رحلات باكستان والهند

الرحلات | سلسلة في المشارق والمغارب | 19 صفحة
صفحة 13 من 19 1- في مدينة بيشاور

1- في مدينة بيشاور

1- في مدينة بيشاور
ونزلنا بالمركز التعليمي في بيشاور [أعطيت مدينة بيشاور رقم (1) لأنها أول مدينة بدأت فيها بأخذ المعلومات] بناء على رغبة الأستاذ فتحي، وكنت أريد أن أنزل في أحد الفنادق، ولكنه أصر على أن نزولي بجواره، ليتمكن من ترتيب الزيارات والقيام بها عن قرب فوافقت.
وقد كان بعض رجال الأفغان الذين يقومون بحراسة المركز وخدمته، يقومون جزاهم الله خيراً بخدمتي، من إعداد الطعام وغسل الملابس وغير ذلك، وكان أحدهم ويسمى عبد الجبار إذا قرب لي الطعام يذهب ثم يعود وقد فرغت من تناوله، فيقول لي: خَتَمْ؟ أي هل فرغت؟ فأقول له: نعم، والكلمة كما ترى عربية وتستعمل في معنى صحيح، لأن الذي يفرغ من شيء يعتبر ختمه.
زيارة الشيخ برهان الدين رباني:
ضرب لنا موعد لزيارة الشيخ برهان الدين رباني رئيس الجمعية الإسلامية في الساعة الثامنة والنصف مساء، وذهبنا إليه في الموعد المحدد، وعندما اقتربنا من مقره في الحارة وجدنا الحرس على مداخل الشوارع المؤدية إلى المقر، وكانت الأنوار الكاشفة الساطعة مسلطة على الشوارع بحيث يُرى أي شخص يتحرك فيها بوضوح، ووجدنا حول المنزل وعلى بابه عدداً من الحراس، وكذلك في فناء المنزل وبعضهم يحملون أجهزة لاسلكية يتصلون بمراكزهم.
وكانت الغرف مملوءة بالناس، وعندما علم الشيخ بوصولنا خرج إلينا مسرعاً وجلس معنا في الأرض على بساط عادي، وأهديت له كتابي الجهاد في سبيل الله حقيقته وغايته ومقالاً مطبوعاً بالآلة الكاتبة، كنت كتبته قبل انتخاباتهم الأخيرة وهو بعنوان "يا مجاهدي الأفغان صابروا" وقصيدة بعنوان "قادة فلك الأمان".
ولم نبق كثيراً مع الشيخ برهان الدين رباني، لأن الرجل كان مشغولاً وبقاؤه معنا قد يعطل عمله، لذلك أستاذنا على أمل أن يُحَدد لنا معه موعدٌ آخر، لآخذ منه بعض المعلومات كما جرت العادة عندما ألتقي الشخصيات، ولكن مع الأسف لم يتيسر لنا معه لقاء آخر، لأن أمور الجهاد كانت أولى من لقائنا، ولذلك لم نلح عليه في موعد آخر.

مظاهرات عمت شوارع المدينة:

السبت: 15/10/1409هـ ـ 20/5/1989م.
في هذا اليوم قامت مظاهرة جاب المتظاهرون فيها شوارع بيشاور العامة، وهتفوا ضد الحكومة، وسألت عن السبب؟ فقيل لي: إن السبب يعود إلى غلاء المعيشة وانقطاع التيار الكهربائي يومياً عدة مرات "وقد ذقت وباله أنا بنفسي" وكذلك اختلال الأمن، لوجود سراق وقطاع طرق أخافوا الناس وبخاصة في الأرياف والقرى.

زيارة الأخ محمد مزمل:

وقد زارني هذا اليوم الأخ محمد مزمل، وهو من أركان العمل الجهادي والفكري في الحزب الإسلامي الذي يتبع الأستاذ قلب الدين حكمتيار، وزير الخارجية في الحكومة المؤقتة، وكان الأخ محمد مزمل يريد السفر إلى كابل يوم الأحد وأهديت له كتابي: الجهاد في سبيل الله حقيقته وغايته، وسر به كثيراً وقال: هذه فرصة سأقرأه وأنا في الطريق في أوقات الراحة.
واتصل الأستاذ فتحي اليوم برئيس الدولة الأفغانية الشيخ صبغة الله مجددي ليحدد لنا موعداً للقائه فقال: اتصلوا بنا غداً لتحديد الموعد وكان في اجتماع مع وفد إيراني في منزله في هذا اليوم يتفاوضون معه في تحديد حصة الشيعة في مجلس الشورى والحكومة.
وكذلك الأستاذ عبد رب الرسول سياف اتصل به فطلب الاتصال به غداً أيضاً.
الأحد: 16/10/1409هـ ـ 21/5/1989م.
في هذا اليوم تعرفت على المركز التعليمي الإسلامي الذي تقوم بالعمل فيه لجنة المناهج الأفغانية الموحدة، ويقوم بالإشراف عليه الأستاذ فتحي رفاعي المصري الذي بقي عندهم فترة طويلة يدرس و يدير بعض اللجان المسئولة عن التعليم ومنها هذه اللجنة، ومنها تأليف الكتب المدرسية التي تدرس باللغة العربية، وكنت تسلمت منهم كتيباً فيه معلومات مفصلة عن المركز، ولكنه فقد مني في مكتبتي، وقد أشرت إلى الصفحات التي فيها معلومات مناسبة في الكتاب. [(هذه المعلومات مأخوذة من كتيب طبع سنة 1408هـ ـ 1988م) كتابة باللون الأخضر: (من ص5 إلى آخر ص16 من الجزء الأول) (ومن أول ص32 إلى آخر ص38 من نفس الجزء)].

زيارة الأستاذ عبد رب الرسول سياف:

حدد لنا الأستاذ سياف موعداً معه في الساعة السادسة والنصف مساء.
وكان ينتظرنا في غرفة صغيرة قاعداً على بساط في الأرض ولحيته تملأ صدره.
سلمنا عليه وكان قد عرفني من قبل في زيارته للمدينة، وقد زارني في منزلي أكثر من مرة، فلم نكن نحتاج إلى التعارف.
ولضيق وقته سألته ثلاثة أسئلة، وأجاب عنها باختصار شديد ولكن اختصاره مفيد.
قلت له: ما القوى المتكالبة ضد الجهاد وإقامة دولة الإسلام في أفغانستان؟
فقال: كل من لا يرضى بالإسلام نظاماً للحياة.
قلت: ما الثغرات التي يلج منها أعداء الإسلام إلى الجهاد ليحققوا أهدافهم منها؟
قال: كثيرة، بعضها منا وبعضها من غيرنا.
توجد عندنا نقاط ضعف، وأهمها التفرق وعدم الاتفاق، ولكن الأمل في الله كبير.
قلت: ما الذي أعددتموه لسد تلك الثغرات؟
قال: نقل الحكومة إلى داخل أفغانستان خلال أسبوع، لأن الحكومة إذا انتقلت إلى الداخل فسيقل اتصال الأعداء بأعضائها وتخف الخلافات. [من المؤسف أن المجاهدين انتصروا على دولة كبرى، ودخلوا إلى أفغانستان، ولكن لم ينتصر قادتهم على أنفسهم، فرجعوا يضرب بعضهم رقاب بعض، ولقد أحسست من تلك الزيارة القصيرة شدة تنازع قادة المجاهدين، وأظهرت للأخ فتحي رفاعي والشيخ عبد المجيد الزنداني خوفي الشديد على ثمرات الجهاد، بسبب ما لمسته، وكتبت في ذلك قصيدة، سيأتي نصها].
قلت: هل توجد حكومة فعلاً؟
قال: توجد حكومة تحتاج إلى تنشيط.
وقد قدمت له كتابي الجهاد في سبيل الله حقيقته وغايته هدية، وذكرني بأنه قد تلقى الكتاب مطبوعاً بالآلة الكاتبة قبل أن يطبع.
[فتذكرت أنني أهديته له في المدينة في حدود عام 1403هـ، وكان من الحاضرين عند الأستاذ سياف: الشيخ اليمني عبد المجيد بن عزيز الزنداني].

زيارة الشيخ صبغة الله مجددي:

الاثنين: 17/10/1409هـ ـ 22/5/1989م.
حدد لنا موعد مع رئيس الدولة الشيخ صبغة الله مجددي، واجتمعنا به لمدة ساعة إلا ربعاً تقريباً، وكان كلامي معه يدور حول اجتماع الكلمة، التي لا نصر للمجاهدين بدونها فأظهر القبول لذلك، وقال: إنه يسعى جاهداً لهذا الاجتماع ونبذ التفرق.
وقال: إنه يحب أن يدعى باسمه ولقبه "مجددي" لا رئيس الدولة. [هكذا قال، ولكن تشبثه بهذه الرئاسة كان شديداً].
قلت له: وأنا يسرني مخاطبتك باسم الشيخ.
وتحدث عن عمله في كوبنهاجن عاصمة الدانمارك للدعوة إلى الله وأنه ترك ذلك عندما بدأ الجهاد ضد الروس (بعد أن ذكرت له أني عندما زرت المركز الإسلامي في كوبنهاجن أخبرت أنه كان قائماً بالدعوة هناك).
وألح علينا أن نتناول طعام العشاء عنده، ولكن لضيق وقته وحاجته إلى تسيير شؤون الدولة اعتذرنا له ودعونا له بالتوفيق.
وشكا مجددي من إهمال بعض الجهات له قبل توليه رئاسة الدولة، كما شكا من هجوم بعض المجلات الإسلامية عليه أيضاً ونصحناه بالصبر.
وأهديت له كتابي الجهاد في سبيل الله حقيقته وغايته، وشكرني على ذلك.
وفي الطريق زرنا مكتب جمعية الهلال الأحمر الكويتي الذي بدأ عمله بعد إنشائه سنة 1983م.
وفي الساعة الثانية بعد الظهر ذهبنا لزيارة الشيخ يونس خالص بناء على موعد سابق معه، فلم نجده واعتذر بعض أعوانه له بأنه طرأ له طارئ اقتضى غيابه، وأنه سيتصل بنا مرة أخرى ليحدد لنا موعداً آخر.
الاجتماع بلجنة المناهج العليا:
وفي الساعة الرابعة عصراً اجتمعت بلجنة المناهج العليا، ويتكون أعضاؤها من المنظمات السبع وطلبوا مني كلمة توجيهية ففعلت، وكانت تدور حول النقاط التالية:
1 ـ أهمية بناء الفرد المسلم بالتعليم والتزكية.
2 ـ وجوب مراعاة ما يحتاج إليه المسلمون في المناهج بحسب ما يقتضيه العصر، مع شمول المناهج للعقيدة والعبادة والأخلاق والمعاملة والاقتصاد والسياسة والحرب والسلم وغير ذلك.
3 ـ وجوب السعي لاجتماع الكلمة ونبذ الفرقة والخلاف.
وقد رد أحدهم على الكلمة بالشكر، ووعد بتنفيذ ما جاء فيها، وبين كيف أن أعداء الإسلام يحاولون بشتى الوسائل أن يفرقوا كلمة المجاهدين، كما بين أن المناهج لم تكن تتضمن إلا حصتين لتعليم الدين، وأن المادة لم تكن سليمة مع قلتها، وعندما جاءت الحكومة الشيوعية جعلتها حصة واحدة فقط، وزادت المادة تشويهاً حيث جعلتها تخدم المذهب الشيوعي.

زيارة الشيخ يونس خالص:

في الساعة الرابعة والنصف عصراً، جاء الشيخ يونس خالص إلى باب المركز التعليمي وهو في طريقه إلى مقره، وأمر أحد أتباعه أن يبلغنا اعتذاره عن غيابه في الساعة الثانية، لأنه استدعي من قبل رئيس الوزراء "سياف" في مهمة تتعلق بالاجتماع بالشيعة الإيرانيين الذين جاءوا قبل أمس، وقال إنه مستعد الآن لاستقبالنا.
فذهبنا إليه وكان حديثه أولاً عن الشيعة، قال: إنه نصح قادة المجاهدين بأن يكونوا على حذر من الشيعة، لأنهم يخالفوننا في الأصول والفروع، وأنهم لا يجوز لهم أن يدخلوا مع المجاهدين باسم الشيعة، فإن إيران فيها عدد من أهل السنة ولم يدخلوا مع الحكومة الإيرانية باسم السنة، وكثير من البلدان فيها مسلمون من مذاهب شتى، ولم يدخلوا باسم تلك المذاهب وإنما يدخلون باسم أحزاب ومنظمات.
ودخولهم باسم الشيعة فيه خطر ويعد سنة سيئة.
وبعد أن أهديته كتاب الجهاد سألته: كيف أحوالكم وماذا تفعلون في حل مشكلات الخلاف بين قادة المجاهدين؟
فقال: يجب على المجاهدين أن يقوِّموا حكومتهم الحالية، حتى يتمكنوا من إقامة حكم الله في أفغانستان، ثم بعد ذلك يقوم أهل الحل والعقد باختيار المسؤولين، ويرى أنه لا يجوز إجراء انتخابات عامة كما يفعل عامة الناس، لأن هذه الانتخابات يستوي فيها من يصلح للحكم ومن لا يصلح، والإسلام لا يقر ذلك، وأنكر على من يلحون على إجراء انتخابات في هذه الفترة، وضرب مثالاً بباكستان التي وصلت بالانتخابات فيها امرأة تحكم الشعب.
وقلت له: إنه يجب أن يدرس الموضوع ويكون الميزان تقديم المصالح الراجحة، وكذلك المفاسد، ولا بد من عرض الأمر على العلماء لإبداء رأيهم فيه.
فقال: نعم هذا واجب، ولكن العلماء الذين يدرسون هذا الموضوع يجب أن يكونوا أهلاً لذلك، بحيث يكون عندهم علم وفقه وورع وخوف من الله.
ثم قال: إننا نخاف أن يقطف ثمرات جهادنا من لا يريدون الحكم بالإسلام، بل هم ضده. [وقد كان الأمر كذلك، وما احتلال قادة الصليب الجدد ومحاولة تمكين عملائها في أفغانستان إلا برهان على ذلك، والسبب هو تفرق قادة الجهاد واقتتالهم فيما بينهم حرصاً من كل منهم على الاستفراد بالحكم الذي فاتهم جميعاً].
وجرت مناقشات مع فضيلته في موضوعات مختلفة ودام اجتماعنا معه ساعة واحدة.

مع الأستاذ سياف مرة أخرى:

الثلاثاء: 18/10/1409هـ ـ 23/5/1989م.
كان رئيس وزراء الدولة الأفغانية الإسلامية الشيخ عبد رب الرسول سياف، قد طلب زيارتي له مرة أخرى، فجئنا إليه قبل صلاة المغرب في مكتبه، وصلينا المغرب ثم التقينا معه، وكان من ضمن الحاضرين الشيخ عبد المجيد الزنداني الذي التقيناه عند سياف في المرة السابقة، والتقيناه يوم السبت الماضي في بيت الفاتحين، وهو المنزل الذي كان يسكنه الشهيد عبد الله النهمي الذي كان يكنى أبا سلمة، وهو يمني، والذين يسكنون فيه كلهم شباب يمنيون مجاهدون.
رد الأستاذ سياف على أجهزة الإعلام الغربية:
وكان الأستاذ سياف في هذه الجلسة يرد على الدعايات الغربية التي تولت كبرها أجهزة إعلام بريطانيا بالذات، وكذلك روج لها كل أعداء الإسلام من الشيوعيين واليهود والنصارى في الشرق وفي الغرب، وخلاصتها أن الشباب العربي ـ وبخاصة الذين يفدون إلى معسكرات الجهاد في أفغانستان من المملكة العربية السعودية وغيرها ـ إنما يريدون نشر المذهب الوهابي في أفغانستان، والقضاء على المذهب الحنفي، وقد أحدث ذلك فتنة في صفوف المجاهدين من الأفغان، وبعضهم بدأ ينظر إلى هؤلاء الشباب من العرب نظرة ريبة، بل قيل إن بعضهم طردوا بعض العرب من معسكراتهم.

وكان رد الأستاذ سياف يتلخص فيما يلي:

1 ـ إن المذاهب الإسلامية الأربعة كلها تستقي من الكتاب والسنة، والخلاف الفرعي بين الأئمة لم يكن يفسد ود بعضهم بعضاً، ولا يجوز أن يكون تقليد هؤلاء الأئمة سبباً في تفرق أتباعهم.
2 ـ إن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ليس له مذهب خاص به وإنما هو على المذهب الحنبلي.
3 ـ إن على الشباب العرب أن لا يصدر منهم ما يستدل به أعداء الإسلام للتفريق بينهم وبين إخوانهم الأفغان.
4 ـ على الإخوة المجاهدين الأفغان أن لا يصدقوا دعايات أعدائهم ضد إخوانهم العرب، الذين سالت دماؤهم مع دمائهم في المعارك الجهادية، وذلك هو الذي أفزع الأعداء فأخذوا يبثون الأكاذيب من أجل التفريق بين المجاهدين الأفغان وإخوانهم المجاهدين العرب.
5 ـ إن العالم الآن يخطط للقضاء على الجهاد الأفغاني، ولكن الله لهم بالمرصاد.
6 ـ إن عملاء الغرب والشيوعيين من أبناء الشعب الأفغاني الذين اعتنقوا الشيوعية، أصبحوا ديوثين يبيحون أعراضهم ومقدساتهم أكثر من أعداء الإسلام من الخارج.
7 ـ وذكر قصة حصلت في مجلس الوزراء في حكومة كابل العميلة، وهي أن وزير الدفاع [وقد قام بانقلاب ضد نجيب في 10/8/1410هـ الموافق 8/3/1990م ولم يزل الوضع غامضاً إلى اليوم 11/8/1410هـ] تحركت فيه نخوة قديمة في نفسه فقال في المجلس: ينبغي أن نطلب من إخواننا الروس أن لا يأخذوا بناتنا في دباباتهم، لما في ذلك من هتك العرض، فانبرت له وزيرة العمل والشؤون الاجتماعية وقالت له: هؤلاء الروس ليسوا أبناء أمك يدافعون عن بلادك لقرابة بينك وبينهم، ويجب أن يتركوا يفعلون ما يريدون ما داموا يدافعون عن البلاد.
فرد عليها الوزير وطال النقاش، فأخذت المسدس وأطلقت عليه رصاصة فأصابته في يده.
وهذه الوزيرة الشيوعية عندما ذهبت إلى مصر، أهدى لها شيخ الأزهر مصحفاً، مع العلم أن الشيوعيين يدوسون المصاحف بأقدامهم.
ثم علق الأستاذ سياف على ذلك فقال: إنه عندما رأى صورة شيخ الأزهر يسلمها المصحف رد عليه في مجلة البنيان المرصوص، وقال: أنا أزهري ولكني أبرأ إلى الله مما فعله شيخ الأزهر.
وعندما ذهب الأخ محمد ياسر وزملاؤه إلى القاهرة، أعلن بعض طلاب الأزهر براءتهم مما عمله شيخ الأزهر، وكذلك بعض أساتذة الأزهر أعلنوا استنكارهم لذلك.
8 ـ ومما ذكره سياف، أن أحد الضباط الأفغان الذين انضموا إلى المجاهدين، ذكر أن بعض الضباط الروس كانوا إذا غضبوا على الضباط الأفغان يقولون لهم: إنكم لا توجد عندكم نخوة ولا غيرة، وأن النخوة والغيرة عند هؤلاء الأشرار الذين يحاربوننا في رؤوس الجبال ـ يعني المجاهدين.
وكان رد سياف على الدعايات الغربية يسجل في شريط فيديو باللغة العربية واللغة الأفغانية.

سياف يعرض على ضيفه السفر إلى داخل أفغانستان:

ثم التفت الأستاذ سياف إلي قائلاً: إننا سنذهب إلى داخل أفغانستان لعقد جلسة مجلس الوزراء قرب كابل فهل يرغب أستاذنا أن يذهب معنا؟
فقلت له: بل أنت أستاذنا، وأنا أعتبر المجاهد الصغير إذا كان طالب علم أستاذاً لي فكيف بسياف!
أما السفر إلى الداخل معكم، فإني أرغب في ذلك إذا كان في إمكانكم إعادتي إلى بيشاور خلال أسبوع، فقال: لا أظن ذلك يتيسر ونحن نرغب في بقائك معنا، ولكن إذا كنت مرتبطاً بعمل، فأرجو أن تعود من سفرك وقد فتح الله لنا كابل ونلتقي هناك، قلت: نرجو الله أن يكون ذلك.
وانتهت جلستنا مع الأستاذ سياف وودعناه، وخرجنا.

الأربعاء: 19/10/1409هـ ـ 24/5/1989م

في صباح هذا اليوم، في تمام الساعة الثامنة، زارني الأستاذ المهندس أحمد شاه، رئيس الحكومة الأفغانية السابقة، وهو الآن وزير المواصلات.
ويشكو شكوى مرة من تفرق القادة واختلافهم على رغم المؤامرات التي تحاك ضدهم، ومن ضمن تلك المؤامرات محاولة المجيء بظاهر شاه، وقد اتفقت على ذلك روسيا والهند وبريطانيا وأمريكا، وسيأتي سفير أمريكا للتباحث مع المجاهدين في هذا الأمر بعد يومين.
وقال: إن بعض القادة متحمسون مع الشيعة الذين لجأوا إلى إيران، ووفدهم الآن موجود في بيشاور.
وقد سمح لهم المجاهدون بخمسة وزراء، ولكنهم يريدون المزيد، وقد يرضون بخمس وزارات، إذا كانت من الوزارات المهمة التي وزعت حقائبها في الوزارة المؤقتة الحالية، وسيتضح موقفهم اليوم أو غداً، مع العلم أن المجاهدين رفضوا أن يعطوهم أي وزارة من الوزارات التي قد وزعت حقائبها.
وقال: إن الوزارة كلها ستجتمع في الداخل وسيبقى رئيس الوزراء والإداريون هناك.
وذكرني المهندس أحمد شاه أنه قد زارني في الجامعة الإسلامية، عندما كنت عميداً لكلية اللغة العربية، وكان هو عضو هيئة التدريس في جامعة البترول والمعادن في الظهران.
وقال: إن روسيا طلبت من المجاهدين الاجتماع مع ممثليها بصفتهم ممثلين للشعب، لا بصفتهم دولة فرفضوا ذلك وأصروا على أن يكون اجتماعهم بصفتهم دولة.

الهدف من زيارتي لبيشاور:

كان هذا اليوم هو اليوم الخامس من الأيام التي قضيتها في مدينة بيشاور، وهو آخر يوم من الأيام التي قضيتها فيها.
وكان الهدف من الزيارة لبيشاور يتلخص في ثلاثة أمور:
الأمر الأول: زيارة قادة المجاهدين، لمعرفة أحوالهم ونصحهم باتخاذ الوسائل التي توحد كلمتهم ضد أعدائهم، حتى يحرزوا النصر عليهم، تحقيقاً للجهاد في سبيل الله ونفياً لما قد يشوب عملهم من شوائب النفس والهوى.
وتيسر لي زيارة أغلبهم، ولم يتيسر لي اللقاء بالمهندس حكمتيار أمير الحزب الإسلامي ووزير الخارجية، لأنه كان في زيارة لبعض الدول في الخارج وعندما رجع ذهب إلى داخل أفغانستان مباشرة.
وقد قلت ما عندي لكل قائد التقيته، وقلت ذلك للأخ مزمل الذي زارني وهو من أركان الحزب الإسلامي، وطلبت منه أن يبلغ المهندس حكمتيار.
وقد لمست من لقاءاتي بالقادة الخلاف واضحاً بينهم ولم أجد له سبباً مشروعاً وساءني ذلك كثيراً، ويبدو لي أن لأتباع القادة أثراً في هذا الخلاف وكذلك الدول الأجنبية إقليمية ودولية، ولكن قادة المجاهدين يتحملون المسؤولية الكبرى في ذلك الخلاف، لأنهم لو تغلبوا على نفوسهم وعلى الشيطان والأهواء، واجتمعوا على كلمة الحق، لم يتمكن العامل الخارجي من التأثير فيهم، وأسأل الله أن يوفقهم جميعاً وينصرهم في القضاء على أسباب الخلاف وينصرهم على عدوهم. [وهناك قوى أجنبية - قريبة وبعيدة - توري نار النزاع بين المجاهدين، ولكن نفوسهم أشد عليهم من غيرها].
الأمر الثاني: أني كنت أرغب رغبة شديدة في زيارة بعض المعسكرات الجهادية في داخل أفغانستان، ولكن لم يتيسر لي لأن الذي يأتي جديداً يحتاج إلى أن يتدرب مدة من الزمن، ويصعب عليه أن يذهب بسرعة ويعود، وكنت أشكو من آلام في ركبتي ووقتي قصير، فلم أتمكن من تحقيق هذه الرغبة.
الأمر الثالث: أني كنت أرغب في زيارة معسكرات اللاجئين وزيارة المؤسسات الإسلامية العاملة التعليمية والطبية والثقافية وغيرها، ولكن لقصر الوقت وزحمة المواعيد مع القادة لم أتمكن أيضاً من تحقيق هذه الرغبة.
ومن الأمور التي فاتتني كتابة تراجم مختصرة لقادة الجهاد، والسبب زحمة أعمالهم.
هذا، وفي هذه الأيام التي قضيتها في بيشاور كنت أنشأت قصيدة بعنوان: "هذه دولتي فأين رجالي" أحث فيها قادة الجهاد على الاجتماع والاتحاد، وأحذرهم من مغبة الفرقة والاختلاف.
وبلغت 44 بيتاً وهذا نصها:

قصيدة هذه دولتي فأين رجالي؟

أمم الأرض كلها قد تداعتتتبارى لهدم هذا الجهاد
حزب لينين قد غدا في وفاقبعد بين وفرقة وابتعاد
وتلقى من الصليب نصيراوهو خصم محارب ذو عناد
وتناجي مع الهنادك يبغىدعم طاغوت دولة الإلحاد
وعماد الجميع حزب يهودلم تكحل عيونه بالرقاد
زلزل القومَ بالحجارة طفلٌيحرس القدس من دعاة الفساد
كان بالأمس مستكينا ذليلاليس يعصي أوامر الأوغاد
وغدا اليوم كاسراً مستميتاًيقذف الرعب في قلوب الأعادي
وقف الكفر باحثاً عن جوابلسؤال محيرٍ للفؤاد
فإذا قندهار تملي جواباًصاغه الحق في جلال أباد
ودماء الشهيد كانت مداداًوالصواريخ أقلام هذا المداد
أفزع الحقُّ في الدُّنَا كلَّ حزبفتداعوا لصده باتحاد
وقف الحق مثل أحد وثوروحراءٍ أمام هوج العوادي
من ضلال وفلسفات عقولوجيوش تسلحت بعتاد
تملأ الأرض والسماء وترميوابل الموت في القرى والبوادي
وأتى النصر بعد صبر وتقوىفتوارت قوافل الإلحاد
فانتشينا في كل صقع سروراًوابتهجنا لفوزنا بالمراد
والتفتنا إلى سَراة نضالكي يسيروا لكابل في وداد
ويذيقوا ربيب موسكو المناياويقيموا بناء هذي البلاد
ويضيئوا سهولها ورباهابِسَنَا الوحي والرسول الهادي
ويرى الناسُ نعمةً ما رأوهافي حياة محكومة بالفساد
ونريهم بأن فينا رجالالا يحيدون عن سبيل الرشاد
فإذا الجو قد بدا مكفهرابنزاع على كراسي القياد
وتداعى لجمع شمل رجالليفلوا مكايد الحساد
وبدا الحقُّ في السماء مضيئاًيتباهى بدولة وينادي
هذه دولتي فأين رجاليرافعو رايتي وقطب عمادي
فإذا المسجد الحرام يلبيوأخو دربه نداء المنادي
وإذا القدس مطرق لبشيروانتظار للهازمين الأعادي
وانتظرنا من السَّراة اعتصاماًبعرى الحق والتزام انقياد
وانتصار على عدو لعينوهوى النفس في ليال شداد
فانقلبنا بحسرة إذ رأيناقادة الحق أبطئوا باتحاد
وبدا النصر في خطاه وئيداًبعد أن كان مسرعاً باطراد
واستبانت شماتة من عدوكان بالأمس مستطارَ الفؤاد
يا رجال الجهاد هل من سباقلرضا الله وهو أعلى المراد
يا رجال الأفغان هل من علاجلنفوس وصقلها من فساد
راقبوا الله في زكيِّ دماءقد أريقت في ساحة استشهاد
ما أريقت لمغنم أو لجاهبل لإعلاء ديننا في البلاد
راقبوا الله في أرامل ثكلىويتامى وشِيخةٍ زهاد
راقبوا الله في ضعافٍ جياعٍوعرايا قد شردوا في البوادي
هذه الأرض يا مجاهد ترنولمعاني الإسلام بعد الجهاد
وأولو الحق في انتظار ثمارقد تصدى لقطفها ذو الفساد
أنقذوا الحق من أيادي لئامٍواقطعوا بالإخاء تلك الأيادي
هذه دولتي وذاك عدوييبتغي محوها فأين عمادي؟

السفر إلى إسلام أباد:

الخميس: 20/10/1409هـ ـ 25/5/1989م.
هذا وقد أقلعت بنا الطائرة من مطار مدينة بيشاور إلى مدينة إسلام أباد في الساعة الرابعة إلا ربعاً فكانت مدة الطيران 30 دقيقة، ونزلت في فندق إسلام أباد.