1- في مدينة دلهي
1- في مدينة دلهي
الخميس: 5/11/1409 هـ ـ 8/6/1989م.
أقلعت بنا الطائرة من مطار لاهور في الساعة الثانية والربع ظهراً، بتوقيت باكستان وهبطت في مطار دلهي في الساعة الثالثة - أي أن مدة الطيران كانت 45 دقيقة، والفرق بين توقيت باكستان والهند نصف ساعة.
كان نزولي في فندق هيلتون في دلهي الجديدة.

واتصلت بالشيخ أبي الليث أمير الجماعة الإسلامية في الهند ليحدد لي موعداً اجتمع به فيه، فحدد الساعة العاشرة من صباح غد في مكتبه.
وكنت طلبت من الأخ عبد الوهاب الخلجي أن يعطيني رقم الهاتف لأتصل به عند الحاجة فأعطاني رقم المكتب، وقال: إنه يوجد في المكتب من يستطيع التحدث معك باللغة العربية، وليس عنده هاتف في المنزل.
شتان بين مشرق ومغرب!
الجمعة:6/11/1409هـ ـ9/6/1989م.
اتصلت بمكتب الشيخ عبد الوهاب لأخبره بموعد الشيخ أبي الليث فلم أجده ورد عليّ رجل قائل: جي، فقلت: هل يوجد عبد الوهاب؟ فقال: لا موجود، قلت أريد أن تبلغه بأن يتصل بي عاجلاً فتمتم بكلمات لم أفهمها، قلت: هل تفهم اللغة الإنجليزية، فقال: لا موجود، ثم لم يكن يزيد على كلمة: جي شيئاً.
ثم اتصلت بمكتب الجماعة الإسلامية ليبعثوا لي شخصاً يوصلني إلى المكتب حسب الموعد، فوجدت رجلاً آخر يكرر كلمة جي، قلت هل يوجد من يتكلم العربية؟ فقال: ني!
فحوقلت وسلمت أمري لله، فلا أعرف عنوانهم حتى آخذ سيارة أجرة توصلني إليهم، ولو عرفت العنوان لما وصلت إليهم بسهولة، لأن مقرهم في حارة قديمة لا يدخل إليها الناس إلا مشاه أو في الركشة (الدراجة العادية) في أزقة ضيقة.

وتذكرت هنا انضباط الطلاب ورؤساء المراكز الإسلامية في الغرب ونشاطهم واستفادتي من الأوقات عندهم والحالة التي عانيتها في هذه البلدان، وهذا نموذج منها.
ثم اتصل بي الأخ عبد الوهاب في الساعة الحادية عشرة - بعد ساعة من الموعد المقرر - فأخبرته بالموعد وفواته وسببه، فقال: أنا أتصل بمكتب الجماعة فإذا كانوا مستعدين الآن فسأبعث من يرافقك.
وفي الساعة الحادية عشرة والنصف اتصل، وقال إن الشيخ أبا الليث انتظر وصولك في الساعة العاشرة، والآن قرب وقت الصلاة وحدد موعداً آخر الساعة الخامسة والنصف مساء.
قلت: عسى أن لا يفوت الوقت مرة أخرى، واتصل بي بعد ذلك أحد العاملين مع الشيخ أبي الليث، ووعد بالمجيء إليّ لنقلي إلى المكتب، وتم ذلك والحمد لله.
لقاء مع فضيلة الشيخ أبي الليث بن توجه حسين:
ولد الشيخ أبو الليث سنة 1912م في أعظم كرا.

وتخرج في ندوة العلماء سنة 1930م.
والتحق بالجماعة الإسلامية سنة 1944م.
والجماعة الإسلامية في الهند لا تتصل من الناحية الرسمية بالجماعة الإسلامية في باكستان وبنغلاديش، ومن أهداف الجماعة دعوة الهندوس إلى الإسلام.
وقد ترجموا معاني القرآن الكريم إلى اللغات المحلية.
ولهم جرائد تصدر بهذه اللغات.
ويستجيب بعض الهندوك للإسلام ويدخلون فيه، من فئات متنوعة: منبوذين وغير منبوذين.
عقبات في طرق البلاغ المبين:
وسألت الشيخ أبا الليث هل يوجد من الهنادك من لم يسمع عن الإسلام؟
فقال: نعم كثيرون.
وتقف أمام الدعوة عقبات:
العقبة الأولى: الجهل بحقيقة الإسلام.
العقبة الثانية: تكاسل المسلمين عن أداء الواجب.
العقبة الثالثة: ضعف القدوة الحسنة عند المسلمين.
العقبة الرابعة: الصراعات بين القائمين بالدعوة من المسلمين.
ومن أهم أسباب الخلافات بين هذه الجماعات حب الرئاسة والاهتمام بالجزيئات والفروع أكثر من الأصول والكليات.
وأعداء الإسلام يسعون جادين في إذكاء نار الفرقة بين المسلمين وينجحون في ذلك.
قلت: فهل توجد مساع للتخفيف من حدة الصراعات بين الجماعات الإسلامية في الهند؟
قال: توجد محاولات في هذا الجانب، وقد أسس مجلس شورى لحل الاختلافات وإيجاد تقارب بين الأحزاب المختلفة وحصلت نتائج طيبة، وإن كانت لم تنجح نجاحاً يستحق التقدير.
وسألته: هل تظن أن المسلمين في الهند يعرفون فروض العين؟
فقال: كثير منهم يعرفون ذلك، لأن الجماعات الإسلامية تقوم بالدعوة ويخشى أن يكون كثير منهم لم يعرفوا فروض العين، كما يخشى على بعض المسلمين أن يرتدوا عن الإسلام بسبب الجهل.
ثم طلبت من الشيخ أبي الليث أن يجيب عن أسئلة البلاغ المبين، فقال: إن هذه الأسئلة دقيقة ويحتاج إلى إجابات دقيقة كذلك، ووعد أنه سيجيب عنها كتابة ويبعث ذلك في البريد. [كان ذلك في شهر ذي القعدة من سنة 1409هـ. والى هذا التاريخ الذي أرتب فيه هذه المذكرات 7رمضان 1410هـ. لم يأتني منه شيء وقد وعدني غيره قبله وبعده أن يردوا على تلك الأسئلة ولم يتم شيء من ذلك، مع أني عانيت مشقات في السفر إليهم والاتصال بهم في أوروبا وفي مصر وفي الهند، وفي باكستان وغيرها. وقد توفي الشيخ أبي الليث في شهر جمادى الأولى من سنة 1410 هـ رحمه الله رحمة واسعة، ورزق الله مسلمي الهند عامة والجماعة الإسلامية خاصة خيراً منه].
وللجماعة الإسلامية نشاطات في كثير من مناطق الهند في أوساط المسلمين في القرى والحارات من المثقفين والطلاب رجالاً ونساء، ويسعون لجمع كلمة المسلمين وتعاونهم ويقيمون المؤتمرات.
كما يقومون بالدعوة بين غير المسلمين.
وينشرون بعض الكتب والمنشورات والجرائد والمجلات، ويردون على بعض العقائد الفاسدة والنظريات الزائفة، ويحاولون مساعدة الفقراء والمحتاجين في حدود طاقتهم.
السبت: 7/11/1409هـ ـ 10/6/1989م.
كان الموعد اليوم مع الشيخ عبد الوهاب الخلجي ليجيب عما تيسر له من أسئلة البلاغ المبين، ولكنه اعتذر بأن الأسئلة صعبة تحتاج إلى جهد في المراجعة قبل الإجابة.
جولة في مدينة دلهي:
الأحد: 8/11/1409هـ ـ 11/6/1989م.
قمنا هذا اليوم بجولة في مدينة دلهي يرافقني الأخ عبد المنان ووقفنا على بعض معالم المدينة.
مسجد قوة الإسلام:
من ذلك مسجد قوة الإسلام الذي بقيتْ منه بعض الأساسات والجدران، وبقيت إحدى مناراته تصارع الزمن والإهمال وعوامل الفناء وتسمى منارة قطب الدين، وقال لي الأخ عبد المنان الذي رافقني في هذه الجولة: إن هذا المسجد هو أول مسجد بني في الهند - في القرن الثالث عشر الميلادي.

وتوجد بجانب منارة قطب الدين هذه عمود من حديد - يبدوا أنه من بقية آثار عمارة قديمة قال الأخ عبد المنان: إنها من آثار الملك آشوق قبل ألف سنة من ميلاد المسيح عليه السلام.
ويتعلق الهندوس بهذا العمود ويعتقدون أن من مسه خلف ظهره تقضى حاجاته.
كما توجد منارة أخرى للمسجد مبتورة قد سقط أعلاها فيما يبدو.
القلعة الحمراء:
كما زرنا القلعة الحمراء، وهي قصر كبير ذو أجنحة كثيرة ومرافق متعددة، وقد بناه شاه جاهان في القرن السابع عشر، وهو الذي بنى الجامع الكبير في دلهي، ولا زال هذا الجامع عامراً تقام فيه الصلوات وصلاة الجمعة وصلاة العيدين، وقد زرناه وصعدنا على منارته وصورنا بعض جوانب المدينة، وهو يقع في المدينة القديمة ويقع قربه مكتب الجماعة الإسلامية ومكتب جمعية أهل الحديث.


مقبرة هو مايو:
كما مررنا بمقبرة هو مايو، وهي مقبرة أبي أكبر الذي يقال: إنه اخترع ديناً جديداً سماه دين إلهي وقد كان ذلك في القرن السادس عشر الميلادي.
قلعة شاه جاهان:
ومررنا كذلك بقلعة شاه جاهان باد الذي بناها وبنى تاج محل وكان هذا اسم دلهي في زمنه (شاه جها باد) وكانت محاطة بجدار لها أربعة عشر باباً ومساحتها تسعة عشرة كيلو متر مربع.




باب الهند:
ومررنا بباب الهند الذي بنته الحكومة الهندية بعد التحرير وطوله 42 متراً وهو رمز للذين قتلوا في الحرب العالمية الأولى، وبه شعلة نار لا تنطفئ.
معبد بهائي:
ومررنا بمعبد بهائي الذي بناه البهائيون أتباع من يسمى بهاء الله، وقد بنى قبل ستة أعوام، وهو من الداخل على هيئة خيمة على تسعة أعمدة، وبه مقاعد يدخل الناس فيقعدون عليها صامتين، للتأمل والتفكير، وهذه هي عبادتهم في أوقات معينة، ولا يسمح لأحد بالكلام.

وقد تجاهلت ذلك وأخذت أسأل الأخ عبد المنان، وهو يرد عليّ بصوت خافت لا أكاد أسمعه، واستقبلتنا إحدى السادنات تشير لنا إلى بعض المقاعد لنقعد كبقية الناس فأهملتها وأخذت أتجول في جنبات المعبد.
وهم يقولون: إن هذه العبادة تشمل جميع أهل الأديان ويطلبون منهم الحضور لأداء العبادة.
وشكْل المعبد الخارجي شبيه بزهرة معروفة عند الهنود، وذكر لي عبد المنان اسمها ولكني نسيتها لأني لم أسجلها في نفس الوقت.
وللمعبد أرض واسعة جداً تحيط به من جميع الجوانب، ويوجد عند مدخله مرشدون ولديهم منشورات بلغات متنوعة لتعليم الناس كيفية العبادة وأوقاتها.
القصر الذي قتلت فيه أنديرا غاندي ومقبرتها:
ومررنا بالقصر الذي قتلت فيه أنديرا غاندي سنة 1984م وحاولنا الدخول للاطلاع على بعض الآثار فيه فلم نتمكن لأن وقت الزيارة قد انتهى.
ومررنا بجانب مقبرة غاندي وتسمى راج غاد، وقد أحرق فيه في أول الأربعينات وأحرقت بقربه ابنته أنديرا وكبار الزعماء.
وفي شارع من الشوارع التي مررنا بها أشار لي الأخ عبد المنان إلى تمثال قال إنه تمثال أول سفير للهند في بريطانيا وهو مسلم يسمى آصف علي وقد سموا الشارع باسمه (آصف علي رود).
وكنا نريد زيارة همد ردنفر وهو وقف وقفة الحافظ عبد المجيد قبل ثلاثين عاماً تقريباً وإليه نقلت مكتبة السيد نذير حسين المحدث الدهلوي، ولكن الوقت ضاق بنا فلم نتمكن من زيارتها في وقت العمل.
منارة قوة الإسلام
هذا، وقد أثارت منارة قطب الدين مشاعري فأنشأت قصيدة خاطبتها وهذا نصها:

السفر إلى مدينة بنارس:
الاثنين: 8/11/1409هـ ـ 12يونيو 1989م.
في الساعة السادسة والربع صباحاً أقلعت الطائرة من مطار نيودلهي إلى بنارس وكانت مدة طيرانها ساعة واحدة.