رحلات باكستان والهند

الرحلات | سلسلة في المشارق والمغارب | 19 صفحة
صفحة 11 من 19 2- في مدينة لاهور

2- في مدينة لاهور

2- في مدينة لاهور

في مطار لاهور:

ونزلنا في مطار لاهور في الساعة الثامنة والدقيقة الخامسة والعشرين وقد تلفتنا عندما دخلنا إلى قاعة تسلم الأثاث لنرى من يستقبلنا؟ كما ذكر الشيخ عبد القوي ليسهل مهمتنا في السفر إلى فيصل أباد، فلم نر أحداً في أول الأمر، ورأيت كلمة تسهيلات ومسافرين على لافتة بجانب موظف فذهبت إليه، وقلت: فيصل أباد، فأشار بيده إلى قاعة أخرى، وهي قاعة السفر، فرجعت إلى عبد البر وكان واقفاً عند الساحب في انتظار حقيبة للشيخ عبد القوي بعث بها معنا إلى لاهور ليأخذها صديقه المستقبل، ففاجأني رجل طويل قائلاً: قادري؟ قلت: يس، فأشار لنا أن نمشي وراءه فسهل أمرنا واتصل من مكتبه بالهاتف وسمعت منه: حكيم صاحب، فعرفت أنه اتصل بالشيخ عبد الرحيم لأنه حكيم أي طبيب، وهو من أطباء الطب القديم ـ اليوناني ـ وناولني سماعة الهاتف فتبادلنا أنا والشيخ تحية الإسلام، وقال لي بعد ساعتين إن شاء الله نلتقي في مطار فيصل أباد، وطلبت منه أن يحاول الحجز على أول طائرة تغادر فيصل أباد إلى لاهور غداً.

فرح ثم عبوس!

ودخلنا القاعة في انتظار إعلان صعود الطائرة، فالتقينا بعض المشايخ الذين سألونا: من أين أنتم؟ قلنا: من المملكة العربية السعودية، قالوا: من أي مدنها؟ قلنا: من المدينة المنورة، فتهللت وجوههم، وسألوا أتعرفون مولانا الشيخ زكريا؟ قلت: ومن هو؟ فتمعرت وجوه القوم لعدم معرفتنا مولاهم، ثم قال أحدهم: إن مولانا الشيخ زكريا رجل محدث كبير، وكان في الهند، وقد هاجر إلى المدينة، ويقيم في دار العلوم الشرعية عند باب النساء من المسجد النبوي، وهو زعيمنا ويجتمع بالجمع الغفير في مسجد النور، فعرفت أنهم من جماعة التبليغ، وأنهم يتعجبون من عدم معرفتنا مولاهم ونحن في المدينة.

كأنها داتسون!

وعندما نودي بالخروج من القاعة خرجنا فصعدنا إلى الطائرة، وكانت صغيرة، أقلعت بنا في الساعة العاشرة والدقيقة الخامسة عشرة، وكانت تهتز، ليست راسية مثل الطائرات الكبيرة وقال عبد البر ـ الذي لم يسبق له أن ركب طائرة صغيرة مثلها ـ متعجباً: إيش بها؟ قلت له: هذه شبيهة بسيارة جارنا اليابانية (داتسون) والسيارات اليابانية معروفة بالاهتزاز بخلاف الأمريكية، وكانت مدة الطيران ثلاثين دقيقة.
وفور نزولنا رأينا الأخ طارق ولد الشيخ عبد الرحيم أشرف، ومعه الابن الحسن الذي كان من عوامل هذه الزيارة، وقد اتفقنا مع الشيخ عبد الرحيم على الإشراف عليه ليحفظ القرآن الكريم في جامعة تعليمات إسلامية ـ أرجو من الله أن يحقق المراد. {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [سورة القصص، الآية: 56].

إن السفينة لا تجري على اليبس:

نزلنا في بيت الشيخ عبد الرحيم أشرف، وكان اليوم يوم جمعة، وظننا أن الصلاة ـ بأذانها وانتظارها وأدائها، ستنتهي في تمام الساعة الواحدة أو بعدها بقليل كما جرت العادة عندنا ـ وهذه أول مرة نصلي فيها الجمعة في باكستان، وكنا في أشد الحاجة إلى الراحة والنوم، لأن سفرنا متواصل من هونغ كونغ إلى فيصل أباد، ولكن الأذان تأخر إلى الواحدة إلا ربعاً، قلت في نفسي: فليكن انتهاء الصلاة في الساعة الواحدة والنصف، ولكن الشيخ عبد الرحيم ما زال يتحدث معنا ولم يبد اهتماماً بالوقت فقلت له: متى تصلون الجمعة؟ فقال: في الساعة الثانية‍‍، فتثاءبت واستعذت بالله من الشيطان الرجيم! وقلت في نفسي: إذا كان الحنفيون يؤخرون الصلاة، لأن ذلك مذهبهم، فلماذا يؤخرها أهل الحديث؟ ثم قلت: الوقت حار ولعلهم أرادوا الإبراد، وهو مشروع، وسمعنا نشيداً جماعياً من المسجد المجاور، فظننت أنه نشيد جهاد من أشعار محمد إقبال، وذلك بمناسبة حرب الملحدين في أفغانستان، فسألت الشيخ عبد الرحيم أشرف عن ذلك؟ فقال: هؤلاء هم البريلويون ينشدون أشعاراً خرافية، يستغيثون فيها بالنبي صلى الله عليه وسلم ويزعمون أنهم يحبونه ويمدحونه، قلت: لقد خسر من ظن أنه يصل إلى رضا الله بالاستغاثة بغيره، والبريلويون معروفون بعبادة القبور وبالإطراء في الرسول صلى الله عليه وسلم، حتى ينزلوه منزل الإله، ويُكَفِّرون من يقول: إنه بشر، وهل يمكن أن يكون هؤلاء من محبي الرسول صلى الله عليه وسلم حقاً؟
وإن مثلهم كمثل من أراد قطع مسافات طويلة، فصنع له سفينة يظن الناس أنه يريد أن يمخر بها عباب البحر، فإذا هو يريد منها أن تنهب القفار والفيافي وتتسلق الجبال، وفي هؤلاء وأمثالهم، قال الشاعر:
أراك لست بوقاف ولا حذر
ترجو النجاة ولم تسلك مــسالكها
كالحاطب الخابط الأعوادَ في الغلس
إن الـسفينة لا تجري عـلى اليبس
وكانوا يرفعون أصواتهم بشدة ليغيظوا علماء الحنفية وأهل الحديث.

ولكن تحلق الدين!

وكانت الأصوات ترتفع من جهات متعددة ـ وكان ذلك كله قبل صلاة الجمعة ـ من مساجد متقاربة، ومكبرات الصوت قوية وكثيرة وكل جماعة تحاول أن تعلو أصواتها على أصوات الآخرين، وكأن لسان حالهم يقول: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله، كأنه هو على الدين الحق ومن عداه على الباطل، نعم قد يكون بعضهم على حق في اعتقاده وسلوكه واتباعه للرسول صلى الله عليه وسلم في جوانب كثيرة، وقد يكون الآخر أقرب إلى الباطل، ولكن أيجوز أن يكون المسلمون على هذه الحال يتنافسون في رفع الأصوات بعضهم ضد بعض ويتحزبون بعضهم ضد بعض بالحق وبالباطل؟ أليس ذلك هو ما حذر منه الرسول صلى الله عليه وسلم من الخلاف والشقاق؟ ((إياكم والحالقة، لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين)). أليس فشلنا وذهاب هيبتنا من أهم أسبابهما هذا التنازع وهذا الشقاق؟ {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال:46].
إن هذا الأسلوب غير لائق بين المسلمين وبين غيرهم من الكفار مصايحة ومهاترة وتفاخر وتكاثر، فكيف يكون أمره عندما يكون بين المسلمين؟ لا بل كيف يكون حكمه عندما يكون بين طائفة واحدة تزعم أنها الطائفة المنصورة فتتفرق وتتنازع ويتهم بعضها بعضاً وقد يكفر بعضهم بعضاً؟.

المجنونة والطاقية!

كان الشيخ عبد الرحيم أشرف يستعد للصلاة، ونحن جلوس في غرفة الاستقبال فدخلت امرأة عجوز وأخذت تتحدث بلغتها، فلم نجبها، لأنا لا ندري ما تقول، وقال الحسن: هذه مجنونة وتحفز للدخول للشيخ عبد الرحيم، وفَهِمَتْ أنه يريد التحريش عليها فصاحت به غاضبة، وكانت طاقيتي على الطاولة أمامي فخطفتها ووضعتها على رأسها، وأظهرت الارتياح وأخذت تضحك، ولما أخذت منها الطاقية غضبت وخرج الشيخ عبد الرحيم فولت هاربة تتمتم فقلت الحمد لله الذي خلص طاقيتي منها.

وأمرهم شورى بينهم:

وذهبنا مع الشيخ عبد الرحيم أشرف إلى المسجد وتقدم ليلقي خطبة الجمعة في الساعة الثانية، وكنت أظن أنه سيختصر لأمرين:
الأول: العمل بالسنة وهو تقصير الخطبة وإطالة الصلاة.
الثاني: علمه بتعبنا وحاجتنا إلى النوم، وقرأ الشيخ سورة العصر، وأخذ يلهب العواطف ويحرك المشاعر، وهكذا كنت أشعر من حماسه وعواطفه ـ وإن لم أفهم ألفاظه الأردية ـ واستمر حتى إذا ظن أن الناس قد ملوا خفض صوته وخاطبهم بكلمات ما كنت أدري ما هي، فصاحوا صيحة واحدة لا أدري ماذا قالوا أيضاً، ثم استأنف الشيخ يخطب بحماس حتى أكمل ساعة، وأنا في أغلب الوقت قد جعلت رأسي بين ركبتي لأسترق قليلاً من النوم، ثم أصحو إذا ارتفع صوت الشيخ، وعلمت بعد ذلك أن الشيخ شاور المصلين أيستمر في الخطبة أم يكتفي بما مضى؟ فطلبوا منه المزيد، والشيء الذي سرني أن الشيخ اختصر الخطبة الثانية فلم يزد عن عشر دقائق، ثم نزل.

تكبيرة الإحرام قبل الإقامة!

قال لي الشيخ تقدم فصل بالناس ـ وكنت أكاد أسقط لشدة التعب والنوم ـ فرفضت، ولكنه ألح، وقال: قد أعلنت للمصلين أنك ستصلي بهم.
قلت في نفسي: لعل الله أراد أن يريحنا، لأن الشيخ لو صلى بالناس يمكن أن يقرأ في الركعة الأولى بسورة ق والقرآن المجيد، وفي الثانية بسورة الملك ـ مثلاً ـ فتقدمت وكبرت تكبيرة الإحرام، ولا أدري إن كان أحد كبر بعدي مباشرة أم لا؟ ـ ولكن الشيخ أدرك أن الإقامة لم تحصل فأقام الصلاة، وقطعت أنا ـ بسبب المفاجأة ـ تكبيرة الإحرام ثم كبرت من جديد، وبعد انتهاء الصلاة وكانت قصيرة جداً ولكنها صحيحة إن شاء الله، قال الشيخ: قم فادع للناس وألح ولكني كنت قاعداً فلم أتحرك من مكاني، وقلت له: أنت تدعو ولم نخرج إلا في الساعة الثالثة والنصف، فاستأذنا لنذهب إلى الفندق لنرتاح فأعطينا هذا الحق.
وعندما وصلنا إلى الفندق استحممنا وصلينا العصر ركعتين ونمنا، فلم نقم إلا لتناول طعام الإفطار وصلاة المغرب، ثم تناولنا طعام العشاء، وصلينا العشاء ورجعنا إلى السرر فنمنا إلى أن أيقظنا الخادم لطعام السحور، فتسحرنا ثم صلينا الفجر، وجاء إلينا الأخ طارق لإيصالنا إلى موقف السيارات، لنسافر إلى لاهور لعدم وجود طائرة في الوقت المناسب، وخشينا أن تفوتنا رحلة لاهور إلى كراتشي، وإذا فاتت هذه الرحلة فاتت رحلة كراتشي إلى جدة.
مررنا بالشيخ عبد الرحيم فودعناه، ثم ذهبنا إلى الموقف فركبنا في الحافلة في الساعة السادسة صباحاً.

السفر براً إلى لاهور:

كان أحد الشباب في السيارة عندما صعدنا فسلم علينا وسألنا عن أسمائنا وبلادنا وكم مدة نقيم في باكستان؟ وكان يتكلم اللغة العربية بطلاقة، وهو من مدينة بيشاور وجاء إلى فيصل أباد كما قال للتشرف بمصافحة مولاهم الشيخ زكريا، لأنه كان في فيصل أباد هذه الأيام، وأخذ يثني على الشيخ ويحثنا على الاتصال به، لأن الاتصال بأولياء الله يورث زيادة الإيمان والعمل الصالح، وسألنا إن كان لنا نحن أولياء نتصل بهم؟ فقلت: المؤمنون كلهم أولياء الله، وإن تفاوتوا في هذه الولاية لزيادة إيمانهم ونقصانه، قال: ولكن لا بد أن يكون هناك أولياء بارزون، قلت: عندنا علماء أفاضل، ولكنهم يكرهون الغلو والإطراء وتخصيصهم بشيء عن غيرهم، وإن كنا نحترمهم لفضلهم، ثم كنت من شدة التعب أغيب عنه مستغرقاً في النوم حتى يميل رأسي فيقع على النافذة، فأصحو ويغتنم الشاب الفرصة ليوالي نصحه في الاتصال بأولياء الله.. وهكذا..
وكان المطر نازلاً طول الوقت بغزارة في أغلب الأوقات وخفيفاً في بعضها، والمزارع طافحة بالسيول والغدران والأنهار في حالة فيضان، ولكنه لم يصل إلى درجة الخطر.
وكان وصولنا إلى لاهور في الساعة التاسعة صباحاً.
لعل الببغاء الرابع ذهب يبحث عن الشيخ عبد القوي!
كان ابن أخي الشيخ عبد الرحيم أشرف قد أهدى لنا أربعة طيور "ببغاوات" في قفص صغير، وكان عبد البر يحمل القفص مسروراً بهذه الهدية، والظاهر أن غطاء القفص ـ وهو في أحد جوانبه ـ غير محكم، وعندما وصلنا إلى موقف السيارات في لاهور أخذنا نتلفت هنا وهناك، لنرى الشيخ عبد القوي في انتظارنا، لأن الشيخ عبد الرحيم اتصل به وأخبره في الليلة الماضية بموعد سفرنا، وهو يعلم أننا لا نقدر على التفاهم مع قومه لاختلاف اللغة، وبينما نحن نلتمسه فلم نجد أحداً، قال عبد البر: أبوية (يا أبي) قلت: نعم، قال: إن أحد الطيور ضاع، قلت: وأين؟ قال: يمكن راح يدور (يبحث عن) الشيخ عبد القوي، وهي نكتة لم أكن حينها مستعداً للضحك من أجلها.

وظهرت عاطفة الإيمان:

كان المطر نازلاً بغزارة، وكانت شوارع لاهور أنهاراً جارية، وكانت الأماكن المنخفضة بحيرات ترتفع فيها نسبة الماء باستمرار، وكانت السيارات التي عطلها الماء كثيرة، ولم يكن عندنا شئ من النقود الباكستانية لنستأجر سيارة، وكان أصعب شئ علينا هو التفاهم مع الناس.
ونظر إلينا الأخ البشاوري واسمه (عبيد الله) فقال: هل يوجد أحد في انتظاركم؟ قلنا: هكذا كنا نتوقع، ولكن لا نرى أحداً، فجال معنا ـ هو ورفيقه ـ في الأماكن المجاورة للموقف فلم نجد أحداً، فقال: أنا معكم في أي خدمة تريدون، فأخبرته بأننا نريد صرف نقود، (دولارات أمريكية)، لنستأجر سيارة توصلنا إلى مطار لاهور، لأننا نريد السفر على الطائرة التي تقلع في الساعة الحادية عشرة، فذهب معنا إلى مصرف قريب لنصرف خمسين دولاراً فاعتذروا، ودلوه على أحد البنوك، فاتفق مع سائق سيارة أجرة على نقلنا إلى البنك، ثم إلى المطار، وعندما وصلنا إلى البنك وجد السائق أنه لا يستطيع الاقتراب منه، لأن الشارع طافح بالسيل، فترجل الأخ عبيد ودخل إلى البنك، فاعتذر الموظفون ـ كذلك ـ عن الصرف، وكان بقربه بنك آخر فدخلنا فيه وتم الصرف، ثم انطلقنا إلى المطار والأخ وزميله معنا، ولم يفارقانا إلا بعد أن اطمأنا على تسلمنا تذاكر السفر، وحاولنا أن نستأجر لهما سيارة على حسابنا تعيدهما إلى لاهور فرفضاً، وقالا: عندي ما يكفيني، وودعانا وذهبا جزاهما الله خيراً، وإن ما قاما به معنا لمن الأدلة الواضحة إن شاء الله على عاطفتهما الإيمانية القوية.

ويقرؤه بكراً!

لماذا لم يستقبلنا الشيخ عبد القوي أو يبعث من يستقبلنا؟ سؤال كررناه أنا والابن عبد البر كثيراً وبدت لنا عدة احتمالات:
الاحتمال الأول: أن غزارة المطر وكثرة المياه في الشوارع حالا بينه وبين استقبالنا.
الاحتمال الثاني: أن يكون غلبه النوم مثل بلال رضي الله عنه.
الاحتمال الثالث: أنه كان في احتفال عائلي مستمر، لأنه لم يصل إلى أهله وأولاده إلا ليلة أمس، وكان هذا الاحتمال ضعيفاً، وكل الاحتمالات غير مقنعة، وعندما التقيناه في المدينة وعاتبناه، اتضح أنه لم يكن شئ من هذه الاحتمالات، وإنما كان السبب سوء التبليغ أو سوء الفهم أو هما معا، فقد كنا في الأصل نرغب السفر في الطائرة من فيصل أباد إلى لاهور، فلم يتيسر ذلك، وسألنا عن القطار فلم يكن حينئذٍ قطار، فركبنا في الحافلة، وقال الشيخ عبد الرحيم: إنه بلغ الشيخ عبد القوي بذلك، ولكن الشيخ عبد القوي قال: بل قالوا لنا: إنكم ستأتون في القطار، وبعثت من يستقبلكم في محطة القطار فكنا مع المبلِّغ (اسم فاعل) والمبلَّغ(اسم مفعول) كما قال الشاعر:

أقول له زيداً، فيسمع خالداًويكتبه عمراً، ويقرؤه بكرا

يا أبوية إيش فيه مشكلة؟

رأى موظفو مطار لاهور قفص الطيور الثلاثة الباقية، بعد أن ذهب الرابع يبحث عن الشيخ عبد القوي ـ وكنا نريد أخذ القفص في أيدينا ـ فقال أحد الموظفين: لا بد أن تأخذوا تذكرة الطيور وتدعوها تذهب مع العفش وتتسلموها في مطار كراتشي، قلنا: لا مانع من قيمة التذكرة، ولكن يبقى القفص بأيدينا حتى لا تصاب الطيور بأذى، فرفضوا وأخذوا عشرين روبية قيمة التذكرة، ووضعوها على الساحب الذي نقلها ونحن نشاهدها مع العفش فقلنا: وداعاً، ونسأل الله أن يجمعنا في مطار كراتشي.
وأقلعت الطائرة من مطار لاهور في الساعة الواحدة والربع، بدلاً من الساعة الحادية عشرة، وعندما وصلنا إلى مطار كراتشي، كان عفشنا الوحيد الذي ننتظره هو ذلك القفص، وكنا نستبعد أن يوضع قفص هذه الطيور الضعيفة مع العفش، لأنه قد يسقط عليها شئ ثقيل فيقتلها، وأردنا أن نسأل: من يسلم لنا الطيور؟ ومن أين؟ أمن نفس المكان الذي يؤتى فيه بالأثاث أم من مكان آخر؟ فحاولنا أن نجد من يفهمنا فلم نجد، فقلت وأنا أنظر إلى عربات نقل العفش الآتية من الطائرة: الشكوى إلى الله! وفوجئت بسماع هذه العبارة ينطقها شاب باكستاني من ورائي "يا أبوية إيش فيه مشكلة؟" فالتفت إليه وقلت: السلام عليكم، فقال: وعليكم السلام، ففهمته مشكلتنا، فذهب إلى الموظفين وسألهم فأجابوه بأن الطيور ستأتي مع العفش، فشكرته وانتظرنا وكان قفصنا هو قائد عفش بقية الركاب، إذ كان أول قادم يظهر على الساحب، فحمدنا الله وأخذناه ومشينا.
وهبطت الطائرة في مطار كراتشي في الساعة الثالثة إلا عشرين دقيقة مساء، وقابلنا الأخ سهيل بن عبد الغفار في المطار جزاه الله خيراً.

مسافرون خان:

حدد موعد حضور المسافرين في المطار بالساعة الخامسة مساء، فقلنا للأخ سهيل إذا كان يوجد فندق قريب يمكننا أن نرتاح فيه قليلاً ونغير ثيابنا ونصلي فانقلونا إليه، فقال: يوجد مكان قريب فلنذهب لنراه، فذهبنا فوجدنا بناء يشبه بناء المستشفيات فيه قاعات كبيرة في كل قاعة عدد من الأسرة، كتب على لافتته: (مسافرون خان) أي مكان راحة المسافرين، ويستفيد منه من لا يستطيع النزول بالفنادق في داخل البلد، إما لقلة المال وإما للاستعجال، ونظافته لا بأس بها، فنزلنا فيه بثلاثين روبية ـ في الليلة، ولكن نحن لا نحتاج إلى البقاء فيه إلا ساعة تقريباً، فتم لنا ما أردنا، وجاء الأخ سهيل فنقلنا إلى المطار.

هوان لغة القرآن في العالم لهوان أهلها:

واعترضتنا في مطار لاهور مشكلة التفاهم مع الموظفين، ولكن الله يسر عاملاً باكستانياً استطاع بصعوبة أن يترجم بيننا وبينهم. وكان من أهم ما سبب الخلاف بيننا وبين أحد الموظفين هو أنهم يريدون أخذ الطيور مع العفش كما فعلوا معنا في مطار لاهور، وحاولنا إقناعهم بترك القفص بأيدينا، ولكن دون جدوى.
لقد تعبنا خلال هذين اليومين في التفاهم مع الناس في شعب إسلامي هو شعب باكستان، ولقد كاد قلبي يتقطع خلالهما على مصير المسلمين المخزي الذين كان سببه ابتعادهم عن دينهم، فأضاعوا مجدهم ومنه لغة دينهم، التي لا توجد لغة في هذا العالم تتوافر لها أسباب البقاء والانتشار مثلها، وكان يجب أن تكون هي اللغة العالمية، لأنها لغة القرآن، والقرآن لم ينزل لجنس دون جنس، ولا لقوم دون قوم، ولا لبلد دون بلد، وإنما نزل للعالم أجمع، كما قال سبحانه وتعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً} [الفرقان:1] وما من مسلم في هذه الأرض يعفى من وجوب تلاوته شيئاً من هذا القرآن، وبعض الأذكار العبادية باللغة العربية، ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.
والمسلمون منتشرون في أنحاء الأرض في الشرق والغرب، وعندهم من الحرص الشديد على قراءة القرآن وفهمه ما لا يوجد عند سواهم لشيء آخر، ولو أن المسلمين الذين لغتهم اللسان العربي والذين أغدق الله عليهم من نعمه وأعطاهم من الإمكانات المادية ما لم يعطه غيرهم، لو أنهم كانوا مسلمين حقاً ويريدون العزة والسيادة، بنشر دينهم الحنيف ـ ولغتهم لغة الإسلام والقرآن ـ لو أنهم كانوا كذلك، لما فرطوا هذا التفريط الشنيع في لغة دينهم، ولبذلوا أقصى جهدهم في تعليمها بكل أسلوب وكل وسيلة مستطاعة، لكنا وجدنا لغة أخرى غير لغة القرآن هي اللغة العالمية ـ وهي اللغة الإنجليزية ـ فما زرنا أي بلد من بلدان العالم إلا وجدنا من يتكلم بهذه اللغة، من المسلمين ومن غير المسلمين.
إن الدول الأجنبية وشركاتها يستنزفون أموالنا بسلعهم التي تأتينا إرشاداتها، عظمت أم صغرت باللغة الأجنبية: المراكب الجوية والبحرية، والآلات الزراعية والصناعية، والأدوات المنزلية والأدوية وغيرها.
ولو أن حكومات الشعوب الإسلامية العربية أصرت على أن تكون جميع المعاملات والإرشادات لكل السلع التي تشتريها من تلك الدول باللغة العربية، لاضطرت إلى تعليم أكبر عدد من أبنائها اللغة العربية، ولو أن الدول الحاكمة في الشعوب الإسلامية العربية وقفت موقفاً حازماً في المحافل الدولية والمؤسسات والشركات، لكانت لغتها تنطق في أغلب طائرات العالم لكثرة المسافرين من الشعوب العربية على تلك الطائرات، ولو أن حكومات الشعوب الإسلامية العربية خصصت أوقاتاً في برامجها الإذاعية والتلفزيونية وغيرها لتعليم اللغة العربية للعالم كله، لنجحت في ذلك أيما نجاح، ولو أن حكومات الشعوب الإسلامية العربية أكثرت من فتح المعاهد والمراكز العربية لأبناء المسلمين في العالم واجتهدت في ذلك، لكان الأمر على غير ما هو عليه الآن، ولكن حكومات الشعوب الإسلامية العربية ـ وغيرها من باب أولى ـ أضاعت مجدها فأصبحت في سقط المتاع، أليس من العار أن يسافر عدد كبير من العرب إلى بعض البلدان العربية أو من بعض البلدان العربية على طائرات لدول أخرى مسلمة أو غير مسلمة، وتذاع الإرشادات في تلك الطائرات بلغة الإفرنج ولغة البلد الذي يتبعه تلك الطائرة، ولا تذاع باللغة العربية مع أن الطائرات التابعة للدول العربية تذيع بثلاث لغات اللغة العربية واللغة الإنجليزية ولغة البلد الذي يكثر فيها ركابه.
ما سبب هذا الهوان؟ إنه البعد عن الإسلام والخنوع لأعداء الله والإعجاب بهم وبلغتهم. ولقد كانت اللغة العربية أحق بالعالمية، ولكن ذل أهلها فذلت هي ولولا أن الله حفظها بكتابه لما بقيت على وجه الأرض.
وإن اللغة الإنجليزية التي أصبحت الآن هي اللغة العالمية ـ لولا الجهود العظيمة من أهلها، في أوروبا وأمريكا وغيرهما من الدول الدائرة في فلكها، حتى كثير من الدول العربية وبوسائل مختلفة: تعليمية وسياسية واقتصادية وصناعية وعسكرية واجتماعية ـ لولا تلك الجهود لما كانت عالمية بهذا الصفة التي نراها الآن في كل مكان. إننا لو نظرنا ـ فقط ـ إلى الوسائل التعليمية لهذه اللغة، لكفاها ذلك انتشاراً في العالم: الكتاب، الشريط، الإذاعة والتلفاز، والمدارس، الجامعات في كل بلدان العالم. وإذا نظرنا إلى وسائل تعليم اللغة العربية في معقل اللغة العربية لأصابنا الخجل من ذلك لتأخرها وضعفها فكيف ببقية الوسائل.
ولهذا كنا نمشي غرباء في شعب مسلم مثل باكستان، وفي طائرات هذا الشعب الذي لم نقدر نتفاهم مع مضيفها إلا بالإشارات وهز الرؤوس.
نعم، هذا هو واقعنا، وواقع لغتنا، وهي تسير على بركة الله وبحفظه، كديننا، ولو وكلها الله إلينا لما بقي لها أثر في الدنيا إلا نقوشاً أثرية، كاللغات التي ذهبت أدراج الرياح، ومطلبنا أن تفيق أمتنا من سباتها، وأن تستغل طاقاتها المادية والبشرية، وأن تتجه إلى ربها لترفع نفسها إلى قمة العزة التي أرادها لها، لتكون خير أمة أخرجت للناس، وهناك تسود عقيدتها ويسود سلوكها، وتكون لغتها عالمية مثل دينها وكتابها، فلا يتجه فرد من أفرادها إلى أي بقعة من بلاد الله إلا وجد أهله يعتزون بها، كما كان الأمر كذلك في يوم من الأيام وما ذلك على الله بعزيز.
عيب فادح!
ولكن هذا المطلب الذي نرمقه ونطمع في تحقيقه، ويحتاج إلى جهود متواصلة، لا يسوِّغ لنا القعود عن تعلم لغة القوم وفهمها وإتقانها ـ بالنسبة لمن يريد التصدي للدعوة إلى الله وإيصالها إلى أهل تلك اللغة، لأن البلاغ المبين واجب، وإذا لم يتم باللغة العربية ـ التي ينبغي أن تكون هي العالمية في الأصل ـ فلا بد من القيام بهذا البلاغ باللغة التي لا يفهم الناس غيرها.
كما لا يسوغ هذا التمني لنا أن نبقى على هذه الحالة التي لا نستطيع معها أن نتفاهم مع الناس في أسفارنا في حاجاتنا الضرورية، وفي حاضرنا لا نستطيع أن نعرف التعليمات الضرورية لأدويتنا وآلاتنا...
وإذا كان القطار في الأولى وفي الثانية قد فات بعضنا ـ وأنا واحد ممن فاتهم ـ فلا ينبغي أن يفوت من عنده القدرة فوات القطار الآخر.

ولم أرى في عيوب الناس شيئاًكنقص القادرين على التمام

لا بد من الاعتبار:

ضاق الابن عبد البر بالحالة التي كنا عليها ـ صعوبة التفاهم مع الناس بسبب اللغة ـ فقلت له: يا بني يجب أن نأخذ عبرة مما حصل لنا، وقد يسر الله لنا في كل وقت اشتدت فيه حاجتنا من يساعدنا، إما من طلبة العلم أو من العمال الباكستانيين الذين سكنوا في المملكة، ونحن يفد إلى بلادنا الناس من كل مكان ـ لا سيما أيام الحج ـ وكثير منهم لا يجيد إلا لغة بلده، وقد يضيع وقد يحتاج إلى من يدله على قضاء حاجة، فيلتفت يمنة ويسرة ويشير إلى من يتوسم فيه خيراً ليساعده فلا ينبغي أن يجد منا الصد وعدم المبالاة، ونحن نسكن في مساكن المهاجرين والأنصار الذين بلغوا قمة المواساة والإيثار، وعم نفعهم الدنيا كلها مباشرة أو اقتداء فلنأخذ من ذلك "عبرة".

مفطرون تصاوموا!

دخلنا قاعة انتظار المسافرين الدولية في الساعة السادسة، وقبل حلول المغرب بقليل أعلن المذيع نبا تواثب الناس على إثره إلى يمين القاعة (في الجهة الشرقية) فسألت: ماذا جرى؟ فقال أحد الباكستانيين المسافرين: الخطوط الباكستانية تستضيف الصائمين على طعام الإفطار، وقام هذا الرجل ومعه عبد البر ـ الذي لم يقدر على الوصول إلى تناول الطعام لشدة الزحمة ـ فقال له الباكستاني: عد إلى أبيك وأنا آتيكم بنصيبكم. والغريب في الأمر أن كثيراً من الناس الذين كانوا يأكلون ويشربون، ويدخنون قبل المغرب، كانوا أسرع الناس إلى إجابة الداعي، والأغرب من ذلك أنهم رجعوا وهم أشد فرحاً بأخذ هذا الطعام من الصائمين إذ كانوا يأكلون ويقهقهون، كأنهم غنموا بعض دبابات اليهود في إحدى المعارك ـ وكان بعضهم من دول المواجهة ـ وأخذوا يأكلون من ذلك الطعام الذي أعد للصائمين قبل أذان المغرب والصائمون ينظرون إليهم، وظن من لم يعلم أنهم مفطرون أصلاً أن وقت المغرب قد حان.

سنة حسنة:

وكنا نتساءل في القاعة: هل دخل وقت المغرب؟ فكان منا من يقول: دخل الوقت، ومنا من يقول بقيت دقائق، وإذا نداء الحق يرتفع في مكبرات الصوت: الله أكبر.. الله أكبر، فقطعت جهيزة قول كل خطيب. وإنها لسنة حسنة ليت مطارات الشعوب الإسلامية تحذو حذوها، وليت مطارات باكستان تؤم مطارات الشعوب الإسلامية في رفع هذا الصوت في كل وقت ـ في داخل قاعاتها في جميع الأوقات ـ وليس في شهر رمضان فقط عند الإفطار، ومن سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شئ. نعم توجد في مطارات بعض الشعوب الإسلامية مساجد قريبة ويؤذن المؤذن فيها في جميع الأوقات، وتصلى فيها الصلوات الخمس وكذلك تقام فيها صلاة الجمعة، ولكن المسافرين في داخل القاعات قد يمضي الوقت وهم لا يدرون عنه، لا سيما الذين ليسوا حريصين على أداء الصلاة في أوقاتها، ولا يسمع ـ غالباً ـ صوت المؤذن من المسجد، لكثرة الضجيج في قاعات المطار ولعدم وجود منافذ للصوت إليها. [ولكن الأذان الآن يرفع في بعض مطارات في الشعوب الإسلامية، وبخاصة المملكة العربية السعودية التي ينطلق في مطاراتها الأذان ويوجد في كل قاعة في كل المطارات مصلى - غير المساجد التي تقام فيها الجمع والجماعات - يتسع للمسافرين، بل زادت على ذلك تخصيص مصليات في طائراتها الجديدة، إضافة إلى آلة الكعبة التي تضيئ في كل وقت من أوقات الصلاة].