي يخطب الشاب لابنته عند أسرة هذا الشاب، وأسرة الشاب تستجيب بزواج ابنها على بنت من يدفع مالاً أكثر، وهذا أمر غريب!.
ولكن الأغرب منه أن تسري هذه العادة إلى المسلمين فيعملوا كما يعمل الهندوس، وقد حكى لي الأخ أصغر أمثلة واقعة فيهم، وهو مخالف لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وسيرة المسلمين، وهذا من مشكلات الأقليات المسلمة التي تحيط بها الكثرة الكافرة، فإنها - في الغالب - تؤثر في المسلمين في كثير من عاداتهم، وهو أيضاً مصداق لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه)).
تقع بنارس جنوب شرقي دلهي، وكذلك مدينة لكنو، وعندما ذهبنا بالقطار إلى لكنوا كان يسير شمالاً مع ميل قليل جداً إلى الغرب.
هذا وقد سألت الإخوة أساتذة الجامعة السلفية في بنارس عن مناهج الجامعة هل وضعت بناء على استقصاء حاجات المسلمين والمحيط البيئي للجامعة؟
فأجابوا أنها أعدت بناء على موضوعات أخذت من الكتب المتداولة، وأن الحاجة ماسة إلى إعادة النظر فيما تدعو إليه الحاجة لتناسب أوضاع البلاد أكثر.
وبدا لي أن الدكتور مقتدى رجل نشيط مجتهد في السير بالجامعة إلى الرقي وفي تربية أبنائها تربية إسلامية جيدة - وكذلك الأساتذة الآخرون - وعنده تفتح ولا يحب الانزواء الذي يقع فيه كثير من الدعاة فلا يفقهون عصرهم الذي يعيشون فيه.

السفر إلى لكنو وندوة دعوية في القطار:

رغبتي شديدة في إجراء حوار مع غير المسلمين في دياناتهم، وكذلك في الشؤون الإسلامية، والهدف من ذلك معرفة اقتناعهم بدينهم، وهل هو اقتناع مبني على عاطفة صادقة وتدين عملي؟
أما الحجج على صحة دينهم فأنا أعلم أنها لا توجد عند أي أهل دين، لأن الأديان الموجودة كلها عند أهل الأرض ليست تملك حجة على صحتها، بل إنها تتضمن وتحمل في طياتها ما يدل على زيفها سماوية كانت كما يزعم أهلها أم أرضية، فقد زيفت الأولى وحرفت، والثانية وثنية بحتة معروفة.
ومع ذلك إذا ادعي صاحب أي دين أن عنده حججاً على صحة دينه، فإني أرغب في سماع ما عنده ومناقشته، كما أني أرغب كذلك في محاورة الداخلين في الإسلام لمعرفة مواقفهم من دياناتهم السابقة قبل الإسلام واعتقادهم فيها، والسلبيات التي رأوها فيها قبل الدخول في الإسلام، لأن صاحب أي ديانة يكون علمه بديانته - ولو كان علمه ضئيلاً - مبنياً على معاناة وعواطف نابعة من اقتناع، بأن دينه الذي تركه لا يستحق أن يعتقد ولا أن يلتزم به.
ثم لمعرفة سبب دخوله في الإسلام بعد ذلك، وما الذي جذبه إليه، وما الفرق بين حياته قبل الإسلام وبعده، عقيدة وسلوكاً وطمأنينة؟ كما أني أعرف من غير المسلم موقفه من الإسلام وهل بلغه بلوغاً صحيحاً أو مشوهاً أو لم يبلغه مطلقاً.
وهذه الرحلة كان الأساس فيها التفرغ للبحث الذي عزمت على كتابته (البلاغ المبين) الذي وافقت عليه الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، وقد حاولت مع الإخوة في الهند أن يساعدوني في الاتصال بغير المسلمين من الهندوس، لأستفيد من اللقاء معهم في الأمور السابقة، فلم أجد عند الإخوة استعداداً لذلك، لعدم الصلة بينهم وبين الهندوس، وكان أمير الجماعة الإسلامية أبو الليث وعدني بأخذ موعد مع بعض الهندوس أو مع أحد المسلمين الجدد، ولكن ذلك لم يتم لعدم وجودهم في دلهي أو عدم معرفة عناوينهم.
وعندما ركبنا في القطار كان ركابه أغلبية هندوسية - كما هي الحال في الهند كلها - واتُّفِق للأخ أصغر أن كان بجواره ثلاثة أشخاص في حجرة واحدة - وهم تجار - وأنا قريب من تلك الحجرة، فتعرف عليهم بدون قصد وسمعته يرطن معهم، وأحسست بانسجام في الحديث بينهم فقلت له: ما ديانة هؤلاء أهم مسلمون؟ قال: لا، هم هندوس، وقلت: ما مضمون الحديث الذي يدور بينكم؟ فقال: حول التجارة فهم يرغبون في أن أكون وكيلاً لشركتهم في بنارس، وكذلك شرحت لهم بعض مبادئ الإسلام وأخلاقه.
قلت: سلهم هل يمكن أن أسألهم بعض الأسئلة عن ديانتهم فتردد في ذلك، قلت: قل لهم: هذا الرجل عربي جاء من الجزيرة العربية، وعنده رغبة في التحدث معكم حول الأديان فهل تسمحون؟ فقال لهم ذلك وهو على حذر، ففرحوا بذلك ورحبوا بالعربي فانتقلت إليهم.

هندوسي يظهر اهتماماً شديداً بالحوار في القطار بين بنارس ولكنو 11/11/1409هـ ـ 14/6/1989م
هندوسي يظهر اهتماماً شديداً بالحوار في القطار بين بنارس ولكنو 11/11/1409هـ ـ 14/6/1989م

فسألت التاجر الكبير: ماذا يعرف عن الهندوسية؟
فقال: إنه يعرف من عبادات المسلمين أكثر مما يعرف عن الهندوسية لأنه يجاور المسلمين كثيراً.
ووقف بنا القطار في محطة، وذكر لي أن هذه المدينة هي مدينة بريلي وهي التي أسس فيها أحمد رضا خان اتجاهه العقدي، وإليه ينتسب البرلويون وقد دفن فيها، وقبره يزار ويبالغ اتباعه في تقديسه، وهم معروفون بتقديس القبور وبالبدع الكثيرة، وكانت وفاته بعد استقلال الهند ولا زال مركز أتباعه في هذه المدينة.
وهي أيضاً مسقط رأس الأستاذ أبي الحسن الندوي وفقه الله وبارك في حياته وبيته وأسرته كلها.[سبق أنه انتقل إلى جوار ربه، أسأل الله له المغفرة والرحمة].
واصلت الحديث مع التاجر الهندوسي وكان في الساعة 7.5 مساء، اسمه برهلادارا يسين.
درس الثانوية فقط واشتغل بالتجارة.
الديانة هندوسي.
قلت له: متى وُجِدتْ هذه الديانة؟
قال: لا يعرف بالتحديد، ولكن (رام) أحد الآلهة من زمن بعيد، وهو الذي اشتهر بالدعوة إلى هذه الديانة.
قلت: ما مبادئ هذه الديانة؟
قال: كل هندوسي يستيقظ في الصباح يذكر آلهته بأسمائها، وله أوراد يقوم بها، وهي باللغة السنسكريتية، ولا يفهم من معانيها شيئاً، ويصومون كل أسبوع يتركون الطعام من قبل طلوع الفجر، ولكن يشربون الماء إذا احتاجوا إليه، وكذلك يأكلون بعض الفواكه والثمرات، ولا يأكلون ما فيه ملح من الحبوب والغلات.
وقال آخر: هذه الأوراد هي العبادات ليست فرائض، بل على حسب رغبة الإنسان يفعلها أو لا يفعلها.
والحقوق الإنسانية إذا اعتدي عليها أحد فإنه يحاسب عليها في الآخرة.
قلت لهم: هل الخالق عندكم واحد أو متعدد؟
فقال: الخالق واحد.
قلت: هل هذا الخالق الواحد هو المالك وحده وهو الذي يدبر الكون وحده؟
قال: نعم.
قلت: وهل تعبدون إلهاً واحداً أو عدة آلهة؟
قال: عشرة مائة مليون إله تكوّن منها الإله الواحد؟!
والواحد منهم يتشكل عشر مرات فهم يعبدون واحداً في أشكال كثيرة.
قلت: هل عندكم برهان على صحة هذا الاعتقاد والتشكل؟
قال: القوة والصلاحيات التي نلاحظها فيهم جعلتنا نتيقن أنها آلهة.
وقد ولد (رام) من أب وأم - وسماهما وكتبتهما في الدفتر الذي أدون فيه كلامه، ولا أدري عن صحة حروفهما وهي هكذا: (دشرت وكوشليا) وهما دعوا الله أن يولد لهما الإله فأجابهما وولد منهما!!
وطال النقاش في هذه المسألة، وحاولت أن أختصر لهم معنى الخالق الإله المالك المعبود ومعنى الإسلام والرسالة عند المسلمين ولم أكمل ذلك لأننا وصلنا المحطة في لكنو، وانضم إلينا عدد من الهندوس الذين سمعوا النقاش من الغرف المجاورة.
وقلت للأخ أصغر بعد ذلك: ألا ترى أننا مقصرون في إبلاغ الإسلام لهؤلاء الناس والاتصال بهم والتعرف عليهم، فقال: بلى.