رحلات باكستان والهند

الرحلات | سلسلة في المشارق والمغارب | 19 صفحة
صفحة 14 من 19 2- في مدينة إسلام أباد

2- في مدينة إسلام أباد

2- في مدينة إسلام أباد
كان من المقرر أن أبدأ بزيارة الجامعة الإسلامية العالمية في إسلام أباد، وقد قال لي مديرها الدكتور حامد حسان: إنه سيبعث لي السائق لإحضاري.
فلما اقترب الموعد نزلت إلى صالة الفندق انتظر السائق وطال انتظاري فلم يأت أحد.
وفي الليل علمت أن السائق جاء واتصل بالغرفة هاتفياً، فلم يرد عليه أحد، وقال له الموظف: إنه غير موجود فانصرف.
وذهب هذا اليوم بدون عمل.

منظر لمنتزه غرب إسلام أباد 29/10/1409هـ
منظر لمنتزه غرب إسلام أباد 29/10/1409هـ

صلاة الجمعة في جامع الملك فيصل:

الجمعة: 21/10/1409هـ ـ 26/5/1989م.
بعث الدكتور حسين حامد رئيس الجامعة الإسلامية العالمية في إسلام أباد سائقه، وزرناه في منزله، ثم ذهبنا إلى جامع الملك فيصل رحمه الله لأداء صلاة الجمعة، وكان هو الخطيب.
وكانت خطبته تدور حول أربع آيات من سورة البقرة، من قوله تعالى: { وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً... } إلى قوله تعالى: { إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } [البقرة: 125-129] وقد تعرض فيها لوجوب احترام المسجد الحرام، ومناسك الحج، وكانت خطبته مفيدة جداً، إلا أن عدد المستفيدين منها من المصلين ـ وهم كثرة ـ كان قليلاً بسبب انقطاع التيار الكهربائي، وما أكثر ما ينقطع التيار في كل المدن الباكستانية، وقد كان في مدينة بيشاور ينقطع أكثر من ثلاث مرات في بعض الأيام.
والجامعة الإسلامية العالمية في إسلام أباد ـ وهي تقع بجانب الجامع المذكور ـ إمكاناتها المادية ضعيفة لا تستطيع أن تشتري مولد كهرباء احتياطياً، وقد قلت للدكتور عبد الله بن عمر نصيف فيما بعد عندما حضر المؤتمر الثاني لمكافحة المسكرات والمخدرات الذي عقد في إسلام أباد: ينبغي أن تشتري الرابطة مولد كهرباء وتهديه للجامعة والمسجد ليكون معداً للحالات الطارئة التي ينطفئ فيها التيار الكهربائي العام، أو يبلغ أولاد الملك فيصل ليقوموا بشراء ذلك، فوعد أن يفعل ولا أدري أفعل أم لا؟
السبت: 22/10/1409هـ ـ 27/5/1989م.
في الساعة التاسعة صباحاً زرت الجامعة الإسلامية العالمية، والتقيت بالدكتور أحمد ابن محمد العسال وكيل الجامعة، والدكتور مظفر إسحاق مدير عام مجمع البحوث الإسلامية، وبعض أساتذة الجامعة وطلابها وكانوا في وقت أداء الامتحان.
وحدد لنا مواعيد اللقاء مع بعض المسؤولين في الجامعة وأساتذتها لعرض أسئلة البلاغ المبين.

زيارة أكاديمية الدعوة الإسلامية:

الأحد: 23/10/1409هـ ـ 28/5/1989م.
في هذا اليوم زرت أكاديمية الدعوة الإسلامية التابعة للجامعة الإسلامية العالمية، ومديرها الدكتور محمود أحمد غازي.
معلومات مختصرة عن المدير وعن الأكاديمية:
ولد الدكتور محمود أحمد غازي في دلهي سنة 1948م وكان والده موظفاً في السفارة الباكستانية في الهند.
تخصصه في الفقه والشريعة.
درس في المدارس الدينية الأهلية.
والتحق بجامعة البنجاب في لاهور.
أخذ الماجستير في كلية الدراسات الشرقية، في الدراسات الإسلامية والعربية.
والدكتوراه في نفس الكلية.
والتحق بكلية الحقوق في جامعة البنجاب في لاهور.
وكان يعمل في مجمع البحوث الإسلامية قبل تأسيس الجامعة الإسلامية العالمية في إسلام أباد، وكان المجمع مؤسسة حكومية، بدأ العمل فيها قبل عشرين سنة.
ثم التحق بالجامعة الإسلامية العالمية سنة 1980م بموجب نظام الجامعة.
ودرس الدكتوراه بكلية الشريعة في هذه الجامعة.
وأنشأت الأكاديمية سنة 1985م رسمياً. [بقرار من الجنرال ضياء الحق رحمه الله (وقراره محفوظ في أرشيف الأكاديمية)].
وكان قد بدأ العمل لتنظيمها قبل ذلك بسنتين باسم مشروع الدعوة، ثم تحول بعد ذلك إلى أكاديمية في شهر مارس سنة 1985م.
وكان مؤسسها الدكتور أنيس أحمد، وهو أول مدير عام للأكاديمية.
وفي سنة 1988م عين الأخ محمد مديراً عاماً للأكاديمية، ونقل الدكتور أنيس أحمد إلى كلية أصول الدين أستاذاً في قسم مقارنة الأديان، وهو تخصصه.

د. محمود أحمد غازي مدير أكاديمية الدعوة الإسلامية بإسلام أباد أمام مكتبه بعد الحوار معه 23/10/1409هـ 28/5/1989م
د. محمود أحمد غازي مدير أكاديمية الدعوة الإسلامية بإسلام أباد أمام مكتبه بعد الحوار معه 23/10/1409هـ 28/5/1989م

أهداف الأكاديمية:

الهدف الأول: وضع المناهج لتدريب الدعاة وأئمة المساجد، وهذه المناهج للعاملين في داخل البلد في مجالات متنوعة وللعاملين في خارج البلد.
ولها نظامان: نظام لاختيار المشتركين، ونظام للأساتذة والمدرسين، ويراعى في ذلك أوضاع البيئة والدعاة.
الهدف الثاني: عقد ندوات ومؤتمرات في مجال الدعوة، من أجل تنسيق الجهود بين القائمين بالدعوة في داخل البلاد وخارجها.
الهدف الثالث: تطوير أساليب الدعوة وطرقها واستخدام أحدث الوسائل في مجال الدعوة.
الهدف الرابع: إعداد البحوث والدراسات في القضايا التي تواجه الأمة الإسلامية في مجال الدعوة.
الهدف الخامس: نشر الأدب الإسلامي في لغات متنوعة، ويراعى في اختيار الأدب الإسلامي مقتضيات الطوائف المتنوعة وخلفياتهم الفكرية والتعليمية.
وقال الأخ محمود: إننا على اتصال بالشيخ أبي الحسن الندوي، فيما يتعلق برابطة الأدب الإسلامي والتعاون معها.
وقال: إنهم الآن في دور تأسيس نادي القراء الذي يتفرع بحسب الفئات والبيئات، مثل نادي السيدات ونادي الأطفال، ونادي الشباب، وتطبع كتب وتوزع على المسجلين في هذه النوادي، ويتابَع المشترك في قراءته بأسئلة لمعرفة مدى استفادة القارئ من الكتاب واستفادة أهله وأصدقائه.
وقد طبعت مجموعة من الكتب الإسلامية للشباب والمثقفين ثقافة عميقة وقد وصلت ـ حسب سجل أسمائهم ـ إلى حوالي ألفين، ولا زالت ترد الأسماء إلى الأكاديمية ويرسل لمن يسجل اسمه كتاب تعليم الإسلام، وهو أربعة أجزاء: الجزء الأول في العقيدة، والثاني في الصلاة، والثالث في الزكاة، والرابع في الحج والعبادات الأخرى.
ومؤلف هذا الكتاب هو الشيخ محمد كفاية الله ألفه قبل خمسين عاماً، وأعيد ترتيبه وأسلوبه اللغوي وجودة طباعته، وحذف منه ما لا يحتاج إليه علمياً.
واختيرت مجموعة من الكتب الإسلامية، مع إعادة ترتيبها ومراجعتها، وبعضها الآن تحت الطبع، منها عشرة كتب للشيخ أبو الحسن الندوي.
وبعض الكتب للشيخ محمد منظور نعماني، وبعضها للأستاذ أبو الأعلى المودودي، وبعضها للشيخ سليمان الندوي وبعضها للدكتور محمد حميد الله.
وسألت الدكتور محموداً: هل دعيتم إلى حضور ندوات رابطة الأدب الإسلامي ونشاطاتها؟.
فقال: إنهم لم يدعوا إلى الآن فتعجبت من ذلك، وبخاصة أن الأمين العام للرابطة هو الأستاذ الندوي الذي اختارت الأكاديمية بعض كتبه للطبع، ولذلك قررت تنبيه الأستاذ الندوي على ذلك، وفعلاً نبهته عندما زرته في ندوة العلماء عندما زرتها في لكنو في هذه الرحلة ووعد أن يدعو الدكتور محمود لحضور لقاءات الرابطة.
أقسام الأكاديمية:
للأكاديمية قسمان رئيسيان:
الأول قسم التدريب، والثاني قسم البحوث، ولكل منها شعب.
شعب قسم التدريب:
1 ـ شعبة تدريب الأئمة وتعقد كل سنة ثلاث دورات للأئمة في باكستان، كل دورة مدتها ثلاثة شهور، ويعد للمشتركين المساكن والطعام والنقل، ويصرف لكل مشترك خمسمائة روبية شهرياً، ويعطون الكتب.
2 ـ شعبة تدريب القيادات الإسلامية الشبابية، وهو برنامج عالمي، وكانت تقام دورة واحدة كل عام، وتقرر أن تعقد دورتان كل سنة في شهري مارس وأكتوبر، ويدعى للدورة شباب مسلمون من الأقليات الإسلامية الذين لهم نشاط في الدعوة والتعليم الإسلامي وعدد المشتركين فيها ما بين 30 ـ 40.
وطريقة الاختيار هي: أن الأكاديمية تبعث رسائل إلى المراكز والمنظمات، وتتحمل الأكاديمية نفقاتهم نقلاً وغذاءً وسكناً لمدة أربعة أسابيع، ويكون البرنامج قوياً في الدعوة ومناهجها من أجل دعوة الطوائف والديانات المختلفة.
ويراعى في الدورة التربية الإيمانية والتدريب العملي للدعوة، ويستعان بجماعة التبليغ في التدريب العملي لعدم وجود جهاز كاف في الأكاديمية.
ويكون التدريب العملي في المساجد والمستشفيات والأسواق وغيرها، وكل جهة لها ما يناسبها.
وأول من فكر في إنشاء هذه الأكاديمية هو الجنرال ضياء الحق رحمه الله، وكان يرى أن الجامعة الإسلامية العالمية هي الجهة المناسبة للقيام بهذا المشروع، فطلب من المسؤولين في الجامعة وضع خطة لذلك، فوضعت الخطة ووافق عليها ضياء الحق، ووفر لها الميزانية ورعاها رعاية طيبة.
3 ـ الشعبة الثالثة، وهي من أهم الشعب، شعبة التدريب للقيادات العسكرية في الجيش الباكستاني، وأنشئت هذه الشعبة بطلب من قيادات الجيش نفسه للقيام بالتوجيه الديني، والمعنوي، ويشترك في هذه الدورة من كان بدرجة نقيب ورئيس، وستبدأ أول دورة في 26 يوليو من هذا العام 1989م لمدة أربعة أسابيع، وسيكون عدد المشتركين في هذه الدورة 25 ضابطاً، وتظهر أهمية هذه الشعبة من المشتركين فيها، فالجيش هو الحاكم، ولا بد من العناية به، ويمكن التوسع في عدد المشتركين فيما بعد.
وكانت عند الأخ محمود معلومات مفيدة ومفصلة، كنت أرغب في تدوينها للاستفادة من التجارب الدعوية في مثل هذه المؤسسات، ولكنه كان على موعد في اجتماع بالجامعة، فاعتذر، ووعد أنه إذا أتيحت له الفرصة فسيحدد لي موعداً آخر، ولكنه ذكر لي أنه سيسافر بعد غد إلى كل من إيران وتركيا والمملكة العربية السعودية. ولهذا لم يتيسر لي الاجتماع به.

البلاغ المبين في لقاء مع فضيلة الدكتور حسين حامد حسان:

وهو رئيس الجامعة الإسلامية العالمية في إسلام أباد، وكان اللقاء في منزله في الساعة العاشرة والدقيقة الثلاثين صباحاً واستمر اللقاء ساعة، بدأنا في هذا اللقاء بأسئلة البلاغ المبين، فأجاب عن بعضها ولم نستطع إكمالها لمجيء ضيوف عنده.
وقد أكملناها يوم الثلاثاء 25/10/1409هـ الموافق 30/5/1989م.

حسين حامد حسان وهو يجيب عن أسئلة البلاغ المبين في منـزله في إسلام أباد 23/10/1409هـ 28/5/1989م
حسين حامد حسان وهو يجيب عن أسئلة البلاغ المبين في منـزله في إسلام أباد 23/10/1409هـ 28/5/1989م

وهذه نسخة كاملة لنص الأسئلة والأجوبة:
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإنه من الخير أن نلتقي فضيلة الدكتور حسين حامد حسان رئيس الجامعة الإسلامية العالمية في إسلام أباد، في منزله ـ وهو قريب من الجامعة ـ ونستفيد منه في الإجابة عن هذه الأسئلة المتعلقة بالبحث "البلاغ المبين" الذي أحاول أن أستفيد فيه من زعماء الجماعات الإسلامية والمراكز الإسلامية والعلماء والمفكرين قبل أن أشرع في كتابته.
والأسئلة فيها نوع من الطول ولكنا نأخذ منها ما تيسر.

نبذة عن حياة الدكتور حسين:

فضيلة الدكتور أرجو إعطائي نبذة مختصرة أولاً عن حياتكم؟
الجواب: ولدت في عام 1932م في قرية من قرى محافظة بني سويف بجمهورية مصر العربية، حفظت القرآن في القرية، ثم تعلمت في معاهد الأزهر الشريف ثم في كلية الشريعة، حيث حصلت على شهادة الدكتوراه في الفقه والأصول من جامعة الأزهر، كما تخرجت في نفس الوقت من مدارس المعارف من كلية الحقوق بجامعة القاهرة، كما درست أيضاً في المعهد الدولي للقانون المقارن في جامعة نيويورك، وعملت مدرساً بقسم الشريعة بكلية الحقوق بجامعة القاهرة، ثم أستاذاً ثم رئيساً لهذا القسم، وأعرت للعمل في ليبيا رئيساً للدراسات العليا بها، ثم إلى المملكة العربية السعودية رئيساً للدراسات العليا بها، ثم كلفت إنشاء جامعة إسلامية في إسلام أباد في باكستان كخطوة من خطوات تطبيق الشريعة، ولا زلت أقوم على هذه الجامعة إلى اليوم، أعتقد هذا كاف.

أهمية البحث:

السائل: جزاك الله خيراً، فضيلة الدكتور قد شرحت لكم باختصار هدفي من هذا البحث واطلعتم على بعض أسئلته، ما رأيكم في هذا البحث من حيث هو؟ هل ترون أنه يستحق الاستمرار والتعب وسيستفيد منه الناس؟
الجواب: الواقع أن هذا من البحوث التي تتعلق بمهمة هذه الأمة التي كُلِّفَتْها وهي تبليغ دعوة الله عز وجل، إلى الناس جميعاً، فتبليغ الدعوة من فروض الكفاية التي ينبغي على هذه الأمة أن تعد لها من يمكنه القيام بها، فإذا قصرت ـ الأمة دولاً ومؤسسات وجامعات ـ إذا قصرت في هذا أثمت الأمة كلها كالشأن في كل فروض الكفاية في الإسلام.
السائل، نعم نبدأ ببعض الأسئلة.

معوقات البلاغ المبين:

السؤال الأول الذي نبدأ به منها، ما معوقات البلاغ المبين الداخلية والخارجية؟
الشيخ ـ الواقع أن تبليغ الدعوة كما قلت: أمر واجب على هذه الأمة أن تعد المؤسسات التعليمية القادرة على تخريج المؤهلين علمياً والمدربين على هذا البلاغ.

ضعف العناية بأمور الدعوة:

الواقع أول هذه المعوقات أن المؤسسات التعليمية في البلاد الإسلامية لا تعني بأمور الدعوة الإسلامية، أولاً نظم التعليم في البلاد الإسلامية، بعضها نظم مستوردة من الغرب تعنى بالجانب العلماني دون الجانب الإسلامي دون جوانب الدين.
والواقع أن مؤسسات التعليم في البلاد الإسلامية كلها ينبغي أن تتضمن مناهجها في كل مراحل التعليم أموراً تعد من فروض العين، وليس فقط من فروض الكفاية، أولها تدريس ما تصح به العقيدة، وثانيها ما تصح بها العبادات، ثم تدريس ما يفرق به المسلم المكلف بين الحلال والحرام، ثم التعريف بحقائق الإسلام الكبرى في نظام الحياة في نظامها السياسي والاقتصادي ثم القدرة على دفع الشبهات ورد المذاهب الفكرية الوافدة.
هذا القدر هو الحد الأدنى الذي ينبغي أن تتضمنه مناهج التعليم في كل المؤسسات التعليمية في العالم الإسلامي، ثم تكون مؤسسات تعليمية متخصصة في تعليم وتخريج الكفاءات الإسلامية والخبرات الإسلامية القادرة أولاً على فهم الإسلام وفهم حقائق الإسلام ومفاهيمه الكبرى، ثم القدرة على نقل هذه المفاهيم إلى الغير وإلى المسلمين في الداخل فيما يخص التفصيل، ثم إلى غير المسلمين حتى تلزمهم الحجة ويتم بشأنهم البلاغ المبين.
فإني أرى أن أول معوق هو نظم التعليم في المؤسسات التعليمية القائمة.

قصور مناهج كليات الدراسات الإسلامية في إعداد الدعاة:

وهناك تعليم يقال له تعليم إسلامي مع التعليم الآخر المدني، هذا التعليم الإسلامي أيضاً هناك كليات للدعوة وأصول الدين في بعض الجامعات الإسلامية مناهجها تحتاج إلى نوع من التطوير حتى تهتم بإعداد الداعية المسلم الذي يجمع بين التأهيل العلمي الكامل لمعرفة حقائق الإسلام ومفاهيمه وتصوراته وأصوله ومقاصده، ويجمع كذلك مع ذلك التدريب العملي على تبليغ هذه الدعوة ونقل هذه المفاهيم والتصورات إلى غير المسلمين، وهذا يقتضي تدريب هؤلاء الدعاة أولاً على لغات القوم الذين يدعونهم ثم على ظروف هؤلاء الناس الاجتماعية والاقتصادية والنفسية والحضارية والثقافية، فبدون معرفة الأمة أو الشعوب التي تُدعَى إلى الإسلام وتُبَلَّغ لا يتم البلاغ على الوجه الأكمل والأتم، فلا بد إذاً من معرفة لغات القوم ولا يمكن بحال أن نطلب من كل الشعوب على وجه الأرض أن تتعلم اللغة العربية، حتى يمكن للدعاة الذين لا يجيدون إلا اللغة العربية أن يبلغوا الدعوة إليها، بل على الدعاة أن يتعلموا لغات العالم خصوصاً اللغات التي يتكلم بها مجموعات كبيرة جداً ويفترض أنها بعيدة عن الحضارة وبعيدة عن مؤسسات التعليم والإعلام.

مويل الدعوة والدعاة:

ويفترض أن تبليغ الدعوة يلزمنا لهؤلاء الناس، من هذا أيضاً أن الدول الإسلامية والمؤسسات والهيئات والجامعات عليها أن تمول الدعوة الإسلامية، الدعوة الإسلامية تحتاج إلى تمويل والدعاة إلى الله سبحانه وتعالى يحتاجون إلى إمكانات كبيرة ويحتاجون إلى أموال ضخمة ويحتاجون إلى تسهيلات حتى يمكنهم أن يقوموا بواجب الدعوة، فالدعوة إذاً تحتاج إلى أموال، وإلى الثروة، فلا بد أن تنشئ المؤسسات التعليمية والحكومات والمؤسسات المالية وغيرها لا بد أن تنشئ ما يسمى بوقف تبليغ الدعوة، ولا بد كذلك من وضع خطة لتبليغ الدعوة على مستوى العالم الإسلامي.
إذاً العقبة الأولى هي مناهج التعليم في البلاد الإسلامية التي لا تخرج الدعاة الذين يمكنهم القيام بالبلاغ المبين.
وثانياً الأموال اللازمة "التمويل اللازم للدعوة" لا بد أن يكون هناك مؤسسات الدعوة تسهم فيها الحكومات والهيئات والمؤسسات والشركات وما إلى ذلك، ثم الخطة المتكاملة للدعوة الإسلامية على مستوى العالم الإسلامي هذه معوقات الأمة الإسلامية، لا بد أن تعد نفسها لذلك، لأن هذا الإعداد هو أمر هام وخطير.
هناك طبعاً حكومات في بعض البلاد الإسلامية لا تعنى بالدعوة ولا تعنى بإعداد الدعاة ولا تعنى بالإنفاق على الدعوة، ولكن هذه في نظري أمور طارئة ويمكن التغلب عليها بقيام المؤسسات الشعبية والمنظمات التطوعية بهذا الأمر يعني بإعداد الدعاة أو بالإنفاق على الدعوة.
المؤثرات الخارجية أو المعوقات الخارجية كثيرة.
تعويق النزاع بين الجماعات الإسلامية للبلاغ المبين.
السائل: إذا سمحت يبقى في المعوقات الداخلية ما يتعلق باختلافات الجماعات، ما رأيك في هذا المعوق، جماعات الدعوة؟
الشيخ: الواقع أن المسلمين جميعاً والغيورين على الإسلام والمشتغلين بالدعوة الإسلامية والتعليم الإسلامي في العالم الآن ينادون بجمع كلمة الاتجاهات الإسلامية أو ما يسمى بالتيار الإسلامي أو الصحوة الإسلامية، لا بد أن توحد صفوفها، وتوحيد الصفوف أمر ممكن وسهل، وذلك بالاتفاق على أصول الإسلام وعلى حقائق الإسلام الكبرى، وعلى مقاصد الشريعة العامة ومبادئها الكلية، ثم الاتفاق على المفاهيم الإسلامية الكبرى، وهي بحمد الله كثيرة جداً، ويمكن لهذه الأمة أن تجتمع عليها، وأن تتعاون من أجلها ثم ليسعنا ما وسع المجتهدين من الصحابة والتابعين والأئمة أصحاب المذاهب فيما فيه مجال للاجتهاد.
فما فيه مجال للاجتهاد ينبغي أن يعذر أحدنا أخاه في ذلك، وتبقى وحدة الصف حتى مع الاختلاف في الاجتهادات، وهذا هو الذي حدث في تاريخ الإسلام، الاجتهادات مع اتفاق المسلمين على أهداف الإسلام وقيمه وأصوله ومقاصده الكبرى، ثم الاختلاف في الأحكام الجزئية وهو اختلاف مقصود للشارع، ولو أراد الله عز وجل أن لا يكون هناك اختلاف في الاجتهاد لأنزل الشريعة قرءاناً، ولجاءت السنة في معنى واحد قطعي لا يحتمل غيره.
لكن الله عز وجل رحمة منه بعباده أنزل كتابه ونطق النبي بالسنة على نحو يحتمل في الاجتهاد أوجهاً، حتى تجد المشكلة التي تواجه المسلم أكثر من حل، كلها مأخوذة من كتاب الله سبحانه وتعالى ومن سنة النبي صلى الله عليه وسلم ويحتملها النص، هذا كان مقبولاً في عصور الإسلام الزاهية، وكان كل فقيه يتبع اجتهاده، ولكنه مع ذلك يحترم اجتهاد غيره ويقول عن اجتهاده: إنه حق يحتمل الخطأ وما عند غيره خطأ يحتمل الصواب، لكنهم جميعاً كانوا على قلب رجل واحد، ولهم وجهة واحدة هي نصرة الإسلام والتمكين لعقيدة التوحيد وقهر الشرك والظلم والعدوان.
هذا شيء من المعوقات لا بد فيه من إعداد المنهج الذي يجمع أصحاب الاتجاهات الإسلامية والجماعات الإسلامية، لا بد من منهج يجمعهم، هذا المنهج يعنى بالأصول الكلية كما قلت، ويعنى بالمقاصد الشرعية، ويعنى بما اتفقت عليه هذه الأمة، ويبين أن هناك أموراً تحتمل الاجتهاد، ولا بد أن يتبع المجتهد آداب الاجتهاد مع المخالفين.
هذا يعني أننا لو نظرنا إلى الاجتهادات والخلاف في الأمور الاجتهادية لوجدنا عصور الاجتهاد الزاهية الزاهرة كانت في زمن التابعين ثم من جاء بعدهم من تابعي التابعين والأئمة أصحاب المذاهب، ولم نر اختلافاً ولا قتالاً ولا شجاراً ولا نزاعاً، لم نر شيئاً من هذا، بل رأينا الأمة في أزهى عصورها عصور الفتح التي انتشرت فيها الدعوة الإسلامية والتي عـزَّ فيها الإسلام والتي أصبحت فيها كلمة الله هي العليا، هي العصور التي نشط فيها الاجتهاد في نفس الوقت، وكان هناك اختلافات في أمور كثيرة جداً تحتملها نصوص الشريعة، بل وهي مقصودة للشارع، لأن الله سبحانه وتعالى لو لم يقصد أن يجتهد الناس وأن يختلفوا في اجتهاداتهم كما قلت، لأنزل الشريعة على قول واحد وعلى معنى واحد.
وما الذي يضير إذا كان النص في كتاب الله أو في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتمل في الاجتهاد أوجهاً، ويعطي للمشكلة أكثر من حل حتى تكون هناك سعة بين المسلمين في اختلاف ظروفهم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والحضارية، ومع اختلاف الأزمان، توجد حلول كثيرة، النص الواحد في القرآن، النص الواحد في السنة يعطي أكثر من حل للمشكلة وللقضية.
ونحن قد ورثنا هذا وتراثنا الذي ورثناه طوال أربعة عشر قرناً من الزمان في هذا، وإذا تصفحنا كتب الفقه، وجدنا كتب التفسير وشروح الحديث، ووجدنا المجتهدين يجتهدون ويستنبطون من كتاب الله الذي لا تفنى على الدهر عجائبه ولا تفنى معانيه، في كل مشكلة تجد لا بد أن يجد لها المجتهد حلاً وحكماً لم يصل إليه من سبقه من المجتهدين، لأن المجتهد لم يشغل نفسه، أو لأن القضية لم تكن قد وجدت.
وعلينا أن نقرأ في مقدمة الرسالة الأصولية الكتاب العظيم الذي كتبه الإمام الشافعي في مقدمته يقول: "أما بعد، ["أما بعد" غير موجودة في الرسالة. ص 20 من الرسالة] فليست تنـزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله دليل على سبيل الهدى فيها" ثم يقول: "كل ما نزل بمسلم ففيه حكم لازم ـ يعني في القرآن ـ أو على سبيل الحق فيه دلالة موجودة". [الرسالة (ص: 477)].
إذًا هذا إقرار بأن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم الشارحة والمبينة والمفصلة لهذا القرآن، تعطي حلولاً لكل مشكلة تجد وكل نازلة تنزل، فليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة حتى تقوم الساعة إلا وفي كتاب الله دليل على سبيل الهدى فيها، وهذا يعني أن كل عصر من العصور تجد فيه قضايا وحوادث ومشكلات وتختلف ظروف الناس الاقتصادية والاجتماعية نذهب فيها إلى القرآن فنجد الحلول ونجد الاستنباطات التي لم يستنبطها الفقهاء السابقون، وعلى الأمة الإسلامية أن تعد فعلاً ـ بمؤسساتها التعليمية وجامعاتها الإسلامية ـ أن تعد رجالاً يمكنهم أن يمارسوا الاجتهاد.

قصور المؤسسات التعليمية في تخريج مجتهدين:

وقضيتنا ومشكلتنا الآن أن المؤسسات التعليمية لا تخرج مجتهدين، مع أن تخريج المجتهدين أمر ممكن وأمر واجب، لأنه كما يقول الشاطبي من فروض الكفاية، يعني يجب على الأمة أن تخرج مجتهدين لأن الحوادث تتلو والقضايا تجد وحكم الله واجب بيانه للناس، ولا بد من أن تكون المؤسسات التعليمية والجامعات الإسلامية تعد مناهجها وخططها وطرق مناهج التدريس فيها، على أن تخرج الفقيه المجتهد القادر على النظر في الأدلة والأخذ منها، والتخريج على آراء وفتاوى المجتهدين هذه.
أيضاً من أهم المشاكل والعقبات وهي الفرقة والانقسام لأنه قد تصدى للمسائل الإسلامية والقضايا الإسلامية بعض ممن لم تؤهلهم دراساتهم لهذا القبيل، وهذا فعلاً سبب في أن كل فرقة أو جماعة ترى أنها قادرة على الفهم وعلى الاستنباط وعلى الاجتهاد وتفترق الفرق بناء على هذا.

المعوقات الخارجية:

السائل: نعم هذه الداخلية.
الشيخ: هذي الداخلية أما بالنسبة للمعوقات الخارجية فهي كثيرة.
أولاً: خصوم الإسلام يقفون لنا بالمرصاد.
هم لا يريدون حتى رد المسلمين إلى الإسلام عقيدة وشريعة وخلقاً ونظاماً، يعني هم يَحُولون ـ حتى في داخل بلاد المسلمين ـ بين الدعاة إلى تطبيق الشريعة وإلى الالتزام بأحكام الشرع وإلى التقى والطهر والعفاف، هم يحولون بينهم وبين الدعوة، دعوة المسلمين إلى الالتزام الكامل والتطبيق الصحيح بشريعة الله.
فما بالك بنشر الإسلام بين الشعوب غير الإسلامية؟ الشعوب غير الإسلامية تحكمها حكومات، هناك قوى تدافع دفاعاً.. مستميتة ضد الإسلام وضد انتشار دعوة الإسلام، لماذا؟ لأن هذه الشعوب وتلك الحكومات تعرف أكثر من غيرها أن الإسلام إذا انطلق مرة أخرى، فإن المسلمين لو عادوا إلى الله ولو عادوا إلى كتاب الله وإلى سنة رسول الله، لو فعلوا ذلك لاستطاعوا أن يقفوا مرة أخرى، كما فعلوا من قبل في وجه الدنيا كلها، ولتمكنوا من قهر البشرية بأسرها، ولاستطاعوا أن يذلوا الكفر والشرك ويقيموا العدل ويدخل الناس في دين الله أفواجاً.
غير المسلمين أشد خوفاً على أنفسهم من الإسلام، لأنهم يقرؤون تاريخ الإسلام، ويعرفون أن المسلمين عندما لجأوا إلى الله واعتمدوا عليه وعندما طبقوا شرعه بحق، عندما فعلوا ذلك أعزهم الله وأغناهم الله وقواهم الله، وهم يعلمون أن هذه الأمة الإسلامية لو مكنت من الرجوع إلى الإسلام مرة أخرى، فسوف تقهر الكفر وتذل الشرك وتفتح الدنيا كلها، فلا شك أن هناك خططاً مرسومة للحول دون انتشار الإسلام في البلاد غير الإسلامية، وهم يبذلون في ذلك الأموال الطائلة ويستخدمون بعض المسلمين حتى في الوقوف في وجه الدعوة الإسلامية في داخل بلاد المسلمين وفي خارج بلاد المسلمين.
العقبات الأخرى أو المعوقات الأخرى معوقات أنا أعتبرها من المعوقات الداخلية، يعني قضية اللغة من المعوقات الداخلية، لأن مؤسسات الدعوة الإسلامية ومعاهد وكليات الدعوة الإسلامية ـ وهي تعد قيادات للدعوة الإسلامية ولتبليغ الدعوة ـ لا بد أن تعنى أولاً بتعليمهم لغة القوم، ثم بظروف من يوفد إليهم الداعية ظروفهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية وما إلى ذلك، فهي إذاً نقص أو معوقات من الداخل، هي مفاهيم التعليم أو مناهج الدعوة في كليات الدعوة أو كليات أصول الدين.
هل قامت الحجة على عامة المسلمين بمعرفة فروض العين؟
السائل: نعم، فضيلة الدكتور الأسئلة التالية تتعلق بإقامة الحجة.
هل تظن أن الحجة قد قامت على المسلمين فيما يتعلق بالفرائض العينية في الحواضر والبوادي في بلاد المسلمين؟
الشيخ: الإجابة على هذا السؤال بالإيجاب، لأن فرض كونه مسلماً يفترض أن الدعوة قد بلغته وعرف الإسلام كدين وعرف نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم، هذا هو القدر يعني النطق بالشهادتين والإقرار بوحدانية الله ورسالة النبي صلى الله عليه وسلم، يفرض على المسلم أن يتعلم فرائض الإسلام الأخرى، وترك العلم أو ترك التعلم يعد معصية، والمعصية والمخالفة للتكليف لا يمكن أن تكون مبرراً أو لا يمكن أن تكون حجة للإعفاء من مسؤولية العلم بأحكام الإسلام والتزامها وتطبيقها.
لا بد أن نؤكد على هذا المعنى أن المسلمين جميعاً في الحواضر والبوادي يلزمهم ـ وعلى الدعاة طبعاً أن يبصروهم بهذه الحقيقة ـ أن يتعلموا ما لا تصح عقيدتهم أو عبادتهم أو لا تصح معاملاتهم إلا به بعد العقيدة، وهذا من فروض العين، هذا فرض عين لا بد أن يتعلم ما تصح به العقيدة، وما تصح به العبادة وما يفرق به بين الحلال والحرام في شؤون الحياة.
هذا أمر واجب، لكن واجب على الدعاة أيضاً أن يبلغوا المسلمين الدعوة تفصيلاً لأن وجوب التعلم يقتضي على المعلم وجوب التعليم يعني إذا قلت يجب عليك أن تتعلم، فلا بد أن تقول للمعلم: يجب عليك أن تعلم، وإلا كلفت المتعلم ما لا يطيق، يقول: نعم أنت أوجبت على أن أتعلم ولكن ممن؟ ليس هناك من يعلمني! فأنت تكلفني أن أتعلم من نفسي! يعني لا بد من معلم.
فأولاً نقول: إن الدول الإسلامية والمسلمين ـ دولاً ومؤسسات وجماعات وأفراداً ـ عليهم أن يعلموا، إن عليهم واجباً وهو تعليم الجاهل أو تبليغه بالمعنى التفصيلي بتبليغ الدعوة الإسلامية بالمعنى التفصيلي يعني حقائق الإسلام وفرائض الإسلام، وهي فرائض الأعيان على الأقل، على الأمة أن تنظم مؤسساتها التعليمية على نحو يخرج عدداً كافياً لتبليغ الدعوة للمسلمين بمعنى تعريفهم بالأحكام التي تتعلق بفرائض الأعيان، يعني ما يجب على كل فرد أن يتعلمه من حقائق الإسلام ومن العبادات.
وهل قامت الحجة على غير المسلمين بأداء البلاغ المبين؟
السائل: نعم، أما السؤال الثاني فهو يتعلق بغير المسلمين.
هل قامت الحجة على غير المسلمين؟
وأذكر هنا خلاصة لأبي حامد الغزالي قالها في كتابه "فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة" ذكرته بالمعنى ليس بالنص، وخلاصته: أن الناس ثلاثة أقسام:
القسم الأول: بلغه الإسلام على حقيقته، وهذا القسم إذا لم يستجب يكون من أهل النار.
القسم الثاني: لم يبلغه الإسلام أصلاً وهذا معذور.
القسم الثالث: بلغه الإسلام مشوهاً منفراً، وهذا حكمه حكم الثاني، ما رأيك في هذا التقسيم، وهل يوجد القسم الثالث في عصرنا؟
الشيخ: أتفق مع ما قاله الغزالي في القسم الأول والقسم الثالث، القسم الأول وهو من بلغه الإسلام على التفصيل على الوجه الصحيح فلم يقبله، هذا وقد لزمته الحجة.
وأما القسم الذي أشار إليه بأنه لم تبلغه دعوة الإسلام أصلاً فهو معذور، أتفق معه تماماً وأرى أنه موجود، وسوف يظل موجوداً طالما قصرت الأمة الإسلامية في واجب البلاغ، لأن هناك جهات مجاهل في إفريقيا وفي أستراليا وفي أمريكا، لا زال هناك مجتمعات لم تسمع عن شيء قط، وقد أُبلِغتُ بأن في جبال الهيملايا والهنود الحمر وفي استراليا، أبلغني بعض من لقيتهم في موسم الحج من الإخوة الذين يعملون في أستراليا، أن مجتمعات كاملة لم تسمع شيئاً عن الأديان مطلقاً ولا عن الإسلام.
فالقسم موجود على كل حال ليست قضية تستحق الجدل يعني على فرض وجوده إن وجد، فهذا هو حكم الله فيه يعني لا يحتاج إلى نوع من الجدل.
لكن الأمة الإسلامية تُسأل عنهم يعني هم ليسوا مسؤولين ولكن الأمة الإسلامية مسؤولة عنهم، الأمة الإسلامية مسؤولة عن كل من لم تبلغه الدعوة، دعوة الإسلام وسوف يسألهم الله لماذا لم تبلغوهم الدعوة؟ لأن تبليغ الدعوة فرض كفاية على الأمة الإسلامية كما قلت، وعليها ـ شعوباً وحكومات وهيئات ومؤسسات وأفراداً ـ أن تتعاون فيما بينها على أن توجد مؤسسات تعليمية ومؤسسات تنموية، من أجل أداء هذه الفريضة اللازمة وتبليغ الدعوة إلى كل أركان الأرض، وهذه تقتضي وجود مؤسسات تعليمية يتعلم فيها الدعاة حتى اللغات غير الحية لغات القبائل المتناثرة في أمريكا وفي الهيملايا وفي كذا وكذا.
أنا أرى أن هذا واجب الأمة الإسلامية وهي مقصرة في هذا الواجب، واجب تبليغ الدعوة للناس.
أما القسم الذي يتكلم عنه الغزالي وهو ممن بلغه الإسلام على غير حقيقته.
السائل: الإمام الغزالي ضرب مثالاً، قال: مِثْلُ ما نحن يبلغنا أن رجلاً يسمى بابن المقفع ادعى النبوة فكذلك يبلغ بعض الناس أن رجلاً كذاباً ـ أستغفر الله ـ اسمه محمد صلى الله عليه وسلم فهؤلاء بلغهم الإسلام بهذا الأسلوب عكس ما يبلغوهم على حقيقته.
الشيخ: تبليغ الإسلام يعني تبليغ حقائق الإسلام، يعني لو قيل لهم وبلغهم أن هناك ديناً اسمه الإسلام ويجيز للرجل أن يتزوج أمه مثلاً، أو أن الله عندهم ستة عشر صنماً، لا يمكن أن يقال: إنه بلغتهم دعوة الإسلام نعني بلغتهم حقيقة الإسلام، أما لو بلغهم شيء حتى ولو أعطي عنوان الإسلام وهو على غير حقيقته فلا تلزمه الحجة، لماذا؟
إذا بُلِّغ شيئاً مشوهاً ليس إسلاماً فالذي يطلب منهم هو أن يؤمنوا بأن الله ثلاث عشرة رجلاً، هذا دين مشوه، هذا يعني أنت تطلب منهم أن يؤمنوا بما بلغهم، وما بلغهم إن آمنوا به فهم كفار في نظر الإسلام.
فإذاً المقصود بتبليغ الدعوة هو تبليغ دعوة الإسلام يعني بلغهم حقيقة الإسلام أما من بلغهم شيئاً آخر يسمى الإسلام لا تلزمهم الحجة ولا يعدون أن الإسلام قد بلغهم.
السائل: نعم، فضيلة الدكتور: تقولون: إنه موجود في العالم من لم يبلغه الإسلام في هذا العصر وهذا شيء لا يقره كثير من العلماء، نظراً لكثرة الوسائل الموجودة الآن في كل العالم، وقد ذكرتَ مثالاً قبل في أمريكا تقول: إنه حصل فأرجو أن تذكر هذا المثال، لأن هذا المثال أنت بنفسك رأيته ويعتبر مثالاً واقعاً في الحقيقة.
الشيخ: أنا زرت بعض المناطق البدائية في أمريكا، بعض الجماعات لا تقبل كل الوسائل الحضارية الحديثة، لا الكهرباء ولا التليفون ولا السيارات، ويزرعون الأرض بأنفسهم ويعملون النجارة ليس بآلات ولا معدات كهربائية وما إلى ذلك، أنا جلست معهم ثلاثة أيام مع مجموعة من الطلاب حينما كنت أدرس في جامعة نيويورك، وجئت لرجالهم سنة 1960م وسألتهم قائلاً: أنا مسلم فهل سمعتم شيئاً عن الإسلام؟ فقالوا: لا. قلت: فهل سمعتم أن ديناً اسمه الإسلام وأن رجلاً اسمه محمد هو نبي الإسلام؟ قالوا: لا. وهذا أكبر دليل يعني بنفسي سألتهم قالوا: لا ندري!
ثم أخبرني كما قلت الآن بعض الإخوة الذين يعيشون في أستراليا أن هناك قبائل بأسرها قبائل بأعداد كبيرة جداً لها عادات وأعراق وتقاليد، ولها لغات لا يفهمها بقية الناس، فحتى لو كانت هناك وسائل وإعلام، وسائل إعلام ليست بلغات هؤلاء القوم توجد أقوام وجماعات وقبائل تعيش وتتكلم لغات لا تذاع بها في أي مكان على وجه الأرض ولم يكتب بها كتاب، يعني لغات ليست مكتوبة، ولا تقال نشرات الأخبار ولا تقال في الراديو. فكيف يبلغهم الإسلام إلا إذا تعلم مسلم لغتهم وذهب إلى هذه القبائل في استراليا وفي جبال الهيملايا ومجاهل إفريقيا وعلمهم، فهي قضية لا يحتاج وجودها إلى جدال، أنا في رأيي ليست مشكلة، لأن هذه ليست مما يترتب عليها عمل أبداً، إنما يترتب عليها هو ما قلته لو فرض، وهذا واقع أن هناك من لم يسمع بالإسلام، فالمسؤولية والتبعة والحجة قامت على المسلمين لما لم يبلغوا دعوة الإسلام؟

دور العقل والفطرة ونظام الكون في إقامة الحجة على الناس.

السائل: نعم، هذا يقتضي أن نأتي إلى السؤال الذي يليه وهو يتعلق بدور التحسين والتقبيح.
يقال: ما دور العقل والفطرة، وما أودعه الله في الكون من إبداع، في إقامة الحجة على الناس، وهل توجد حوافز عند كل أحد للبحث عن الحقيقة والسؤال عن الدين يأثم صاحبها إثماً يستحق بها التخليد في النار إذا لم يفعل؟
الشيخ: قضية التحسين والتقبيح قضية تكلم عنها العلماء كثيراً، وتناولها الشاطبي في الموافقات، وقال: إنها مما لا يترتب عليها عمل، وقال: إنها في الفقه عرية، ولا ينبغي أن يضيع فيها الوقت، لأنه بعد مجيء الشرع، الحسن ما حسنه الشرع والقبيح ما قبحه الشرع وإن اختلفت العقول في ذلك، فالحكم لنص الشرع ولحكم الشرع، ولا حكم للعقل بعد مجيء الشرع.
فهب أن العقول في حضارة معينة أو في بلد معين لا تقبل تعدد الزوجات يعني هو عندهم قبيح وليس عندهم حسناً لا تقبل الطلاق عندهم، الطلاق بين الزوج والزوجة، هو عندهم قبيح، لكن الشرع حسنه فالتكليف يتبع الشرع، يتبع النص ولا شأن للعقل البتة في ذلك، بل إن الشاطبي يقول في باب التكليف: إن دور العقل أن يأتي بعد النقل، فلا يسرح العقل إلا بمقدار ما يسرحه النقل. فالعقل محكوم عليه بالنقل إذا صح النقل عن الله عز وجل أو عن رسوله صلى الله عليه وسلم، فهو تكليف وهو الحكم.
هب أن الإنجليز مثلاً في سنة 1965م صدر قانون عندهم وصدق عليه مجلس اللوردات بأغلبية، يجعل الشذوذ الجنسي بين الرجال البالغين أمراً مباحاً لا عقاب عليه في القانون، حصل ذلك ونقلته وكالات الأنباء، وقد صفق الحاضرون طويلاً في شرفة الوزارة، يعني أنه كان هناك جمهور ينتظر صدور هذا القانون الذي يصدق عليه مجلس العموم البريطاني، وهو يجعل الشذوذ الجنسي الاتصال الجنسي "اللواط بين البالغين" رجالاً ونساء أمراً مباحاً مشروعاً يحميه القانون وتكفله الدولة كحق لكل مواطن، هب أن عقول الإنجليز في سنة 1965م رأت أن ذلك أمر حسن وصدر القانون في إنجلترا، وهؤلاء هم سادتها ونوابها ولورداتها، هب أن عقولهم قالت ذلك، ولكن الشرع قال: هذا حرام فالحكم للشرع وليس للعقل.
الرومان كانوا يعتبرون أن المدين الذي يعجز عن الوفاء بدينه، لا بد أن يملكه الدائن ويصير رقيقاً عنده ويضعه في سجنه الخاص ويقيده بالسلاسل والأغلال، وكل ما فعلته قوانين الألواح الإثني عشر هو أنها حددت وزن السلاسل والأغلال التي يضعها الدائن في عنق المدين، ثم أجازوا أن يقتسم الدائنون ـ إذا ذهبوا إلى سوق روما بالمدين ليبيعوه ولم يتقدم مشتر ـ أجازوا للدائنين أن يقتسموا جثته قسمة غرماء يقطعونه قطعاً! وكان الرومان يعتبرون هذا هو عين العقل وهو عين الصواب، وهو الأمر الحسن ولا حسن في غيره، ثم جاء الشرع العظيم بحكمه، كما قال تعالى: { وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا ـ يعني بالدين ـ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}. [البقرة: 280].
فالقضية بعد مجيء الشرع، الحسن ما حسنه الشرع والقبيح ما قبحه الشرع، وعلى العقول أن تلتزم وأن تعيد العقل حينما يضل، ولو كان العقل كافياً لم يكن هناك داع لإرسال الرسل وإنزال الكتب، وكل هذا يدل على أن العقول ليست كافية، فبعد مجيء الشرع، يعني القضية لا يترتب عليها عمل ولا يترتب على الخلاف فيها أي عمل، لأن الأمة أجمعت ـ ولم يشذ فيها مسلم ـ أنه بعد مجيء الشرع، الحكم للشرع وليس للعقل.
وأما قبل مجيء الشرع فهي قضية لا يحتاج إلى بحثها، فهذه تترك لله سبحانه وتعالى، وليس عندنا أحد من هؤلاء حتى نحكم عليه في التعامل والتزوج وذبيحته والزواج منهم هم قبل مجيء الشرع هؤلاء ماتوا جميعاً فالحكم فيهم لله عز وجل.
فالقضية كما يقول الشاطبي في الموافقات: يعني عارية أو شبه عارية، وأن البحث فيها تضييع للوقت، وأنه لا يترتب عليه شيء من العمل، فهذا يعني ما أردت أن أقوله بالنسبة للتحسين والتقبيح.

ضلال العقول بدون شريعة الله.

وهذه قضية ينبغي أن يكون الفصل فيها من جهة أخرى، يعني ينبغي أن تناقش من جهة أخرى، يقال للناس: إن الشريعة هي التي تحقق مصالحهم، وهي التي تلبي حاجاتهم وهي التي تحقق العدل بينهم، وهي العدل ولا عدل في غيرها، وهي الحق ولا حق فيما سواها، العقل الذي يخالف الشرع، عقل ضال فيه سفه { وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ... } [البقرة: 130] بل إنه بهيمة {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ} [الأعراف: 179] ويقول الله عز وجل في مثلهم {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصْ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الأعراف: 176] ويقول في بعضهم: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [الجمعة: 5].
فالذي لا يهتدي للحق بعد سماع الشرع، وله عقل فيتبع ذلك العقل في زيغه وبطلانه وضلاله، الذي يتبع ذلك سماه الشارع حماراً وكلباً ومن الأنعام على أحسن تقدير.
والآن الذين ضلوا وكفروا والذين لهم عقول جبارة وشهادات عليا وأبحاث الذرة، ويصعدون إلى الفضاء ويخترعون الكهرباء ويخترعون كذا وكذا، أليست هذه عقولا؟ بلى عقول! لكن لا بد أن تبين للناس، ولا بد أن يظهر في بحثك أن الخير والشر والحق والباطل والفضيلة والرذيلة هذه أمور لا تترك للعقل، والعقل لا يستطيع أن يحكم فيها، ولا أن يفصل فيها، وإلا فقديماً قال قوم لوط للوط: {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} [النمل: 56] فكانت أسباب الحكم {إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} فمجتمع كانت فيه الطهارة والعفة جريمة، يوقع على مرتكبها أشد وأقسى أنواع العقوبات، وهي الطرد والنفي من البلاد، وبقيت عقوبة منعتها القوانين الدستورية الوضعية والإعلانات العالمية لحقوق الإنسان، هذا المجتمع لم يكن عنده عقل في حقيقة الأمر؟
الإنجليز سنة 1960م لم يكن عندهم عقل عندما جعلوا الشذوذ الجنسي ـ الرجل يأتي الرجل ـ أمراً يقره القانون ويحميه، في مجتمع متحضر ومتقدم.
وفي بلاد الإنجليز في سنة ستين كان القانون للإنجليز في الميراث قانون استمر حتى مدة طويلة جداً، تاريخ طويل ما يزيد على ألف سنة، وهو يقوم عندهم على قواعد أربع:
القاعدة الأولى: أن البنت لا ترث مع الابن، يعني إذا مات الإنسان وترك بنت وابناً فالبنت لا ترث، أخ وأخت، الأخت لا ترث، فالمرأة لا تستحق الإرث، الأنوثة نفسها مانعة من الإرث.
القاعدة الثانية: أنه إذا كانوا ذكوراً فالابن الأكبر وحده هو الذي يرث التركة كلها، وإخوته يعملون عنده في المزرعة.
القاعدة الثالثة: أن الأصول لا يرثون إذا مات وترك أباً أو أماً فلا يرث أحد منهما، وكان بلاكستون الفقيه الإنجليزي يقول: إن الميراث كحجر إذا أنزلته ينزل إلى الأسفل ولا يصعد إلى الأعلى! هذا هو المنطق والعقل والحكمة عندهم.
القاعدة الرابعة: أن الزوجة لا ترث، علاقة الزوجية لا تجيز للزوجة أن ترث من الزوج، فعلاقة الزوجية عندهم ليست كعلاقة القرابة، ليست قوية، وهذا هو عين التناقض عندهم لأنهم يقولون: إذا تم الزواج بين الزوج والزوجة فلا يمكن الطلاق ولا ينفصل، ما جمعه الرب لا يفصله العبد وليس عندهم طلاق أبداً، فيه فقط انفصال حسي، فهذه العلاقة التي جعلت الزوج والزوجة شيئاً واحداً لا تجعل الزوجة وارثة لمن؟ لزوجها؟ لأنها علاقة ضعيفة، وهذا تناقض شديد!
ثم في سنة 1925م عدل القانون الإنجليزي بعد هذا الظلم الطويل، بعد ألف سنة وأربعمائة سنة من ظهور الإسلام ليقول: إن الأبناء جميعاً يرثون وإن البنت ترث، الأنثى ترث مع الرجل، وأن الأصول يرثون.
ولكن توقفوا في شأن الزوجة حتى سنة 1939م عندما اعتبروا الزوجة وارثة لزوجها وأن علاقة الزوجية قوية كعلاقة القرابة.
دول ـ يعني هؤلاء ـ عقولهم يا دكتور عبد الله هذه هي العقول، هذه نماذج لعقول البشرية، عقول بشرية تضل وتزيغ دون هداية الله عز وجل، ولذلك أرسل الله الرسل وأنزل الكتب، لأن العقول لا تستقل بدرك المصالح والمفاسد بحال، هذه قضية مهمة.

لا تكليف مطلقاً بدون شرع الله:

السائل: والعقل أيضاً هل هو حجة في التوحيد، يعني حجة على الإيمان؟
الشيخ: العقل هو الحجة في التكليف، السائل: بدون شك.
السائل: من لم يبلغه الشرع مطلقاً؟
الشيخ: لا، من ليس عنده عقل غير مكلف، كالمجنون.
السائل: من لم يبلغه الشرع؟
الشيخ: لا من لم يبلغه الشرع لا يكلف ولو كان عاقلاً، وهذه قضية مفروغ منها.
السائل: حتى في التوحيد؟
الشيخ: حتى في التوحيد، من لم تبلغه دعوة الإسلام لا تلزمه الحجة، ولا يكلف بناء على عقله وطبعاً نحن نعلم الخلاف الذي قال له بعض الناس {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً.. } [الإسراء: 15] قالوا: الرسول هو العقل، وبالتالي يكون حجة، بـس الخلاف هذا كان قبل البعثة، أما بعد البعثة فقد أجمع الكل بدون استثناء.
السائل: حتى المعتزلة؟
الشيخ: حتى المعتزلة، هذا كلامهم في ما قبل الشرع، أما بعد الشرع فخلاص.
السائل: لكن الذي لم يبلغه الشرع فكأنه قبل الشرع؟
الشيخ: نعم فلا تلزمه الحجة ولا يعذب، إلا إذا بلغته الدعوة على الوجه الذي بيَّينَّا.
الفطرة السليمة طبعاً مهمتها عظيمة، والعقل السليم مهمته عظيمة جداً، وهو مساعدة الشخص على فهم الوحي، الفطرة السليمة والعقل السليم وما في الكون من شواهد، الكتاب المفتوح، هذا كله يعين الإنسان على تقبل الإيمان وعلى فهم حكم الله عز وجل في الكون، يعني يقوي الإيمان ويساعده، ولذلك كل هذه ذُكِرتْ لتقوية الإيمان وحمل الناس على الإيمان بالله عز وجل والتصديق بأنه القادر وأنه الواحد وأنه الخالق وأنه كذا وكذا، إنما لا شأن للفطرة ولا للعقل ولا للكون في قضية التكليف بدون شرع.
السائل: ولو كان ذلك يتعلق بالتوحيد؟
الشيخ: ولا معنى للتكليف حتى للإيمان لو كلف التوحيد لكان مسلماً.
هل يوجد لدى كل إنسان حافز يوجب عليه البحث عن الحقيقة؟
السائل: يقال: إنه لا بد أن يكون عند الإنسان حافز يحفزه أن يسأل عن التوحيد يوجد ذلك الحافز في العقل والفطرة والكون، يدفع ذلك الحافز صاحبه للسؤال عن الإيمان وعن الخالق، فهل هذا الحافز بهذا الأسلوب موجود عند كل الناس بحيث أنهم يسألون عنه يوم القيامة؟
الشيخ: الحافز موجود والفطرة السليمة تدعو إلى الإيمان وإلى التوحيد، وكثير ممن هداهم الله عز وجل للإيمان والتوحيد ظلوا يبحثون ويهيمون ويسألون، لأنهم أحسوا بشيء في نفوسهم يفقدونه ويبحثون عنه، فلما عرفوا الإسلام آمنوا به، ولكن هذا الوازع أو هذا الإحساس إذا لم يهتد به الإنسان ولم تبلغه الدعوة حتى مات، فإنه لا يعد حجة عليه يوم القيامة.
السائل: وهل يوجد عند كل الناس هذا الحافز؟
الشيخ: لا، لا يوجد عند كثير من الناس، لأن التاريخ يذكر لنا أن هناك بعض الناس تجدهم مهتمين بقضايا الدين وعندهم شيء يدفعهم دفعاً إلى النظر في ملكوت السماوات والأرض وإلى التفكر والتدبر، ويقولون: ما خلقت هذه الأمور باطلاً، ويبحثون عن شيء هم لا يعرفون ولم يسمعوا، فإذا بلغت الدعوة هؤلاء استجابوا لها وكانوا أقوياء في إيمانهم، ولكن بعض الناس يعيشون كالأنعام يأكلون ويشربون كما تأكل الأنعام، ولا يفكرون في شيء هم يعيشون كالبهائم وكالسوائم مثل هذا في مجاهل إفريقيا وهنا وهناك.
ولا يفكرون في قضية الإيمان ولا في قضية الرب ولا في قضية الخالق، هذا يحتاج نوعاً من الشفافية ونوعاً من الثقافة، يعني التي توجه الإنسان إلى الفكر، يعني قضية التفكير، التفكر نفسه، فمن لم يكن عنده وازع إلى التدبر والتفكر، ربما لا يهتدي إلى البحث ولكن في جميع الأحوال العبرة ببلوغ دعوة الإسلام.
الجلسة الثانية مع الدكتور حسين حامد:
السائل: بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: [من هنا بدأت الجلسة الثانية مع الدكتور حامد].
فإنا نستكمل إجابات فضيلة الدكتور حسين حامد على هذه الأسئلة، ونستكمل شيئاً مما مضى.
فضيلة الدكتور: هل توجد فترة علماء كما توجد فترة رسل في بعض الأماكن، بناء على ما قد سبق عن تبليغ الدعوة أو البيان؟
الشيخ: الواقع في تاريخ الأمة الإسلامية، أنه من فضل الله سبحانه وتعالى، يظل بعض الدعاة والعلماء والمصلحين الذين يحملون الدعوة ويوجهون جهودهم ويقضون حياتهم في سبيل هذه الدعوة، وفي إيقاظ الأمة الإسلامية، ومحاولة دعوتها إلى العودة إلى الإسلام من فترة لأخرى، يظل هؤلاء العلماء وهؤلاء المصلحون يقومون بواجبهم، وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى وهذا هو الواقع في تاريخ الأمة الإسلامية، نعم.
السائل: يعني لا توجد فترة في بعض الأماكن، فترة علماء، يعني بعض الناس قد لا يجدون علماء يبلغونهم هذا المقصود بالسؤال؟
الشيخ: يمكن في بعض البلاد وفي بعض المناطق يمر عليهم وقت لا يجدون فيه العالم الذي يعلمهم أمور دينهم، فقد يستفتون جهالاً وأنصاف علماء، وقد يترك أهل القرية قريتهم إذا أرادوا أن يعرفوا حكم الشرع إلى بعض القرى المجاورة أو البلاد المجاورة لمعرفة حكم الشرع، هذا واقع وحادث لقلة العلماء في العصر الذي نعيش فيه، ففي باكستان مثلاً ـ وفيها شعب يصل إلى مائة مليون ـ في بعض القرى وفي بعض البوادي وفي بعض المناطق البعيدة لا يجد الناس العالم القادر على معرفة حكم الشرع، بل إن في كثير من القرى والأماكن البعيدة ـ لعل ما يزيد عن نصفهم ـ خمسين ألف هم أميون حتى لا يقرأون ولا يكتبون.

حكم ترجمة معاني القرآن الكريم.

السائل: أحسنت، فضيلة الدكتور: الإسلام هو الدين الحق وهو خاتم الأديان، كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم خاتم الرسل، وهذا يوجب على المسلمين تبليغ الإسلام لجميع العالم، ولا يمكن أن يُبَلغوا كلهم القرآن الكريم باللغة العربية، فما حكم ترجمة معاني القرآن الكريم إلى لغات أجنبية، وهل تؤدي الترجمة الحرفية بياناً تقام به الحجة، أو لا بد من الشرح والإيضاح، وهل توجد دار ترجمة لنشر الدعوة الإسلامية باللغات العالمية في علمكم، وإذا لم توجد فمن المسؤول عن إيجادها؟
الشيخ: كون الإسلام دعوة عالمية، يوجب على الأمة الإسلامية كما قلت من قبل أن تبلغ دعوة الإسلام، وهذا من باب فروض الكفاية، وعلى الأمة الإسلامية أن توجد المؤسسات التعليمية، التي تعلم الدعاة اللغات المختلفة، وكذلك تنشئ داراً لنشر القرآن باللغات الأجنبية، لأن الحجة لا تقوم إلا بالوصول إلى الناس، إما عن طريق العالم الذي يعرف لغة القوم، وإما عن طريق ترجمة معاني القرآن الكريم.
نعم تقوم الحجة بترجمة معاني القرآن الكريم في حدود المعاني التي يمكن للشخص أن يفهمها في لغته من هذه المعاني، أما الشرح والبيان والتفصيل فهو أمر لازم، لأن القرآن وحده مجمل في قضية الفرائض والتكاليف والسنة النبوية شرح وبيان وتفصيل للقرآن الكريم.
لا توجد الآن دار تعنى بترجمة معاني القرآن الكريم إلى كل لغات العالم في مبلغ علمي، لكن توجد محاولات فردية من بعض الأفراد والمؤسسات والحكومات في ترجمة معاني القرآن الكريم إلى بعض اللغات، ولا بد أن تتكاتف الجهود وأن تترجم معاني القرآن الكريم إلى كل اللغات حتى تقوم الحجة على من يتكلمون بلغة معينة في هذا الخصوص.
أولويات البلاغ المبين:
السائل: البلاغ المبين واجب في كل وقت على علماء المسلمين وعلى من يساعدهم في ذلك وكل عصر قد يكون له أولويات يجب على الناس أو على العلماء أن يبدؤوا بها، فما الأولويات التي ترى أن العلماء يجب عليهم أن يبدؤوا بها في هذا العصر بالنسبة للمسلمين وغير المسلمين؟
الشيخ: الأولوية؟ أعتقد هي دعوة الأمة الإسلامية إلى الإسلام، يعني إلى الالتزام الكامل والالتزام الصحيح بالإسلام عقيدة وعبادة وخلقاً ونظاماً كاملاً للحياة، فدعوة الأمة إلى الإسلام حتى تطبقه وتكون نموذجاً يحتذي ومثالاً للمسلم الحق، هي ذاتها دعوة أو تساعد على دعوة غير المسلمين إلى الإسلام، فغير المسلمين إذا دعوا إلى الإسلام احتجوا بأن هذا حال المسلمين، وإذا كان هذا حال المسلمين فكيف تدعوننا إلى الإسلام؟
حال الأمة الإسلامية الآن يصد غير المسلمين عن قبول الإسلام، لأنها أمة متأخرة أمة مستهترة، لا تطبق شرعها ولا تلتزم بدينها، وتستورد ما عند غيرها فوق ضعفها المادي في الاقتصاد وفي العلوم والتكنولوجيا، فدعوة الأمة الإسلامية وتطبيق شرع الله عز وجل وإقامة الدولة الإسلامية، النموذج الإسلامي للدولة الإسلامية والفرد المسلم والمجتمع المسلم، هذا له أولوية لأنه يساعد الدعاة على تبليغ الدعوة، ويساعد غيرهم على قبول الإسلام وما انتشر الإسلام إلا من خلال النموذج الذي أقامه الإسلام في نفوس المسلمين.
السائل: يعني هذه الأولوية ألا ترون أولويات أخرى؟
الشيخ: يعني في مجال الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، الأولوية لا تعني أن العلماء يشغلون أنفسهم بهذه القضية بدعوة المسلمين إلى تطبيق الشريعة وإقامة المجتمع الإسلامي فقط، إنما أريد أن أقول: إن هذه من الأولويات، ولكن مع ذلك يمكن تقسيم العمل ولا تتوجه كل الجهود إلى العمل في داخل المجتمع الإسلامي والمجتمعات الإسلامية، إنما يوزع العمل ويكون هذا من الأولويات في الداخل، ومع ذلك يمكن أن يعد دعاة للعمل على مستوى العالم غير الإسلامي وأن يقال: إن بعض الشعوب الذين لم يسمعوا شيئاً عن الإسلام، يحتاجون إلى برنامج أو خطة خاصة، ولكن في رأيي القول بأن من عرف شيئاً قليلاً من الإسلام وأصبح مسلماً بالاسم ويحتاج إلى معرفة أحكام الشرع، هذا أولى من أن نتركه هكذا، ربع مسلم أو خمس مسلم، ثم نبدأ من جديد في قوم لم يسمعوا حتى بالإسلام هذا في رأيي أنا، أولوية من أسلم، عليك له البلاغ حتى يعرف الإسلام بالتفصيل وحتى يكون مسلماً حقاً ومسلماً صدقاً، ولا تتركه حتى يعرف أصول وقواعد الإسلام، هذه أولويات يعني أولوية في الداخل وأولويات في الخارج، بمعنى أن العمل يقسم هؤلاء دعاة للداخل ولكل منهج وأسلوب ولغة.

البلاغ المبين ووسائل الإعلام.

السائل: فضيلة الدكتور: للبلاغ المبين وسائل وقد تكلمتم من قبل عن وسيلة التعليم وعن المناهج الإسلامية وعن المعاهد والجامعات الإسلامية، يبقى دور أجهزة الإعلام في الشعوب الإسلامية في أداء البلاغ المبين بوضعها الحالي، وما الدور الذي يمكن أن تؤديه لو أحسن استخدامها في البلاغ المبين، ولو أردنا أهدافاً أو خطة إعلامية مختصرة فما هي هذه الخطة؟
الشيخ: الواقع أن الدولة الإسلامية أو الحكومة الإسلامية في أي بلد إسلامي مهمتها ووظيفتها حراسة الدين وسياسة الدنيا به، وواجبها الذي كلفته هذه الحكومة ـ أي حكومة ـ هو دعوة الناس إلى الإسلام، بالنسبة للمسلمين حملهم إلى تطبيق ما التزموا به من شرع الله عز وجل من إقامة النموذج الإسلامي، هذا ويجب على الحكومة وأجهزة الدولة: التعليم والإعلام والصحافة والإذاعة وأجهزة الدولة كلها، أن تسعى لتحقيق هذه الغاية ولأداء هذه المهمة، فالدولة في جميع أجهزتها تؤدي هذا الواجب، وليست هناك دولة مسلمة يجوز لها أن يقوم إعلامها على غير الهدف الذي أنشئت هذه الدولة من أجله، وهو إقامة شرع الله عز وجل.
ولكن أجهزة الإعلام في البلاد الإسلامية الآن مقصرة في أداء هذا الواجب، حيث إن تلك الدول وجهت وسائل إعلامها إلى غير المهمة التي أقيمت الحكومات من أجلها، وما كانت الحكومات شرعية ولا أطاعها الناس إلا من أجل توجهها إلى تلك الغاية وإلا إلى تحقيق ذلك الهدف.‎

الاهتمام بوضع خطط إعلامية منسقة وشاملة:

يمكن أن توجد خطة إعلامية على مستوى العالم الإسلامي، ويمكن أن يكون هناك خطط إعلامية على مستوى كل دولة وكل مجتمع، ويمكن كذلك أن تكون هناك خطط إعلامية توجه إلى غير المسلمين في كل مجتمع حسب ظروفه وحسب ثقافته وحسب الأوضاع القائمة فيه، فتتولى هذه الوسائل الإعلام في الدولة الإسلامية إذاعة موجهة أو علماء يرسلون إلى بعض البلاد مدرسين، ليقوموا على الدعوة في هذه البلاد وعالمين بظروف هذه البلاد وما الذي يقال لهم وما هي مشكلاتهم وما هي ظروفهم؟
فعلى كل حال الخطة الإعلامية أو خطة تبليغ الدعوة أو خطة البلاغ المبين يمكن أن تكون هناك خطة تتولاها كل مؤسسات الدعوة الإسلامية في العالم، الأسس والأصول العامة لهذه الخطة الإعلامية أو خطة البلاغ المبين، ويمكن أن تكون بالنسبة لكل دولة في حدود، إمكاناتها المادية وإمكاناتها البشرية، أن ترسم خططاً للدعاة في داخل الدولة الإسلامية نفسها وفي بعض المناطق، لكن التنسيق لا بد منه حتى لا تضيع الجهود سدىً، يعني التنسيق بين الدول الإسلامية، إذا كانت دولة تقوم بالعمل في إفريقيا، ودولة أخرى في آسيا، ودولة أخرى في كذا، حتى لا تتكرر الجهود، وحتى لا تتعارض الجهود، فلا بد من التنسيق حتى تكلف كل دولة أو الدعاة في كل دولة بمكان معين أو تخصص في قضايا معينة إما في داخل أو خارج البلاد الإسلامية.

دور الجهاد في البلاغ المبين.

السائل: نعم، فضيلة الدكتور: الرسول صلى الله عليه وسلم اتخذ عدة وسائل للبلاغ المبين ومن تلك الوسائل الجهاد في سبيل الله فما منزلة الجهاد في سبيل الله في البلاغ المبين وما دوره، وما واجب الأمة الإسلامية حوله في هذا العصر؟
الشيخ: طبعاً، الجهاد بمعنى القتال له دور عظيم في تبليغ الدعوة، لكن لم يكن الجهاد بمعنى القتال هو وسيلة مباشرة لإقناع الناس بالعقيدة، لأن الجهاد عبارة عن استخدام لوسائل القوة، والإيمان والعقيدة والتصديق واليقين لا يغرس في قلوب الناس بالسيف، لكن الجهاد شرع لحماية حرية الدعاة وحماية حرية الشعوب العامة في أن يسمعوا البلاغ المبين، وفي أن يعتنقوا الإسلام، هناك قوى دائماً في كل شعب وفي كل مجتمع وفي كل بلد تمنع بالقوة الناس من الدخول إلى الإسلام أو تمنع الدعاة من الدعوة إلى الله، شرع الله الجهاد لهدفين عامين:
الهدف الأول: منع من يقفون في وجه الدعاة ويمنعونهم من الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، أو قتالهم إن أصروا على حرمان الناس من الإسلام بالقوة.
الهدف الثاني: حماية من يريد أن يقبل دعوة الله ومن يدخل في الإسلام، والقوى الموجودة أو الحكومات القائمة أو السلطة في البلد المعين تعذبه أو تمنعه.
شرع الله الجهاد من أجل ذلك، ويدل على ذلك أنه إذا ما فتح البلد الإسلامي واستقر الوضع فيه، فإنه لا قتال لمن رفض أن يعتنق العقيدة الجديدة، لأن الأوضاع قد استقرت، يعني إذا قضي على الطاغوت في أي بلد أصبح الناس أحراراً { وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29] فمن بقي على دينه يترك، ومن اعتنق الإسلام يعتنقه بحرية. هذا هو دور الجهاد لحماية العقيدة، وحماية الدعوة، وحماية من يقبلون الدعوة، وهكذا جاء الأنبياء جميعاً والرسل جميعاً جاؤوا بهذه الرسالات جاؤوا بهذه الكتب، وهدفهم هو دعوة الناس إلى الإيمان، والإيمان لا يكون إلا عن حرية وعن اقتناع وعن يقين.
ولكن القتال شرع للدفاع عن حرية العقيدة، وعن حرية الرأي على مستوى العالم والإسلام والحمد لله تعالى، يعني جاء ديناً يكفل الحرية للبشر ويتركهم وما يدينون، لكن لا بد من وسيلة تحرر الناس، أنت إذا ذهبت إلى بلد يحكمه الطاغوت بلد كفر وأردت من الناس أن يؤمنوا، ضعاف الناس لا يمكن أن يدخلوا في الإسلام بحرية، لأنهم سيقتلون ويعذبون، فأنت لا بد أن تحميهم، فإذا انتهى هذا الطاغوت استطاع الناس أن يقبلوا الإسلام بحرية أو يرفضوا بحرية هذا هو مقام الجهاد من الدعوة الإسلامية.

حكمة تكرار البلاغ في القرآن وحكمة وصفه بـ(المبين)

السائل: أحسنت، تكرر في القرآن الكريم ذكر البلاغ المبين في سياق الدعوة إلى الله وكذلك ذكر إرسال الرسل بالبينات والحجة والبرهان، ما السر في ذلك؟ وما السر في وصف البلاغ بالمبين؟
الشيخ: الواقع أن من أراد أن يبلغ شيئاً لا بد أن يبلغه على الوجه الذي يفهمه ويعيه المبلَّغ، والكلام المجمل إذا قيل: آمنوا بإله وآمنوا بنبي أو آمنوا بالنبي محمد أو آمنوا بالدين الجديد الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، هذا لا يكفي، ولا بد أن يقال لهم: بماذا جاء النبي صلى الله عليه وسلم، ما هي أصول هذا الدين الجديد، أصوله في العقيدة أصوله في العبادة، أصوله في الحلال والحرام أصوله في كذا، يعني ما يسمى بفرض العين وهو ما تصح به العقيدة وما تصح به العبادة، وما يفرق به المكلف بين الحلال والحرام، هذا القدر هو البيان، أي البلاغ المبين. والبلاغ غير المبين يعني البلاغ المجمل الناقص.
والقرآن الكريم في مجال العقيدة وفي مجال الإيمان وفي أركان الإيمان، وفي الفرائض، وفي التكاليف، جاء مفصلاً، ولكنه بالتدريج الواجب كذلك التدريج، يعني لا تذهب إلى أن تدعوه إلى الإسلام من جديد وتعطيه هذه الجرعة ليلاً ونهاراً وتعطيه ما يجب أن يعرفه في أشهر وسنين في مرة واحدة كما قال صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل: ((إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم...)) [مسلم، برقم (19)] يعني القضية لا بد فيها من التدرج، لكن البلاغ في كل حال لا بد أن يكون مبيناً، بمعنى أن يوصل المعنى إلى المدعو على وجه التفصيل وعلى وجه واضح، لا لبس فيه ولا خفاء، فالإسلام ليس طلاسم وليس أموراً تلقى هكذا ثم يقال: إن الناس قد لزمتهم الحجة، الحجة التي تلزم هي فرع المعرفة يعني الطاعة فرع المعرفة، أنا أطيع أو أومن أو أرد أو أرفض ما علمت به فما لا أعلم به كيف يقال أني قبلته أو رفضته.

مصادر البلاغ المبين:

السائل: ما مصادر البلاغ المبين؟ وهل ترى أنه ينبغي تلاوة القرآن على غير العربي الذي لا يفهم العربية؟ وما الحكمة في ذلك إذا كنت ترى ذلك؟
الشيخ: مصادر البلاغ المبين وحي. هذا في الرسالات أن من أراد أن يبلغ { بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ.. }. [المائدة: 67] فالبلاغ مصدره الوحيد هو الوحي بقسميه: المتلو وهو القرآن الكريم، وغير المتلو، وهو السنة النبوية التي جاءت شارحة ومبينة ومفصلة لهذا القرآن الكريم، الحجة في الوحي في كتاب الله وسنة نبيه.
ثم هناك وسائل أو طرق استدلال بنصوص القرآن والسنة، يعني كيف يستنبط من القرآن الكريم والسنة، هناك ما يسمى بطرق استنباط أو وسائل اجتهاد، لكنها سميت أدلة على التجوز، الدليل هو ما ترجع إليه فتجد فيه الحكم الشرعي، فعندك منهج أو طريقة القياس، وعندك طريقة الاستحسان، وعندك طريقة المصلحة، وما إلى ذلك هذه كلها ليست أدلة أو مصادر بالمعنى الفني الدقيق، لأن المصدر هو ما إذا أردت أن تعرف حكماً ذهبت إليه، يعني أنت الآن إذا أردت أن تعرف حكماً فتحت القرآن الكريم تقول: آية كذا موجودة في سورة كذا، أو فتحت كتب السنة كذا وكذا، لكن إذا أردت أن تقول قياس مثلاً ليس هناك كتاب القياس تقول: جزء أربعة ثمانية مكتوب كذا وكذا.
القياس هو الاستدلال بمعقول النص كما يقول الأئمة، وكما يقول علماء الأصول، فهي طرق استدلال بالنصوص منهج استدلال بالنصوص، فبدل من أن يقول أدلة فهي طرق استدلال بالنصوص الشرعية.
فالمصدر الوحيد دائماً للإسلام ولكل دين هو الوحي، يعني ما جاء عن الله عز وجل أو قاله النبي صلى الله عليه وسلم.
السائل: تلاوة القرآن.
الشيخ: الواقع تلاوة القرآن فقط مجرداً لمن لم يعرف العربية لا تقوم بها عليه الحجة، لأنها أصوات لا يعرفها أحد، كما لو قرأ عليك شخص الآن من كتاب باللغة الأسبانية ثم تركك ثم بعد ذلك قال: لزمتك الحجة.
تلزم الحجة كما قلت لمن فهم ووعى وعرف اللغة، لكن المسلمين الذين لا يعرفون العربية يتلون القرآن تلاوة عبادة وطاعة حتى ولو لم يعرفوا معناه وفيه إعجاز، وجه من وجوه إعجازه أن المسلم الذي لا يعرف العربية إذا قرأ القرآن يرق قلبه ويلين.
والآيات الواردة في القرآن وأنه هدى ونور وأنه يرقق القلوب، هذه الآيات رأيتها بنفسي انطبقت على من لا يعرف العربية، إذا قرأ القرآن أو قرئ أمامه القرآن في الصين، زرنا الصين وهنا في باكستان وفي بلاد كثيرة إذا قرأ القارئ بعد دقيقة واحدة بدأت الناس تفيض أعينهم بالدمع فإذا سألتهم: هل تعرفون ماذا يقال؟ قالوا: لا، لكن نعرف أن هذا كلام ربنا الله يتكلم، يعني هذا الكلام عن الله عز وجل وهو يخاطبنا وكذا وكذا، فهذا الشعور والإحساس هو ذاته، لكن لا تقوم الحجة، ولا يقوم البلاغ لا على مسلم ولا على غير مسلم، بمعنى من المعاني إلا إذا ألقي عليه باللغة التي يفهمها.

على من تقع مسؤولية البلاغ المبين؟

السائل: أحسنت، هذا السؤال قد سبق شيء من الكلام عنه، لكنه لم يذكر مستقلاً وهو على من تقع مسؤولية البلاغ المبين أصلاً وإسناداً؟
الشيخ: مسؤولية البلاغ تقع على المسلمين والأمة الإسلامية، سواء في شكل دول وحكومات، أو مؤسسات تعليمية أو مؤسسات إعلامية أو مؤسسات ثقافية جماعات جمعيات، وتقع على كل فرد، لأن الشأن في فروض الكفاية ـ وتبليغ الدعوة فرض من فروض الكفاية ـ إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين، وإذا قصر فيه الجميع أثم الجميع.
ثم توزع الواجبات: الدولة عليها واجب، بمعنى إعداد الدعاة، بمعنى إنشاء المؤسسات التعليمية بمعنى تخصيص جزء من ميزانيتها للدعوة إلى الله، وواجب الأفراد أن ينخرطوا في كليات الدعوة، وفي المؤسسات التعليمية، وفي أن يضحوا بأوقاتهم ومصالحهم وأن يقضوا جزء من حياتهم في الدعوة، وواجب الهيئات والمؤسسات أن تقوم كل هيئة ومؤسسة في حدود إمكاناتها المادية وإمكاناتها البشرية بالإسهام في هذه الدعوة.
لكن مشكلتنا يا أخي أننا لا نخطط، يعني لا بد من التخطيط حتى يعلم ما الذي على الدولة، وما الذي على الهيئات والجمعيات القائمة على نشر الإسلام أو الدعوة، وما هو دور الأفراد؟ لا بد أن توزع الواجبات في المجتمع، ومع ذلك فكل فرد آثم إذا بقي إنسان على وجه هذه الأرض لم تبلغه دعوة الإسلام، يسأل الله عز وجل المسلمين جميعاً، على الأفراد أن يضغطوا على حكوماتهم، وأن ينشئوا مؤسسات إذا قصرت الحكومات، هذه مصيبة على كل حال، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرشد هذه الأمة حتى تؤدي هذه الفريضة اللازمة.
وعلى كل حال هذه الأمة مسؤولة، لأن الذي نراه الآن أنها أهملت الدعوة إلى الله، وأين الدعاة في أوروبا وأمريكا وكذا، ومجاهل إفريقيا؟ الدعاة يريدون أن يذهبوا إلى بلاد متحضرة، وأن يسكنوا في الفلل "المقصورات" والشقق العظيمة، وأن يأخذوا مرتبات عظيمة، وأن يدخل أحدهم في مسجد في هذه المدن وينتظر من يأتيه.
أما المبشرون فإنهم يذهبون فقط إلى مجاهل إفريقيا، حيث يعيشون مع الناس في الغابات، ويعيشون في الظلام بين الحيات والوحوش وكذا وكذا، ويرون أن هذا هو واجبهم، فهم يغزون المجاهل والمناطق التي ينتشر فيها الجهل والجوع، ودولهم تنفق بالملايين على بناء المستشفيات وبناء المدارس ومساعدات الناس، ويعطون الغذاء مع الإنجيل فالأمة الإسلامية مقصرة، الأمة تنفق الأموال الطائلة التي منحها الله لهم في حرب الله عز وجل بالمعصية، وفي صد الناس عن الإسلام، بل إن بعض الحكومات ربما تمنع الداعية من الدعوة وتعتبر قيامه بالدعوة جريمة عقوبتها في بعض الأحيان على فتراتها التاريخية القتل.

من المسؤول عن تبليغ الإسلام للزعماء غير المسلمين؟

السائل: أحسنت، فضيلة الدكتور، كان الرسول صلى الله عليه وسلم ينشر الدعوة بنفسه في الأماكن القريبة، ويرسل كذلك الرسل إلى الأماكن الآمنة، ويجعلهم يقومون بإمارتها إذا كان الناس يقبلونها، فإذا كان بعض البلدان حكامها من كبار الكفار والطغاة كان يرسل إليهم الرسائل، مثل فارس والروم، والآن العالم مملوء بالزعماء والطغاة ولا يوجد من يبلغهم من الحكام كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل، ومهمة المسلمين أنه يجب أن يبلغ الإسلام إلى أولئك فما الحكم في مثل هذا الأمر؟
الشيخ: الواقع أن هناك أنواعاً من التيسير الآن، على المسلمين وعلى الدعاة وعلى الحكومات الإسلامية، تمكنهم من أداء هذه الفريضة، من قبل كانت الرسائل ترسل للملوك ويحملها شخص ويسير الليالي والأيام راكباً الإبل، يعني كذا وكذا فوجدت هناك مشقة وكذلك إذا أرسل الداعية يدعو الناس، الآن يمكن أن تدعو الناس وهم في عقر دارهم، الإذاعات الموجهة، والصحافة الإسلامية المنتشرة في العالم تصدر صحيفة فتقرأ في كل أرجاء الأرض، أنت تذيع شيئاً فيسمعه الناس جميعاً، الإنسان يفتح الراديو والأقمار الصناعية حتى في إذاعة كذا وكذا، فالواقع أن الأمر أصبح ميسراً من ذي قبل، يعني أصبح أداء الواجب ميسراً، المهم أن تعد الدولة الإسلامية برامج موجهة لكل دول العالم بلغاتهم، وغير المسلمين الآن يبثون في إذاعاتهم طوال أربعة وعشرين ساعة يبثون السموم إلى البلاد الإسلامية في كل قوم بلغتهم، يعني إذاعات أوروبا الآن تذيع على الأفغان بلغتهم البشتو وبلغة الأفغان، تذيع عليهم باللغات التي يفهمونها، يعني الأشياء التي تضر وحدتهم وتضر جهادهم.
هناك الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقوم بالدعوة بنفسه، نعم يعني أيضاً كل رؤساء الدول أن يكونوا دعاة إلى الله سبحانه وتعالى، قد كان ضياء الحق الرئيس الباكستاني رحمه الله تعالى يعنى بالدعوة إلى الله، ولا تفوت مناسبة حتى في هيئة الأمم المتحدة في خطابه أو في مؤتمر عدم الانحياز في الهند أو كذا وكذا، إلا ويغتنمه ويشير إلى الإسلام، وأنه دين سلم وأنه دين خير للبشرية كلها، وكذا وكذا، فيا حبذا لو أن جميع زعماء المسلمين في المحافل المحلية وفي لقاءاتهم وفي زياراتهم قاموا بذلك.
السائل: والزعماء؟
الشيخ: الزعماء لو أنهم كمسلمين تحدثوا عن المسلمين دعوا المجتمع الدولي، ودعوا بقية الزعماء إلى الدخول في الإسلام ونشروا تعاليم الإسلام في كل مجال من المجالات، على كل حال الآن وسائل البلاغ المبين وطرقه أصبحت متعددة، فبدلاً من أن ترسل الرسالة، أنت الآن تبث لملايين الناس، يعني إذاعة موجهة وتتكلم عن الإسلام وتشرحه بلغة القوم، والعالم الآن أصبح قرية واحدة ولا أقول مدينة واحدة، يعني أنت تستطيع الآن وأنت هنا وكالات الأنباء تحمل إليك نبأ حدث منذ دقيقة أو خمس دقائق في أوروبا، في أمريكا، في كذا، ولو كنا في الزمن السابق كان هذا النبأ يصل إلينا بعد سنة، يعني إذا كان يأتيك عن طريق الركبان ويأتون المحيطات في المراكب وقد لا تسمع، والآن تسمعه فور وقوعه، فلا حجة ولا عذر للمسلمين الآن وقد تعددت وسائل نشر الدعوة الإسلامية، إنما المناهج والبرامج والخطط ليست موجودة.
السائل: الصفات الواجب توافرها فيمن يقوم بالبلاغ المبين.
الشيخ: أن يؤمن بما يبلغه للناس وأن يكون قادراً على البيان، يعني هو التأهيل العلمي، بمعنى معرفة الشرع الذي يبلغه، والتدريب العملي على كيفية التخاطب مع كل صنف من الناس، وإقناعه بالدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، ثم تقوى الله، يعني أن يؤمن بما يدعو إليه، وأن يعمل به لأن الدعوة بالقدوة الحسنة والأسوة الطيبة، في نظري أنا هي الأساس ربما لا يتكلم الشخص إنما يعيش بين قوم يذهب إليهم كتاجر يعين الناس ويصدق معهم، وتصرفاته وأخلاقه تدعو الناس إلى الإسلام، بمعنى أن الناس يأتون إليه يقولون: من أنت؟ ماذا تصنع؟ لماذا كنت كذلك؟ فيقول: لأني أنا مسلم، وكذا وكذا، وقديماً قال بعض العلماء: حال رجل ـ يعني سلوكه ـ في ألف رجل خير من وعظ ألف رجل لرجل.
فالدعاة إلى الآن ونحن لم نعدهم بالإيمان بما يدعون الناس إليه والالتزام الكامل يعني العمل، الإخلاص في العمل، ثم إعداده يعني تدريبه على القيام بالدعوة، أنا أركز كثيراً في كل إجاباتي على الإعداد، لأن الدعاة الذين يتخرجون ويذهبون ويوفدون إلى بلاد لدعوة الناس، لا يجيدون وسائل الدعوة ولا طرق الدعوة، والدعوة ليست فقط أن يذكر الشخص الحقائق، الداعية لا بد أن يكون ماهراً مدرباً، يستطيع أن يقنع الناس وأن يرد الشبهات، وهو في معترك أفكار وفلسفات ونظريات وأديان وفرق ونحل، فلا بد أن يكون عالماً بتلك الفرق وهذه الأديان، حتى يردها ويبطلها حتى يقيم الإيمان الحق مكانها.
السائل: نشكر فضيلة الدكتور حامد على هذه الأجوبة. انتهى.
الاثنين: 24/10/1409هـ ـ 29/5/1989م.
لم يتيسر لي لقاء بأحد هذا اليوم فبقيت في الفندق.

لقاء مع الدكتور حسن الشافعي:

الثلاثاء: 25/10/1409هـ ـ 30/5/1989م.
وقد التقيت الدكتور حسن الشافعي في مكتبه في الجامعة، وهو أحد نواب رئيس الجامعة، وأجاب بما تيسر عن أسئلة البلاغ المبين.

الدكتور حسن الشافعي وهو يجيب عن أسئلة البلاغ المبين 25/10/1409هـ 30/5/1989م
الدكتور حسن الشافعي وهو يجيب عن أسئلة البلاغ المبين 25/10/1409هـ 30/5/1989م

وهذا نص أجوبته:

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإنا نتقدم بهذه الأسئلة ـ أسئلة متعلقة بالبحث البلاغ المبين ـ إلى فضيلة الأستاذ الكريم الدكتور حسن محمود عبد اللطيف الشافعي، نائب رئيس الجامعة الإسلامية العالمية في إسلام أباد، وهو في مكتبه في اليوم الخامس والعشرين من شهر شوال لعام 1409هـ ونرجو أن نستفيد منه في هذا الباب.
فضيلة الشيخ: تفضل. [الشيخ أخذ أوراق الأسئلة واختار منها ما رآه مناسباً، ولم يجب عن كل سؤال].
السؤال الأول: تكرر في القرآن الكريم ذكر البلاغ المبين ويرتب على ذلك عدة أسئلة أولها: ما السر في ذلك؟ وفي أي نوع من أنواع الأحكام التكليفية يدخل؟ وما السر في وصفه بالمبين؟ وهل توجد فروق بين الألفاظ التي استخدمت في ذلك، كالبينات والبرهان والحجة؟
الجواب: أقول مستعيناً بالله تعالى: أعتقد أن وصف البلاغ بالمبين هو القصد منه أن يكون البلاغ بيناً وواضحاً، فالبينة في القرآن هي الحجة فالحكمة فيما أظن هي أن تكون الحجة أو عرض الدعوة مشفوعاً ببينتها والبلاغ أيضاً له مغزى في القرآن، وقد ورد في صيغ عديدة ومن أظهرها قوله تعالى: { وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً}. [النساء: 63].
فالبلاغ هو ذلك الذي يبلغ موطن القناعة في الإنسان أي يصل إلى قلبه وعقله، فأظن أن المبين المقصود به الوضوح وقوة الحجة المقنعة، وأن البلاغ هو التمكن من القلب والعقل وإقناعهما أيضاً، لعل هذا هو السر في وصف البلاغ بالمبين، وفي استخدام هذه الكلمات التي تكاد تكون مترادفة (قولاً بليغاً بلاغاً مبينا، البينات، الحجة، البرهان، الآية) وسائر الألفاظ التي يستخدمها القرآن في هذا الصدد.
واعتقادي الشخصي حسب دراستي المحدودة أن هذا البيان بمعناه هذا هو الكشف عن أحكام الله تعالى مشفوعة بأدلتها المقنعة للعقل والقلب، يدخل في جميع الأحكام التكليفية وليس في واحد منها على حدة، بل أقول: إنه يدخل في الأحكام التكليفية المتعلقة بالعمل، لأنها غالباً ما يقصد ذلك أي الأحكام الفقهية العملية، ويدخل ذلك في الأحكام الفقهية الشرعية الاعتقادية، فلا يكاد يخلو حكم في القرآن متعلق بالعقيدة أو بالعمل عن دليل، وقد نبه شيخ الإسلام ابن تيمية إلى ذلك وقال: "إن بعض العلماء من المسلمين يلتفت إلى المسائل ويغفل عن الدلائل، ولكن القرآن دائماً يأتي بالمسائل مشفوعاً بدلائلها" فلعل هذا هو الجواب عن السؤال التالي.
لو سمحتم فضيلة الدكتور المقصود بالسؤال في أي حكم يدخل من الأحكام التكليفية يعني البلاغ المبين نفسه هل يكون واجباً عينياً على الناس أو واجباً كفائياً أو شبه ذلك؟ إضافة إلى ما ذكرتم؟
حاضر: هذا الذي قررناه هو الموقف العام، ولكن اعتقاد أن دخوله تفصيلاً في كل نوع من أنواع الأحكام على حدة، وفي كل موقف البيان يختلف من حال إلى حال، فقد يكون الكلام مع مقتنع بالأمر أو يعرف بعضه ويجهل بعضه، أو يحتاج إلى تركيز في بعض الجوانب، فلا أظن أن البيان بهذا المعنى الذي يبلغ إلى مواطن الاقتناع في القلب والعقل يجب عيناً أن يصحب كل حكم من الأحكام التكليفية عملية اعتقادية، وإنما يرجع ذلك إلى مقتضيات الحال.
ومن حيث الفروق بين هذه الألفاظ أنا أعتقد أنها متقاربة المعنى، حجة برهان، آية بينة، تكاد تكون متقاربة في المعنى وكثير من العلماء، سواء الذين يحرصون في بيان المصطلحات القرآنية على فقه اللغة العربية وأسرارها، أو المتأثرين بالدراسات المنطقية يكادون يقررون هذا، أن هذه الكلمات تكاد تكون مترادفة وأن المقصود بها هو عرض الدليل بصورة مقنعة، وعلى نحو برهاني يجتث مواطن الشكوك في الإنسان ويجلب له اليقين، والله أعلم.
السؤال الثاني: ما أهداف البلاغ المبين؟ وهل تختلف أهدافه من وقت لآخر، أو من أمة لأخرى أو فرد لآخر؟ وإذا كانت تختلف فما تلك الأهداف في عصرنا الحاضر؟
الجواب: اعتقد أن هذه الأهداف مع اتفاقها في الهدف الكلي تتفاوت باختلاف الأشخاص والأعصار والأحوال، وأن أظهر ما ينبغي الالتفات إليه في عصرنا الحاضر هو الاهتمام بالإقناع بالدليل القائم على الحجج القطعية ما أمكن، ولحسن الحظ أن هذا الاتجاه الذي يعتبر إحدى مميزات عصرنا الحاضر، وهو الاهتمام بالدليل العلمي البرهاني، وليس الإقناعي أو الخطابي أو الجدلي، وإنما الدليل يقوم على الحقائق المسلمة سواء كانت واقعية مشهودة، أو عقلية مفطورة في الإنسان، أو شرعية منقولة بشرائطها المعروفة، لحسن الحظ أن هذا هو السبيل الذي حدده القرآن للمعرفة الإنسانية، فالحجج القرآنية بحمد الله تقوم على مسلمات فطرية، وعلى بداهات حسية، ثم تنطلق من هذه المسلمات إلى النتائج التي يهدف إليها علماء المسلمين فليس هناك بحمد الله تناقض أو تعارض بين الروح القرآني في الإقناع والبيان وبين الروح العلمية السائدة في عصرنا الحاضر، ربما هذا كان يمثل بعض المشكلات في عصور سابقة وفي أمم أخرى، لكنه في وقتنا الحاضر بحمد الله يلتقي على وجوب قيام الأدلة والبراهين والحجج على أسس مسلمة يقبلها العوام ويقبلها العلماء في نفس الوقت، والله أعلم.
السؤال الثالث: عن مصادر البلاغ المبين، وهل ترى أنه ينبغي تلاوة القرآن على غير العربي الذي لا يفهم العربية؟ وما الحكمة في ذلك؟
في الجواب عن السؤال السابق تعرضنا لهذا، وكثيرٌ من العلماء تكلموا عن مصادر البلاغ المبين، وقد أشرت إلى أن هذا يتعلق بأنواع الحجج أو أساليب البحث في المسائل المختلفة، أو ما يسمى بمصادر المعرفة، ولكن الطابع العام لها كما قلت إما بداهات حسية يسجلها العالم في معمله ويريها الشخص العادي في الطبيعة أو في الواقع، وأما حقائق تاريخية تثبت بالوسائل المعروفة في هذا الصدد، وإما مسلمات فطرية موجودة في نفوس الناس، فهذه هي المصادر المختلفة، سواء كانت كما نسميها أحياناً نقلية أو عقلية، أو كانت في المجال الطبيعي مجال العلوم الطبيعية المختلفة أو مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية، فالطابع واحد والأسلوب واحد، وإن تعددت مصادر الحقائق المستخدمة في البرهنة أو بعبارة أخرى في البلاغ المبين.
وأما بالنسبة لتلاوة القرآن الواقع أننا ينبغي أن نهتم بنقل معاني القرآن إلى غير العرب، ولكن لا ننسى في نفس الوقت أن للألفاظ القرآنية وكلام الله القديم أثراً في نفوس الناس، وقد لاحظنا ونحن نعيش الآن في بيئة لا تتكلم العربية أن تلاوة القرآن والاستماع إليه، يتصل بشيء في فطرة الإنسان وقلبه، وقد يؤثر فيه ولو لم يفهم المعنى، فلا بأس بتلاوة القرآن على غير العربي مع الحرص على تقريب معاني القرآن إلى فكره وفهمه وثقافته.
ولو كان غير مسلم؟
أما إن كان غير مسلم فقد أمرنا أن نسمعه كلام الله.
ولو كان أعجمياً؟
أعجمي؟ لست أدري في الحقيقة، يعني هذا الجواب يحتاج إلى تأمل، ولكن العبرة بالموقف، فأحياناً بعض الناس لو تلي عليهم القرآن ربما يجلب هذا استهزاء أو مهانة للكلام الكريم، فهنا لا ينبغي، ولكن إذا كان في أوساط علمية أو في مستويات معينة، ولو كان المستمع غير مسلم وغير عربي، فربما دعاه مستواه العلمي والفكري إلى أن يحترم هذا الذي يقال، وربما أداه ذلك إلى أن يفيد ولو فائدة، لأن الألفاظ القرآنية لها تأثير غير المعنى غير الفهم للمعني، فمجرد الإيقاع القرآني نفسه والاستماع إليه، ثم يتلوه البلاغ المبين المناسب لموقف هذا المستمع الأعجمي غير المسلم ربما أفاده ذلك. والله أعلم.
أحسنت، جزاك الله خيراً.
السؤال الرابع: على من تقع مسؤولية البلاغ المبين؟
هي تقع بوجه عام على عاتق الأمة الإسلامية فرضاً كفائياً، ولكنها تقع بوجه خاص على علمائها، وقد تتعين في البعض منهم، القادرين على البلاغ المبين بلغة العصر ومفهوم العصر، وإذا قلنا العصر فإننا لا نقصد الأهواء الشائعة في العصر، وإنما نقصد ما بيناه آنفاً من أن اتجاه الاستدلال ونظرية البحث السائد في الفكر العالمي المعاصر، هي تقوم على الحجة البرهانية، ولم نعد نعترف بالوسائل الجدلية النظرية المنطقية القديمة والتقليدية، وقلنا: إنه لحسن الحظ هذا المنطق أو هذا الأسلوب في النظر والاستدلال هو قريب جداً إن لم يكن مطابقاً لأسلوب القرآن، فالعلماء القادرون من بين علماء الأمة الإسلامية على بيان هذا الأسلوب وبلوغ عقول وقلوب المعاصرين بالحجج الشرعية القرآنية على هذا السبيل، أنا أظن أن هذا التكليف بالنسبة لهم هو أشد إلحاحا وأكثر طلباً، ولعلنا قد أجبنا على السؤال، على من تقع مسؤولية البلاغ المبين؟
فضيلة الدكتور: ذكرتم أنها بوجه عام تقع على الأمة الإسلامية فرض كفائي وبوجه أخص على العلماء.
العلماء يحتاجون إلى إسناد: إما إسناد سلطة أو إسناد مالي، فهذا الأمر لو تكلمتم عنه؟
حاضر. الواقع أن السؤال التالي وهو رقم خمسة يتعرض لذلك، الوسائل ما وسائل البلاغ المبين؟
أما وسائله الذاتية فقد تكلمنا عنها وهو طبيعة البيان نفسه، وأنواع الحجج أو مصادر الحقائق المعرفية التي ينبغي أن يتضمنها نقلاً وعقلاً، والصيغة الفكرية العامة التي يسلكها فلعلنا قد بينا ذلك، ولكن الواقع أن البلاغ المبين يحتاج كما أشرتم في سؤالكم التوضيحي إلى إسناد، وهذا الإسناد ضروري في منطق القرآن وفي منطق الشرع أيضاً، فإن الله تعالى قد جعل الدعوة إلى الله هدفاً من أهداف الدولة الإسلامية، ومعنى ذلك أنه لا بد من سلطة تسند الحق، فالحق وحده عارياً من أي سلطة مسندة قد يُغلَب كما قال تعالى: { وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً}. [النساء: 141].
أما في منطق الحجة والبيان فقد يتغلب المسلم رغم ضعفه الظاهر، ولكن إذا أضيف إلى ذلك هيبة الحكم وسلطة الدولة الإسلامية والأمة الإسلامية وهيبتها، فإن هذا يعين أيضاً على إزالة بعض العقبات من طريق الدعوة، فينبغي للمسلمين جماعات وأفراداً، سواء على مستوى المنظمات العلمية أو الجماعات الشعبية أو المنظمات الإدارية الحكومية، يجب عليهم جميعاً أن يسندوا وأن يقدموا الإمكانات المادية والأدبية الراجعة إلى الهيبة وإلى كرامة الدعوة وحمايتها، فإن هذا هدف أوجبه الله تعالى إذ جعل من أهداف الحكومة الإسلامية والدولة الإسلامية والأمة الإسلامية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110]. { الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ} [الحج: 41] فلا شك أنه يجب على المستويات الإسلامية المختلفة فردية وجماعية أن تتضافر قدر الإمكان بالأسلوب المناسب، لدعم الدعوة أدبياً وسياسياً ومادياً أيضاً، فلن يقوم البيان إلا بوسائل مادية في الوقت نفسه.
وما دور الأغنياء؟
ودور الأغنياء في هذا دور مهم، لأن مال المسلم ينبغي أن يستخدم في الجهاد، وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم من يجاهد بنفسه ومن يجاهد بماله ومن يجاهد بعلمه.
فإذا كان المرء من أهل الفكر والعلم، فعليه أن يستخدم ما منحه الله إياه في البيان، وإذا كان من أهل السلطة والجاه فعليه أن يقدم أيضاً دعمه الأدبي للدعوة الإسلامية، وإن كان من أهل المال فعليه أن يجاهد بماله، فإن القرش والدينار يمكن أن يؤدي دوراً في فتح قلوب الناس لدعوة الله عز وجل والإيمان به.
السؤال الخامس: ما معوقات البلاغ المبين الداخلية والخارجية!
الواقع أن المعوقات كثيرة، وكما أشرتم هذه المعوقات منها ما يعود إلى أسلوب الدعوة وتنظيمها الداخلي، ومنها معوقات خارجية، وينبغي للدعاة أن يهتموا أكثر الاهتمام بالمعوقات الداخلية، لأننا إذا أصلحنا أنفسنا نكون في موقف يسمح لنا بأن نتحدث عن المعوقات الخارجية.
فمن المعوقات الداخلية في البلاغ، هو أن لا يكون على النحو الذي استظهرنا من منطق الشرع ودلائله المختلفة أن يكون مبيناً وأن يكون بليغاً يصل إلى قلوب الناس وعقولهم، ولكن بعض الدعاة لا يهتم في أسلوب الدعوة بهذا الجانب وبعض الدعاة مع إخلاصه فيما نظن والقلوب بيد الله تعالى، يحرص على الناحية العاطفية وعلى تهييج المشاعر.
نعم إن هناك فرقاً بين إثارة الفكر وإثارة الشوق أو معاملة العقل ومعاملة القلب في الوقت نفسه، وهذا يدخل في البلاغ المبين ولكن الإثارة العابرة للعواطف أو إشعال المشاعر دون هدف، هو عيب من عيوب الدعوة المعاصرة.
السؤال السادس: وسائل الإعلام وأجهزته.
لوسائل الإعلام لو أحسن استخدامها في البلاغ المبين دور حيوي جداً، لأن هذه الوسائل تشمل كل أدوات الاتصال المتاحة الآن، سواء منها المكتوب أو المسموع أو المرئي، فكلها وسائل إعلامية، فهي في الحقيقة القناة التي يمكن من خلالها القيام بالبلاغ المبين وتأدية هذه الرسالة الكفائية للأمة الإسلامية، التي هي أساس قيامها كما قيل في البداية، قيام الأمة، والتي هي جوهر الاستمرار الحقيقي لهذه الأمة، والتي تتضمن عـز الحاضر والمستقبل لها، وكذلك فيما بين يدي الله عز وجل، كل أولئك يمكن أن يقام به بشكل كبير جداً اعتماداً على أجهزة الإعلام المذكورة.
السؤال السابع: عن الخطة الإعلامية.
لو قيل لك ضع خطة إعلامية للبلاغ المبين، سأقول: أعطوني وقتاً، فهذه الخطة لا يمكن أن توضع في جلسة عابرة كالتي نحن فيها الآن، وإنما يمكن الإجابة على الفقرة الآتية: وما الأساس الذي تنبني عليه تلك الخطة والمنهج؟ فلعل في أجوبتنا السابقة ما يتضمن بعض الأسس التي ينبغي أن تراعى، فقد قلت: إنها لا بد أن تتجه إلى المشكلات الرئيسية السائدة في العصر، ولا بد أن تتوافق مع الروح الفكرية السائدة في العصر، فكل عصر يختلف عن سابقه وعن لاحقه، بشيوع روح فكرية معينة أو أسلوب معين في الإحساس بالحقيقة وطرق التوصل إليها، والأساليب التي يمكن أن تحقق الإقناع بها والاطمئنان إليها.
وقد قلنا: إنه لحسن الحظ أن الأسلوب العلمي السائد في وقتنا الحاضر هو يلتقي تماماً مع الروح القرآنية في جوهر الحقيقة، وفي طرق التوصل إليها، وأساليب الإقناع بها كذلك، فيجب أن نراعي هذا، لكي تتوافق الدعوة مع العقل والفطرة ومع الروح السائدة، وكذلك نركز على القضايا المهمة، ذات الأولوية كما قلنا الآن: إنه فيما بين الشعوب الإسلامية ينبغي أن تكون قضيتنا الأولى هي قضية تهافت العلمانية، وإن جوهر الإسلام وحقيقته لا تلتقي مع هذا المفهوم للحياة والتوجيه لها، إذا راعينا ذلك فإن تناولنا للقضايا الجزئية بعد ذلك يكون أمراً يسيراً، فيما أظن.
كذلك فيما يتعلق بغير المسلمين ينبغي أن نعرف أن المداخل تتنوع، فحسب تجربتي البسيطة أن هؤلاء الذين عاشوا في الحضارة الغربية المعاصرة واستمتعوا بتيسيراتها المادية وصار لكل منهم حقوق إنسانية مرعية، على الأقل داخل مجتمعه، كانوا هم قديماً يمارسون الظلم، بالنسبة للشعوب الأخرى، ولكن في داخل شعوبهم ومجتمعاتهم هم قد استطاعوا فعلاً أن يوفروا للفرد العادي حقوقاً معترفاً بها يلتقي فيها الخفير والأمير، وقد استطاعوا أن يوفروا للشخص العادي مهما كان حظه من الثروة أو التعليم قدراً معيناً أيضاً من الحقوق والتسهيلات والخدمات يتمتع بها الجميع، ينبغي أن لا يغيب عنا أن مخاطبة هؤلاء لا بد أن تتنوع، ولا بد أن تأتي إلى ناحية الجوع أو النقص الذي يعاني منه مثل هذا المجتمع، وأبرز الجوانب الجوع الروحي الذي لا تستطيع تلك الأنظمة المادية العلمانية أن تسد الرمق فيه، أو تحفظ الرمق فيه، فعلى الداعية المسلم أن لا يتردد إذا علم أن المدخل الروحي إلى هؤلاء ربما يقدم، نعم نحن لا بد أن نقدم الإسلام كاملاً، وأن لا نكتم شيئاً من حقائق الدين، ولكن أنا فقط أتكلم عن الأولويات، فالمدخل إلى نفوس الناس ينبغي أن نعرف مثلاً أن الإسلام قد انتشر في إفريقيا عن طريق الطرق الصوفية، هذه حقيقة تاريخية لا مشاحة في ذلك، وإنما كان ذلك لأن هؤلاء الدعاة والأسلوب الذي اصطنعوه، كان ببساطته واقترابه من نفوس الناس وواقع حياتهم مؤثراً، وأنهم استطاعوا عن طريق هذا الالتحام بالفرد الأفريقي العادي بذلك الأسلوب الذي تحققه الحياة الصوفية والطرق الصوفية ناجحين، فلا يعني ذلك أنني سأقدم له تراث الطريقة، وأذكار الشيخ وأقف عندها، ولكن لا مانع أبداً من أن تكون البداية على هذا النحو، ثم أحرص عن طريق وسائل التعليم الإسلامية على عرض حقائق الإسلام كاملة على هذه الشعوب، فإذا كان هذا الأسلوب قد نجح داخل البيئات الإسلامية وداخل العالم الإسلامي المعاصر في خلال القرون الأخيرة، فلماذا لا نستخدمه مع الشعوب المعاصرة لنا الآن خارج الدائرة الإسلامية؟ أظن أن الأسلوب الذي نتناوله والمنهج خصوصاً مع غير المسلمين يتنوع حسب الحاجة، وحسب مستوى هذا المجتمع في التطور، وحسب الخدمات والتيسيرات والتسهيلات الفكرية والعملية المتاحة لهؤلاء الناس، فليس الذي يصلح في مثل غرب أوروبا هو الذي يصلح في شرقها، أو الذي يصلح في الأمريكتين، الأمر قد يختلف، وهذا أيضاً بدوره يختلف عن الشعوب الأفريقية غير المسلمة، كما يختلف عن حاجة الناس في آسيا وأطرافها.
السؤال الثامن: ما دور التعليم في القيام بالبلاغ المبين؟
وهذا يربطنا بالسؤال الأخير وهو دور التعليم، لأنه كما قلت أسلوب الدعوة والإقناع بأصل الدين شيء، ثم أن يحسن إسلام المرء وأن يكتمل له دينه وأن يحيا حياة إسلامية كاملة شيء آخر يلي ذلك، ولا ينبغي أن نربط أحدهما بالآخر، فإذا كسبنا الناس لصالح دعوة التوحيد والحنيفية فيأتي بعد ذلك دور حسن الإسلام، واكتمال الشخصية الإسلامية، وتلك هي وظيفة التعليم الإسلامي، فوظيفة التعليم الإسلامي هي أن توفر ليس فقط الحقائق الفكرية، والأحكام الشرعية مشروحة ومبينة ـ لا شك أن هذا هو واجب من واجباتها ـ ولكن أن توفر أيضاً البيئة والمناخ و"الأوتوسفير" كما يقولون الذي يهيئ ويتيح نمو الشخصية الإسلامية في ضوء الأحكام الشرعية، كلاهما مهمة عملية روحية تربوية، ومهمة عقلية فكرية أكاديمية.
هاتان الشعبتان أو هذان الجانبان لجهود مؤسسات التعليم الإسلامية بالأخص الجامعات الإسلامية سواء في داخل العالم الإسلامي أو خارجه هو ما ينبغي أن يكون.
أما عن مدى نجاح المؤسسات الموجودة الآن، وهي للأسف قد بدأت تتناقص أو بدأ يضمحل دورها، أو يضيق رغم الانتشار العددي للمسلمين والانتشار العددي لهذه المؤسسات أيضاً، لكن الدور والفاعلية والتأثير قد بدأ للأسف يضعف في العقود الأخيرة.
أقول: يصعب جداً على مثلي وأنا أحد المعلمين المنتسبين إلى هذه المؤسسات سواء في مصر حيث كنت أزهرياً في حياتي، والآن صرت أعمل في جامعة القاهرة وهي إحدى الجامعات المسلمة لا شك، الموجودة في البلاد الإسلامية، والآن أعمل في الجامعة الإسلامية العالمية في إسلام أباد، أنا لا أستطيع أن أصدر حكماً، لكن أقول انطباعاً عاماً: إن الأداء الذي تقدمه هذه الجامعات غير مرض، وإنها لكي تنهض بعملها في المجالين العلمي الأكاديمي والتربوي الروحي، هي بحاجة إلى دفعة جديدة.
وذلك من واجبات العاملين فيها، وأظن أن هذه هي القضية الأساسية، قضية الأستاذ الجامعي في العالم الإسلامي، وقضية المعلم بوجه عام، وقد يرتبط بها قضية الكتاب المناسب وأسلوب العمل والمنهج، هذه الأمور كلها وحدها لن تنهض، إلا إذا وجد الشوق أو عشق المهنة أو الإخلاص بالمفهوم الإسلامي لدور المعلم الذي يحاول أن يحقق للمسلمين حسن الإسلام، وأن يوفر رقي البحث العلمي وتقدم العلوم الشرعية والإسلامية، وفي نفس الوقت نمو الشخصيات الإسلامية عن طريق القدوة والمثال والتربية والبيئة والحضانة الروحية التي أشرنا إليها.

أهمية هذا البحث:

لا شك أن هذا هو نوع من الجهاد كما قال واضع الأسئلة وصاحب البحث الذي أدعو له من صميم قلبي وقد تصدى لمسائل خطيرة جداً بعضها مؤلم لأنها تذكرنا بمصيرنا، وموقفنا الشديد أمام الله سبحانه وتعالى وبين يديه وتقصيرنا، تذكرنا بتقصيرنا في ذات الله عز وجل فيما فرض علينا من واجبات، وفي الوقت نفسه جهاد مرير لذيذ أيضاً لأنه يفتح أبواب الهداية أمام الآخرين، ولأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من الدنيا وما فيها، أدعو لصاحب هذا البحث ولكل المنتمين إلى الدعوة الإسلامية وإلى العمل الإسلامي والتعليم الإسلامي بوجه خاص أن يغفر الله لي ولهم تقصيرنا وأن يعيننا على أداء واجبنا وأن يهيئ لنا جواباً أصح على هذه الأسئلة هنا بوضع الخطط الملائمة للدعوة وهناك بين يدي الله سبحانه وتعالى، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
جزاك الله خير، تسمح لي بسؤال أخير؟
السؤال التاسع: ما دور الجهاد في البلاغ المبين؟
الجهاد مفهوم شرعي واسع، وإن كان أعلاه بذل النفس في سبيل الله، فالقتال ضرب من الجهاد، ولكن الجهاد مفهوم أعم، والذين يخلصون لله تعالى في طلب ذروة سنام الجهاد هم في غالب الأمر موفقون إلى ما دون ذروة سنام الجهاد، فهم لا يقصرون في جهاد المال ولا في الجهاد القولي ولا الجهاد العلمي، وجهاد الدعوة، وما داموا حريصين على أقصى الأمر وأعلاه وهو بذل النفس في سبيل الله، فالجهاد بكل صوره لا شك أنه سبيل أساسي من سبل الدعوة، والدعوة الإسلامية هي من نتاج بعض ثمار الجهاد في سبيل الله، وهي من أسباب الجهاد في سبيل الله، لأنه من المعلوم أن أحد أسباب الجهاد الثلاثة المعترف بها في الشرع هي إزالة العقبات أمام الدعوة لكي تبلغ الدعوة الإسلامية الكافة، فهي سبب من أسباب الجهاد وهي في الوقت نفسه ثمرة من ثمراته، لأن إزالة السلطات الباغية وأئمة الكفر الذين يحولون بين الناس وبين دعوة الله تبارك وتعالى ودعوة التوحيد والحنيفية، يعقبها فتح القلوب والنفوس والبلاد التي هي طبيعة الفتح الإسلامي، وليس الحرب ولا الغزو ولا الغلبة، لاشك أنه عندئذ تكون الدعوة والبلاغ المبين الذي قلنا: إنه هو بلوغ العقل والقلب والنفس من المدعوين تكون ثمرة من ثمرات الجهاد في الوقت نفسه، فالارتباط بين الجهاد وبين الدعوة واضح بدءاً ومنتهى، وسبباً وغاية، ولا أظن أنه يمكن فصل مفهوم الجهاد شريطة أن يؤخذ بمعناه العام الشامل، وألاَّ يهمل منه شيء، سواء ما كان أقرب إلى القمة، أو ما كان دون ذلك، وعنوان الصدق أن يؤدي المرء الجهاد في مراحله الأولى، فإن صدقت نيته فليحققن الله له تبارك وتعالى ذروة السنام.
وأقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم، وصلى الله على سيدنا محمد.
جزاك الله خير فضيلة الدكتور: وأنا أشكركم كثيراً مع ضيق وقتكم وأظن من خلال جوابك أنكم تشجعون على الاستمرار في هذا البحث وتدعون لنا بالتوفيق.
هذا هو الواقع، فأنا أشجع على الاستمرار في هذا البحث، تشجيعاً خاصاً لك، وتشجيعاً للهيئة العلمية التي تتعاون معك، وأدعو لكم جميعاً بالتوفيق، ولكافة الدعاة والعلماء والمعلمين المسلمين.
جزاك الله خير، بارك الله فيك.....
انتهى الحوار مع فضيلة الدكتور حسين حامد حسان جزاه الله خيراً، في منزله القريب من الجامعة الإسلامية العالمية التي يرأسها ومسجد الملك فيصل بمدينة إسلام أباد في الجمهورية الإسلامية الباكستانية. [لقد كثرت حواراتي مع العلماء والمفكرين في هذا الموضوع، وجمعت كثيراً من النصوص من القرآن والسنة ومن أقوال العلماء قديماً وحديثاً وبعضها لا زالت متناثرة في كتب الرحلات كما هو الحال في حوار الدكتور حسين الآنف الذكر، وكثرت مشاغلي كثرة أعاقتني عن كتابة البحث إلى يومنا هذا 25 شعبان عام 1426هـ ولست أدري عن مستقبل الكتابة المرتبة في هذا البحث، ولكني سأنشر حواراتي التي قمت بها مع هؤلاء العلماء والمفكرين كما هي، إذا لم إكمله كما أردت والله المستعان].

إجابات الدكتور أنيس أحمد عن أسئلة البلاغ المبين:

الأربعاء: 26/10/1409هـ ـ 31/5/1989م.
اجتمعت بالدكتور أنيس أحمد ـ وهو أخو الدكتور خورشيد أحمد ـ وتخصصه في مقارنة الأديان وقد أجاب عن أكثر الأسئلة (البلاغ المبين) باللغة الإنجليزية وأجوبته مسجلة في شريط وتحتاج إلى نقلها ثم ترجمتها لأستفيد منها ولعل الله ييسر ذلك.

الدكتور أنيس أحمد في مكتبه بالجامعة الإسلامية العالمية في إسلام أباد 26/10/1409هـ 31/5/1989م
الدكتور أنيس أحمد في مكتبه بالجامعة الإسلامية العالمية في إسلام أباد 26/10/1409هـ 31/5/1989م

الاجتماع بالدكتور أحمد العسال وإجاباته عن الأسئلة:
واجتمعت بالدكتور أحمد محمد العسال، وأجاب عن أسئلة البلاغ المبين.

الدكتور أحمد العسال يجيب عن أسئلة البلاغ المبين في مكتبه بالجامعة الإسلامية في إسلام أباد 26/10/1409هـ 31/5/1989م
الدكتور أحمد العسال يجيب عن أسئلة البلاغ المبين في مكتبه بالجامعة الإسلامية في إسلام أباد 26/10/1409هـ 31/5/1989م
الكاتب يتوسط د. العسال على اليمين، والشيخ عبد الوهاب الخلجي ـ حفل عشاء ـ إسلام أباد 26/10/1409هـ 31/5/1989م
الكاتب يتوسط د. العسال على اليمين، والشيخ عبد الوهاب الخلجي ـ حفل عشاء ـ إسلام أباد 26/10/1409هـ 31/5/1989م

وهذا نص أجوبته:

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فإننا نلتقي فضيلة أستاذنا الدكتور أحمد العسال نائب رئيس الجامعة الإسلامية العالمية في إسلام أباد في مكتبه بالجامعة في اليوم السادس والعشرين من شهر شوال، الموافق لعام ألف وأربعمائة وتسعة للهجرة، من أجل الاستفادة منه في الأسئلة المتعلقة بالبحث الذي أريد إن شاء الله أن أكتب فيه، وهو (البلاغ المبين).
السؤال الأول: ما سر تكرار البلاغ، وما سر وصفه بالمبين؟
فضيلة الدكتور يعيد السؤال : تكرر في القرآن الكريم ذكر البلاغ المبين في سياق الدعوة إلى الله، وكذلك ذكر إرسال الرسل بالبينات والحجة والبرهان ما السر في ذلك التكرار؟ وما السر في وصف البلاغ بالمبين؟
ويجيب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم (كلام غير واضح في المسجل).
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم صلي وسلم وبارك عليه وعلى آله وعلى أصحابه وعلى كل من دعا بدعوته واستمسك بسنته وجاهد جهاده إلى يوم الدين: وبعد:
فإن الله تبارك وتعالى استخلف عباده في الأرض، ليقوموا بعبادته، ولكنه جعل هذه العبادة وفق ما يبينه رسله وجعل هذه العبادة منوطة ببيان الرسل، لذلك فإن تبليغ الدعوة وتوصيلها إلى عباد الله الذين استخلفوا في الأرض، كانت هذه مهمة الرسل منذ خلق الله عز وجل الأرض ومن عليها واستخلف بني آدم، حتى إن سيدنا آدم عليه السلام سواه الله وخلقه بطبيعة تختلف عن كل المخلوقات، فكل مخلوقات الله عز وجل قد خلقت لغاية محددة، فالأنعام والأشجار والكائنات كل شيء له غاية.
أما الإنسان فقد خلق لأن يعمر هذه الأرض، ولتكون غايته هي عبادة الله عز وجل، التعمير وسيلته، ولكن العبادة غايته يقول الله تبارك وتعالى: { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] و{ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خلا فِيهَا نَذِيرٌ} [فاطر: 24] { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ}. [النحل: 36].
إذن فعموم إرسال الرسل لكل أمة، وهؤلاء الرسل جاءوا إلى هذه البسيطة أو إلى هذا الكوكب، جاءوا متتابعين يتلوا بعضهم بعضاً، وفي سورة (المؤمنون) الله عز وجل ذكر أن الرسل متتابعين: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ} [المؤمنون: 44] حتى ختمت الرسالة بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً}. [الأحزاب: 40].
وكان كل نبي يؤهل للعلم ويؤهل بالرشد، فنجد أن كل نبي من أنبياء الله عز وجل يقول الله تبارك وتعالى فيه بمثل ما قال عن سيدنا يوسف: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 22] وتكرر ذلك في سيدنا موسى وتكرر مع سيدنا إبراهيم: {وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ} [الأنبياء: 51] حتى إن الله تبارك وتعالى من خلال حكمته وجميل صنعه يجعل النبي يستوثق من نفسه، فقد رأينا الله تبارك وتعالى بعد ما أنهى سيدنا موسى عليه السلام رحلته في مدين حينما قدم من الطور، جاءت النار ثم سأله الله عز وجل عن العصا حتى يهيئه لتلك الرسالة الكبرى.
لذلك نجد أن البلاغ المبين شرط في قطع العذر وإقامة الحجة، وأيضاً استيفاء لكل موجبات الإيمان لأن الله تبارك وتعالى جعل الإيمان مرتبطاً بالاختيار، وجعل الإكراه لا يلتقي مع الإيمان {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة: 256] ولهذا كانت التكاليف الإسلامية والتكاليف الإلهية تكاليف تنبع من القلب وتستولي على النفس وتسيطر عليها، ولذلك كان الإيمان في حقيقته إقراراً بالجنان وقولاً باللسان وعملاً بالأركان، فعمليته شاملة كاملة.
لذلك لا يصلح للدعوة إلى الله عز وجل في كل زمان ومكان إلا البلاغ المبين حتى إن أوصاف النبي عليه الصلاة والسلام في القرآن الكريم أوصاف كاملة {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (45) وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً}. [الأحزاب: 45-46]. ليس سراجاً فقط بل منيراً أيضاً: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [المائدة: 15-16] والآية الكريمة { رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لأَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً }. [النساء: 165].
إذن وصف البلاغ بالمبين ليستوفى المكلف كل دواعي الإجابة وكل مستلزمات الإقرار هذه من ناحية ومن ناحية أخرى لتنقطع الحجة، وتقوم حجة الله عز وجل على كل من بلغته الدعوة.
السؤال الثاني: ما أهداف البلاغ المبين؟
جزاك الله خيراً، فضيلة الدكتور ما أهداف البلاغ المبين؟ وهل تختلف أهدافه من وقت لآخر أو من أمة لأخرى أو من فرد لآخر؟ وإذا كانت تختلف فما أهدافه في عصرنا بحسب الواقع؟
غاية أساسية لا تختلف ووسائل تتنوع.
طبعاً كما قلنا: إن هدف البلاغ المبين أن يعبد الناس الله، هذا هدف أساسي.
لكن وسائل التبليغ تختلف من أمة إلى أخرى فقد جاء النبي صلى الله عليه وسلم والعرب لها مواسمها ولها أوضاعها، فاتخذ الوسائل المناسبة والمكافئة، ثم وجدنا المسلمين في داخل الأمة الإسلامية يتخذون وسائل للبلاغ المبين، مثلاً المسجد، العظة، الاعتبار، التربية، التعليم، الإعلام... كل ذلك من البلاغ المبين.
فإذن البلاغ المبين هدفه الرئيسي واحد، لكن وسائله تتنوع حسب حاجة المكلف وحسب الخطاب، وهذا أمر معروف لدى الدعاة، لذلك كان من المراتب العليا العظيمة التي حددها القرآن: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} [النحل: 125] فهذه الحكمة هي الفقه، والفقه هو: تكييف البلاغ على حسب حاجة المكلف.
وقديماً قال العلماء: مطابقة مقتضى الحال، فلا بد أن يكون البلاغ موافقاً لمقتضى الحال.
ونحن الآن نواجه مجتمعات تحضرت وتمدينت إذا صح التعبير، يعني هناك نسبة من التمدن ونسبة من التحضر يختلف من مكان إلى مكان، ثم إنً البلاغ على حسب المستوى العلمي وعلى حسب المستوى الحضاري، فمثلاً إذا كنت بين قوم يشتغلون بالقضية الاقتصادية، أو بقضية الزراعة، أو بقضية الصناعة، أو بالقضية الأدبية، أو قضية المسرح أو قضية القصة، فلا بد أن تحسن الدخول إلى هؤلاء الناس من المدخل المناسب إلى البلاغ الإسلامي، ومن ذلك وجدنا أن رسائل الأنبياء جميعاً عجيبة، فمثلاً: سيدنا شعيب بعد ما يقول: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ} [هود: 84] بعد أمرهم بالعبادة نهاهم عن نقص المكيال والميزان، لأن ذلك كان شائعاً فيهم، والمجتمع الذي يحدث فيه التطفيف ويحدث فيه الظلم مجتمع لا يستطيع أن يعبد الله.
أيضاً سيدنا لوط، كانت قضية اجتماعية ضخمة جداً تنتشر في قومه، وهي الشذوذ، وهي انحراف عن الفطرة: فقال لقومه: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (163) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِي إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (164) أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنْ الْعَالَمِينَ (165) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ}. [الشعراء: 163-166].
سيدنا موسى أمام هذا الظلم الماحق وهذا الجبروت يقول سيدنا موسى لفرعون: {وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ } [الشعراء: 22] فكانت المشكلة الأساسية تتعلق بالألوهية { قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ } قال سيدنا موسى: {قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إنْ كُنتُمْ مُوقِنِينَ}. [الشعراء: 23-24].
إذن على الداعية أن يتعلم من أنبياء الله عز وجل، وأن يعرف أن مهمته أن يفهم النفسية التي يحدثها والمستوى الحضاري، ومستوى المعلومات الموجودة، ولهذا من أشمل آيات القرآن العظيمة { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }. [إبراهيم: 4].
واللسان دائماً هو مجمع الأعراف والعادات واللغة والأخلاق فهو الذي يعبر عن الحضارة، فكل كلمة في لغة أي قوم هي تحتوي على ما يستطيع الداعية أن يتكلم به، ولهذا كان النبي في أعلى درجات الفطنة وفي أعلى درجات اللغة، لذلك كان من أوصاف النبي عليه الصلاة والسلام أنه أوتي جوامع الكلم، وأنه اختصرت له الحكمة اختصاراً، فعلى الداعية أن يتمكن من اللغة التي هي المعبر الصحيح للمخاطبين وللمدعوين.

البلاغ المبين ووسيلتا التعليم والإعلام:

ما دمتم ذكرتم ـ فضيلة الدكتور ـ وسائل البلاغ المبين، فهناك وسيلتان مهمتان للبلاغ المبين تجسمتا في هذا العصر، ربما أكثر من غيره، وهي الجامعات وأجهزة التعليم وأجهزة الإعلام، فأرجو أن تتحدثوا حول هذين الموضوعين وهل هما مناسبان للقيام بالبلاغ المبين على وضعهما الحاضر؟. أم يحتاجان إلى شيء من التطوير؟
لا شك أن التعليم برمته الذي هو من الطفولة إلى الجامعة، هو حقيقة الوسيلة الفذة لربط الناس بربهم وهدايتهم الصراط المستقيم، لأن الساعات التي يعيش فيها الناشئ بين حجرات الدراسة وبين ميادين المدرسة وجوها هي الساعات المؤثرة، ذلك أن الإنسان في غير الجامعة أو المدرسة إنما يأكل ويشرب وينام وشيء من هذا، أما الوقت الذي يكون هو مركزاً للإفادة والاستفادة، فهو الدراسة، ولذلك فإن عصرنا الآن هو عصر المدرسة الشاملة..... كما يقولون في اللغة الإنجليزية، وعصرنا الآن هو عصر الحياة الجامعية، ولذلك الحياة الجامعية الآن مستعمرات، يعني أنها مدينة، ولذلك تجنح الأمم الحية إلى عمل مدن جامعية كاملة، والجامعات المتفوقة في أهم الأشياء الآن هي جامعات يشار لها بالبنان، بسبب أن الطالب يدخلها فيعيش فيها كل الفصل الدراسي، ما بين سكنه وما بين مكتبته وما بين محاضراته وما بين رحلاته، لذلك الجامعة إذا أحسن تهيئتها وإذا أحسن استعمالها، لا شك أنها ستؤدي رسالة ضخمة.
والحقيقة أن المسجد في الإسلام في العصر الزاهر، كان هو الملتقى كان هو الجامع والجامعة، وكان طالب العلم تنظفه والدته وتهيئه ثم يخرج فيطلب العلم عند فلان وعند فلان وعند فلان، ويتتبع حلقات الدراسة، فهو من حلقة إلى حلقة، لذلك الجامعات رسالتها خطيرة ودورها كبير.
لكن نحن يطلقون على عصرنا عصر الاتصالات أو عصر ثورة المعلومات لماذا؟ لأن الإنسان أينما حل فتأتيه المعلومة، وهو راكب في الأتوبيس معه الصحيفة، وهو يشتري يرى التلفزيون، وهو في السيارة يسمع الإذاعة، إذن عصرنا الآن اختلفت وسائله، لذلك فإن الأمم الحية والناهضة هي الأمم التي تهتم بالبث الإذاعي وتهتم بالإعلام التلفازي، لأن الذي لا يرى يسمع في السيارة، والذي لا يرى سيقرأ، إذن فرسالة الجامعة ورسالة الإعلام رسالتان متممتان كلتاهما للأخرى.
وفي الحقيقة حينما مررت بإنجلترا بالذات علمت أن وراء (BBC) في برامجها الإذاعية وبرامجها المبثوثة ـ غير التلفزيونية ـ عقول كبيرة، وحينما سألت علمت أن عدداً من الأساتذة الكبار ومن المفكرين الكبار، هم في المجالس العليا لتخطيط البرامج التلفزيونية والإذاعية، وأنه لا يذاع برنامج موجه مثلاً إلى أوربا الشرقية، أو إلى أمريكا اللاتينية، أو إلى العالم العربي، إلا وراءه مجموعة من الخبراء، وهؤلاء المجموعة من الخبراء يخططون للبرنامج ثم يطلقونه، ثم يقومونه ثم يسألون الناس، فإذن ليس هناك أي شيء في مجال الإعلام يمضي هكذا، إنما يمضي وفق تخطيط ووفق ترتيب، لذلك علينا أن نتقي الله عز وجل في وسائل الإعلام، فهي الوسيلة التي تدخل البيوت بغير استئذان والتي تصاحب الطفل والشيخ والمرأة والرجل. [وقفز الإعلام قفزات خطيرة اليوم عن طريق الفضائيات والشبكة العالمية "الإنترنت" واستغل استغلالاً خطيراً من قبل أعداء الإسلام - في بلاد الإسلام أو في غيرها ـ في جميع المجالات، ولا زال غالب القادرين على استغلاله لما يرضي الله ومنه البلاغ المبين نائمين أو مشاركين في استغلاله ضد الإسلام، والله وحده المستعان، وقد كان هذا اللقاء قبل أن تنتشر القنوات الفضائية والإنترنت..].
السؤال الثالث: ما معوقات البلاغ المبين؟
أحسنتم، فضيلة الشيخ، ما معوقات البلاغ المبين الداخلية والخارجية؟
المعوقات الداخلية:
في الحقيقة أكبر معوق للبلاغ المبين في عصرنا الحاضر هو الغطاء الحضاري المادي الذي قام أو يقوم حاجزاً بين الناس وبين ما فطرهم الله عليه، لأن الله عز وجل فطر الإنسان على الإيمان به، وفطر الإنسان على التفكر في مخلوقات الله عز وجل، فإذا سبق إلى تلك الفطرة العوائق والبوائق، فهي تحبس تلك الفطرة وتحول بينها وبين ذلك الخير العظيم.
وإلى ذلك الإشارة بحديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه البخاري ومسلم: من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء))؟ ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه: { فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} [البخاري، برقم (1293) ومسلم، برقم (2658) والآية من سورة الروم: 30] إذن فشياطين الإنس والجن تقوم بعملية التحويل والتغيير.
وأظن أن من أعظم آيات القرآن الكريم الدالة على ذلك ما جاء في سورة النساء التي قال الله تبارك وتعالى: {إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَرِيداً (117) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (118) وَلأضِلَّنَّهُمْ وَلأمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذْ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُبِيناً (119) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمْ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً}. [النساء: 117-120].
إذن فعملية التغيير التي تتم في حياة البشر إنما تتم بهذه العوائق وهذه البوائق، وكم من شاب فطرته سليمة وتستغل عاطفته، فإذا به يضل وإذا به يعود يمضي بعيداً.
ومن هنا فإن العوائق الداخلية هي تلك الوسائل البعيدة عن النظافة والبعيدة عن الحق، لأن الحق بطبيعته قريب من الفطرة وأليف للنفس، والباطل قد يكون مغرياً ولكنه لا أصل له ولهذا قال الله تبارك وتعالى: { زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ} [آل عمران: 14] وهذا التزيين هو من الفتنة وهو من الامتحان الذي امتحن الله به عباده، ولذلك فإن الوسائل التي تزين الباطل والتي تفتن به الناس هذه هي العوائق .
وهذه هي العوائق التي توبق الإنسان ثم تهلكه، هذه العوائق الداخلية أمر معروف، وأخطر العوائق هذه وضع الشيء في غير مكانه، مثل كلمة الفن مثلاً الفن قديماً هو مثلاً القصيدة الشعرية الجميلة، القطعة النثرية الجميلة أيضاً، اللوحة التي تحاكي عظمة الله عز وجل، أيضاً الحكمة، فإذ بالفن يتحول إلى ابتذال وإلى أخلاق رخيصة.... ويمضي بعيداً، والشيء الذي عرفته البشرية قديماً من امتداح الشهوات، نحن الآن قد عدنا إليه في الكباريهات وفي الليالي الرخيصة، فهذه أيضاً من العوائق الكبيرة ومن الشيء الذي يضيع أوقات الناس ويأخذهم بعيداً عن الحق، لأننا كما نعلم هذه الحكمة العظيمة "من لم يشغل نفسه بالحق شغلته بالباطل" فالإنسان لا يستطيع أن يعيش حياتين { مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ } [الأحزاب: 4] ولذلك لا يجوز أن تكون هناك هذه العبارة "ساعة لقلبك وساعة لربك، لا، كله لربي ومن حق ربي أن أروح عن نفسي، ومن حق ربي أن أمتع نفسي، { قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ }. [الأعراف: 32].
من المعوقات الضخمة أيضاً أن يصبح الإنسان يعيش بدون هدف، وأن ينتمي إلى غير أمته، وهذا ما فعلته تلك الحضارة المادية الخطيرة، هي حضارة في جانب من جوانبها مبدع، ولكن في جانب من الجوانب الآخر خطر! وهي تأخذ الإنسان في ولائه وانتمائه إلى غير الله عز وجل، وإلى غير أمة الدعوة وأمة البلاغ وهي أمة الإسلام، هذا أيضاً من العوائق الكبرى التي يواجهها أبناء الأمة الإسلامية.
فضيلة الشيخ .. تكلمتم عن العوائق الداخلية، وأيضاً يبدو لي سؤال في العوائق الداخلية وهي مناهج الجماعات الإسلامية والاختلافات التي تقع بينهم، ووضع الأشخاص في مواضعهم أو في غير مواضعهم وهذا ربما يحتاج إلى شيء من البيان.
في الحقيقة لا بد لنا كدعاة إلى الله سبحانه وتعالى أن نقدر الظرف الذي تمر به الأمة الإسلامية، الأمة الإسلامية مرت بعصر انحطاط وعصور الانحطاط، مثل المرض يأتي شيئاً فشيئاً حتى يصبح الإنسان لا شيء، وأيضاً انحطاط الأمم يأتي هكذا يأتي دون أن تشعر به، من كان يظن مثلاً أن الصليبيين يصلون إلى المنصورة، ويهددون كل سواحل العالم الإسلامي، ويأخذون بيت المقدس من كان يظن أن اليهود وهم في سنة عشرين لم يكونوا أكثر من اثنين في المائة في فلسطين، من كان يظن أنهم الآن يكونون على هذا الوضع، إذن فالأمم حينما تنحط، تنحط وأنت تراها وتلحظها، ولكن فجأة تأتي إلى القاع، فالأمة الإسلامية مرت بهذا العصر عصر الانحطاط وذلك المرض.
فعصر الانحطاط له سمات: سمته قلة العلم، عدم القدرة على ترتيب الأولويات، عدم الوعي بأبعاد المعركة التي تواجهها الأمة، لأن كل سبب يسلم لسبب آخر، والنتائج تؤدي إلى نتائج أخرى، فحينما وضع نظام التجزئة في العالم الإسلامي وتحطيم ولاء الأمة وظهرت وظهرنا في عصر القوميات وعصر الوطنيات، طلعت الأجيال شوهاء، فذلك مصري وهذا يمني وهذا عراقي، وللأسف نفس الكيد الذي تم كان لمناهج التعليم تأثيرها فيه، بحيث ينشأ الفتى أو تنشأ الفتاة وهما لا تعرفان من حياتهما ولا عن أمتهما، إلا ذلك القطر المحدود.
أما الإسلام بشموله والوطن الإسلامي بأبعاده، وأما دورات الصراع التي عاشتها الأمة الإسلامية فهذا شيء حُجِب، ولذلك حدث في العقل الإسلامي فراغ هائل، وحدث تخريب أو كما نقول حصل غسيل مخ، غسيل المخ هذا ترك أبناء الأمة الإسلامية في حيرة، فلما بدأ الجسم الإسلامي يستيقظ وجد أمامه محنة هائلة وكارثة ضخمة، والإنسان أمام المحنة كالغريق، والغريق دائماً يكون عقله غير واعي وعياً كاملاً، فهو يغالب الأمواج، وكما نقول عاوز [يريد] قشة يتمسك بها.
فنحن أمة نخرج من عصرين خطيرين، فإذا قررنا ذلك وعرفنا أن هذين العصرين تركا آثاراً بعيدة المدى، خاصة في العقل الأممي، عقل الأمة دائماً يتمثل في علمائها ويتمثل في أمرائها، ومن الحق أن نصارح أنفسنا، فأي واحد يدرس عصر الجمود هذا وعصر التقليد سيواجه أشياء هائلة جداً، لأن كل المدارس الإسلامية حجبت عن علوم العصر، علوم العصر الرياضية وما يتبعها من فيزياء وغيره، وتركت في حفظ المتون، وحفظ المتون جيد، ولكن المتون التي لا توصل إلى الاجتهاد، ولا توصل إلى التحليل، ولا توصل إلى الخروج من أسر التقليد، كلها متون.
نحن نعلم أن القرآن ليس المطلوب حفظه حفظاً لا يعين على التدبر، بل المطلوب في الدرجة الأولى تدبره ثم حفظه، فإذا لم يكن الحفظ وسيلة للتدبر حتى يعرف معانيه وحكمه، فلا فائدة منه إلا التلاوة التعبدية ونحن نحفظ عن علمائنا: "رب قارئ للقرآن والقرآن يلعنه" والله تبارك وتعالى يقول: { أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا }. [محمد: 24].
فلا نستغرب في عصرنا الحاضر أن تتعدد مناهج العمل الإسلامي، لأن كل واحد مضروب من جانب، فيحس بأثر الضربة فيصيح مثلاً: واحد وجد البدع كثيرة فيبتدئ يتكلم عن السنة، وآخر وجد أن نظام الحكم في الأمة الإسلامية نظام يحتاج إلى إصلاح، راح يتكلم على النظام..... وهكذا.
لكن الذي يجب أن نتعاون عليه أن نكون أتباع هذا الدين، فلا يختلف بعضنا على البعض الآخر، ولا يكفر بعضنا الآخر، بل يدعو إلى المحكم من الإسلام فلا خلاف عليه.
وأما الأمر الفرعي فشيء لم يضمنه النبي صلى الله عليه وسلم، في الاجتماع على الأمور الفرعية ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ذاهب إلى بني قريظة.
قال صلى الله عليه وسلم : ((لا يصلين العصر أحد إلا في بني قريظة)) فمنهم من فهم المدلول اللفظي ولم يصل إلا هناك، ومنهم من قال: إنه يريد أننا نتعجل في السفر فصلاها في الطريق، فإذن الاجتماع أو الإجماع على الأمور الفرعية متعذر.
لهذا فإنه لا ينبغي لنا أن نضيق باختلاف المناهج، بل ينبغي لنا أن نسعى إلى أن نتبادل الآراء بالحسنى وبتقدير ما عند الآخر، وأن نعتصم بهذه الآية العظيمة..
{وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ }. [النساء: 83].
وذكر سيدنا الإمام أحمد بن حنبل أن ربنا سبحانه وتعالى سيجعل لهذا الدين دائماً بقايا من أهل العلم، ينفون عن هذا الإسلام تحريف الغالين وتأويل الجاهلين وأيضاً تأويل المبطلين. [هذا المعنى الذي أشار إليه الشيخ، ونسبه إلى الإمام أحمد رحمه الله، هو حديث، روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم، عن أبي هريرة وعبد الله بن عمر مرفوعاً بلفظ: (رفعه قال يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وتأويل الجاهلين وانتحال المبطلين) قال في مجمع الزوائد (1/140): "رواه البزار، وفيه عمرو بن خالد القرشي كذبه يحيى بن معين وأحمد بن حنبل ونسبه إلى الوضع"].
قال الشيخ: وهذا سيمكننا إذا وصلنا إلى هذا الأساس العظيم الذي قال عنه الإمام ابن تيمية: أن هناك نوعين من الخلاف، هناك خلاف التضاد وهذا نبرأ إلى الله عز وجل ونستعيذ به منه ونبرأ أن يقع في أي مسلم، لأنه هو التنازع الذي نهى الله عنه في قوله: {وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا... } [الأنفال: 41] أن تختلف على الأمور الأساسية. هذا هو الذي نهى الله عنه.
أما اختلاف التنوع مثلاً واحد يكبر في صلاة العيد في الركعة الأولى سبعاً، واحد يكبر خمساً واحد يكبر قبل القراءة، واحد يكبر بعد القراءة، فهذا ما يقوله سلفنا الصالح من أنه خلاف التنوع، إذن فاختلاف المناهج إذا مضى في هذا الإطار يكون فيه خصوبة وفيه قوة.
أما إذا وصلنا إلى خلاف التضاد، وأن كل واحد تعصب إلى رأيه، كل واحد يستبد برأيه، فهذا ما لا يرضاه الله ولا رسوله ولا المؤمنون، وهذا ما عابه الله عز وجل على أهل الكتاب، وما عابه على اليهود، حينما اختلفوا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم، وهذا هو الاختلاف الذي يسببه الحسد، والذي يسببه سوء الظن والذي يسببه عدم العلم وقلة البضاعة ونبرأ إلى الله عز وجل من ذلك.

المعوقات الخارجية:

طبعاً المعوقات الخارجية يعني ما يرمينا به أعداء الإسلام من الأحابيل ومن الألاعيب، وهذا أمر ضخم، فإن هناك دوائر كبيرة تعمل للكيد وللتخطيط، ولتغيير خطتها من وقت إلى آخر، وينبغي على الدعاة أن يعرفوا ذلك، والله تبارك وتعالى يعني يذكرنا بذلك {وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ} [إبراهيم: 46] {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ}. [الأنفال: 30].
فمعرفة مكر هذه الدوائر، دوائر التنصير، دوائر الاستشراق والدوائر السياسية العليا، والدوائر الإعلامية هذه معوقات هائلة، وجزء من البلاغ وجزء من تجاوزها هو العلم بها ومعرفتها، وهذا أمر يحتاج إلى اهتمام وإلى رعاية وإلى تعليم وإلى فهم ولكل عصر أساليب المكر وأساليب الختل.
ما رأيكم في تقسيم الناس عند الإمام الغزالي في هذا الباب؟
فضيلة الشيخ الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله يقول في كتابه "فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة" ما خلاصته أن الناس ثلاثة أقسام:
قسم بلغه الإسلام على حقيقته فإذا لم يستجب فهو من أهل النار.
وقسم لم يبلغه الإسلام أصلاً فهذا معذور.
وقسم بلغه مشوهاً، وحكمه حكم من لم يبلغه الإسلام أصلاً.
وضرب مثالاً بأن بعض الناس قد يبلغهم أن هناك نبياً يسمى محمداً كما بلغنا نحن أن نبياً يسمى ابن المقفع وكذبناه.
يقول عن هذا القسم الثالث حكمه حكم الثاني (أي إنه معذور) ما رأيكم في هذا التقسيم وهل يوجد القسم الثالث في هذا العصر؟
أعد لي القسم الثالث.
القسم الثالث بلغه الإسلام مشوهاً منفراً ولم يبلغه على حقيقته فحكمه حكم من لم يبلغه الإسلام أصلاً.
أظن أن هذا التقسيم تقسيم موفق، خاصة لا بد أن نربط كلام الإجابة على هذا السؤال بالكلام الأول الذي هو البلاغ المبين، البلاغ المبين الذي تنقطع به الحجة، وينقطع به العذر، ويقوم به الإعذار إلى الله سبحانه وتعالى، ثم أيضاً ما كرره القرآن {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} [الإسراء: 15] وأيضاً فحوى قوله تعالى: {رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لأَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً}. [النساء: 165].
ثم أيضاً ما وجدناه من خلال الرسالات أن الرسول يأتي فيظل يبلغ ويدعو، فلا شك أن الله تبارك وتعالى له الحكمة البالغة، وأن القرآن ذكر هذا بشكل عظيم، وأن الرسالات جميعها في قضية البيان وقضية البلاغ أن النبي كان يتلبث في قومه وكان يكرر عليهم، وحينما نقرأ في رسالة سيدنا نوح: {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلاَّ فِرَاراً (6) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً (7) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً (8) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً}. [نوح: 9].
فذلك يدلنا على أنه لا بد أن تبلغ الدعوة على وجه ينقطع به العذر.
وأما موضوع القسم الثالث فأظننا نشهده من خلال المسلمين الذين لم يكرمهم الله عز وجل لأن يكونوا مثلاً صالحاً للإسلام، ويخرجوا من بلادهم طلباً للرزق، ولم يكونوا قد تأهلوا أو قد صبغوا الصبغة الإسلامية أو قد علموا، ثم ذهبوا هناك مسلمين بأسمائهم، فهم لا تفرقهم عن الرجل الغربي، فهم يمارسون العادات، ويمارسون الحفلات، ويمارسون الحياة وربما تذكروا الإسلام في العيد أو في الأعياد، بينما الصلوات بينما الأخلاق، وبينما الآداب بينما خشية الله عز وجل، تكون أشباحاً هائمة في نفوسهم، فلا شك أن مثل هؤلاء هم الذين يبلغون الإسلام على صورة مشوشة، فالرجل حينما ينظر إليهم يفتن عن الإسلام، وقد سمعت أحد الصالحين يقول: إن من معاني قوله تعالى: {رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الممتحنة: 5] أن نكون على صورة نصد الناس بها عن دين الله عز وجل، أظن أن التقسيم والله أعلم تقسيم صحيح، وأنا أيضاً أذكر أن الإمام محمد عبده في تفسيره أشار إلى أنه لا بد أن تبلغ الدعوة على وجه تقوم به الحجة وينقطع به العذر.
السؤال الرابع: هل تقوم الحجة بالفطرة والعقل ودقة الكون؟
هذا يجرنا إلى السؤال إلى دور العقل والفطرة وما أودعه الله في الكون من إبداع في إقامة الحجة على الناس في مسألة الإيمان، فإن كتب العقائد تذكر هذا المعنى، ولا سيما المعتزلة، يرون أن العقل الذي أودعه الله في الإنسان، والفطرة، ودقة الكون كلها تدل على الخالق، فلا بد أن يتحرك عنده وازع حتى يؤمن على الأقل بالله ويشكره على تلك النعم، ما رأيكم في هذا؟.
هذا تحليل فلسفي عقلي قد نقبله، لكننا ليس عندنا أي دليل من الأدلة الشرعية على ذلك، ومن المؤسف أن المعتزلة قد كبروا العقل أكثر من حجمه، العقل يهديه الوحي ويدله وإلا لما كانت هناك حاجة إلى إرسال الرسل، ولما كانت حاجة أيضاً إلى بقاء البلاغ في هذه الأمة، لأن هذه الأمة هي امتداد للنبوة، فإذا كانت النبوة ختمت بمحمد صلى الله عليه وسلم، فأمة الإسلام بما فيها من القرآن والسنة وبما فيها من الصالحين، هي استمرار إقامة الحجة على البشرية كلها، ولهذا فإننا نلمح في القرآن الكريم هذه الإشارات بل هذا التصريح، {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [البقرة: 143] وهل معنى الشهادة إلا بالبلاغ والدعوة {هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [الحج: 78] {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110] {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ}. [التوبة: 71].
إذن فكلام المعتزلة كلام لا يقوم عليه دليل ولا تمضي به حجة، وهذا يعني كما نقول شيء من الْمُلَح، وليس شيئاً من صلب العلم كما علمنا سلفنا الصالح.
السؤال الخامس: على من تقع مسئولية البلاغ المبين؟
البلاغ المبين يقع على الأمة.... تقع المسئولية بعامة على الأمة، كل على قدر طاقته، وكل على قدر علمه، وكل على قدر فهمه: الأب بالنسبة لأولاده والأم بالنسبة لأبنائها، والولد بالنسبة لأبيه، والأستاذ بالنسبة لطلابه، هذا هو أمر الله عز وجل أخرجنا لنأمر بالمعروف وننهى عن المنكر {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} هذا الإخراج هو للأمة كلها، ولكن بعد ذلك تصبح قضية البلاغ تأخذ كما نقول فروض العين وفروض الكفاية، فالبلاغ الذي يبين محاسن الإسلام ويؤكد ويثبت العقيدة في النفوس، هو يقع على العلماء وعلى من منحهم الله عز وجل ووهبهم ذلك، فهو بالنسبة لهم فرض عين بالدرجة الأولى، وعلى أولي الأمر وحكام المسلمين أن يهيئوا هذه السبل ويهيئوا الفرص، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
وكما نعلم التمكين في الأرض يستتبعه البلاغ {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ}. [الحج: 41].
ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((صنفان إذا صلحا صلح الناس وإذا فسدا فسد الناس، العلماء والأمراء)) [من حديث ابن عباس، قال في فيض القدير (4/209) "قال الحافظ العراقي وسنده ضعيف"].
وإذا كان الإمام أو الحاكم في أي مكان من أرض الإسلام منوطاً به أن يصلح الدنيا بالدين، وأن يقوم على حماية الأمة وعلى إقامة العدل بين الناس، فمن إقامة العدل بين الناس أن يعرفوا ربهم، وأن يعرفوا دينهم وأن يعيشوا في فضل الله وفي رحمته، فالحكام والعلماء، وأصحاب الشوكة كل في مكانه عليهم قسط من هذا البلاغ وإلا يكونوا آثمين ومقصرين في حق هذه الرسالة.
لقد كان عمر رضي الله عنه يرسل لولاته في الأقاليم "إن أهم أمركم عندي الصلاة" وعمر بن عبد العزيز حينما قال له بعض ولاته: إن الناس دخلوا في الإسلام، وإن الجباية أو الجزية ستصبح قليلة، فبعث لهم هذه الرسالة "إن الله عز وجل لم يبعث محمد عليه الصلاة والسلام جابياً ولكن بعثه هادياً".
وقضية البلاغ الحقيقية هي تقع على كاهل الأمة بعامة وعلى كل إنسان مؤهل تأهيلاً في دوره، ويبدأ في الدرجة الأولى بالنسبة للعلماء، فإن العلماء هم الذين يذكرون الناس بالله، وهم الذين أيضاً يذكرون الحكام والأمراء، وهم الذين عليهم البيان وعليهم قطع حجج الناس.
والجهاد في سبيل الله وهناك آية في كتاب الله عز وجل جميلة جداً تسمي العلماء هم الحفاظ وهذه الآية في سورة المائدة جاءت في ذكر اليهود ولكنها طبعاً تشملنا يقول الله تبارك وتعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ}. [المائدة: 44].
[[نعم يجب علينا حفظ كتاب الله وحماية ألفاظه ومعانيه، وكذلك السنة وقد قامت الأمة الإسلامية بذلك من عهد الصحابة إلى اليوم، ولكن الله تعالى الذي وكل حفظ التوراة إلى الأحبار من بني إسرائيل صرح بأنه هو تعالى قد تكفل بحفظ كتابه: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}. [الحجر: 9].
ما دور الأغنياء في هذا الباب؟
إن دور الأغنياء دور كبير وقد بين الله عز وجل دورهم هذا في مثل قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ}. [التوبة: 11].
ودلهم على تجارة تنجيهم من عذاب أليم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ }. [الصف: 10-11].
وكان الجهاد في سبيل الله عز وجل، يعتمد على أهل اليسار وأهل الغنى، في توفير العدة، وفي الاستخلاف خلف الغزاة، لإزالة العقبات ولتأهيل طلبة العلم أيضاً، ولهذا كان من مصارف الزكاة العظيمة: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 60] وابن السبيل منه طالب العلم المنقطع، وفي سبيل الله تشمل قطعاً الغزاة والمجاهدين، وتشمل في عصرنا تأهيل الدعاة أيضاً، فالأغنياء عليهم رسالة كبيرة، رسالة كبيرة، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فالآن أمامنا وسائل ضخمة جداً: الكتاب وتربية الداعية وتأهيله والأفلام والتسجيلات، كل هذه تنادي أهل الخير أن من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة كما جاء في الحديث الشريف، والداعي إلى الخير كفاعله، وبلغوا عني ولو آية، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
انتهت أجوبة العسال في تاريخ 27/10/1409 هـ.

المؤتمر الإسلامي العالمي الثاني لمكافحة المسكرات والمخدرات:

الخميس: 27/10/1409هـ ـ 1/6/1989م.
في هذا اليوم عقد المؤتمر الإسلامي العالمي الثاني لمكافحة المسكرات والمخدرات في مقر الجامعة الإسلامية العالمية في إسلام أباد.
افتتح المؤتمر رئيس جمهورية باكستان الإسلامية: غلام إسحاق خان في الساعة العاشرة صباحاً.
وألقى الدكتور عبد الله بن عمر نصيف كلمة ترحيب.
وألقى الدكتور حسين حامد حسان كلمة شكر، وهو رئيس الجامعة.

كلمة رئيس جمهورية باكستان الإسلامية:

ألقى كلمة ضافية باللغة الإنجليزية، ووزعت على الحاضرين مطبوعة باللغة العربية أيضاً في افتتاح المؤتمر العالمي الإسلامي الثاني لمكافحة المسكرات والمخدرات المنعقد في إسلام أباد خلال الفترة 26شوال إلى 28منه سنة 1409هـ:
صاحب المعالي الدكتور عبد الله عمر نصيف: الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي.
سعادة الدكتور محمد أفضل راعي الجامعة الإسلامية العالمية.
سعادة الدكتور حسين حامد حسان رئيس الجامعة الإسلامية العالمية.
حضرات الأعضاء والضيوف المحترمين.
حضرات السيدات والسادة.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
إنه لمن دواعي اغتباطي أن التقي هذا الصباح بهذه الشخصيات البارزة، التي اجتمعت هنا للتشاور وتبادل الرأي حول سبل التصدي لِتَحَدِّ ماثل أمام البشرية... تحد مخيف من حيث الحجم، وعالمي من حيث الأبعاد، إن رابطة العالم الإسلامي والجامعة الإسلامية العالمية في إسلام أباد تستحقان بصدق شكرنا وامتداحنا، لقيامهما بتنظيم هذا المؤتمر الثاني من نوعه، وكأن البشرية ليس لديها من المشكلات ما يثقل كاهلها، فإن البعض بدافع من الجشع تارة، ومن الوضاعة تارة أخرى، قد وضعوا أمامها تحدياً جديداً يزلزل أسس المجتمع الإنساني المتحضر، واعني بذلك مشكلة الإدمان وإساءة استخدام العقاقير.
إن هذه الظاهرة الجديدة تضع البشرية أمام مشكلة لا تقل بعثاً على الألم من مشكلة المجاعات، ولا تقل خطراً عن الأوبئة، ولا تقل فيما تحدثه من كوارث عن الحروب، ومما يزيد من القلق كونها من صنع الإنسان نفسه، إذ لا يمكن توجيه اللوم إلى الفيروس أو أحد عناصر الطبيعة فيما يسوق أبناءنا إلى حتف صامت.
إن الجشع والنَهَم عند البعض لتحقيق الكسب المادي السريع، والحالة العقلية والنظرة المريضة للحياة عند البعض الآخر، ممن يسعون للهرب من حقائق الحياة، هما المسئولان عن انتشار هذا السم البطيء.
ولما كانت المشكلة من صنع الإنسان فإنها يجب ألا تكون فوق مستوى فطنته للتوصل إلى حل لها، وما كان هذا المؤتمر لينعقد إلا للبحث عن هذا الحل.
وعلى الرغم من الإجراءات الوقائية المنسقة على المستويات القومية والدولية، فإن استخدام المخدرات والعقاقير المحرمة في اضطراد مستمر في كل أنحاء العالم، إنه وباء عالمي يهدد كل شعب وكل مجتمع بدرجات متفاوتة، وعالمنا الإسلامي ليس استثناء من هذه الحالة.
ففي الباكستان وحدها يوجد في الوقت الحاضر حوالي 1.9 مليوناً من المدمنين منهم 660 ألفاً من مدمني الهيروين، ومن الاتجاهات الأكثر خطورة في بلدنا استخدام الهيروين مخلوطاً مع العقاقير التخليقية، مما يجعل الخليط أكثر خطورة في تأثيره ويجعل مدمنيه بالتالي من الحالات التي تستعصي على الشفاء.
لماذا يتعاطى الناس المخدرات والعقاقير المخدرة متجاهلين المخاطر المصاحبة لذلك؟
تشير التقارير البحثية والمؤلفات التفسيرية فيما يقرب من الإجماع، إلى أن الاعتماد على المخدرات في تحليله النهائي مرده إلى ظاهرة "الهروبية" وهي الرغبة في الابتعاد عن الحقائق والمشكلات الأسرية والتوترات الاجتماعية والضائقات المالية ومعاناة الحرمان... بل وحتى الهروب من الذات.
ولكن هل الهروب من مواجهة حقائق الحياة على هذا النحو الذي لا يقل عن كونه انتحاراً أمر ممكن حقاً؟
ربما تلغي المخدرات وعي الإنسان، وتخلق إحساساً خادعاً بالتخلص من أسباب القلق، ولكن المشكلات لا يمكن حلها بمجرد النسيان اللحظي لها، فهي تبقى تؤرق فكر الإنسان وتقض مضجعه.
إن عالماً بلا مشكلات محض خيال لا يمكن تحقيقه، وطالما كانت هناك حياة فالمشكلة صنوها، يقول الله تعالى في كتابه الكريم: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ} [البلد: 4] لقد أكرمنا الله بأن جعلنا اتباعاً للرسالة الإلهية الخاتمة التي رسمت لنا منهج السلوك، باشتمالها على أرقى المثل والمستويات الأخلاقية، إنها تكفل مجتمعاً متآلفاً ومنسجماً، إنها تمثل نظاماً يجعل الوفاء باحتياجات الفرد وتخفيف ما يكابده مسئولية جماعية.
إن تعاليمها السامية تشيع في الإنسان الرضا والقناعة تجعله في ألفة مع نفسه ومع الآخرين، وتوجهه للوفاء بالتزاماته نحو نفسه وأسرته وإخوانه البشر ونحو خالقه سبحانه وتعالى.... إنسان له غرض يحيا من أجله وأمل يعيش به... إنسان يعرف وجهته في هذه الحياة الدنيا ومصيره في الحياة الآخرة، ويعرف أيضاً السبيل إليها، ولكونه عاقلاً مؤمناً فإنه ليس لديه سبب وينبغي ألا تكون لديه أي رغبة للجري وراء سراب.
وإذا أنشأنا مجتمعاً إسلامياً حقاً، فإنه يوفر بيئة تعين على تطوير الشخصية الإنسانية على نحو يندر معه أن يشعر الإنسان بالوحشة والإحباط، وإذا عدنا إلى الله في حياتنا الأسرية والاجتماعية، فإن أبناءنا لن يلهثوا وراء مصادر التعزيز الاصطناعي لمواجهة الحقائق القاسية، يقول الله تعالى في كتابه العزيز: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} [الزمر: 36] بالطبع إن الله كاف كل عباده.. ولا سبيل لنا إلا بابتغاء الوسيلة إليه، حتى نستجمع قوانا لمحاربة كل قوى الشر والدمار، وحينئذ لا تكون بالإنسان حاجة إلى المخدرات والمسكرات لتحقيق حالة من الرضا والإحساس الكاذب، بل إنه يجد وبقدر وافر كل الرضا الذي يسعى إليه في ذكر الله. يقول الله تعالى في محكم التنزيل: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}. [الرعد: 28].
وهكذا يملك المجتمع الإسلامي الدرع الواقي لحمايته من شبح المخدرات، وغاية ما نحتاج إليه هو هجمة شاملة ومنسقة، فالآباء والمدرسون والأصدقاء ورفاق العمل والعلماء والسياسيون والعاملون في الحقل الاجتماعي وقادة المجتمع والكُتَّاب ورجال الإعلام ـ كل من هؤلاء جميعاً ـ يجب أن يقوم بدوره، ويجب أن يؤدي دوره كل من يستطيع بحكم موقعه أن يؤثر في تفكير الناس وسلوكهم، سواء فردياً أو بالجهد الجماعي المنسق، لإيجاد شعور بالنفور من المخدرات وتعزيز العقوبات الاجتماعية ضد استخدامها، وينبغي أن يكون الهدف النهائي إيجاد بيئة تثير فيها مجرد فكرة تعاطي المخدرات والمسكرات رفضاً وازدراءً اجتماعياً.
وبالإضافة إلى ذلك فإننا ربما نعيد النظر في أسلوبنا نحو مستخدمي المخدرات في الوقت الحاضر، ينظر إلى هؤلاء على أنهم مرضي في حاجة إلى العلاج ويستحقون العطف، إن هذه بالتأكيد نظرة إيجابية على المستوى الإنساني، ولكن إذا ما أخذنا في الاعتبار أن إشباع رغبات هؤلاء المدمنين هو الذي يشجع ويزيد إنتاج المخدرات المحرمة قانوناً والاتجار فيها، فلا بد أن ندرس ما إذا كان الوقت قد حان لمعاملتهم بطريقة مختلفة قليلاً، إنني أعتقد أن ذلك سيكون أكثر تمشياً مع جوهر التعاليم الإسلامية.
وأنتقل الآن إلى مشكلة الاتجار في المخدرات، إن الأرباح الخيالية التي يدرها الاتجار في المخدرات، قد شجعت الضالين المضلين على الانخراط في هذا الاتجار غير المشروع، برغم ما يحفه من مخاطر، إن السعي وراء المال والأرباح الضخمة قد أمات ضمائرهم وأغواهم بإلحاق الضرر بالحياة، حياتهم وحياة الآخرين، ولهذه التجارة عصاباتها، وقد انتشرت ونمت كواحدة من أكثر الجرائم تنظيماً، وهي لا تعرف حدوداً جغرافية أو سياسية، وكثيراً ما يلقى باللائمة على أعتاب ما يعرف بــ(دول المنشأ)، ولكن الخطأ ليس خطأها وحدها، فإذا كان المشي وراء الأرباح الفلكية يجعل أوقية هيروين تجد طريقها إلى شوارع نيويورك، فإن الخطأ لا يقع فقط على البلد الذي أنتج فيه الهيروين بعيداً عن الرقابة، بل يقع بنفس القدر على البلاد التي مرت من خلالها دون متابعة، وعلى البلد الذي دخلت أسواقه في النهاية دون ضبط.
إن هذه الحقيقة الجلية تؤكد الحاجة إلى مزيد من التعاون والتنسيق وتبادل المعلومات بين كل الوكالات الوقائية والعلاجية العاملة داخل أي بلد، وكذلك على المستوى العالمي، وإنني لعلى ثقة من أن المؤتمرات الدولية ـ مثل مؤتمركم هذا ـ سوف تخلق تفهماً وتساعد على نشر التنسيق الفعال في الجهود والخطط العالمية لمكافحة الخطر، إن الإدمان وإساءة استخدام العقاقير مشكلة دولية، والاتجار في المخدرات جريمة دولية، ويجب أن نشارك في الحملة الدولية ضدهما بكل طاقتنا ودون أية تحفظات على كل المستويات.
وفيما يتعلق بالباكستان فقد دعمت وشاركت في الماضي في كل الجهود الدولية ضد الإدمان وإساءة استخدام العقاقير، وهي الآن تواصل ذلك وسوف تستمر في المستقبل في دعم هذه الجهود، باعتبار ذلك التزاماً دينياً وواجباً أخلاقياً نحو الإنسانية جمعاء.
وعلى المستوى القومي علينا أن نزيد من قوة هيئات تطبيق القانون وصياغة الأطر القانونية وإدخال قوانين أكثر صرامة وعقوبات أكثر ردعاً، كما أن علينا أن نسد كل الثغرات في البيئات الإدارية والتي ينتج عنها تسيب ولا مبالاة وفساد.
ولقد حالف التوفيق الجهود في الباكستان لإيجاد جهاز كفء ونظيف لتنفيذ القانون، وللتدليل على نجاحنا يسرني أن أخبركم أن إنتاج الأفيون تناقص عام 1988م إلى حوالي 150 ـ 200 طناً مترياً وذلك من 800 طن متري عام 1979م وبالمثل فقد تمت عام 1988م مصادرة 6213 كيلاً من الهيروين و3679 كيلاً من الأفيون و129.847 كيلاً من الحشيش وتم القبض على 47.346 شخصاً، ويعمل حالياً بالباكستان 26 مركزاً علاجياً وتأهيلياً، نجحت حتى الآن في علاج حوالي 75 ألفاً من المدمنين كما تم تدريب ما يزيد عن1200 طبيب عام من ذوي العيادات الخاصة على علاج المدمنين، 3500 من المتطوعين للعمل الاجتماعي على إعداد المجتمع ضد تعاطي المخدرات، كما يوجد حوالي 50 هيئة غير حكومية تعمل بشكل أو بآخر من أجل القضاء على خطر المخدرات، ولعلكم توافقون على أن هذه الأرقام مشجعة، ولكنها لا تعد سبباً للتراخي، وطالما أن هناك طلباً على المخدرات، وأنه لم يتم شفاء كل المدمنين وإعادة تأهيلهم، فلا بد أن نستمر في مضاعفة جهودنا.
إن الحكومة الديمقراطية الجديدة قد أكدت مرة أخرى وبشكل صريح على مكافحة هذه المشكلة، وهي تدرس حالياً عدة خطوات إدارية وقانونية من شأنها أن تحسن ملامح الصورة عن المخدرات في باكستان.
إن مناقشات هذا المؤتمر وحكمة وخبراء المشاركين فيه، سوف تكون مصدر إلهام وتوجيه لواضعي السياسات والمسئولين عن مكافحة المخدرات، وسوف تسهم إسهاما فعالاً في جعل جهودنا الوطنية في هذا الصدد أكثر مغزى وفاعلية.
مرة أخرى أهنئ الجامعة الإسلامية العالمية على قيامها بهذه المبادرة، بالتعاون مع رابطة العالم الإسلامي، وفي الختام أتمنى لمؤتمركم كل نجاح وللمشاركين فيه طيب المقام في الباكستان. انتهت كلمة رئيس الدولة الباكستانية في مؤتمر مكافحة المسكرات والمخدرات في مدينة إسلام أباد.

اللهم اقطع يد من سرقها!

بعد أن انتهى حفل الافتتاح ـ ومدته ساعة واحدة ـ وضعت حقيبتي ـ وهي الحقيبة التي وزعها المؤتمر على الأعضاء المشاركين ـ على المقعد الذي كنت أجلس عليه، ووقفت أكلم الدكتور ظفر إسحاق، وليس بيني وبين الحقيبة إلا ثلاثة أو أربعة صفوف من المقاعد، ولم يدم وقوفي مع الدكتور أكثر من خمس دقائق، عدت بعد ذلك إلى مقعدي فلم أجد الحقيبة، وظننت في أول الأمر أن أحد الأعضاء أخطأ فأخذها ظناً منه أنها حقيبته، فإذا فتحها فسيجد فيها ما يدل على أنها ليست له وسيعيدها ويبحث عن حقيبته، وبلغت بذلك رئيس الجامعة الدكتور حسين حامد كما بلغت الدكتور عبد الله عمر نصيف وغيرهما من أجل التحري والإعلان عنها.
وكان السبب الأهم في حرصي على الحقيبة أن فيها أرقام هواتف الإخوة الذين سأتصل بهم في البلدان التي سأزورها وعناوينهم، والبلدان التي سأزورها كثيرة وهي: الهند وتايلاند وماليزيا وسنغافورة وبروناي والفلبين وتايوان وهونغ كونغ ـ وكذلك فيها عناوين وأرقام هواتف أصدقاء في المملكة العربية السعودية، وفي أوروبا وأمريكا وغيرها من البلدان سجلتها كلها في آلة (مفكرة صغيرة ـ كاسيو).
وكانت فيها قصيدة بعنوان: "هذه دولتي فأين رجالي؟" أنشأتها بعد زيارتي لقادة الأفغان في بيشاور كما سبق، وفيها بعض أوراق المؤتمر ومنها كلمة رئيس الجمهورية.
وقد سلم الله أن لم يكن بها جواز السفر، ولا التذاكر ولا النفقات ـ ما عدا مائة وخمسين دولاراً أمريكياً.
وقد أخذتني الدهشة من سرقتها في هذا المكان الذي لم يدخله إلا أعضاء المؤتمر، ومسئولو الدولة ورجال أمنها العسكريين والمدنيين، ورجال الإعلام وموظفو الجامعة وعمالها، ولا يوجد في القاعة إلا من يحمل بطاقة المؤتمر على صدره!
وزادت دهشتي أن سرقتها كانت بعد خروج رئيس الجمهورية بخمس دقائق فقط.
وأخذت أفكر في الصنف الذي يمكنه سرقتها في هذه المناسبة فدار بخاطري صنفان لا داعي لذكرهما، وقلت على الفور هذه الأبيات..
وقد اشتد غضبي على سرقة حقيبتي لفوات العناوين التي جمعتها من فترة طويلة، في تسعة بلدان في جنوب آسيا وجنوب شرق آسيا، في رحلة طويلة، ونظمت أبيات عبرت فيها عن ذلك الغضب، فقلت:

قصيدة غاب البتار!

خذ ما تشاء وطِرْ في الأرض جذلانافسوف تلقى الجزا يا نكسُ خسرانا
واقطع طريقاً على من ساح محتسباًيرجو من الله توفيقاً وغفرانا
واغطس بمستنقع الأوحال مغتبطاًوكن من الخلق للإفساد جرذانا
فأنت في القوم للأقذار مدخروهل رأيت بصف الطهر جعلانا
لو كان كفك للبتار منتظراًعلى الخيانة حسب الشرع ما خانا

نعم لو كان السارق يعلم أن السيف ينتظره ليقطع كفه الخائنة، لما أقدم على السرقة وبخاصة بعد خروج رئيس الجمهورية مباشرة!
وقد انتقل أعضاء المؤتمر من قاعة الجامعة الإسلامية العالمية إلى إحدى قاعات فندق إسلام أباد، لأن القاعة في الجامعة لم تكن مكيفة وكان الجو ساخناً.

عهدان مختلفان:

وهنا تذكرت الفرق بين مؤتمر الإعجاز العلمي العالمي الذي عقد في إسلام أباد في عهد ضياء الحق من 18 ـ 21 أكتوبر سنة 1978م وبين هذا المؤتمر الذي عقد في عهد غيره، فقد اهتم ضياء الحق بمؤتمر الإعجاز العلمي، وخصص له قاعة المؤتمرات الكبرى وتوابعها، وافتتح المؤتمر وتابعه وأضاف المؤتمرين واختتم المؤتمر، وأكرم كبار أعضائه إكراماً جزيلاً.
أما هذا المؤتمر فكان مثل اليتيم الذي مات أبواه جميعاً، يعرف ذلك كل المشاركين فيه.
وفي مساء هذا اليوم قال لي الدكتور عبد الله بن عمر نصيف إننا غداً سنذهب إلى الجامعة الحقانية لنصلي فيها الجمعة وأرغب أن ترافقني فقلت لا بأس.

إلى الجامعة الحقانية:

الجمعة: 28/10/1409هـ ـ 2/6/1989م.
في الساعة الحادية عشرة تقريباً ـ وكنا في إحدى جلسات المؤتمر ـ هتف لي الدكتور عبد الله بن عمر نصيف فخرجت، فقال: هيا نذهب، ستفوتنا صلاة الجمعة! قلت: كيف تفوتنا وهم يصلون هنا ما بين الثانية والنصف والثالثة والنصف؟ قال: المكان بعيد، وكنت أظن أن الجامعة الحقانية في نفس مدينة إسلام أباد.
وكنت لابساً ثوباً سعودياً وطاقية باكستانية ـ من الجلد ـ فقلت: هل أستطيع أن أغير لباسي، قال: لا. فذهبت سعودي الثوب باكستاني القلنسوة، وكان لذلك أثره عليّ كما سيأتي.
فذهبنا واستغرق سيرنا بالسيارة ساعة ونصف الساعة.
والقرية التي أسست فيها هذه الجامعة قريبة من مدينة بيشاور.
وعندما اقتربنا من مقر الجامعة رأينا الجماهير قد اصطفت صفين على جانبي الطريق بأعداد كثيرة، ولم نكن ندري من هؤلاء الناس في أول الأمر، ولكن تبين لنا عندما وصلنا أنهم طلاب الجامعة وأساتذتها وأهل القرية، اجتمعوا أو جمعوا للترحيب بالدكتور عبد الله عمر نصيف الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي.
وعندما أخذت السيارات التي كانت تقلنا تشق طريقها وسط هؤلاء الجماهير، أخذوا هم يرددون التكبير والأناشيد باللغة العربية واللغة الأردية.
وعندما نزلنا أخذ الناس يتدافعون نحو الدكتور، يكادون يهدون الجدران بل يكاد بعضهم يدوس بعضاً، وكانوا ـ مع شدة تدافعهم ـ يوسعون للضيوف من العرب ويقول بعضهم لبعض: عرب عرَب، أي وسعوا الطريق للعرب.

صراع الثوب السعودي والطاقية الباكستانية!

أما أنا فقد لَبَّسْتُ على تلك الجموع بلباسي المختلط، فكان ثوبي عربياً وطاقيتي [وتسمى عندهم: توبي] باكستانية.
فكان الذي ينظر إلى رأسي يعاملني معاملة الباكستانيين ويدفعني ولا يبالي، والذي ينظر إلى ثوبي يحترمني ويوسع لي، ولكن الجموع الغفيرة ما كانت مستعدة للتأمل في الثوب لتحترم صاحبه، فكان الذين يدفعونني هم الغالبية العظمى!
تمنيت وقتها أن أكون لابساً طقماً كاملاً من اللباس العربي ـ بما في ذلك المشلح "العباءة" بل والعقال الذي لم ألبسه في حياتي إلا يوماً واحداً، لأكون مع زملائي العرب، وبخاصة أن الدكتور عبد الله بن عمر نصيف كان حريصاً على أن أكون بجانبه فقد كان يلتفت إلي، وتارة يحاول مسكي بيده، ولكنه غلب على أمره.
ووقف صفوف من التلاميذ الصغار وأخذوا يطيعون أوامر مدربهم: يمين يسار، أمام قف، وأنشد بعضهم بعض الأناشيد.
ثم تقدم أحد الأساتذة ورحب بالدكتور وضيفه، وأثنى على الرابطة ومساعدتها للمسلمين وشكا حاجة الجامعة إلى الدعم.
ثم طلبوا من الدكتور أن يدعوا فتقدم ورفع يديه ودعا وهم يؤمنون.
ثم ذهبنا إلى المسجد وأخذ الناس يتدافعون، وغَلَّبت أنا قلنسوتي، فتأخرت متعمداً خشية أن يدفعوني حتى أسقط.
ولم أكن متوضئاً، فملت إلى الميضأة وتوضأت، ثم نظرت إلى المسجد وقد دخل الضيوف، ولم يبق موضع يمكن للمرء أن يدخل منه، وتوجد في مؤخرة المسجد مظلة قد امتلأت بالناس بدون فرش، والجو ساخن، فحاولت أن أجد مكاناً في تلك المظلة، ونظر أحد المصلين إلى ثوبي فعرف أني عربي، فوسع لي وفرش لحافه أمامي فقعدت.
وكان من ضمن الحاضرين الشيخ صبغة الله مجددي رئيس دولة أفغانستان وابنه ذبيح الله وبعض حراسه.
وعندما رآني صبغة الله الذي قابلته قبل أيام في بيشاور، قبل أن يدخل المسجد تأمل في وجهي، ثم قال لي: لقد صعب على أن أتعرف عليك، وما عرفتك إلا بعد تأمل.
وقام الشيخ سميع الله رئيس الجامعة، فألقى كلمة ترحيب بالدكتور والضيوف وعَرَّف بالمدرسة، وذكر أن كبار قادة الأفغان تخرجوا منها، وأنه يقف ضد أي محاولة لتنفيذ القوانين وأنه يتعاون مع العلماء والاتحاد الجمهوري الإسلامي لإقامة حكم الله في باكستان، ثم طلب من الشيخ صبغة الله مجددي أن يلقي كلمة، فتحدث عن الجهاد والإخلاص فيه وحث على مواصلته ضد أعداء الله.
ثم طلب من الدكتور عبد الله نصيف أن يلقي كلمة، فتحدث عن طلب العلم والاجتهاد فيه وأنه نوع من أنواع الجهاد.
وكان هذا كله قبل صلاة الجمعة، والناس يتزاحمون على باب المسجد من أجل أن يشاهدوا الضيف.
وعندما التفت الدكتور عبد الله نصيف، فلم يجدني بجانبه في داخل المسجد أخذ ينادي بمكبر الصوت: الدكتور عبد الله القادري!
ولكن القادري تجاهل النداء، فقد حظي بمكان يصلي فيه، ولا يمكنه التحرك إلى داخل المسجد، وبعد الصلاة جاء شاب من المدرسة يلتمسني، وأخذ بيدي وأخرجني من بين الناس الذين أخذوا يوسعون لي، وقد تيقنوا أنني ضيف عربي، وذهبنا إلى منزل الشيخ سميع الله لتناول طعام الغداء.
وفوجئت بوجود الشيخ عبد الحميد الزنداني اليمني هناك الذي رآني قبل أن أراه وأعجبه منظر الطاقية والثوب فأخذ يبتسم، وبعد الغداء رجعنا إلى إسلام أباد.

معلومات عن الجامعة الحقانية:

[نشرت في مجلة البنيان المرصوص في عددها (30) رجب 1410هـ / فبراير 1990م، بعنوان (الجامعة الحقانية مصنع الرجال ومعسكر القادة)].
تقع في قرية أكورة ختك على بعد خمسة وخمسين كيلو متراً شرقي مدينة بيشاور باتجاه إسلام أباد.
كتب الله للبنيان المرصوص [اسم مجلة] أن يكون لها حظ في تعريف الناس بمعقل من معاقل إعداد العلماء المجاهدين التي يندر وجودها في زماننا هذا، لم تسلط عليه الأضواء، لأنه لا يسير في سبيل التزلف للحكومات والانزلاق في منحدرات المادة، وبالتالي لا يقصده الأساتذة المشهورون ليدرسوا فيه، ولقلة الموارد لا يستطيع القائمون عليه أن يدفعوا مرتبات ضخمة للأساتذة، ومبناه بسيط لكنه جميل، وقريته فقيرة ليس فيها شارع إلا أزقة ترابية، ولا يقوم أحد بالدعاية لها ولا يدرس فيها إلا طالب علم حق وعمل مخلص وجهاد في سبيل الله.
كان لقاؤنا مع رئيس الجامعة الشيخ سميع الحق أمين عام جمعية علماء الإسلام وابن مؤسس الجامعة الشيخ عبد الحق رحمه الله، وإليه تنسب الجامعة "الحقانية".
حدثنا الشيخ سميع الحق عن تاريخ الجامعة ونشأتها وعلاقتها بالجهاد الأفغاني وأمور أخرى فقال: قبل قيام باكستان كانت المنطقة تفتقر إلى المدارس ومعاهد العلم، خصوصاً إقليم سرحد الذي عاصمته بيشاور، وإقليم بلوشستان، فمن أراد العلم كان يطلبه في دار العلوم في ديوبند " التابعة للهند حالياً "... وبعد أن قامت دولة باكستان على اعتبار إسلامي أحس الناس بضرورة الجامعات الإسلامية، وكان والدي الشيخ عبد الحق رحمه الله متخرجاً من دار العلوم في ديوبند، وقد عين أستاذاً فيها، حتى انفصال باكستان عن الهند، ثم جاء زائراً لقريته أكورة ختك التي ولد فيها، وكانت الطرق بين الهند وباكستان قد قطعت عند التقسيم، فاجتمع تلامذة والدي في القرية والذين كانوا يدرسون عليه في الهند وقرروا مواصلة الدراسة في قريتهم مؤقتاً، حتى فتح الطرق، ولم يكن الشيخ عبد الحق رحمه الله قد خطط للإقامة في أكورة ختك، لكن شاء الله أن يمكث وأن تقام هذه الجامعة الموقرة، وكتب الطلاب على جدرانها اسمها الذي اختاروه لها: "الجامعة الحقانية" كان ذلك في ذي القعدة 1344هجري سبتمبر 1947م.
بدأت قافلة التعليم في الحقانية مسيرتها في المسجد الذي يجاوره بيتنا لمدة خمسة عشرة سنة ثم انتقلت إلى مبنى الجامعة الحالي.
وفي سؤال حول علاقة الجامعة بالحكومات الباكستانية من ناحية المساعدات أو تطبيق المناهج أجاب الشيخ سميع الحق:
إن جامعتنا لا تقبل الدعم من الحكومة الباكستانية ولا من أي جهة أخرى، رغم أن الحكومة قدمت المساعدات مرات عديدة، لكنا رفضناها لتبقى إدارتها حرة والتعليم فيها حراً، ومواردنا تعتمد بعد الله على تبرعات المسلمين عامة في باكستان وخارجها، فمن يثق بالجامعة يرسل تبرعاته بنفسه، ونحن متوكلون في هذا الأمر على الله، والأساتذة يتقاضون مكافآت قليلة جداً.
أما ما يخص المناهج، فجامعتنا لا تطبق المنهج الحكومي بحذافيره، لأنه بتطبيقنا لمناهجهم ما تكون ثمرة جهودنا مرضية، وما استطاع الخريجون ـ كما الحال مع خريجي معاهد الحكومة ـ أن يدافعوا عن الحق وبالتالي لا يكونون أحراراً فيما يقولون ويعملون، ونحن بمناهجنا الحرة نقدم دعاة وعلماء وقادة جهاد أسياد كلمة وعمل.
وفي سؤال حول علاقة الجامعة الحقانية بالجهاد عموماً وبالجهاد الأفغاني خصوصاً، أجاب الشيخ سميع الله قائلاً:
علاقة الجامعة بالجهاد تعود إلى أيام السلطان محمود الغزنوي رحمه الله حيث إن أجدادي من أفغانستان من قرية قرب ولاية غزني، جاؤوا إلى هنا مع السلطان محمود الغزنوي مجاهدين تحت إمرته واستوطنوا أكورة ختك.
وأخذت الجامعة على عاتقها إعداد أفواج من العلماء الذين يفضلون الشهادة على الحياة الدنيئة، وفي منطقة أكورة ختك دارت معارك عنيفة بين المسلمين والإنجليز، قادها الشهيدان سيد أحمد وإسماعيل، أريقت فيها دماء خيرة قادة المجاهدين في سبيل الله، منهم سيد أحمد في بالاكوت، وقد نصر الله عباده المجاهدين على الكفرة الإنجليز في هذه البقعة من الأرض.
ولما حكم الشيوعيون أفغانستان بدأوا يعتقلون العلماء ويعذبونهم ويسألون في التحقيق: ما علاقتكم بالجامعة الحقانية؟ ولماذا أنتم متعلقون بها؟ إنها جامعة أنشأها الإنجليز لتؤلب العلماء فيها ضدنا.
وقد تخرج في جامعتنا العديد من المجاهدين الأفغان وقادتهم، منهم الشيخ يونس خالص مكث في مسجدها دارساً سنتين وقرأ على شيخها عبد الحق رحمه الله المنطق وجامع الترمذي في الحديث ومنهم الشيخ المجاهد جلال الدين حقاني وبعد تخرجه عين مدرساً فيها لمدة أربع سنوات.
يقول الشيخان محمد يونس خالص وجلال الدين حقاني: كنا نشعر أثناء الدراسة بضرورة إيقاظ روح الجهاد، وكنا نرجو الله أن يتيح لنا فرصة أن نقاتل في سبيله أعداءه، ثم نلقى الله شهداء على هذا الدرب المبارك، كما درس وتخرج فيها مئات من غيرهما من المجاهدين، منهم من استشهد مقاتلاً في سبيل الله مثل: الشيخ فتح الله والشيخ أحمد جل والشيخ محمد الله بن الشيخ عبد القادر دخل المعارك ضد الروس، ثم أسر من قبلهم واستشهد في السجن إثر التعذيب، والشيخ شيرا جان استشهد في الأسر، والشيخ محمد أيوب قندهاري، والشيخ صلاح الدين بن الشيخ مبين، والشيخ عبد الخالق بن سفر محمد، والشيخ محمد سروس ضياء بن الشيخ غلام سيد جان محمد بن خواجه محمد، والشيخ عبد الكريم، والشيخ محمد سعيد بن محمد مرجان، والشيخ محمد نعيم بن الشيخ مخدوم، والشيخ عبد الوهاب بن محمد أكرم، استشهد بعد أن درس في الجامعة النورية في كابل، والشيخ غلام محمد بن مسافر خان كل هؤلاء شهداء تخرجوا في الجامعة الحقانية، وغيرهم كثير.
وأثناء الإجازة الصيفية تحرص الجامعة على أن يذهب الطلاب إلى جبهات الجهاد وتحثهم على نيل شرف الجهاد في سبيل الله، وفي حالات الطوارئ والنفير العام تجهز الجامعة مجموعات من طلابها وترسلهم إلى الجبهات، كما حصل مرة أن طلب الشيخ جلال الدين حقاني من الشيخ عبد الحق رحمه الله أن يمده بمدد من طلاب العلم، فأرسل له خمسة وستين طالباً مجاهداً وجهزهم بأسرع ما يمكن، وبهذا تكون سياسة الجامعة أن يكسب الطلاب الخيرين العلم والجهاد.
وقادة المنظمات الجهادية يحبون جامعتنا ويجلونها، حيث لمسوا توجه جامعتنا المخلص نحو الجهاد وانتصاراته، وأن من أهم أهدافنا: الحفاظ على سمعة الجهاد الأفغاني من التحريف والتشويه، ولكوني نائب رئيس التحالف الإسلامي الديمقراطي وأثناء كتابتي لبنود دستور التحالف، اتفقنا أن يكون منها: الدفاع عن الجهاد الأفغاني ودعمه حتى الانتصار إن شاء الله تعالى.
وفي خطتنا بعد فتح أفغانستان بنصر من الله أن نوحد عشرات العلماء خريجي جامعتنا الذين يجاهدون الآن، ولهم مدارس هناك نوحدهم تحت إدارة واحدة إن شاء الله.
وحول علاقة الجامعة الحقانية بالجامعات الأخرى أجاب الشيخ سميع الحق:
منطقة أكورة ختك نائية، لهذا لا تأتينا وفود الجامعات سوى بعض جامعات كراتشي، أما سفارات الدول الإسلامية فلا اهتمام لها بجامعتنا رغم كبرها، ولا علاقات لنا بالجامعات الإسلامية في العالم عدا جامعة الدعوة والجهاد في حي الهجرة في بابي، حيث تربطنا بها علاقة قوية.
كما أننا لا نملك إمكانات لطبع جريدة أو منشورات باللغة العربية، ونحن نشعر بضرورة الاتصال بالعالم الإسلامي وتعريفه على جامعتنا التي نرى أنها ذات مستوى رفيع، كما قال الشيخ محمد البشير الإبراهيمي الجزائري رحمه الله حين زار جامعتنا قال عنها: "قد يوجد في النهر ما لا يحويه البحر".
سألنا الشيخ سميع الحق عن كبار زوار الجامعة منذ تأسيسها فأجاب:
زارنا الشيخ محمد البشر الإبراهيمي والشيخ محمود الصواف والشيخ عبد الفتاح أبو غدة والشيخ عبد المجيد الزنداني والشيخ عمر سيف والشيخ محمد فتحي ورئيس الجامعة الإسلامية في إسلام أباد والدكتور محمد طيب النجار، وغيرهم من كبار العلماء.
وقد تخرج في جامعتنا ما يقارب خمسة آلاف عالم، ثلاثة آلاف منهم تقريباً من الأفغان، ثم التقت البنيان المرصوص بالشيخ غلام الرحمن مفتي الجامعة الحقانية، وقد درس الشيخ في هذه الجامعة ست سنوات، ثم عين أستاذاً فيها قبل اثني عشر عاماً، عهد إليه بالإشراف على النظام التعليمي فيها.
وقد حدثنا الشيخ غلام الرحمن عن مستويات التعليم في الجامعة فقال:
جامعتنا فيها ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: المدرسة الإعدادية حتى الصف العاشر لطلاب المدارس الحكومية الذين لا يستطيعون تخصيص كل وقتهم الدراسي للعلوم الشرعية، فهؤلاء تدرسهم العلوم العصرية مع دروس في تحفيظ القرآن، العقائد والفقه والتوحيد الإسلامي.
والمرحلة الثانية: مرحلة التجويد وحفظ القرآن وفيها مائتان وخمسون طالب.
والمرحلة الثالثة: مرحلة العلوم الشرعية المتقدمة، يلتحق فيها طلاب المرحلتين الأولى والثانية، ومدة الدراسة في هذه المرحلة عشر سنوات، يحصل الطالب فيها من علوم اللغة العربية والشريعة بتركيز وجهد يحتاج في غيرها من الجامعات إلى ست عشرة سنة.
ولنا نظامنا الخاص في متابعة الطالب: دراسياً وسلوكياً ومتابعة الحضور والغياب على ضوئه يحدد جدوى استمرار الطالب أم لا.

تنبيهان مهمان:

الأول: شدة حب الناس للعرب وتقديرهم لهم يظهر ذلك في الترحيب الحار بهم واحترامهم.
وسبب هذا الاحترام أن العرب هم الذين قام هذا الدين على أكتافهم في أول الأمر، والقرآن نزل بلغتهم والرسول صلى الله عليه وسلم منهم.
ولو أن العرب التزموا هذا الدين وطبقوه في حياتهم ولم يتخلوا عنه إلى غيره من المبادئ والمذاهب الهدامة في أغلب الدول العربية، لكانوا قدوة حسنة للعالم المتعطش إلى تطبيق هذا الدين، ولما كانوا فتنة لهم بأعمالهم السيئة، ولوجدوا العالم الإسلامي كله ينصرهم في قضاياهم التي أنهكتهم وأذلتهم، وبخاصة قضية فلسطين التي صمم هؤلاء العرب على جعلها قضية عربية بحتة ولا يذكرونها في المناسبات الإسلامية إلا على استحياء.
فمتى يفيق العرب من نومهم ويتمسكوا بدين الله ويجمعوا حوله العالم الإسلامي ليكون ردءاً لهم في نصر الحق؟!.
الثاني: شدة تدين جموع المسلمين ـ وبخاصة الشباب ـ وعندهم عواطف إسلامية طيبة، يحبون الإسلام وانتشاره وقيامه في الأرض، ولكن هذه الجموع يغلب على كثير منها الجهل بالإسلام، والمتعلمون علمهم سطحي لا يفقهون به الإسلام حق الفقه، ولا يفقهون عصرهم وما يدور فيه من سياسة واقتصاد، وما يحاك ضدهم من مؤامرات، وما يجب عليهم أن يعملوه للإسلام ونصره والوقوف ضد أعدائه، ولو يسر الله لها من يجتهد في توعيتها توعية إسلامية ويبصرها بمصالحها وبعدوها، ويغرس في قلوبها الإيمان الصادق، ويربيها على العمل الصالح، لكان لها شأن عظيم في رفع راية الإسلام في الأرض، ولكن طرق التعليم والتربية في العالم الإسلامي لا تؤدي الغرض المطلوب، فبعض الفئات تهتم بالتربية الروحية على غير فقه في الدين، وبعضها تهتم بشيء من العلم دون غيره ولا تهتم بالتربية الإيمانية، فتجد طلاب هذه الفئة عندهم جفاف روحي واهتمام ببعض المشكلات السياسية دون فقه في الدين ولا تربية.
والسبب في ذلك كله أن الأمة الإسلامية لم تجد نموذجاً يجتمع فيه كل ما جاء به الإسلام من علم وتربية ووعي وعمل جاد في الدعوة والجهاد، ولو أن هذه الجماعات التي اهتمت كل منها ببعض جزئيات الإسلام وتخصصت فيها عن علم وفقه وتعاونت مع الجماعات الأخرى فيما اهتمت به وتخصصت فيه، ولم تقف كل منها موقف المعارضة والنزاع، لكان في ذلك كثير من الخير الذي أمر الله تعالى به: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ... } [المائدة: 2] ولكن كثيراً من هذه الجماعات مع تقصيرها فيما قام به غيرها تصر على التنازع مع غيرها وترى أنها قد جمعت في نشاطها ودعوتها كل ما يرضي الله في الدعوة إليه، وأن نشاط غيرها في ذلك لا قيمة له، فوقعت فيما نهى الله تعالى عنه من النزاع المؤدي إلى الفشل ونالت كل جماعة بسبب ذلك ما نالت من الضعف الذي جعل كثيراً من الناس ينفرون من التعاون معها ودعمها، بل لقد سمعت من بعض الشباب الذي كان عضواً فعالاً في بعض الجماعات كلمات تدل على السخط من كل الجماعات الإسلامية ، حيث قال - بعد أن نفر من بعض التصرفات التي لم يتحملها من حيث فهمه لعدم موافقتها لشرع الله ـ : "لقد مللت من تلك التصرفات التي جعلتني أفضل الموت على دين العجائز المسلمات على هذه السير مع هذه الجماعات...! "
وكثير من زعماء المؤسسات الإسلامية يجمعون الشباب حولهم لتأييدهم والتكثر بهم ويحمسونهم فيما يعود عليهم هم بالمنفعة بصرف النظر عن نصر الإسلام وإقامته، ولذلك ترى جماهيرهم تسير في الطريق الذي يرسمونه لهم دون وعي ولا إدراك.
نسأل الله أن يهيئ لهذه الجماهير من يأخذ بيدها إلى الجادة التي يرضاها الله.

قرارات المؤتمر وتوصياته:

قرارات المؤتمر العالمي الإسلامي الثاني لمكافحة المخدرات والمسكرات وتوصياته: وهو المؤتمر الذي المنعقد في إسلام أباد بالباكستان خلال الفترة من 26 ـ 28 شوال 1409هـ الموافق 1 ـ 3 يونيو 1989م.
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
فاستجابة للدعوة التي وجهتها الأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة انعقد المؤتمر الإسلامي العالمي الثاني لمكافحة المخدرات والمسكرات، بمدينة إسلام أباد عاصمة جمهورية باكستان الإسلامية في الفترة من 26 ـ 28 شوال 1409هـ الموافق 1 ـ 3 يونيو 1989م وتم تنظيمه بالتعاون مع الجامعة الإسلامية العالمية في إسلام أباد، وشارك فيه ما يزيد على مائة باحث من مختلف الدول الإسلامية وغيرها، كما شهده ممثلون لبعض الدول ومندوبو الصحف والمجلات ووكالات الأنباء وأجهزة الإعلام الإسلامية والعربية والدولية.
وقد بدأت الجلسة الافتتاحية في تمام الساعة التاسعة والنصف من صباح يوم الخميس 26 شوال 1409هـ الموافق أول يونيو 1989م بقاعة الاجتماعات في الجامعة الإسلامية العالمية بتلاوة آيٍ من الذكر الحكيم، ثم ألقى معالي الدكتور عبدالله عمر نصيف الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي كلمة ترحيب بالمشاركين في هذا المؤتمر، وتحدث معالي الدكتور محمد أفضل راعي الجامعة الإسلامية العالمية عن الأهداف الأساسية للمؤتمر، ثم ألقى فخامة رئيس جمهورية باكستان الإسلامية السيد غلام إسحاق خان الكلمة الافتتاحية للمؤتمر رحب فيها بالوفود، وأكد على أهمية موضوع المؤتمر وأثنى على جهود رابطة العالم الإسلامي في تنظيم هذا المؤتمر بالتعاون مع الجامعة، كما ركز فخامته على أبعاد هذا الوباء وطرق مكافحته على المستويين المحلي والعالمي، مشيراً في كلمته إلى تجربة جمهورية باكستان الإسلامية في إيجاد العلاج المناسب لهذا الخطر، ثم ألقى فضيلة الدكتور حسين حامد حسان رئيس الجامعة الإسلامية العالمية شكر فيها المشاركين في هذا المؤتمر على تلبيتهم الدعوة والمشاركة بأفكارهم البناءة.
وبهذه المناسبة الهامة تلقى المؤتمر رسالة من خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود ملك المملكة العربية السعودية، أعرب فيها عن شكره وتقديره لشعب وحكومة باكستان ولكافة المشاركين في هذا المؤتمر على اهتمامهم وتضافر جهودهم لإيجاد السبل الكفيلة بمكافحة المخدرات، مشيراً حفظه الله إلى اهتمام الشريعة الإسلامية بوضع العقوبات الكفيلة بردع العاملين على نشر وترويج هذه السموم والاهتمام بعلاج المدمنين وتأهيلهم، وأوضح أن المملكة العربية السعودية اتباعاً للمنهج الرباني بذلت كل ما في وسعها للقضاء على هذه الظاهرة السيئة، بما توجبه الشريعة الإسلامية السمحة.
كما تلقى المؤتمر رسالة من دولة رئيسة وزراء باكستان الإسلامية، رحبت فيها بانعقاده على أرض الباكستان بالتعاون بين رابطة العالم الإسلامي والجامعة الإسلامية، مؤكدة أن حكومة باكستان لا تألو جهداً في تيسير كل السبل للمهتمين بمكافحة هذا الوباء الذي استشرى في جسد الأمة الإسلامية، مرحبة بتضافر الجهود الإسلامية والدولية في القضاء عليه.
وإيماناً بأن التعاون بين أهل العلم وأصحاب الرأي والفكر في مقاومة هذه الآفات واجب إسلامي لا بد من النهوض به لوقاية الأمة شر عوامل الفساد والانحراف.
وتأكيداً على أن في الإسلام وحده دواء لكل داء وحلاً لكل مشكلة.
واستمراراً لما بدأه المؤتمر الإسلامي العالمي الأول الذي عقد في المدينة المنورة عام 1982م تحت رعاية الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ونظراً لما لوحظ من تصاعد انتشار المخدرات في كثير من المجتمعات الإسلامية، وتداركاً للمعوقات التي حالت دون تنفيذ معظم قرارات وتوصيات المؤتمر الأول، وبناء على التوصية الصادرة منه بعقد المؤتمر الثاني في إحدى الدول الإسلامية، فقد عقد المؤتمر الإسلامي الحالي الثاني لمكافحة المخدرات والمسكرات في إسلام أباد وناقش ما يزيد عن خمسين بحثاً، وتناولت كافة الجوانب التي تتعلق بمكافحة المخدرات من الناحية التشريعية والطبية والاجتماعية والاقتصادية والقانونية وخط التعاون الدولي.
وخرج المؤتمر بالتوصيات التالية:

أولاً: في المجال التربوي:

(1) يؤكد المؤتمر على أن بناء المجتمعات الإسلامية على هدى الكتاب والسنة في كافة مجالات الحياة، هو العلاج الوحيد لما تواجهه هذه المجتمعات من مشكلات ومخاطر، وعلى الأخص منها مشكلة المخدرات والمسكرات، ولذا يهيب المؤتمر بالدول الإسلامية أن تتخذ الخطوات الجادة والفورية في هذا الاتجاه الذي يعيدها إلى دربها السوي ويحقق رشادها المأمول.
(2) ويدعو المؤتمر إلى ضرورة توظيف المناهج التربوية والخطط التعليمية، التي تبنى في الناشئة مقومات الإنسان السوي ومعالم الشخصية المتوازنة، وتهديه سواء السبيل على المستويين الفردي والجماعي، بما يرسخ في داخله المناعة الذاتية في مواجهة أخطار المخدرات والمسكرات.
(3) ويرى المؤتمر ضرورة أن يتبوأ المسجد دوره التاريخي في تربية رواده وتوجيه طاقتهم توجيهاً رشيداً، وتقديم ما يملأ حياتهم النفسية ويشبع احتياجاتهم الروحية، ويقودهم إلى تحقيق التوازن الاجتماعي، ويجعلهم في حصانة من الوقوع في المخدرات وما تؤدي إليه من تدمير البناء النفسي والعقلي والخلقي والاقتصادي والأسري للإنسان.. ويجب على الأئمة والخطباء أن يؤدوا الدور المنوط بهم في توعية جميع المسلمين بالمخاطر الكامنة وراء التعاطي والإدمان ولهذا يجب أن يعالجوا مخاطر الإدمان وتعاطي المخدرات والمسكرات والتدخين ويجب تنظيم دورات تدريبية للأئمة والخطباء في هذا المجال.
(4) وضع منهج نموذجي لكل المستويات بحيث يتضمن المعلومات الملائمة عن الآثار الضارة للمخدرات والمسكرات والتبغ ويبين الإجراءات التي تردع من يتعاطاها.
(5) توفير الإمكانيات التعليمية للمدرسين لتعزيز فاعليتهم في تدريس هذه المناهج.
(6) استخدام التعليم كوسيلة أولية لإيجاد حالة من النفور من التدخين وتعاطي المخدرات والمسكرات.

ثانياً: في المجال الاجتماعي والعائلي:

(1) يهيب المؤتمر بالأسرة المسلمة ويناشدها ضرورة تحقيق التماسك الأسري والرعاية النفسية الكاملة للناشئة، ومتابعة سلوكهم متابعة واعية يقظة، وتوجيههم توجيهاً تربوياً صحيحاً، ووقايتهم مما يمكن أن تقودهم إليه الصداقات أو العلاقات الاجتماعية غير السليمة أو الأفكار المنحرفة الوافدة من الوقوع في شرك المخدرات، ويدعو المؤتمر كافة الأجهزة المعنية بتوجيه الأسرة ورعاية شؤونها إعلامياً وثقافياً وصحياً واجتماعياً، بالعمل على تقديم كل ما يحقق تثقيفها ويعمق وعيها بوظائفها التربوية والاجتماعية فيما يختص بمجال مكافحة المخدرات.
(2) يناشد المؤتمر أولي الأمر ضرورة إسناد العمل في المؤسسات التي تتولى مهام المكافحة والمتابعة والمراقبة في مجال المخدرات إلى رجال عرفوا بأمانتهم واشتهروا بحسن سمعتهم وسلوكهم الديني.
(3) يهيب المؤتمر بالدول الإسلامية أن تغلق دور اللهو والفساد، لما لها من أثر خطير في انتشار المخدرات والمسكرات والترويج للرذائل، والعمل الجاد على إيجاد البدائل النظيفة لقضاء وقت الفراغ والتسلية البريئة في إطار القيم الإسلامية.
(4) ضرورة تدريب الآباء على مكافحة المخدرات والمسكرات والمساعدة في إعادة تأهيل المدمنين حيث لا يعرف كثير من الآباء الإجراءات المتبعة لإعادة تأهيل المدمنين لممارسة حياتهم الطبيعية بعد شفائهم.
(5) ضرورة تعزيز دور المنظمات التطوعية في مكافحة تعاطي وإدمان المخدرات والمسكرات وإعادة تأهيل المدمنين، وتقديم العون اللازم لدعم برامج هذه المنظمات، وكذلك توفير الحماية لأعضاء المنظمات التطوعية النشطة في مجال المكافحة.
(6) يدرب أصحاب الأعمال على كيفية التعرف على العاملين لديهم الذين ربما يستعملون المخدرات.
(7) استحداث برامج لإحالة العمال الذين يعانون من مشكلات تعاطي وإدمان المخدرات والمسكرات إلى المراكز العلاجية الملائمة.
(8) تحسين أوضاع العمل بوجه عام حتى لا تصبح مشكلات العمل فيه من أسباب استخدام المخدرات.

ثالثاً: في المجال الإعلامي:

(1) ينبه المؤتمر إلى أهمية الدور الذي تقوم به وسائل الإعلام ويدعوها إلى المساهمة في إعداد البرامج الإعلامية التي تنشر الفضيلة وتهدف إلى تعميق القيم عليها في المجتمع الإسلامي الفاضل، والبعد عن بث كل ما يتعارض مع وظيفتها الأساسية ورسالتها المثلى، لتجنيب المجتمع مغبة انحراف أفراده، وخاصة الشباب منهم ووقوعهم فريسة للمخدرات والمسكرات.
(2) يركز المؤتمر على أهمية توظيف الأعمال الفنية بأشكالها المتنوعة وألوانها المختلفة، في خدمة الأغراض السامية التي تدعم القيم الأخلاقية، وتقنع بالتزامها، وتوضح عاقبة آثار تعاطي المخدرات والمسكرات، على الفرد والمجتمع في مجالات الحياة المختلفة، وبناء الأسرة الاجتماعي وكيان الأمة العام.
(3) يناشد المؤتمر المسئولين عن الإعلام في الأمة الإسلامية متابعة المراقبة الجادة على الأجهزة الإعلامية، مسموعة ومقروءة ومرئية، للتأكد من أنها تحقق الغايات الأخلاقية التي تحمي من الانحراف، ولا تقود إليه، وتنفر منه، ولا ترغب فيه، وخاصة في مجال مكافحة المخدرات والمسكرات.
(4) يدعو المؤتمر كافة الدول الإسلامية للمشاركة في اليوم العالمي لمكافحة المخدرات في السادس والعشرين من شهر يونيو (حزيران) من كل عام والتركيز على كل ما يؤكد على خطورة المخدرات وضرورة مكافحتها.

رابعاً: في مجال التعاون والتنسيق والبحث العلمي:

(1) يناشد المؤتمر الهيئات الدولية المتخصصة كمنظمة الصحة العالمية للاتصال المباشر بالهيئات والمؤسسات الرسمية والشعبية المهتمة بعلاج الإدمان، وأن تقدم لها كل ما يسهل مهمتها في مجال تدريب الأطباء والمتخصصين في مراكز علاج الإدمان المختلفة، وتزويدهم بالمنشورات والدراسات المستجدة، وتقديم المعونات الفنية، وتجهيز المختبرات بالأجهزة والوسائل اللازمة للكشف عن المخدرات والعقاقير والمركبات التي يؤدي سوء استعمالها إلى الإدمان.
(2) يرى المؤتمر ضرورة تكليف الهيئات العلمية المختصة بالبحث وتقصي الأسباب المؤدية إلى إدمان المخدرات، للعمل على الوقاية منها بالوسائل الناجعة، والاستفادة من نتائج أبحاث ودراسات وخطط المؤسسات والمنظمات الإسلامية والعالمية في هذا الصدد.
(3) يحث المؤتمر على أهمية توظيف المعطيات للعلوم الاجتماعية واستثمار نتائج البحوث والدراسات في هذه المجالات، لبيان أخطار المخدرات على الإنسان من الناحية الصحية والاجتماعية والاقتصادية، والتحذير من تعاطيها والإدمان عليها.
(4) يؤكد المؤتمر على ضرورة تنفيذ قرارات وتوصيات المؤتمر الإسلامي الأول لمكافحة المسكرات والمخدرات الذي عقد في المدينة المنورة، وما اتخذه بشأن أهمية التعاون والتنسيق بين كافة الأجهزة الإسلامية والدولية التي تعمل في مجال مكافحة المخدرات والمسكرات، وضرورة تبادل المعلومات والخبرات فيما بينها، وتزويد الأجهزة الإسلامية العاملة في هذا المجال بأصحاب الكفاءات المتخصصة.
(5) يدعو المؤتمر الأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامي إلى السعي لتكوين هيئة إسلامية عالمية، لمكافحة المخدرات في إطار من التنسيق والتعاون بين الدول والمنظمات والهيئات الإسلامية.
(6) يناشد المؤتمر شعبة المخدرات بالأمم المتحدة العمل على تنفيذ القرار رقم (6) الصادر عن لجنة المخدرات في دورتها (32) لعام 1987م والقرار (الثالث) الصادر عن اللجنة الفرعية للاتجار غير المشروع بالعقاقير والمسائل ذات الصلة بالشرقين الأدنى والأوسط، والذي اعتمدته لجنة المخدرات في دورتها (33) لعام 1989م بالتعاون من المركز العربي للدراسات الأمنية والتدريب بالرياض أسوة بتعاونها مع المنظمة الدولية للشرطة الجنائية (الإنتربول) ومجلس التعاون الجمركي في مجال تدريب العاملين في كافة الوزارات التي يمتد نشاطها إلى معالجة جانب من جوانب مشكلة المخدرات، لرفع كفاءتهم إلى المستوى الذي يؤهلهم لتحقيق رسالتهم على خير وجه في نطاق (خطة) دولية شاملة وطويلة الأمد.

خامساً: في المجال الإصلاحي:

(1) يوصي المؤتمر بالعمل على منع إنتاج التبغ واستيراده وتداوله، للمضار المؤكدة التي يسببها التدخين وللخسارة الاقتصادية المحققة التي تعود على الفرد والمجتمع.
(2) يوصي المؤتمر الحكومات الإسلامية بمنع وسائل إعلامها من الدعاية والترويج للتبغ، وإصدار القوانين التي تمنع التدخين أثناء العمل، وفي أماكن الاجتماعات العامة ووسائل النقل المختلفة وتوقيع العقوبة على المخالفين.
(3) يوصي المؤتمر الحكومات الإسلامية بتقديم الحوافز للمزارعين، للتخلي عن زراعة النباتات المخدرة وتوفير الزراعة البديلة التي تعود عليهم بالفائدة والربح الأكثر.
(4) يرى المؤتمر ضرورة تنظيم حملة قومية لسد جميع السبل في وجه الذين يسعون للكسب غير المشروع عن طريق المخدرات.
(5) زيادة عدد مراكز التأهيل حتى تتمكن من تلبية احتياجات المدن والأرياف على حد سواء.
(6) إنشاء معامل اختبار على المستوى المحلي كي يستفيد سكان المناطق النائية أيضاً من الفحوصات اللازمة لتسهيل القضاء على إدمان المخدرات والمواد الكيماوية من جميع أنحاء البلاد.
(7) يجب تقديم جميع أنواع المساعدات الممكنة لأسر المدمنين لحمايتهم من الضائقة المالية أثناء خضوع المدمن للعلاج.
(8) يجب رفع مستوى الأنشطة الرياضية الصحية والترفيهية في المجتمعات الإسلامية وخاصة في أوساط الشباب علماً بأن المخصص لمثل هذه الأنشطة في ميزانيات الحكومات في الوقت الحاضر يعتبر ضئيلاً كما أن هناك حاجة إلى وضع برامج أساسية لنشر الرياضة وغيرها من الأنشطة الصحية والترفيهية على جميع المستويات في المجتمع.
(9) يجب تنظيم برامج للتربية وإقامة أنشطة بناء الشخصية من خلال معسكرات الشباب والمناقشات الجماعية والأفلام الوثائقية والمحاضرات التي تتناول مختلف جوانب الحياة البشرية.

سادساً: في المجال التشريعي:

(1) يناشد المؤتمر حكومات الدول الإسلامية توقيع عقوبة الإعدام على منتجي المخدرات ومروجيها ومستورديها والمتاجرين فيها، وتوقيع عقوبة رادعة على متعاطيها وإتاحة الفرصة للتائبين منهم لعلاجهم وكفالة أسرهم خلال مدة العلاج، والعمل على إعادة تأهيلهم وتأمين سبل العيش الكريم لهم.
(2) ينوه المؤتمرون بالخطوات الرائدة التي اتخذتها بعض الدول في هذا المجال، كالمملكة العربية السعودية وماليزيا وجمهورية مصر العربية، ويشيد بجمهورية باكستان الإسلامية باتخاذها الخطوات الجادة في مجال المكافحة وإنشاء وزارة خاصة للاهتمام بالموضوع.
(3) يؤكد المؤتمر على ضرورة إقامة الحد الشرعي على متعاطي المسكرات، ومنع إنتاجها وتداولها أو استيرادها تنفيذاً لحكم الشرع، ويناشد الدول الإسلامية أن تمنع سفاراتها في الخارج ووسائل نقلها الدولي من تقديم الخمور.

سابعاً: في المجال الصحي:

(1) مطالبة منظمة الصحة العالمية بتطوير نظام سريع للمعلومات حول تعريف المركبات الكيمائية والصيدلانية الضارة المتوفرة في الأسواق، حتى يمكن اتخاذ الخطوات اللازمة في الوقت المناسب لمنع سوء استخدامها.
(2) إنتاج أدوية جديدة أكثر أمناً لعلاج الإدمان.
(3) إقامة معاهد للبحوث الأساسية في مجال إنتاج الأدوية الفاعلة، واستحداث أسلوب البحث المتعدد الجوانب لإعادة تأهيل المدمنين.

وفي ختام المؤتمر تم ما يلي:

( أ ) رفع برقية شكر لخادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود، على الرسالة التي وجهها حفظه الله إلى المؤتمر، وعلى العناية الفائقة والدعم السخي الذي حظي به المؤتمر والمؤتمرون من لدنه، وما تحظى به أيضاً رابطة العالم الإسلامي لتحقيق أهدافها لصالح الإسلام والمسلمين في كافة أرجاء المعمورة، وقرر المؤتمر اعتبار رسالته الكريمة وثيقة من وثائقه.
كما قرر المؤتمر رفع برقية شكر لصاحب السمو الملكي الأمير عبد الله بن عبدالعزيز ولي العهد ونائب رئيس مجلس الوزراء ورئيس الحرس الوطني بهذا المعنى.
(ب) وقرر المؤتمر رفع برقية إلى رئيس جمهورية باكستان الإسلامية فخامة السيد غلام إسحاق خان، بالشكر والتقدير على رعايته للمؤتمر وعلى ما لاقته الوفود من كرم الضيافة وتيسير أمورهم في إنجاح هذا المؤتمر.
وكذلك رفع برقية شكر لدولة السيدة بنازير بوتو رئيسة الوزراء لجمهورية باكستان الإسلامية، على توجيهها الرسالة القيمة لهذا المؤتمر وكرم الضيافة الذي لقيه الأعضاء أثناء انعقاد المؤتمر في إسلام أباد.
(ج ) كما قرر المؤتمر تقديم الشكر لرابطة العالم الإسلامي، والجامعة الإسلامية العالمية، وجميع العاملين الذين بذلوا الجهود الطيبة لتنظيم هذا المؤتمر وتسهيل مهمة المؤتمرين للوصول إلى النتائج المرجوة.

الكاتب في جلسة اختتام مؤتمر مناقشة المسكرات والمخدرات في إسلام أباد 28/10/1409هـ 2/6/1989م
الكاتب في جلسة اختتام مؤتمر مناقشة المسكرات والمخدرات في إسلام أباد 28/10/1409هـ 2/6/1989م

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

إجابات الدكتور ظفر إسحاق عن بعض أسئلة البلاغ المبين:

السبت: 29/10/1409هـ ـ 3/6/1989م
في صباح هذا اليوم ـ الساعة التاسعة ـ التقيت الدكتور ظفر إسحاق أنصاري مدير البحوث الإسلامية في الجامعة الإسلامية العالمية في إسلام أباد، وأجاب عن بعض أسئلة البلاغ المبين.

الدكتور ظفر إسحاق أنصاري مدير البحوث الإسلامية في الجامعة الإسلامية في مكتبه. 29/10/1409هـ 3/6/1989م
الدكتور ظفر إسحاق أنصاري مدير البحوث الإسلامية في الجامعة الإسلامية في مكتبه. 29/10/1409هـ 3/6/1989م

نبذة عن حياة الدكتور ظفر:

وقبل أن نبدأ في الأسئلة نرجو أن يعطينا نبذة مختصرة عن حياته؟
أنا اسمي الكامل ظفر إسحاق محمد ظفر الأنصاري، حصلت على درجة الدكتوراه في الدراسات الإسلامية في جامعة بانكيل بكندا.
ثم اشتغلت فترة تسعة عشر عاماً في المملكة العربية السعودية، أولاً في جامعة الملك عبد العزيز ثم في جامعة البترول والمعادن، ثم أتيت إلى الجامعة الإسلامية العالمية في عام 1986م، واشتغلت في هذه الجامعة طول هذه الفترة أولاً كعميد لكلية الشريعة ثم توليت مسئولية مجمع البحوث الإسلامية منذ عام.
كما اشتغلت في بعض الجامعات الأخرى: أولاً في جامعة كراتشي لفترة من الزمن لمدة سنوات، ثم في جامعة ننتم في أمريكا، كما كنت أستاذاً زائراً وكذلك بعض الجامعات في الغرب.
وكان مولدي في الهند.
السؤال الأول: تكرر في القرآن الكريم ذكر البلاغ المبين في سياق الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، وكذلك إرسال الرسل بالبينات والحجة والبرهان، ما السر في ذلك؟ وما السر في وصف البلاغ بالمبين؟
بسم الله الرحمن الرحيم، إن السر في اشتراط كلمة المبين مع البيان يبدو لي أن السبب هو أن البلاغ بسبب التكليف وتقوم عليه الحجة، ولأجل ذلك ينبغي أن لا يكون أي لبس ولا غموض في قضية البلاغ، وذلك هو سبب أن الأنبياء والرسل لم يكلفوا البلاغ فحسب بل كلفوا البلاغ المبين، يعني ذلك أن المستمع لا يكون في ذهنه أدنى شك فيما يقال وفيما يبين ويبدو الأمر واضح جداً في ذهنه، ثم المبين حسب فهمي ـ ولست من ناطقي اللغة العربية من حيث المولد والمنشأ ولكن ـ يبدو لي أن هذا يدل على أمر آخر كذلك، وهو أن البلاغ المجمل كأن المبلغ يشعر بأن البلاغ الذي يريد أداءه هو عمل كبير شاق يحمله على عاتقه، وهو يريد أن يتخلص منه بأي وجه كان، ولو لم يكن بيناً للمبلَّغ، وهذا غير سليم، لأن هذه مسئولية والمسئولية هي عبارة عن توصيل المعلومات بشكل مقنع إلى الحد المستطاع وهذا هو البلاغ المبين في القرآن الكريم.
السؤال الثاني: ما مصادر البلاغ المبين وهل ترى تلاوة القرآن على غير العربي؟
جزاك الله خيراً، البلاغ المبين كغيره من الموضوعات لا بد له من مصادر يعتمد عليها من يقوم به، فما مصادر البلاغ المبين؟
ويضاف إلى ذلك سؤال هو أن الله سبحانه وتعالى أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يتلو القرآن على الناس، والناس ينقسمون قسمين منهم العربي ومنهم العجمي فهل ترى أنه ينبغي تلاوة القرآن على غير العربي الذي لا يفهم العربية ليس لإقامة الحجة وإنما تلاوة تنفيذ لأمر الله سبحانه وتعالى، ثم بعد ذلك يمكن للإنسان أن يبين المعاني، فالسؤال من شقين الشق الأول ما مصادر البلاغ المبين؟ والشق الثاني هل ترى أنه ينبغي تلاوة القرآن الكريم على غير العربي الذي لا يفهم العربية، وما الحكمة في ذلك؟
السؤال هو ناحية شرعية بحتة ولست مهيأ للإجابة على ذلك، ولكن من ناحية أداء الرسالة إني لا أرى أن مجرد تلاوة القرآن الكريم أمام الشخص الذي لا يعرف اللغة العربية، يؤدي الغرض المطلوب من الداعية المسلم المكلف بتبليغ الرسالة، القضية هي إبلاغ المعاني وتوصيل المعاني، وليس فقط توصيل الكلمات التي لا يفهمها الإنسان، وهذا كذلك كما سأشرح بعد قليل أن الأمر ليس هو إبلاغ بشكل 2+2=4 ولكن بشكل يثير الاهتمام بشكل يؤدي إلى الاقتناع، ولأجل ذلك هناك حكمة كبيرة في هذه الآية القرآنية الكريمة: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ... } [النحل: 125] ليس المطلوب فقط تبليغ الدعوة لكن الحكمة، والحكمة شيء لا يمكن تحديده إلى رجل غير مثقف إلى رجل عربي غير رجل عجمي.
أما مصادر البلاغ المبين، فكما قلت قبل قليل: إن الحكمة شيء لا يمكن تحديده، كذلك مصادر البلاغ المبين من الصعب جداً تحديد مصادر البلاغ المبين، وأنا أشير إلى شيء من القرآن الكريم، ما أقول وهو قصة سيدنا يوسف عليه السلام استغل حرص المسجونين لمعرفة تأويل الأحلام للقيام بالدعوة، فإن المصادر التي يمكن استخدامها لتوصيل الدعوة غير متناهية وغير محددة، ولكن بصفة عامة لتبقى أن يراعي نفسية المخاطب واهتمامات المخاطب والأمور التي يعتني بها ثم يستخدمها للقيام بالدعوة من شيء إلى شيء آخر هذا هو حكمة الداعية متوقف على فهمه ودرايته وحكمته. [فهم من مصادر البلاغ المبين الأساليب، وقد نبهته على ذلك في حينه، وكان الوقت ضيقاً، لذلك واصلنا الحوار في الأسئلة الأخرى].
السؤال الثالث: على من تقع مسئولية البلاغ المبين؟
فضيلة الدكتور، على من تقع مسئولية البلاغ المبين؟
إن مسئولية البلاغ المبين في الحقيقة تقع على كل مسلم، حسب ما عنده من المؤهلات الفكرية والعلمية والوجاهة في المجتمع، والحقيقة أن مقدار المسئولية تختلف من شخص إلى آخر، الشخص الذي عنده القدرة على الإبلاغ قدرة بالغة تكون المسئولية عليه أكثر، الشخص القوي المسئولية عليه أكثر (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته) فكل شخص مسئول في حدود المحيط الذي يعيش فيه ومتوقف كذلك على قدراته الفكرية والعلمية والبلاغية.
ما دور الأغنياء في هذا الباب؟
الأغنياء لو كان عندهم قدرة على الإبلاغ وليستعملوا ألسنتهم وأقلامهم وكل ما لديهم، مثل أي إنسان آخر، ولكن على كل حال المال يدعم الحركة للقيام بالدعوة.
السؤال الرابع: هل عرف كل مسلم فروض العين؟
فضيلة الدكتور: المسلمون في الشعوب الإسلامية منهم من يقيم في الحواضر ومنهم من يقيم في البوادي والعلماء مكلفون تبليغ الدعوة في كل مكان، ولكن أهل البوادي بعيدون وقد لا يستطيعون الدخول إلى المدن، فهل ترى أنه قد قام العلماء بواجب إبلاغ أهل البوادي بالفروض العينية التي هم مكلفون بها عيناً وليس كفاية وقامت عليهم الحجة في ذلك؟
والله الأمور متفاوتة والأوضاع متفاوتة، والحكم لا يمكن أن يكون حكماً واحداً لكل البلدان الإسلامية، ولكل العالم فهناك أماكن قام بها العلماء بمجهودات مشكورة حتى قامت الحجة على المسلمين بالنسبة للفروض العينية، وفي كثير من الأماكن لم تقدم هذه الحجة.
على كل حال لا بد أن نذكر إخواننا عن واجباتهم ولا ييأسوا، لو ذكر الإنسان مرتين أو ثلاثاً، بل إن التذكير هو عملية مستمرة لا تتوقف، والأجيال متلاحقة، وهناك في قرية وفي بلد وفي مدينة شخص وصلته الدعوة، وهناك شخص لم تصله الدعوة، وهناك ناشئة جديدة ينبغي أن تقدم الدعوة إليهم، وكذلك هناك أناس تطرأ عليهم الغفلة وتطرأ عليهم أشياء كثيرة التي بسببها يغفلون عن واجباتهم، فلا بد من الاستمرار في عملية الدعوة، ولا ينبغي أن يظن العلماء والدعاة بأنهم قاموا بواجبهم، وأنه انتهت المهمة، إن المهمة مستمرة لا تنقضي حتى تقوم الساعة.
السؤال الخامس: هل وصل البلاغ المبين إلى غير المسلمين؟
السؤال التالي: بعد السؤال عن المسلمين هل تظن أن الحجة قد قامت على غير المسلمين في العالم في هذا العصر الذي توافرت فيه الوسائل الكثيرة وتسهلت الأمور، مثل انتقال الأشخاص وانتقال الصوت والصورة؟
ينبغي للمسلمين أن يفكروا دائماً أن الأنبياء والرسل قد قامت حجة الله بهم على عباد الله، وأن مسئولية المسلمين ـ وبخاصة العلماء ـ كبيرة وخطيرة أمام الله سبحانه وتعالى.
والحكم على أن الناس كلهم بلغتهم الدعوة بلوغاً واضحاً فيه صعوبة، وكونهم يحاسبون أو لا يحاسبون هذا في علم الله، وهل قامت الحجة أو ما قامت الحجة، هذا كذلك بعلم الله عز وجل، ولكن الشيء المؤكد هو أن المسلم الواعي الذي يعرف تعاليم دينه حتماً يسأل هل بلغ هذه الدعوة إلى الناس أو لا بعد ما توفرت الإمكانيات لتقديم هذه الدعوة؟ يمكن الإنسان يقول: منذ ألف سنة ما كنا نعرف أين تقع أستراليا؟ ولا نعرف شيئاً عن سكانها، فلو لم نبلغ أهلها يكون هناك عذر، ولكن بعد ما علمنا أن هناك ناساً يعيشون في الجاهلية ويعيشون بعيدين عن المنهج الرباني، وقضينا حياتنا في المأكل والمشرب والملبس ولم نفكر في الدعوة إلى الله، ولم نفكر كيف يمكن أن نقوم بهذا الواجب، فهذا عيب على المسلمين، ولا شك أنهم يسألون عن ذلك، هذا بالنسبة لجانب كبير من السؤال، وناحية مهمة جداً ينبغي للمسلمين أن يفكروا في أنفسهم.
السؤال السادس: هل توجد دار ترجمة لنشر الإسلام؟
هل هناك دار ترجمة لنشر الدعوة الإسلامية باللغات العالمية الحية، وإذا لم توجد فمن المسئول عن إيجادها؟
إن علمي محدود في هذا المجال، وحسب علمي ليست هناك دار تقوم بهذه المهمة على الصعيد العالمي، وأنا عندما كنت بالمملكة العربية السعودية قرر مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف ومنذ أربع سنوات كان هذا المجمع يفكر في القيام بهذه المهمة. والإشراف على الترجمات في اللغات العالمية، ثم تصحيحها وإخراجها بشكل لائق في اللغات العالمية المختلفة وتوسيعها على نطاق واسع، وأرجو أن المجمع وغير المجمع من المؤسسات الإسلامية أن تهتم بهذا الموضوع وتقوم بالواجب والله الموفق. [وقد طبع هذا المجمع عدة تراجم لمعاني القرآن الكريم... وعنده مشاريع في هذا الباب، نرجو أن تصل في نهاية الأمر إلى أن تنشأ فيها دار ترجمة عالمية شاملة للغات العالم، ولترجمة كل ما يحتاج إليه المسلمون من معاني الإسلام].
هناك تراجم تتسم بالصحة بهذا المعنى أنها تؤدي الغرض.
أما ترجمة عبد الله يوسف علي الذي كنت أتحدث عنها أنها تتسم بروعة الأسلوب، ولا شك أن الأسلوب هو الشيء المهم، وكذلك وجدت أن نفس الترجمة بصفة عامة أنها سليمة وهذا رأي، والرأي معرض للصحة والخطأ.
السؤال السابع: ما الموضوعات التي لها أولوية في البلاغ المبين؟
ما الموضوعات التي ترى أنها أولى بالبدء بها أو التأكيد عليها أكثر من غيرها في هذا العصر بالنسبة لدعوة المسلمين وإبلاغهم بمعاني الإسلام؟
إن الأمر صعب جداً، وينبغي أن نتذكر أن أساليب الدعوة متنوعة خاصة ماذا ينبغي أن يكون المدخل مع الناس لإثارة القضية الأساسية وهي قضية الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، وأي شيء جاد أو تافه قد يكون هو البدء للحديث عن الدعوة، ثم إبلاغ الرسالة السماوية إلى هذا الشخص ولكن ينبغي أن تقول: إن المسلم عندما يجد أذناً صاغية ينبغي أن يُؤكد ويؤكد القضية الأساسية التي أكدها القرآن الكريم والتي أكدها الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي قضية الألوهية وتوحيد الله وقضية الرسالة والنبوة، بمعنى أن الهداية تعتمد على الرسالة والنبوة، وليس للإنسان أن يجد الطريق القويم لحياته إلا بهذا الموضوع، ثم قضية الآخرة والمسئولية أمام الله سبحانه وتعالى، ونجد أن السور التي أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في السنين الأولى من البعث تتكلم عن الآخرة، وهذه الآيات وهذه السور تهدي الإنسان وتجعله بل تجبره أن يفكر في مصيره النهائي، وهذا أمر هام جداً.
وبعد ذلك ينبغي أن توجه الإنسان وتذكره وتنبهه بالنسبة لسلوكه هذا الترتيب، يبدو هذا الترتيب الأساسي يعني أول ما نبدأ بالعقائد، بالعقيدة ثم بالسلوك، أما الشيء الذي ترى بعض الأحيان أن الناس يبدأ في وصف محاسن الإسلام التشريعية ويبدو لي أن هذا الترتيب هو ترتيب معكوس.
جزاك الله خيراً فضيلة الدكتور ونشكركم على هذا التجاوب معنا ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا جميعاً لما يحبه ويرضاه، ولا أدري ما رأيكم في هذا البحث هل يستحق التعب والسير فيه، وإخراجه إلى حيز الوجود أو أنه أمر مكرر لكتابات قديمة بعنوان جديد؟
يا سيدي نرجو لكم التوفيق ونرجو أن المسلمين كلهم ينتفعون بهذا الجهد الكبير المبارك إن شاء الله، لا شك أن الأمة بحاجة إلى توجيه وتذكير بالنسبة لأهم واجباته وهو توصيل الرسالة السماوية إلى البشرية كلها والله الموفق.
جولة سياحية سريعة:
بعد ذلك قال لي الدكتور أحمد العسال: أنت ستسافر غداً، ولم تأخذ جولة في بعض الأماكن السياحية الجميلة في المدينة فالأفضل أن تذهب مع السائق لترى بعض تلك الأماكن.
فذهبنا إلى منطقة تسمى الدنماكو في جبل غرب المدينة شمال الجامعة وجامع الملك فيصل، وهي فعلاً منطقة جميلة، وقد التقطت لها بعض الصور كما التقطت صور لجامع الملك فيصل.
وفي الساعة الرابعة والنصف عصراً قُرِئَت التوصيات المتعلقة بمؤتمر مكافحة المسكرات والمخدرات، ونوقشت مناقشة صريحة وطلب أن تضاف بعض التوصيات، [طلبتُ نسخة من هذه التوصيات ومن خطاب رئيس الجمهورية من مدير مكتب أمين عام رابطة العالم الإسلامي الأستاذ أسامة خليفة في 22/8/1410هـ لأثبتها هنا وقد وعد بذلك وقد جاءتني والحمد لله وسبق إثبات بعضها].
وفي هذا اليوم أعلنت ميزانية باكستان لهذا العام، وذكر لي أن سباباً وشتائم وفوضى حصلت بين أعضاء البرلمان بين الحزب الحاكم والمعارضة، تحدثت عنها بعض الصحف.

المؤثرات الداخلية والخارجية على الجهاد الأفغاني:

وبعد صلاة المغرب اجتمعت بالدكتور أحمد العسال، ثم بالأستاذ كمال هلباوي الذي أعطاني نبذة مختصرة عن مركز البحوث الاجتماعية الذي يعمل فيه.
وفي هذا اليوم حرصت على أن أسأل بعض الأسئلة المتعلقة بالجهاد الأفغاني وبخاصة المؤثرات الداخلية والخارجية وتمكنت من تسجيل بعض الإجابات بقلمي.
(1) المؤثرات قبل الانسحاب الروسي:
أمريكا وروسيا، وتأثيرهما متساوٍ تقريباً.
المجاهدون، الأمم المتحدة، والباكستان، إيران، والهند، والصين، وحكومة نجيب في كابل، وبريطانيا، ودول السوق الأوروبية المشتركة، وبعض الدول العربية، وبعض الحكومات في الشعوب الإسلامية غير العربية، غير إيران وتركيا، منظمات الإغاثة الغربية، منظمات الإغاثة الإسلامية عربية وغير عربية.
وهذا الترتيب حسب الأهمية تقريباً.
(2) المؤثرات بعد الانسحاب الروسي من أفغانستان بالنسبة المئوية على النحو الآتي:
الجهةالتأثيرالجهةالتأثيرحكومة نجيب
بريطانيا
الصين
منظمات الإغاثة الغربية
تركيا
منظمات الإغاثة الإسلامية
حكومات الشعوب الإسلامية*
الدول العربية* 6%
4%
3%
3%
2%
2 %
1%
0.5%روسيا
أمريكا
الهند
المجاهدون
الأمم المتحدة
إيران
مجلس الأمن23%
14%
7.5%
7%
7%
7%
7%
* [يعني أن تأثير الدول في الشعوب الإسلامية والعربية كلها 1.5؟!].

احتمالات القضية الأفغانية:

(1) احتمالات عامة:
أ ـ تقسيم أفغانستان إلى دولتين أو ثلاث (شمال وجنوب، أو شمال وجنوب ووسط وغرب).
ب ـ تحييدها مثل فنلندا والنمسا.
ج ـ نزع السلاح بعد استهلاكه.
(2) النماذج المحتملة للحكومة:
1 ـ حكومة إسلامية : مثل المملكة العربية السعودية.
،، ،، ،، : مثل إيران.
،، ،، ،، : مثل إحدى الدول الأخرى.
2 ـ حكومة ليبرالية علمانية.
3 ـ حكومة اشتراكية.
4 ـ حكومة متعددة الاتجاهات والميول (حكومة موسعة).
5 ـ بقاؤها فترة على وضعها الحالي.
وهذه الاحتمالات تقتضي أن يعد المجاهدون أنفسهم لكل وضع ما يناسبه. [لقد أعد قادة المجاهدين وضعاً مشوهاً للجهاد الإسلامي، ولإقامة دولة إسلامية، بعد انتصروا على عدوهم الملحد].
وذكر أن المنظمات التي تعمل في ميدان العلاقات الأمريكية السوفيتية منذ سنة 1986م بلغ عددها 232 مؤسسة ومنظمة.
الأحد: 1/11/1409هـ ـ 4/6/1989م
السفر إلى مدينة لاهور:
وفي صباح هذا اليوم أقلعت بنا الطائرة الباكستانية من مطار مدينة روا لبندي ـ وهو قريب من مدينة إسلام أباد ـ إلى مدينة لاهور، في الساعة الثامنة والدقيقة السابعة والثلاثين، وهبطت في مطار لاهور في الساعة التاسعة والدقيقة السابعة ـ أي أن مدة الطيران كانت ثلاثين دقيقة. وكان في استقبالي في المطار: مندوب الجماعة الإسلامية في المنصورة وبعض جماعة أهل الحديث في لاهور.
وقد رتبنا معهم بأن يكون اللقاء غداً الاثنين مع أمير الجماعة الإسلامية قاضي حسين وبعض زعماء الجماعة ويوم الثلاثاء مع بعض علماء الحديث.