الرحلة الرئيسة إلى باكستان 1409/1410هـ ـ 1989م
الرحلة الرئيسة إلى باكستان 1409/1410هـ ـ 1989م
[هذه الرحلة بدأت بباكستان ومرت على البلدان الآتية: الهند وتايلاند وماليزيا وسنغافورة وبروناي والفلبين وتايوان وهونغ كونغ، ولكل منها جزء مستقل في مجلدات هذه السلسلة، والتي بلغت عشرون مجلداً].
حِفظُ الله تعالى دينه بحفظ وحيه:
الحمد لله والصلاة على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان، اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى ومن العمل ما ترضى اللهم هون علينا سفرنا هذا واطوِ عنا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل، اللهم إنا نعوذ بك وعثاء السفر وكآبة المنظر وسوء المنقلب في المال والأهل.
أما بعد:
فإن الله سبحانه وتعالى بعث رسله وأنزل كتبه لهداية الأمم إلى صراطه المستقيم، وقد تضمنت كتبه المنهج الذي يرضاه لعباده ولم يرضَ لهم سواه، وقام رسله عليهم الصلاة والسلام ببيان ذلك المنهج والهدى على أتم وجه وأكمله تحقيقاً لرسالتهم وأداءً لوظيفتهم، واقتضت حكمة الله تعالى أن يبعث كل رسول إلى قومه خاصة في فترة زمنية معينة تنتهي رسالته بانقضاء حياته، وكلما قضى رسول تبعه رسول آخر يبين للناس معالم الهدى ويدعوهم إليها ويوضح لهم طرق الضلال وينهاهم عن سلوكها، وكلما مات رسول من الرسل السابقين ضاعت بعده نصوص كتابه الذي أنزله الله إليه، بتحريف الأمة الضالة التي بعث فيها أو تقصيرها في حفظ ذلك الكتاب، ولم يبق أي كتاب من كتب الله السابقة مصوناً محفوظاً كما أنزله الله بين يدي الناس، وإن وجدت فيه بقايا من خير تشهد له العقول السليمة والفطر، أو الكتب المنزلة اللاحقة، ولكن تلك البقايا تعرضت ولا تزال تتعرض للكتمان والتحريف المفسدَيْن لها.
وهكذا تتابعت الرسل وتنـزل عليهم الوحي، حتى جاء آخرهم وخاتمهم محمدصلى الله عليه وسلم، بالقرآن العظيم الذي تكفل الله تعالى بحفظه، ليبقى دين الإسلام محفوظاً إلى أن تقوم الساعة، وتضمن هذا القرآن وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم منهجاً شاملاً بنصوص واضحة وقواعد ثابتة، شرع فيها كل ما يحتاج إليه الناس في حياتهم، ما بقى في هذه الأرض بشر، شريعة لكل زمان ومكان، مع ثباتها وسموها ودوامها وشمولها، فقد حفظ الله نصوص كتابه الكريم القرآن العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من عزيز حميد، وأخبرنا سبحانه وتعالى بأنه تكفل بحفظ هذا الكتاب في نفس هذا الكتاب فقال تعالى: { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9].
ويدخل في حفظ القرآن حفظ السنة النبوية، لأن المقصود من حفظ الذكر حفظ دين الإسلام من التحريف الذي طرأ على الكتب السابقة، التوراة والإنجيل وصحف إبراهيم والزبور، وعندما طرأ التحريف على نصوصها ضاع مضمونها، وأصبحت تلك الأديان المحرفة يهيمن عليها هذا القرآن، فما خالفه رفض، وما وافقه قبل، وما لم يوافقه ولم يخالفه لم يصدق ولم يكذب، ولا يقبل الله تعالى ديناً إلا ما جاء به القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ} [آل عمران: 19].
{وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85].
وإذا كان الله تعالى قد تكفل بحفظ نصوص كتابه، فقد هيأ لحفظ نصوص سنة نبيه رجالاً خدموها وفحصوا أسانيدها وبينوا صحيحها من ضعيفها ومقبولها من مردودها، وترجموا لرواتها تراجم تبين الصادق من الكاذب، والحافظ من المخلط والثقة العدل من غيره، فلا يروى حديث من الأحاديث إلا وهو معروف سنداً ومتناً.
كما هيأ سبحانه وتعالى لكتابه وسنة نبيه من يغوص فيهما لفهم مراده منهما، والتفقه في دينه عن طريق نصوصهما، ووفقهم لضبط القواعد الأصولية المستنبطة منهما، وهي قواعد تعصم من الزلل في فهم النصوص فهماً خاطئاً يضرب بعضهما ببعض بسبب سوء الفهم، فبينوا الخاص والعام والمطلق والمقيد والمجمل والمبين والناسخ والمنسوخ والراجح والمرجوح وهكذا..
فإذا أراد مغرض من أعداء الإسلام أن يحرف نصاً من نصوص الكتاب، صوبت نحوه شهاب حفاظ القرآن الكريم من كل مكان، ورد عليه تحريفه آلاف الآلاف من حفظة كتاب الله سبحانه وتعالى كباراً وصغاراً، ذكوراً وإناثاً، وإذا لم يوجد في بعض الأماكن من يحفظ كتاب الله سبحانه وتعالى رجع قارئ القرآن الكريم إلى المصاحف السابقة المحفوظة، وعرف من نصوصها ما يدفع ذلك التحريف، وهكذا سنة الرسول صلى الله عليه وسلم حفظت في أمهات الأصول الميسرة لمن أراد الرجوع إليها، والحمد لله رب العالمين.
وجوب قيام علماء الأمة بالبلاغ المبين:
وأوجب الله تعالى على العلماء أن يبينوا للناس ما نزل عليهم في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهدد من كتم ذلك بالطرد والإبعاد عن رحمته، وحذرهم من سلوك سبيل اليهود الذين خلطوا الحق بالباطل وكتموا ما أنزل الله، وحرفوا التوراة التي أنزلها الله على موسى عليه السلام فيها هدى ونور.
وأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أن الله لا ينزع العلم انتزاعاً بقبضه من صدور العلماء، وإنما يقبضه بقبض أرواح العلماء، فإذا ماتوا اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فضلوا وأضلوا.
فإذا ما عدم الفقيه في الدين في مكان ما من الأرض، انتشر بين الناس الجهل واختلط عليهم الحق بالباطل والعادة بالعبادة، فابتعدوا عن دين الله بقدر جهلهم بهذا الدين، ولا يعودون إلى الدين الحق والاهتداء بهديه، إلا إذا هيأ الله لهم فقهاء في دين الله يبينون لهم هدى الله، ولهذا كانت وظيفة رسول الله صلى الله عليه وسلم تبليغ الناس هذا الدين كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ.. } [المائدة: 67].
وبعد وفاته صلى الله عليه وسلم انتقلت هذه الوظيفة إلى علماء المسلمين كما قال تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي.. } [يوسف: 108]. وقد كانوا يقومون بهذه الوظيفة في عهده بأمره ولكنها أصبحت متعينة عليهم بعد وفاته.
فبيان هذا الدين وتبليغه للناس من جهال المسلمين وغير المسلمين فرض على كل قادر على التبليغ ومن قدر على ذلك ولم يقم بهذا البيان والتبليغ فهو آثم عند الله تعالى، إلا إذا وجد من يؤدي ذلك أداءً كافياً لمن يحتاج إليه.
غلبة الجهل بالإسلام على العالم:
وإذا نظرنا إلى العالم اليوم وجدنا أغلب المسلمين يجهلون جوهر هذا الدين ـ على الرغم من وجود علماء كثيرين ووسائل تبليغ سريعة وشاملة ـ وكذلك غير المسلمين أغلبهم لا يعرفون حقيقة هذا الدين، بل ما وصلهم ـ في الغالب ـ هو عكس الحقيقة، معانٍ مشوهة منفرة عن طريق أعداء هذا الدين، من كثير من المستشرقين والمنصرين والخارجين على هذا الدين من المنتسبين إليه كالقاديانيين، وكذلك مواقف أغلب حكام المسلمين من هذا الدين حيث أقصوه عن حياة المسلمين بالقوة، وطاردوا الدعاة إليه وفتنوهم بالسجن والتعذيب والاعتداء على أموالهم وأعراضهم وأنفسهم، فرأى الناس في أولئك الحكام وتصرفاتهم قدوة سيئة تنفر من هذا الدين، لأنهم يظنون أن هذه التصرفات هي منهج الإسلام نفسه، وأوحى لهم بذلك أعداء الدين من غير المسلمين، فكان ذلك كله سبباً في بعد كثير من المسلمين وغير المسلمين عن هذا الدين ونفورهم منه.
فساء تصور هذا الدين في عقول أبناء المسلمين، وفي عقول غير المسلمين، وقل من يبلغ حقيقته للناس.
وعندما يقرأ المسلم آيات القرآن الكريم والسنة النبوية، وكتب العقيدة، وكتب الأخلاق، وكتب الفقه والأصول وغيرها، يعلم علم اليقين أن الأمة الإسلامية مكلفة تطبيق هذا الدين في حياتها تطبيقاً شاملاً في أمور الإيمان والعقيدة، وفي الأخلاق والسلوك وفي الأحكام والمعاملة والحدود والقصاص، وفي الدعوة إلى الله والجهاد في سبيل الله، وإيصال حقائق هذا الدين إلى كافة الناس، وأنها إذا قصرت في تبيين ما أوجبه الله عليها تكون آثمة ما دامت قادرة على ذلك.
وإذا نظر المتأمل في أحوال المسلمين وجد أكثرهم لا يطبقون ما أوجبه الله عليهم في أغلب أمور الإسلام، إما بسبب الجهل بهذا الدين، وإما بسبب الغفلة، وإما بسبب الفسق عن دين الله، وتنشأ الأجيال على تلك الحال التي وجدوا آباءهم ومجتمعاتهم وحكامهم عليها، فيظنون أن ما هم عليه هو الإسلام، لأنهم يدعون أنهم مسلمون، وفي كثير من الأحيان لا يجدون من يبين لهم حقائق الإسلام، وإذا وجد من يريد بيان ذلك وجد من يصده ويحول بينه وبين البلاغ المبين.
كما أن غير المسلمين ـ كما سبق ـ لا يعرفون عن هذا الدين إلا ما يشوهه وينفر منه.
وإذا تأمل المتأمل آيات القرآن الكريم وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم وسيرته وسيرة أصحابه، علم أن الواجب على علماء المسلمين أن يقوموا بالتبليغ والبيان والدعوة إلى الله والحض على الجهاد في سبيل الله، وأنه إذا لم يوجد علماء يقومون بفرض الكفاية قياماً كافياً في الأرض، وجب على كل قادر من العلماء الموجودين أن يسعوا في إيجاد علماء يبلغون في كل المجالات الإسلام، وإذا لم يبلغوا فهم آثمون.
سبب الاهتمام بالبلاغ المبين:
وقد لفت نظري ما جاءت به آيات القرآن العظيم التي تنص على البلاغ المبين، وتوجب على العلماء التبيين للناس، وتذم وتهدد من يكتم هذا البيان، وكون الرسل جاءوا للناس بآيات بينات وبينوا للناس ما نزل عليهم، فرأيت أن الواجب أن ينبه العلماء ويذكروا بواجبهم، وكذلك غير العلماء من القادرين على مساندتهم بالمال والجاه والمنصب والحكم، فإن البيان لا يكتمل إلا إذا تعاون على القيام به هؤلاء كلهم: العالم يعلم ويدعو ويبين، والغني يدعمه بالمال، والحاكم يدعمه بالقوة إذا احتيج إليها، وبخاصة في هذا العصر الذي أصبحت وسائل البيان فيه تحتاج إلى دعم كامل من الغني والمتخصص والحاكم.
فعزمت على الكتابة في هذا الموضوع الذي عنونت له بـ(البلاغ المبين).
سبب الحوارات الميدانية في موضوع البلاغ المبين:
وقد رأيت أن الكتابة في هذا الموضوع في هذه الفترة الزمنية التي نعيش فيها يحتاج ـ مع النصوص القرآنية والأحاديث والسيرة النبوية، وما سار عليه علماء الإسلام من سلفنا الصالح ـ إلى لقاءات ميدانية مع العلماء والمفكرين في هذا العصر، ومع الداخلين في الإسلام من المعاصرين ومع غير المسلمين، بل ومع المسلمين غير العلماء لمعرفة ما يلي:
1 ـ رأي العلماء في القيام بفريضة البلاغ المبين، هل وجد من يؤدي هذه الفريضة في العالم بين المسلمين وغيرهم أو لا؟ ومن المسؤول عن القيام بذلك؟ وما العقبات التي تعترض القيام بالبلاغ المبين؟ وما مصادر البلاغ المبين؟ وما وسائله؟ وما حكم من لم يبلغه الإسلام على حقيقته بل بلغه مشوهاً محرفاً؟ وهل أعدت مناهج التعليم في الجامعات والمعاهد الإسلامية إعداداً يفي بتخريج الدعاة القادرين على القيام بالبلاغ المبين قياماً كافياً؟ وغير ذلك من الأسئلة التي لا بد من الإجابة عنها من قبل العلماء والمفكرين المعاصرين.
2 ـ معرفة بلوغ حقائق الإسلام إلى المسلمين فروض العين وفروض الكفاية.
3 ـ معرفة أسباب دخول غير المسلمين في الإسلام، أكان ذلك عن طريق دعوة المسلمين لهم وإبلاغهم هذا الدين، أو أنهم هم الذين بحثوا عنه بأنفسهم حتى دخلوا فيه؟ وما الذي فهموه عن الإسلام قبل إسلامهم؟ وهل تصورهم للإسلام صحيح بعد أن دخلوا فيه؟ والقصد من ذلك كله هو أن يعلم المسلمون القادرون على تبليغ هذا الدين إلى غيرهم أن قيامهم بذلك فرض فرضه الله عليهم، وأنه سيعاقبهم على تقصيرهم فيه.
4 ـ الاطلاع مباشرة على بلوغ الإسلام إلى غير المسلمين هل بلغهم أو لا؟ وإذا كان بلغهم فكيف بلغهم؟ هل بلغهم على حقيقته أو بلغهم على غير حقيقته محرفاً وبطرق منفرة؟ وعن أي طريق بلغهم وما رأيهم في الإسلام؟ ما الإيجابيات التي يرونها فيه؟ وما السلبيات التي بلغتهم عنه؟ ومناقشتهم في ذلك حسب الاستطاعة والوقت.
والقصد من ذلك أن يعلم أيضاً المسؤولون عن تبليغ هذا الدين، هل قاموا بواجب تبليغه إلى الناس أو لا؟ وما حكم هؤلاء الناس الذين قصر المسلمون في حقهم، فلم يبلغوهم رسالة الإسلام؟
5 ـ الاتصال بالمراكز الإسلامية وزعمائها في البلدان الإسلامية وخارجها، ومعرفة تخطيطها لتبليغ هذا الدين إلى المسلمين وغير المسلمين والتنبيه على الواجب عليها في ذلك.
6 ـ معرفة ما عليه الأقليات الإسلامية في غير البلدان الإسلامية من معرفة الإسلام أو جهلهم به، ومن قيامهم بتربية ذراريهم على الإسلام، أو إهمالهم، وأثر ذلك فيهم، ومن المسؤول عنهم، وهل قام المسؤولون بواجبهم نحوهم؟
وهذان البندان الأخيران تمكنت في رحلاتي القديمة التي بدأت سنة 1398هـ ـ 1406هـ من الاطلاع على بعض المعلومات فيهما وتسجيلهما في مذكراتي التي كتبتها وأطلقت عليها "في المشارق والمغارب".
أما البنود الأخرى فلم أهتم بها في الجملة، إلا في الأعوام التالية من سنة 1407هـ 1410هـ ابتداء من الرحلة الأوروبية التي استغرقت أكثر من ثلاثة شهور، وشملت إحدى عشرة دولة أوروبية سنة 1407هـ ، والرحلة الأوروبية الثانية التي شملت ثلاث دول، واستغرقت خمسة وأربعين يوماً سنة 1408هـ.
ثم هذه الرحلة إلى شرق وجنوب شرق آسيا واستغرقت أربعة شهور وأربعة أيام، وشملت تسع دول سنة 1410 هـ.
الفوائد التي حصلت لي من رحلاتي منفرداً:
وامتازت هذه الرحلات الثلاث بأنني سافرت فيها وحيداً، لم ألزم فيها نفسي بزمن معين، بل كنت أبقى في الدولة أو المدينة زمناً أكثر من الزمن الذي كنت أقضيه مع من أرافقهم من المشايخ في الرحلات السابقة، ولذلك استفدت في هذه الرحلات الثلاث فائدتين:
الفائدة الأولى: قضاء وقت أطول.
الفائدة الثانية: الاتصال بأصناف الناس المتنوعة.
فقد تمكنت من اللقاء بمن شئت ممن تيسر لي الاتصال بهم من المسلمين الجدد، أو غير المسلمين، وسجلت كل ذلك بقلمي الذي أحمد الله على أن مكنني الله به من سرعة الكتابة التي تكاد تكون نصوصاً من كلام أهلها (أو كلام المترجمين).
وهذه الرحلة الأخيرة كنت فيها متفرغاً تفرغاً رسمياً من قبل الجامعة الإسلامية، من أجل مشروع كتابة البحث العلمي الذي أردت الكتابة فيه، وهو البلاغ المبين. [بالقرار الإداري الموقع من رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة رقم 1567 وتاريخ 3/9/1408هـ].
وقد مضت السنة كلها وأنا أحاول الاتصال ببعض العلماء في داخل المملكة وخارجها، ليجيبوا عن أسئلتي التي وضعتها وواجهت مشقة في ذلك، بسبب شغل أولئك العلماء وتفرقهم في مناطق مختلفة، واعتذار بعضهم ووعد بعضهم أنه سيكتب الجواب ويبعثه، ولما.
وزادت المشقة بسبب عدم وجود من يساعدني في الكتابة أو التسجيل أو الترتيب، ولذلك تراكمت الموضوعات التي كتبتها في هذه الرحلة، لأنني أكتب في رحلاتي أغلب ما أتمكن من كتابته عندما أقابل أشخاصاً من معلومات، عنهم وعن البلد والدعوة وغير ذلك من المعلومات المفيدة عن أحوال المسلمين في تلك البلدان بصفة عامة.
وعندما رجعت من هذه الرحلة كانت سنة التفرغ قد انتهت، فباشرت العمل في الجامعة تدريساً ومناقشات رسائل وغيرها، فلم أتمكن من ترتيب أوراقي بعد العودة مباشرة كما هي عادتي في الرحلات السابقة.
وتضاعفت المشقة عندما طلبت مني الجامعة أن أقوم برحلة أخرى إلى إندونيسيا، بعد مباشرة التدريس بشهرين ونصف تقريباً، مع بعض الزملاء من أساتذة الجامعة، وبقينا هنالك شهرين وسجلت معلومات جديدة في رحلة إندونيسيا، وتصحب المعلومات المسجلة في الدفاتر معلومات أخرى من منشورات المؤسسات وبعض الكتب التي تعتبر مراجع تاريخية لا بد من الاستفادة منها عند الكتابة.
وهناك مشاغل أسرية، وبعض الآلام التي تلم بي أحياناً، فتحول بيني وبين الاستمرار في القراءة أو الكتابة.
وعندما عدت من إندونيسيا في أول شهر شعبان لهذا العام 1410هـ لم أجد بداً من البدء في ترتيب أوراق الرحلة السابقة، ومحاولة كتابتها على حسب اليوميات، لأن ذلك أيسر فيها، فإذا تمكنت من كتابتها كاملة وطباعتها على الآلة، استطعت بعد ذلك الاستفادة منها باعتبارها مرجعاً ثم إذا أردت إفراد موضوعاتها كان ذلك سهلاً إن شاء الله.
وها أنا أبدأ كتابة هذه الرحلة، من سلسلة (في المشارق والمغارب).
أسأل الله أن يعينني على إكماله وإكمال ما يتلوه إنه تعالى على كل شيء قدير.
الخميس: 13/10/1409هـ ـ 18/5/1989م.
دولة باكستان هي الدولة الأولى من الدول التسع التي زرتها في هذه الرحلة.
أقلعت بنا الطائرة السعودية (بوينج 747) من مطار الملك عبد العزيز الدولي بجدة، إلى مطار الظهران في الساعة السابعة والنصف صباحاً، وهبطت في مطار الظهران في الساعة التاسعة، وبقيت جاثمة في المطار ساعتين، حيث لم تقلع إلا في الساعة الحادية عشرة.
هبطت في مطار إسلام أباد في الساعة الثالثة والنصف بعد الظهر.
واتفق أن كان في نفس الطائرة الأستاذ فتحي رفاعي المصري الذي كان يدرس في المعهد الثانوي بالجامعة الإسلامية، ثم ذهب إلى بيشاور يساعد المجاهدين في الإشراف على وضع المناهج المدرسية وتأليف الكتب كما يأتي، ففرحت به كثيراً لأني كنت أريد زيارة قادة المجاهدين في بيشاور ولم أكن قد زرتهم من قبل.
وبتنا هذه الليلة في فندق صغير يسمى إمباسدور في مدينة إسلام أباد.
الجمعة: 14/10/1409هـ ـ 19/5/1989م.
علم بوجودي الدكتور أحمد العسال، فاستضافنا في منزله وهو وكيل الجامعة الإسلامية العالمية في إسلام أباد، وبعد أن تناولنا طعام الإفطار في بيته سافرنا بالسيارة مع الأستاذ فتحي إلى مدينة بيشاور في الساعة الثانية عشرة ظهراً، وصلنا إلى بيشاور في الساعة الثالثة بعد الظهر.