رحلات سنغافورة وبروناي وتايوان

الرحلات | سلسلة في المشارق والمغارب | 15 صفحة
صفحة 8 من 15 رحلة بروناي (دار السلام) 1410هـ ـ 1989م

رحلة بروناي (دار السلام) 1410هـ ـ 1989م

رحلة بروناي (دار السلام) 1410هـ ـ 1989م

خريطة بروناي (دار السلام)
خريطة بروناي (دار السلام)

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.. أما بعد:
فهذه أول رحلة لي أقوم بها إلى دولة بروناي (دار السلام) وهي الدولة السادسة من الدول التي زرتها في رحلتي هذه لشرق وجنوب شرق آسيا، والتي استغرقت أكثر من أربعة أشهر.

في مطار سنغافورة:

الثلاثاء: 14/1/1410هـ ـ 15/8/1989م.
ودعنا الأستاذ أبو بكر محي الدين في سنغافورة وذهبنا إلى المطار، ولم تكن عندي في الجواز تأشيرة دخول إلى بروناي، ولكن معالي وزير التعليم في بروناي كان قد بعث برسالة عن طريق الفاكس يستضيفني فيها عندما كنت في كوالالامبور عن طريق مكتب المستشار الإسلامي السعودي الشيخ عبد الرحمن الغنام عندما علم أني أريد زيارة بروناي وليس عندي تأشيرة.
فتش موظفو خطوط بروناي أوراق جوازي، فلم يجدوا به تأشيرة لدخول بروناي، فقالوا: أين التأشيرة؟
فأخبرتهم أن معالي وزير التعليم قد استضافني، فتحيروا في الأمر وهم يعلمون أنه لا يدخل أحد بروناي إلا بتأشيرة.
وطلبوا مني أن أنتظر وبعثوا برقية عاجلة لإخبار المسؤولين بالأمر، ولم يأت رد.
وعندما اقترب موعد إقلاع الطائرة قالوا لي: أكتب تعهداً أنك مسؤول عن نفسك إذا ما ردوك من مطار بروناي، فكتبت ذلك وأسرعوا بي إلى الطائرة التي أقلعت فور جلوسي على مقعدي.
وكان إقلاع الطائرة من مطار سنغافورة في الساعة الثانية عشرة والدقيقة الخامسة والعشرين ظهراً بتوقيت سنغافورة وتسير الطائرة من سنغافورة إلى بروناي متجهة إلى الشمال الشرقي.
وبعد أقل من ساعتين بدأت الطائرة تتدرج في النزول.

منظر التقط من الطائرة قبل الهبوط في مطار بروناي 15/1/1410هـ ـ 16/8/1989م
منظر التقط من الطائرة قبل الهبوط في مطار بروناي 15/1/1410هـ ـ 16/8/1989م

وفي الساعة الثانية والربع هبطت الطائرة في مطار بروناي، وعندما نظر موظف الجوازات في جوازي حولني إلى الضابط المسؤول في المكتب، وهذا سجل المعلومات التي يريدها من الجواز في ورقة عنده، وطلب مني أن أصرف مبلغاً من الدولارات بمقدار ستين ريجينت - وهي العملة البروناوية.
عند خروجي وجدت في انتظاري الأخ أبا هريرة بن عبد الرحمن الفلبيني الذي جاء من ولاية صباح الماليزية المجاورة، بطلب من الشيخ عبد الرحمن الغنام المستشار الإسلامي في سفارة المملكة العربية السعودية في كوالالامبور، ليرافقني مدة بقائي في بروناي ويترجم بيني وبين المسؤولين الذين لا يجيدون اللغة العربية.
ولم أعرف غيره فأردت أن أمضي معه إلى أحد الفنادق في المدينة، فإذا شاب يسأل أبا هريرة، هل هذا هو الدكتور عبد الله القادري؟
فقال له: نعم، قال: أنا ابن وزير التعليم أمرني والدي باستقباله وإنزاله في دار الضيافة، وهي مقصورة من المقصورات التي يملكها الوزير - وتسمى: ريست هاوس (REST HOUSE).
وقلت لابن الوزير: هذا الأخ أبو هريرة جاء من ولاية صباح لمرافقتي بأمر من المستشار الإسلامي في كوالالامبور فوافق على أن يكون برفقتي في الدار المذكورة.
وقال لي ابن الوزير: إن موعدكم مع الوالد في مكتبه غداً الساعة التاسعة، وموعدكم لزيارة الجامعة الساعة العاشرة.

معلومات عن مرافقي:

أما الأخ أبو هريرة الفلبيني فقد عرفته عندما كان طالباً في الجامعة الإسلامية، وكنت مسؤولاً عن شؤون الطلاب في الجامعة آنذاك.
وهذه معلومات عنه:
الاسم: أبو هريرة بن عبد الرحمن الفلبيني.
ولد سنة 1942م في مدينة كوتاباتو - جزيرة مندناو في الفلبين.
التحق بالمعهد الثانوي في الجامعة الإسلامية بالمدينة سنة 1961م.
ثم التحق بكلية الدعوة وأصول الدين ونال شهادة الليسانس منها سنة 1971م.
ورجع بعد ذلك إلى بلاده، وأسس معهداً ثانوياً في مدينته، وأداره لمدة سنة واحدة، وقعت بعدها الحرب بين المسلمين والحكومة الفلبينية- في عهد ماركوس.
فاضطر أن ينحاز مع المجاهدين في الغابة، وكان يقود فيها أكثر من ثلاثمائة شاب مسلح، وبقي هناك إلى آخر سنة 1973م واشتبك مع العدو مرتين.
وفي آخر سنة 1973م فتحت ماليزيا إذاعة للغات الأجنبية ومنها لغة: "تغالونج" اللغة الوطنية للفلبين، وطلبوا من المسلمين في جنوب الفلبين القيام بإذاعة هذه اللغة، وأرادوا رجلاً من العلماء يقوم بذلك مع إجادة اللغة الإنجليزية، فاختير لذلك الأخ أبو هريرة، وكان متزوجاً ولكن ليس عنده أولاد، وذلك من أسباب سهولة سفره، فذهب إلى ماليزيا، وبدأ يذيع بعد أن تدرب على شؤون الإذاعة.
وكان يقوم بذلك من ولاية صباح لقربها من الفلبين.
ولا زالت عنده برامج أسبوعية باللغة الفلبينية إلى الآن.
وعندما عين مرشداً من قبل الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد سنة 1983م قدم استقالته من وظيفته في الإذاعة الماليزية، فوافقوا على طلبه، وطلبوا منه الاستمرار في البرامج، ووافق مكتب الرئاسة المذكورة في كوالالامبور على استمراره في البرامج نظراً لكون ذلك من الدعوة.

معلومات عن الدعوة في ولاية صباح:

وحيث إن الأخ أبا هريرة يقوم بالدعوة في ولاية صباح الماليزية، فقد رغبت إليه أن يعطيني نبذة عن الدعوة في هذه الولاية، فأدلى بما يأتي:
حكومة صباح النصرانية تدعم النشاط التنصيري:
والدعوة في صباح الآن تتجه إلى المسؤولين في الحكومة من المسلمين، وذلك نافع جداً أكثر من الجهات الأخرى، لأن الحزب المسيحي هو الذي يتولى الحكم في صباح لفوزه في الانتخابات، وهذا الحزب يدعم - بصفة غير معلنة- رسمياً النشاط التنصيري الموجه من إندونيسيا والفلبين، وهذا النشاط ينشر أحياناً في الصحف، وآثار هذا التأييد للنشاط التنصيري واضحة من كثرة بناء الكنائس في الشوارع العامة. [مقصود أبي هريرة من هذا أن دعم الحكومة النصرانية في ولاية صباح للنشاط النصراني، يدفع الحكومة المركزية في كوالا لمبور إلى دعم الدعوة إلى الإسلام، خشية من زيادة عدد النصارى في الولاية، لأن زيادة عددهم في الولاية تمكنهم من الاستقلال بها في المستقبل].
وتحاول الحكومة إيثار المسيحيين في أخذ الكفاءات وحرمان المسلمين من ذلك.
ولهذا استدعت بعض الطلاب المسلمين الذين كانوا يدرسون في الغرب للرجوع إلى بلادهم قبل إكمال الدراسة، مع أن بعضهم لم يبق على تخرجه إلا سنة واحدة، وقد مكنت بعض الطلاب المسيحيين أن يحلوا محلهم في الجامعات الغربية.
وفي المنطقة الشرقية لولاية صباح يذهب المنصرون إلى أماكن داخلية في الأرياف والغابات، ومعهم أفلام فيديو يجمعون عليها السكان من الأطفال والكبار، ليتفرجوا على تلك الأفلام، ويدخلوا مع ذلك ما يريدون من أساليب التنصير.
وهؤلاء السكان مختلطون، منهم المسلم ومنهم النصراني، ومنهم الوثني- و السكان الأصليون هم أكثر سكان الولاية- وهم قبائل عدة المشهور منها:
قبيلة: قدازن، ومنها رئيس وزراء الولاية ومعظم وزرائه، وهي مسيحية.
وقبيلة: باجاو، وهم مسلمون يشترك منهم في الحكومة عدد قليل.
قبيلة: إيلانون، وهم مسلمون.
وقبيلة صينية، وهم مسيحيون - في الغالب - ويوجد بعض الهنود.
والنسبة فيما يظهر 50% مسلمون، و50% غير مسلمين.
وعندما كان رئيس الوزراء في الولاية تون مصطفى كان عدد المسلمين 60% وعندما نجح المسيحيون قلت نسبة المسلمين بسبب النشاط التنصيري.
وأكثر الدعاة والمدرسين في ولاية صباح، ليسوا من السكان المحليين، بل بعضهم جاءوا من ماليزيا الغربية، وبعضهم من إندونيسيا.
ويوجد عدد قليل من السكان الأصليين تخرجوا من الجامعة الإسلامية في المدينة ومن الأزهر في مصر، وعددهم عشرة تقريباً.
ولو وجد عدد كثير من أهل البلد يحملون مؤهلات من الجامعات الإسلامية والعربية لنفعوا أكثر.
ومما يدل على ذلك أن الفلبينيين المسلمين عندما درس أبناؤهم في الجامعات العربية ورجعوا تبعهم آباؤهم، وأهل بلدهم أكثر اتباعاً لهم من مبعوثي الأزهر من المصريين.
ويحاول الأستاذ أنور إبراهيم الاهتمام باللغة الماليزية الوطنية، وإن كانت تكتب بالأحرف اللاتينية.
وحضر الأخ أبو هريرة ندوة أقامها المركز الإسلامي في كوالالامبور، وهو تابع لمكتب رئيس الوزراء الماليزي.
وقدمت بعض الأوراق الجيدة التي بينت أثر تعديل قانون الأحوال الشخصية الذي بسببه انفصلت المحكمة الشرعية العليا عن المحكمة المدنية، وإن كان البرلمان فوق المحكمتين، وبعضهم دعا إلى أن يكون البرلمان مسلما، وذلك بتأييد من الحزب الإسلامي "فاس".
وقال الدكتور عبد الحميد عثمان: إننا في طريقنا إلى تطبيق الإسلام كاملاً، بدليل إنشاء الجامعة الإسلامية العالمية في كوالالامبور، التي قصد منها تخريج كفاءات تجمع بين العلوم الشرعية والأكاديمية وذلك هو ما يتطلبه العصر، لأن المسلمين الذين يحملون مؤهلات شرعية، تجدهم لا يحملون مؤهلات عن الإدارة الحديثة، والذين يحملون مؤهلات عن الإدارة الحديثة ينقصهم الفقه في الدين ومعرفة الشرع، والمطلوب فئة تجمع بين الأمرين، وإن كان وزن تخصصهم أثقل في أحد الجانبين الشريعة أو الإدارة الحديثة.
ويقترح أبو هريرة لتقوية الدعوة الإسلامية في ولاية صباح ابتعاث عدد كاف من أبناء البلاد الأصليين إلى الجامعات الإسلامية والعربية، لأنهم هم الذين يستطيعون نشر الدعوة أكثر من غيرهم لاستقرارهم ولتأثر أهل بلدهم بهم.
وينبغي أن توجد لجنة منصفة تختار الطلاب للابتعاث للدراسة في الخارج بحسب حاجة المناطق في الولاية وليس لأجل القرابات.

معلومات عن الدعوة في الفلبين:

وقال أبو هريرة: جماعة التبليغ قليل عددهم، وجماعة الأرقم - أيضاً قليلون - وهم فرع لجماعة الأرقم في ماليزيا.
خطر نشاط الشيعة في جنوب الفلبين:
والنشاط البارز الآن نشاط الشيعة الذين أقاموا في الجنوب مؤسسات علمية، وفي المركز العسكري في مورو.
وقال أبو هريرة يجب أن ينصح المركز بأن يحذر جماعة سلامت هاشم من نشاط الشيعة هذا أو يمنعوه.
وعندما اختلف سلامت هاشم مع نور مسواري، أرسل مسواري إلى إيران يطلب المساعدة، فوافقت حكومة إيران على المساعدة بشرط السماح لنشاط الشيعة في منطقة مورو، فقال سلامت هاشم للإيرانيين: نحن يمكننا أن نضحي بأي شيء ولكن العقيدة لا يمكن أن نضحي بها.
وعندما ذهب مسواري إلى إيران ظهرت آثار تدل على أنه وافق الإيرانيين على شرطهم، ولهذا عيَّن مندوباً عنه في إيران، وقُوَّاد مسواري يميلون إلى الشيعة.
والخطورة تأتي الآن من هذا النشاط ولهم منشورات باللغة العربية، واللغة الإنجليزية وبعض هذه المنشورات وصلت إلى ولاية صباح.
والفلبينيون يتعصبون للمذهب الشافعي، وبعض المتعاقدين مع الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد ينشرون العقيدة السلفية، وقد خَفَّتْ بسبب ذلك الخرافات والبدع، كإقامة الموالد والمآتم، وذلك مظهر من مظاهر نجاح دعاة السلفية.
وبعض المجاهدين في مورو يأخذون أفكارهم من كتب حسن البنا وسيد قطب، ومحمد قطب، ويستفيدون من كتبهم وبخاصة الكتب العربية، وفيما يتعلق بالحكم في الإسلام.
ويمكن أن تزور جنوب الفلبين مدينة كوتاباتو، وهي في وسط الجنوب، والأخ عبد اللطيف المحامي في مانيلا هو من مدينة كوتاباتو، وصلته جيدة بالدعاة في المنطقة.

استفادتي من مرافقة أبي هريرة:

كان وجود الأخ أبي هريرة معي في بروناي مناسباً جداً؛ لأن دار الضيافة التي نزلت بها تقع في طرف المدينة، ولا يوجد في هذه الدار إلا خادم فلبيني يعمل عند وزير التعليم في منزله، له أربع سنوات عنده، وقد كلّفه الوزير البقاء في الدار لخدمة وإحضار والطعام وتولى ترتيب الدار وتنظيفها مدة بقائي فيها، وهو لا يتحدث اللغة العربية.
وأبو هريرة يتحدث اللغة الفلبينية الوطنية ويتحدث اللغة العربية بطلاقة، ويتحدث اللغة الماليزية، واللغة الإنجليزية.
وكان من الطلاب النشيطين في الجامعة الإسلامية عندما كنت مسؤولاً فيها عن الطلاب، ولهذا كانت العلاقة بيننا جيدة جداً.

دار الضيافة:

وهذه الدار مجهزة بكل ما يحتاج إليه النازل، غرفها مثل غرف الفنادق حماماتها داخلية وبها خزانات "دواليب" للثياب وطاولة للكتابة، وهي في الطابق الثاني.
أما الدور الأرضي فهو مجهز للجلوس واستقبال الزائرين وصالة طعام وتلفاز وهاتف.
ولهذا كنا نجتمع في قاعة الجلوس عندما لا يكون عندنا برنامج عملي ونتحدث كثيراً.
ويقول أبو هريرة: إنه يجيد تسع لغات من اللغات الفلبينية التي تبلغ أكثر من ثمانين لغة، إذا أن كثيراً من الجزر لها لغاتها الخاصة التي لا يتفاهم سكانها بها مع سكان الجزر الأخرى، واللغة العامة هي اللغة الوطنية الفلبينية التي تدرس في جميع المدارس الحكومية في كل المناطق.

سبب الخلاف بين سلامت هاشم ونور مسواري:

كان مسواري متخصصاً في العلوم السياسية، وقد أيده سلامت هاشم وجماعته سنة 1971م فكان مسواري هو الرئيس وسلامت نائباً له، وكان أبو هريرة من الأعضاء المؤسسين في الجبهة، وبعثت الجبهة الشباب المسلم إلى الخارج للتدريب، وذهب سلامت هاشم إلى ليبيا والتقى القذافي، وطلب منه القذافي حضور مسواري بصفته رئيس الجبهة، فذهب مسواري إلى القذافي وطلب منه أن تكون المساعدات التي يخصصها القذافي للجبهة باسم مسواري شخصياً لأنه هو الرئيس، وكذلك اتصل مندوبو مسواري بالأغنياء في المملكة العربية السعودية ودول الخليج، وطلبوا منهم أن تكون المساعدات التي يقدمونها باسم مسواري، فتم ذلك.
وكان سلامت هاشم يحاول أن يعرف مصير تلك الأموال، لأنه هو الرجل الثاني في الجبهة، ولأن الأموال هي للجبهة، وليست لشخص نور مسواري، فلم يمكنه مسواري من معرفة مصير تلك الأموال، وبدأ المدد ينقطع عن المجاهدين في الداخل وكان الشباب يتدربون في بعض البلدان المجاورة. [ذكرت أسباب الخلاق بين مسواري وهاشم في الكتاب الخاص بالفلبين.. والله أعلم].
شاهدنا نشرة الأخبار في تلفزيون بروناي باللغة الملايوية، وعندما فرغ مقدما النشرة - وهما رجل وامرأة - قالت المرأة: والله أعلم، وقال الرجل وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه. وهو ختام طيب، والمرأة التي تقدم النشرة أو البرامج الدينية محتشمة، بخلاف غيرها في البرامج الأخرى. [ومن الغريب أن تجد بعض العلماء يشددون النكير على المرأة في إذاعة نشرات الأخبار في الراديو والتلفزيون، ولا يفقدون تلك الشدة تقديمها لبرامج أخرى في الجهازين، بل إنهم لا يظهرون الإنكار الشديد ظهور المرأة في التلفاز في تمثيليات ومسلسلات غير لائقة، وكذلك ظهورها في نشرات أخبار وتعليقات باللغات الأجنبية، فما الفرق يا ترى؟!].

معلومات موجزة عن بروناي - دار السلام:

قبل البدء في كتابة المذكرات اليومية أسجل بعض المعلومات الموجزة عن هذا البلد الصغير الغني الحديث الاستقلال.
الموقع : تقع بروناي في شمال غرب جزيرة بورنيو.
المساحة: 5769كيلو متر مربع 70% من مساحتها غابات.
المناخ: ما بين 20-35 درجة.
اللغة الرسمية: الملايوية، وتستعمل فيها اللغة الإنجليزية بكثرة، لطول مدة الاستعمار الإنجليزي لها.
عدد السكان: حسب إحصاء 1988م: (227 ألفا) منهم (155 ألفا) من أصل ملايوي و(141 ألفا) من أصل صيني و(11500 ألفا) من السكان الأصليين وهم وثنيون و(20 ألفاً) من العاملين من الخارج من بلدان أوربا وماليزيا والفلبين.

دخول الإسلام إلى بروناي:

دخل الإسلام إليها قبل القرن السابع الميلادي، وقال بعض المؤرخين: دخل الإسلام فيها في القرن الثالث عشر.
المذهب: المذهب الرسمي هو المذهب الشافعي، والعقيدة هي الأشعرية.
الرئيس الأعلى للشؤون الدينية: هو السلطان.
ودستور بروناي ينص على حرية التدين.

قوة السلطنة واتساعها قبل الاستعمار:

اشتهرت سلطنة بروناي في القرن الخامس عشر والقرن السادس عشر، وكانت تشمل بورنيو والفلبين.
وكانت آنذاك في عصرها الذهبي، وتولى أمرها في هذا العهد سلطانان وهما: السلطان بلقيه، والسلطان حسن وكانت في منتهى القوة في هذا العهد.
وفي القرنين: السابع عشر والثامن عشر جاء الأوربيون وأضعفوا هذه السلطنة.
وفي القرن التاسع عشر جاءت بريطانيا، فأضعفت سلطنة بروناي أكثر، وحملت السلطان على التنازل عن ولاية سرواك للوالي الإنجليزي (GAMESBROKE) وكانت العلاقات التجارية قد بدأت بين بروناي وبريطانيا سنة 1847م وتمت بينهما اتفاقية على قمع القناصة في البحر. [تأمل كيف يعمل المحتلون بالبلدان التي يحتلونها؟ وبخاصة البلدان الإسلامية؛ يمزقونها ويضعفونها، ويخرجون منها وقد ضمنوا أنها لا خطر لها، والصليبية الجديدة اليوم التي تريد السيطرة على العالم وبخاصة العالم الإسلامي وبالأخص المنطقة العربية، تحاول أن تفعل كما فعلت سابقاتها، ومن أوضح الأمثلة ما يفعلونه في العراق. كتبت هذا التعليق في 1رمضان 1426هـ 4/10/2005م].
وفي سنة 1888م أصبحت برونيو تحت حماية بريطانيا.
أما بروناي فإنها أصبحت محمية بريطانية سنة 1906م.
وقبلت بروناي زيادة سلطة الإنجليز التنفيذية، وقد استمرت على ذلك إلى سنة 1959م.
وبعد ذلك منحت بروناي بعض السلطات في الداخل.
وفي سنة 1971م أخذت بروناي سيادتها الداخلية.
وفي سنة 1984م أخذت بروناي استقلالها الكامل، ومن ذلك الشؤون الخارجية والدفاع.

ويجب التنبيه على ثلاثة أمور:

الأمر الأول: أن بروناي لم تكن مستعمرة لأنها لم تتنازل عن سلطاتها كلها في عهد الحماية البريطانية. [هكذا قيل!].
الأمر الثاني: أن العائلة السلطانية لم تفقد سلطاتها في عهد الحماية البريطانية.
الأمر الثالث: أن قوة العلاقات مع بريطانيا أثرت في تطور اقتصاد السلطنة، فتطورت بذلك البلاد وصار ذلك التطور جنباً إلى جنب مع التمسك بالتقاليد الإسلامية.

تواريخ مهمة عن بروناي:

[من كتاب يسمى: بروناي دار السلام باللغة الإنجليزية، ترجم لي ذلك أبو هريرة].
1- في عام 1841م تنازلت بروناي عن ولاية سرواك لجيمس بروك (GEMES BROOKE).
2- في عام 1846م تنازلت بروناي عن جزيرة لبون (LABUAN) لبريطانيا.
3- في عام 1847م وقعت بروناي اتفاقية تجارية مع بريطانيا.
4- في عام 1888م أصبحت بروناي محمية بريطانية. [تأمل كيف تتدرج الدول المحتلة في فرض سيادتها على الدول التي تحتلها (مهما كانت تسمية ذلك الاستعمار)].
5- في عام 1906م-1941م قامت حكومة جديدة في بروناي تضم مجلس الولاية.
6- في عام 1929 اكتشف النفط في منطقة (SERIA).
7- في عام 1941م-1945م استولت اليابان على بروناي، خلال الحرب العالمية الثانية.
8- في عام 1950م-1967م حكم السلطان حاجي عمر سيف الدين والد السلطان الحالي.
9- في عام 1959م وضع دستور البلاد الذي اتفق عليه مع بريطانيا وهو يمنح السلطان سلطة أكثر في الداخل.
10- في عام 1962م قمع التمرد الانقلابي الذي قام به أزهري، وهو من مواليد منطقة لبون، حيث كون حزباً سياسياً، وأراد أن يستولي على البلاد بالقوة، وكان له صلة بسوكارنو رئيس جمهورية إندونيسيا، ولكن بريطانيا ساعدت السلطان وقمعت التمرد.
11- في عام 1967م صدرت العملة البرونية، ولم تكن لها عملة خاصة قبل ذلك.
12- في عام 1968م توج السلطان الحالي بتاج السلطنة.
13- في عام 1970م أصبح اسم العاصمة بندر سيري بيغاون (BANDAR- SERIBEGAWAN). باسم جد السلطان الحالي، وكانت قبل ذلك تسمى بروناي تاون (BRONEI TOWN).
14- في عام 1971م حصل تغيير في اتفاقية سنة 1959م حيث زادت بهذا التغيير السلطات المحلية لبروناي.
15- في عام 1974م افتتح رسمياً مطار بروناي الدولي.
16- في عام 1975م افتتح رسمياً تأسيس خطوط بروناي الجوية.
17- في عام 1979م وقعت بروناي اتفاقية مع بريطانيا تتضمن توثيق الصداقة والتعاون فيما بينهما.
18- في عام 1984م استقلت بروناي بسيادتها السياسية الكاملة.
19- في عام 1984م أصبحت بروناي عضواً في كتلة دول جنوب شرق آسيا، وعضواً في منظمة المؤتمر الإسلامي، وعضواً في هيئة الأمم المتحدة، وفي هذا العام نفسه احتفلت بروناي بيومها الوطني.
20- في عام 1986م توفي السلطان حاجي عمر سيف الدين.
21- في عام 1987م افتتحت جامعة بروناي.
22- في عام 1988م أقيم الاحتفال بعيد ميلاد السلطان الثاني والأربعين، وكان هذا اليوم يوافق العام الحادي والعشرين لتوليه السلطنة. [عندما تنازل له أبوه عن الحكم سنة 1967م].

مناطق بروناي:

في بروناي أربع مناطق - وهي مدن صغيرة تتبعها ضواحي وأرياف:
1- بروناي موارا (MUARA) ومساحتها 571 كيلو متر مربع.
وعدد سكانها 136100نسمة.
عدد الرجال 69400، وعدد النساء 66700.
الذين هم من أصل ملايوي 102500، والوثنيون 2600، والذين هم من أصل صيني 21300، والأجناس أخرى 9700.
2- بلايت (BELAIT) مساحتها 2724كيلو متر مربع.
وعدد سكانها 53600نسمة.
الرجال 28200 والنساء 25400.
الذين هم من أصل ملايوي 23900، الوثنيون 5600، والذين هم من أصل صيني 17200، ومن الأجناس أخرى 6900.
3- توتونج (TUTONG) مساحتها 1166كيلو متر مربع.
سكانها 28100 نسمة.
الرجال 14600، والنساء 13500، الذين هم من أصل ملايوي 23300، الوثنيون 1900، من أصل صيني 2100، والأجناس أخرى 800.
4- تمبورنج (TEMBURING) مساحتها 1304كيلو متر مربع.
عدد سكانها 8500 نسمة.
الرجال 4600، والنساء 3900.
من أصل ملايوي 5900، وثنيون 1300، من أصل صيني 800، والأجناس أخرى 500.
وعاصمة بروناي هي: "بندر سيري بيغاون" وعدد سكانها 100 ألف نسمة، ستون ألفاً يسكنون في منازل على الماء.
عدد غرف قصر السلطان 2185 غرفة.
وله قبة من ذهب، وتسكنه زوجته الأولى وغالب أسرته وخدمه.

قصر سلطان بروناي وترى في أعلاه القبة التي يقال: إنها من الذهب الخالص. 16/1/1410هـ ـ 17/8/1989م
قصر سلطان بروناي وترى في أعلاه القبة التي يقال: إنها من الذهب الخالص. 16/1/1410هـ ـ 17/8/1989م

وله قصر آخر على ظهر تل قرب ساحل البحر تسكنه زوجته الثانية.

قصر السلطان الذي تسكنه زوجته الثانية (مريم بلس) ويسمى القصر: نور العزة. 16/1/1410هـ ـ 17/8/1989م
قصر السلطان الذي تسكنه زوجته الثانية (مريم بلس) ويسمى القصر: نور العزة. 16/1/1410هـ ـ 17/8/1989م

عنده عشرة أولاد سبعة من الأولى واحد ذكر والبقية بنات، وثلاثة من الثانية ابنان وبنت.
وأكبر أبنائه عمره خمسة عشر عاماً.

سلسلة نسب السلطان:

يقال: إنه من أصل عربي، ويقال: إنه شريف حسني، ولكن في نسبه انقطاعاً لم يتمكن المؤرخون من وصله برغم البحث الجاد عن ذلك.
وهذه سلسلة نسبه، مع ذكر تاريخ ولاية كل واحد من أجداده:
1- في عام 1967م توج السلطان حسن بلقيه بتاج السلطنة وهو التاسع والعشرون.
2- من عام 1950م-1967م السلطان عمر علي سيف الدين الثالث، وهو السلطان الثامن والعشرون، ووالد السلطان حسن المذكور.
3- من عام 1924م-1950م السلطان أحمد تاج الدين، وهو السلطان السابع والعشرون.
4- من عام 1906م-1924م السلطان محمد جمال العالم الثاني، وهو السلطان السادس والعشرون.
5- من عام 1885م-1906م السلطان هاشم جليل العالم أقام الدين، وهو السلطان الخامس والعشرون.
6- من عام 1852م-1885م السلطان عبد المؤمن، وهو السلطان الرابع والعشرون.
7- من عام 1829م-1852م السلطان عمر علي سيف الدين الثاني، وهو السلطان الثالث والعشرون.
8- من عام 1825م-1828م السلطان محمد عالم، وهو الثاني والعشرون.
9- من عام 1807م-1829م السلطان محمد كنْز العالم، وهو السلطان الحادي والعشرون.
10- من عام 1806م-1807م السلطان محمد جمال العالم، الأول وهو السلطان العشرون.
11- من عام 1796م-1807م السلطان محمد تاج الدين، وهو السلطان التاسع عشر.
12- من عام 1772م-1795م السلطان علي سيف الدين الأول، وهو السلطان الثامن عشر.
13- من عام 1730م-1745م السلطان محمد علاء الدين، وهو السلطان السابع عشر.
14- من عام 1745م-1762م السلطان كمال الدين، وهو السلطان السادس عشر.
15- من عام 1690م-1705م السلطان نصر الدين، وهو السلطان الخامس عشر.
16- من عام 1673م-1690م السلطان محي الدين، وهو السلطان الرابع عشر.
17- من عام 1660م-1673م السلطان عبد المبين، وهو السلطان الثالث عشر.
18- من عام 1625م-1660م السلطان محمد علي، وهو السلطان الثاني عشر.
19- من عام 1649م-1652م السلطان عبد الجليل عبد، وهو السلطان الحادي عشر.
20- من عام 1619م-1649م السلطان عبد الجليل الأكبر، وهو السلطان العاشر.
21- من عام 1605م-1619م السلطان حسن، وهو السلطان التاسع.
22- من عام 1600م-1605م السلطان شاه بروناي، وهو السلطان الثامن.
23- من عام 1575م-1600م السلطان سيف الرجال، وهو السلطان السابع.
24- من عام 1521م-1575م السلطان عبد القهار، وهو السلطان السادس.
25- من عام 1473م-1521م السلطان بلقيه (BOLKIAH) وهو السلطان الخامس.
26- من عام 1433م-1473م السلطان سليمان، وهو السلطان الرابع.
27- من عام 1425م-1433م السلطان شريف علي، وهو السلطان الثالث (وهو من سلالة الرسول صلى الله عليه وسلم عن طريق الحسن).
28- من عام 1415م-1425م السلطان أحمد، وهو السلطان الثاني.
29- من عام 1405م-1415م السلطان محمد، وهو السلطان الأول.

معلومات مختصرة عن السلطان حسن بلقيه: (HASAN AL BLKIAH)

ولد في 15يوليو عام 1945م.
وهو الولد الأول للسلطان عمر علي سيف الدين.
وله أربعة إخوان، وست أخوات، وهو أكبرهم سناً.
في سنة 1965م أصبح ولياً للعهد وعمره (19 سنة).
في سنة 1966م رحل مع أخيه محمد إلى بريطانيا والتحقا بالأكاديمية العسكرية الملكية.
درس بها الإنجليزية والحساب والعلوم العسكرية والاتصالات والشؤون الدولية.
وعين سلطاناً لبروناي (ورقمه التاسع والعشرون) في 15أكتوبر سنة 1967م بعد أن تنازل أبوه له ليتدرب على السلطنة في حياته وتحت إشرافه، وكان عمره عندما تولي السلطنة 21 سنة.

زيارة وزير التعليم في مكتبه:

الأربعاء: 15/1/1410هـ ـ 16/8/1989م.
جاء إلينا ابن الوزير، وهو شاب صالح كأبيه، [كلفه والده مرافقتي مدة بقائي في بروناي، وهو الذي كان يوصلني إلى المؤسسات الإسلامية أو الشخصيات في الأوقات التي كان يحددها والده مع تلك المؤسسات، وكان هو الذي يقود السيارة بنفسه، وسيأتي تعريف به]. فنقلنا إلى مكتب الوزير وكنا عنده في الوقت المحدد، وهو الساعة التاسعة صباحاً.
رحب بنا معالي الوزير ترحيباً حاراً، وأظهر سروره بقدومنا ويظهر عليه التواضع الصادق من أول وهلة.
وكان أول كلامه الذي باشرني به - بعد التحية والترحيب - قوله: إننا نسمع عن الوهابية، ولم نتبين حقيقتها إلى الآن، ولذلك لا زلنا متوقفين في بعث طلابنا إلى الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة وغيرها من الجامعات في المملكة العربية السعودية.
قلت له: إذا كنت ترغب أن تسمع مني شيئاً في ذلك فسألخص لك ما تيسر عن دعوة الشيخ محمد عبد الوهاب؟
فقال: تفضل.
فأخبرته بالحال التي كانت عليها الجزيرة العربية من الشرك والخرافات والجهل والحروب والتصدع، وأن الله تعالى هيأ هذا الشيخ لنشر الإسلام من مصادره الأصيلة، وأنه درس على يد علماء الحرمين وعلماء العراق، ومذهبه في الفروع هو مذهب الإمام أحمد بن حنبل الذي تسير عليه المملكة العربية السعودية في محاكمها الشرعية.
وأن الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة تدرس طلابها، وهم قد وفدوا من أنحاء العالم، المذاهب الأربعة بأدلتها، وكل طالب يعود إلى بلده بما اقتنع به، وكثير منهم يعودون إلى بلدانهم وهم على مذاهبهم السائدة في بلدانهم: الحنفي حنفي، والمالكي مالكي، والشافعي شافعي، والحنبلي حنبلي، وأن المسلمين في الحرمين يصلي بعضهم بجانب بعض وهم على مذاهبهم، ولا يوجد بينهم تنازع في ذلك، وكل منهم يطبق في صلاته مذهبه.
فقال الوزير: إن المذهب عندنا هو مذهب الإمام الشافعي ونحترم بقية المذاهب، وعقيدتنا هي عقيدة أهل السنة والجماعة [إذا أطلق مذهب أهل السنة والجماعة في أغلب البلدان فهو يعني المذهب الأشعري]. ولا نقر عقيدة القاديانية ولا الشيعة، ولا توجد عندنا الآن مشكلات أو خلافات مذهبية.
قلت له: إن العقيدة التي نشرها الشيخ محمد بن عبد الوهاب هي عقيدة أهل السنة والجماعة، وهي ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعون وعلماء الحديث والأئمة الأربعة، وهو ما ذهب إليه الإمام أبو الحسن الأشعري في آخر حياته بالنسبة للأسماء والصفات.
فقال: أنا لست متخصصاً في الشريعة، والتفاصيل يمكن أن تبحث فيها مع المفتي عندما تزوره.
قلت لمعالي الوزير: إني أرغب في أخذ معلومات عنكم.
فقال: خذ هذه الأوراق، وفيها ما تريد، وهي باللغة الإنجليزية، يترجمها لك أبو هريرة، فإذا رغبتم في المزيد فيمكن أن تسألوا عنه والآن لديكم موعد لزيارة الجامعة.

معلومات عن معالي وزير التعليم في بروناي:

الاسم: داتو حاج عبد العزيز عمر.

استقبال معالي وزير التعليم في بروناي ـ فهن عبد العزيز في مكتبه عند القدوم. 15/1/1410هـ ـ 16/8/1989م
استقبال معالي وزير التعليم في بروناي ـ فهن عبد العزيز في مكتبه عند القدوم. 15/1/1410هـ ـ 16/8/1989م
استقبل الوزير في مكتبه عند الوداع، وعلى اليمين في الصورتين الأخ أبو هريرة المترجم. 22/1/1410هـ ـ 23/8/1989م
استقبل الوزير في مكتبه عند الوداع، وعلى اليمين في الصورتين الأخ أبو هريرة المترجم. 22/1/1410هـ ـ 23/8/1989م

لقب الشرف: فهن أورانج كياليلاوجايا.
تاريخ الميلاد: يوم الجمعة 27من شهر ذي الحجة سنة 1354هـ 20 مارس 1936م.
المؤهلات: بكالوريوس في الاقتصاد والسياسة والعلوم الاجتماعية - درجة الشرف الثانية، جامعة برمنجهام في بريطانيا سنة 1964م.
الوظائف:
أولاً: من سنة 1964م-1973م عين في وظائف تنفيذية:
1- مدير أعمال عامة، 2- مدير الجمارك، 3- رئيس اللجنة المسؤولة عن الأراضي 4- رئيس اللجنة البلدية، 5 ـ رئيس اللجنة المسؤولة عن التطور العمراني، 6- مدير المشروعات، 7- مدير مشروعات السكن.
ثانيا: سكرتير الولاية من 1973م-1981م.
ثالثا: في سبتمبر 1981م-31ديسمبر سنة 1983م عين قائماً بأعمال رئيس الوزراء.
هذه التعيينات كانت في حكومة السلطان.
تعيينه في بعض اللجان والإدارات:
1- عين عضواً للجنة الاستشارية التشريعية للولاية.
2- عضواً للجنة الاستشارية للتنمية في الولاية.
3- النائب الأول لرئيس إدارة الخطوط الجوية الملكية في بروناي.
4- مدير تنفيذي لشركة شل البترولية الخاصة المحدودة لبروناي.
5- مدير تنفيذي للنفط (غاز) الطبيعي لبروناي.
6- رئيس لجنة التطوير الوطني.
7- سكرتير لمستشار الدفاع في بروناي.
8- رئيس اللجنة التنفيذية لدفاع بروناي.
9- وزير التربية والصحة.
10- نائب الرئيس الأعلى لجامعة بروناي دار السلام.
11- رئيس مستشاري وزراء التربية لجنوب شرق آسيا.
المناصب التي تولاها بعد الاستقلال:
1- عضو اللجنة الاستشارية الخاصة للمحكمة.
2- عضو اللجنة الاستشارية لشؤون الميراث.
3- عضو المجلس الإسلامي.
4- وزير المواصلات.
5- وزير التربية.
المؤتمرات والندوات التي حضرها خارج بروناي:
1- مؤتمر وزراء التربية والصحة لدول الكومنولث.
2- مؤتمر وزراء التربية والصحة لدول جنوب شرق آسيا.
3- وحضر قبل الاستقلال عدداً من الندوات والمؤتمرات.
حالته الاجتماعية:
متزوج وعنده خمسة أولاد.
والرجل متدين متواضع ذو عاطفة إسلامية جياشة، يحب العلم والعلماء، محسن، يتمنى أن تتأصل معاني الإسلام وحكمه في بلاده. (ولا أزكي على الله أحداً).

زيارة جامعة بروناي دار السلام:

ثم ذهب بنا الأخ "أمينول"- وهو اختصار لأمين الدين، ولد الوزير- لزيارة الجامعة، واجتمعنا ببعض أساتذتها، ومنهم:

الحاج بن علي الطيب ـ جامعة بروناي 15/1/1410هـ ـ 16/8/1989م
الحاج بن علي الطيب ـ جامعة بروناي 15/1/1410هـ ـ 16/8/1989م

الحاج علي بن الطيب:

ولد سنة 1930م.
درس في المدرسة الوطنية الابتدائية في ولاية قدح.
واصل دراسته في المعهد العلمي السعودي من سنة 1951م-1955م.
من أساتذته في المعهد الشيخ حلمي - مدير المعهد - وبعض علماء الأزهر، ومنهم الشيخ متولي الشعراوي، والشيخ إبراهيم فطاني.
ودرس في كلية الآداب في جامعة القاهرة من سنة 1955م-1959م فنال شهادة الليسانس.
ودرس اللغة الملايوية في أستراليا – مالبورن - وعندما رجع التحق بجامعة الملايو ونال شهادة الماجستير في تاريخ ابن جرير الطبري سنة 1971م.
وبدأ في الدكتوراه عن العرب في جنوب شرق آسيا، في الملايو و سنغافورة من عام 1972م ولم يكمل إلى الآن.
وهو الآن أستاذ مشارك في جامعة بروناي دار السلام، ورئيس قسم الدارسات الإسلامية في الجامعة.

وكيلة رئيس الجامعة:

ثم ذهب بنا الحاج علي إلى وكيلة رئيس الجامعة في مكتبها وشرحت لنا شرحاً موجزاً عن الجامعة.
وتسمى: داتين حاجة عزيزة.
ولدت سنة 1946م.
تخصصها علوم التربية من بريطانيا سنة 1981م (ماجستير).
كانت مدرسة في إحدى المدارس الثانوية.
ثم رئيسة مدرسة.
فموظفة في وزارة التربية.
فرئيسة كلية التربية.
ثم وكيلة رئيس الجامعة من سنة 1986م.

زيارة قسم الدراسات الإسلامية:

ذهبنا إلى قسم الدراسات الإسلامية في الجامعة واجتمعنا ببعض أساتذة القسم الذين شرحوا لنا شرحاً موجزاً أعمال القسم.
ومن أساتذة القسم:

الأستاذ الدكتور إبراهيم بن خالد المهدي السوداني.

ولد في 1/1/1945م.
التخصص: فقه مقارن جامعة جورج واشنطن كلية القانون: ماجستير ثم دكتوراه سنة 1983م.
وعنده ماجستير أيضاً من جامعة هاورد واشنطن وبكالوريوس.
الأعمال التي قام بها:
1- قام بالتدريس للغة العربية والدراسات الإسلامية في المدارس الثانوية العليا في السودان.
2- التحق بالقضاء الشرعي لمدة ست سنوات تقريباً، وصل إلى درجة قاض.
3- ثم تحول إلى جامعة أم درمان الإسلامية بدرجة مدرس.
4- وبعد أن رجع من الولايات المتحدة بقي في الجامعة أقل من سنة، ثم عين رئيس محكمة وقاضي محكمة عليا.
5- وهو الآن أستاذ مشارك في جامعة بروناي دار السلام.

تعريف موجز بجامعة بروناي دار السلام:

أسست الجامعة سنة 1985م.
أول ما فكرت الدولة في إنشاء الجامعة جعلت الدراسات الإسلامية من أول أهدافها، ولهذا كان إنشاء هذا القسم مقارناً لإنشاء الجامعة.
والبلد في حاجة إلى مدرسين من أبنائه، والآن نسبة الأساتذة من خارج البلد 60%، ولهذا تهتم الجامعة بإعداد طلاب من أبناء البلد، ليكونوا قادرين على التدريس بعد التخرج.
وقد أنشئ في الجامعة كلية الآداب والعلوم الاجتماعية، وهي أول كلية، وكلية التربية، وكلية العلوم، وكلية الإدارة العامة.
والدراسات الإسلامية قسم في كلية الآداب، وهو قسم مستقل كبقية الأقسام.
وتدرس المواد الإسلامية والدراسات الملايوية باللغة الملايوية.
والجغرافيا تدرس باللغة الإنجليزية.
وعدد طلاب الجامعة الآن ألف طالب وطالبة تقريباً.
وعدد الأساتذة مائة وأربعون.

تعريف بالأخ أمينول:

وعندما رجعنا إلى دار الضيافة رغبت أن أتعرف على الأخ أمينول ولد وزير التعليم. [وأمينول اختصار لأمين الدين].

الشاب النجيب ولد معالي وزير التعليم في بروناي واسمه أمينول 15/1/1410هـ ـ 16/8/1989م
الشاب النجيب ولد معالي وزير التعليم في بروناي واسمه أمينول 15/1/1410هـ ـ 16/8/1989م

فقال: إنه ولد سنة 1967م - أي أن عمره الآن 22 سنة.
درس الثانوية في بروناي، ودرس الجامعة في بريطانيا، قسم الكمبيوتر لمدة خمس سنين، تخرج هذا العام، وإلى الآن لم يتوظف.
أبدى رغبته الشديدة في تعلم اللغة العربية والدين الإسلامي، وأنه يود لو تمكن من الدراسة في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.
وقال: إن العقبة التي تقف أمام رغبته هذه، هي رفض المفتي الإذن لأبناء بروناي بالالتحاق بالجامعة الإسلامية بسبب المذهب الوهابي.
وقال الأخ أمينول: إنه يفكر في الذهاب إلى الجامعة الأزهرية أو الكويت، وأنه لا يريد من تعلم اللغة العربية إلا فهم القرآن الكريم فقط، ليطبق في حياته ما يريده منه القرآن الكريم.
ولهجة الأخ أمينول هذه هي لهجة أبيه الذي قال لي عند الاجتماع به: إن الذي يبتلى بمنصب يجب أن يستعمل ذلك المنصب في طاعة الله ويطبق فيه الإسلام، ولا يفعل كما يفعل كثير من الناس من الحرص على المناصب لذاتها.
وقال: إنه يشكر الله أنه حاول بصفته رئيساً للجامعة لكونه وزيراً للتعليم، أن يوجد في منهج الجامعة ما يثبت أن الإسلام هو منهج حياة المسلمين.
ولشدة عاطفة الوزير الإسلامية قال لي عندما اعتذرت له بعدم معرفتي لغة أخرى غير العربية لأخاطبه مباشرة بدون ترجمة، قال لي هو معتذراً: لو استطعتُ أن أغير لغتي الإنجليزية إلى اللغة العربية لفعلت، لأن اللغة العربية هي لغة القرآن الكريم والدين الإسلامي.

زيارة مفتي بروناي:

الخميس: 16/1/1410هـ ـ 17/8/1989م.
كنت سمعت أن زيارة المفتي لمن يأتي من المملكة العربية السعودية من العلماء صعبة جداً، ولكن يبدو أن معالي وزير التعليم ألح عليه وحدد لي معه موعداً هذا اليوم بعد الظهر.
فذهب بنا الأخ أمينول إليه فاستقبلنا استقبالاً حاراً، وكانت الجلسة معه طويلة، لا تقل عن ساعتين.
واسمه حاجي إسماعيل بن عمر بن عبد العزيز.
ولد في شهر محرم سنة 1329هـ 1911م في جهور بماليزيا.
دراسته الأولية:
بدأ تعليمه في مدارس الحكومة المدنية والدينية باللغة الملايوية، ودرس في مدرسة العطاس العربية التي أسسها السيد حسن العطاس من سنة 1923م-1928م.
وكان بعد ذلك مدرساً في تلك المدرسة.
وفي سنة 1931م انتقل مدرساً في كلية العطاس التي أنشئت في نفس المكان، إلى سنة 1937م.

الكاتب مع مفتي بروناي الشيخ إسماعيل بن عمر بن عبد العزيز 16/1/1410هـ ـ 17/8/1989م
الكاتب مع مفتي بروناي الشيخ إسماعيل بن عمر بن عبد العزيز 16/1/1410هـ ـ 17/8/1989م
الكاتب مع المفتي
الكاتب مع المفتي

طلبه العلم في مصر:
ثم سافر إلى مصر بعد أن رأى بعض الناس يسافرون إلى مصر فتمنى هو أن يسافر إلى مصر، وكان وصوله إلى مصر في أول يناير سنة 1938م، وبقي هناك إلى أوائل سنة 1949م.
كانت دراسته في القسم العام في كلية أصول الدين، ثم في شعبة التدريس في قسم الدعوة.
ولما كانت الحرب العالمية مستمرة في ذلك الوقت اغتنم فرصة وجوده في القاهرة فالتحق بجامعة القاهرة قسم اللغة العربية وانتهى منه سنة 1948م.
ومن زملائه وزير الأوقاف الشيخ الخياط في الأردن، والدكتور عبد الرؤوف الموجود في ولاية ترنجانو، والأستاذ عبد الجليل حسن في كوالالمبور.
ومن مشايخه الشيخ حبيب الله الشنقيطي عالم الحرمين والشيخ زاهد الكوثري [وهذا من أسباب موقفه من دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب!] والشيخ خضر حسين التونسي والشيخ عبد العزيز الشرشيمي، وهو معمر.
وكان شيخ الأزهر الشيخ المراغي، والشيخ مأمون الشناوي ثم رجع إلى جُهور [إحدى مدن ماليزيا] سنة 1949م.
سفره لأداء فريضة الحج ووصفه لمشاق السفر:
وكان قد سافر لقضاء فريضة الحج سنة 1927م حيث مكث شهوراً في انتظار مركب بحري ليسافر إلى الحجاز.
وصل إلى جدة بعد واحد وعشرين يوماً من السفر، وعندما رسا المركب جاء قارب كبير يحملهم إلى البر، فنزلوا في مدينة جدة عصراً، وواصلوا السير إلى مكة فباتوا في بحرة وبقوا فيها يوماً وليلة، ووصلوا إلى مكة في صبح اليوم الثاني.
قال: والآن نسير من جدة إلى مكة نصف ساعة فقط.
وكان السفر على الجمال في جميع المناسك.
ويمكثون في آخر أجياد ويمشون إلى الحرم والناس قليلون جداً لا توجد زحمة.
وبقي في مكة ثلاثة شهور.
واجتمع بالشيخ عبد الحميد قدس، وهو من علماء الشافعية في مكة، وبقي معه يوماً كاملاً وهو يمتحن الطلاب شفوياً في رواق الحرم.
وظائفه وأعماله:
توظف في وزارة الشؤون الدينية، وكان مفتشاً في المدارس العربية ومديراً للمجالس الدينية التي أصدرتها الشؤون الدينية.
وفي سنة 1955م انتدب مديراً للكلية الإسلامية في سلانجوركلان، وهي أول مدرسة في الملايو وهو أول مدير لها لمدة سنة واحدة.
ثم رجع إلى "جهور" وعين فيها قاضي القضاة.
وفي سنة 1962م انتدب مفتياً لبروناي، لمدة ثلاث سنوات، رجع بعدها إلى جهور سنة 1965م وعين نائب المفتي فيها.
ثم طلب منه الرجوع إلى بروناي فرجع سنة 1967م ولا زال.
المؤتمرات التي شارك فيها:
حضر المؤتمر الإسلامي في بغداد سنة 1962م وفي باكستان ومقديشو وقبرص وكوالالامبور.
وحضر مؤتمر الاقتصاد الإسلامي في مكة.
وحضر مؤتمر وزراء الأوقاف في شهر شوال 1409هـ.
وحضر مؤتمر العلماء في إندونيسيا، ومؤتمر السيرة في مصر.
من تلاميذه مفتي سرواق داتو عبد القادر، ومفتي صباح داتو حاجي أحمد إدريس، ومفتي جهور السيد علوي الحداد.
مؤلفاته:
ومن مؤلفاته: اختصار عقائد أهل السنة والجماعة، وكتاب شخصية المسلم، وكتب عدة (رسائل جمعت وطبعت) وينشر حلقات في الجريدة الرسمية.
قال المفتي: وقد أنشأت الحكومة - في بروناي - مدرسة دينية باللغة الملايوية، يتعلم فيها الطلاب الأحكام الدينية لمدة ست سنوات، وهذه الفكرة مأخوذة من جهور، كان مفتيها في أول القرن العشرين السيد أحمد سالم العطاس جاء من مكة، وهو من تلاميذ أحمد زيني دحلان الذي كان يرسل تلاميذه إلى هذه البلاد للقيام بالإرشاد، وهذه الفكرة طبقها السيد أحمد سالم.[ويبدو أن أصل فكرة كراهية ما يسمونها بـ(الوهابية كانت نابعة من السيد دحلان، لأنه كان من أشد أعداء محمد بن عبد الوهاب، وقد ألف بعض علماء الهند كتابا سماه: "صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ زيني دحلان"].
وكان والد المفتي في جهور لمدة عشرين سنة وكان يتجول للدعوة باستمرار ولا يقعد في الشهر إلا يومين، وكان تجوله على الأقدام أو القوارب البحرية والنهرية.
وكان أهل الشواطئ كفاراً، ولكن بفضل دعوة أهل جهور انتشر الإسلام.
ويوجد في جهور بعض المتخرجين من الأزهر: الوزير ونائبه وقاضي القضاة ونائب المفتي، وكل موظفي الشؤون الدينية الذين يقومون بشؤونها، هم من أهل البلاد الذين تخرجوا في الأزهر والسيد العطاس هو الذي نشر الفكرة.
والفندق العلمي أنشأه الطلاب المكيون الذين تعلموا على علماء الحرم المكي [والفندق يطلق على بيوت صغيرة يبنيها أولياء أمور الطلاب من الخشب قرب منزل الشيخ وقرب المسجد، يسكن في تلك البيوت الطلاب ويحضرون حلقات الشيخ العلمية في المسجد أو قاعة كبيرة فإذا انتهوا من الدراسة على يده رجع كل طالب إلى غرفته].
قال المفتي: إن والده تعلم في الفندق، وإنه قابل بعض أساتذة أبيه في مكة سنة 1927م.
وربما نشأت هذه الفنادق في نصف القرن التاسع عشرة أو قبل ذلك بقليل، وهي منتشرة في جاوة

موقف المفتي من بعث الطلاب إلى الجامعة الإسلامية في المدينة:

بعد أن أخذت من المفتي هذه المعلومات وتذاكرنا كثيراً في أمور تتعلق بالدعوة والعقيدة والخلافات المذهبية قلت له: إن الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة أسست في الأصل للطلاب المسلمين من شتى أنحاء العالم، ولا يقبل- بحسب نظامها - من السعوديين إلا 15%.
وهي تدرس العلوم الإسلامية من مراجعها الأصيلة من كتب التفسير والحديث والتاريخ والفقه وغيرها، ودراسة الفقه في الكليات دراسة مقارنة على المذاهب الأربعة، وكذلك في الدراسات العليا، فحبذا لو بعثتم بعض طلابكم ليستفيدوا في هذه الجامعة؟!
قال: إن دراسة المذاهب دراسة عامة - يعني مقارنة غير متقيدة بمذهب معين - تنفع العرب، أما طلابنا فإن ذلك لا ينفعهم بل يضرهم، فلا بد لهم من دراسة مذهب واحد وهو المذهب الشافعي – عندنا - لأن دراسته إذا أتقنت استفاد منها الطالب، أما إذا سمع من يقول له: قال فلان كذا وقال فلان كذا، ودليله كذا وكذا، والراجح كذا، فإن ذلك يشوش على الطلاب.
قلت له: يمكن أن يدرس الطالب في بلده كتاباً في الفقه الشافعي ثم يبعث إلى الجامعة، وإذا رغبتم أن أشرف عليهم وأعلمهم - إضافة إلى دروسهم في الجامعة - المذهب الشافعي فسأفعل. [كنت حريصاً على موافقته على بعث بعض طلاب بروناي إلى الجامعة لأنه يرفض ذلك رفضاً باتاً، والحكومة لا تبعث أي طالب في الدراسات الإسلامية إلا بموافقته، وزاره قبلي الشيخ عمر محمد فلاتة وحاول معه دون جدوى، والسبب ليس خوفه على الطلاب من التشويش في الفقه كما ذكر فقط بل السبب الأكبر هو خوفه من اعتقادهم مذهب السلف في العقيدة والخروج عن المألوف من البدع في البلد].
فأبدى سروره بذلك ولمست منه شيئاً من الانفتاح.
وقد حاولت قبل الدخول معه في هذا الأمر أن أستميله، فأهديت له سبحة كانت معي، ففرح بها كثيراً، وحاولت أن أضحكه ببعض النكات حتى يقبل عليّ، وقد ضحك كثيراً، حتى إن الأخ أمينول عندما خرجنا قال: لقد دهشت من موقف المفتي اليوم حيث ضحك ومازح وذلك لم يكن له عادة، بل الغالب أنه لا يبتسم إلا قليلاً، وكنت أتوقع أن يذكر دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وانتقاده لها لأناقشه، ولكنه لم يتعرض لها.
وقد توفي المفتي المذكور كما أبلغني بذلك الأخ أمينول بعد أن هاجر إلى مكة للدراسة، كما سيأتي.

الاجتماع بمسلم فلبيني جديد (محمد جالي بن عبد الله):

كان هذا الرجل يقوم بخدمتنا في دار الضيافة، وكان أبو هريرة يتحدث معه اللغة الفلبينية، فسألت أبا هريرة: هل هذا الرجل مسلم؟
فقال: نعم، ولكنه دخل في الإسلام هنا في بروناي، قلت: إذاً اطلب منه أن يجلس معنا لأخذ بعض المعلومات عن دخوله الإسلام، فأخبره بذلك، فتردد الرجل في أول الأمر، ثم وافق فأخذت منه المعلومات التالية:
الاسم: محمد جالي بن عبد الله.
ولد سنة 1956م - أي أن عمره 33سنة.
الديانة: كان كاثوليكياً متمسكاً بدينه، يكثر من العبادة إلى أن أصبح عمره (28 سنة) ولم يكن يشعر بمشكلات دينية.
قلت له: وهل سمع عن الإسلام عندما كان في الفلبين؟
قال: إنه لم يسمع عن الإسلام شيئاً مطلقاً، لأن منطقته لا يوجد فيها إلا النصارى، والمنطقة هي (إيجلوس نورتي) فدهشت لذلك، وقلت له: الكلام عن الإسلام يمكن أن تسمعه في الراديو، فقال: لا يوجد أحد يتحدث عن الإسلام، وهو لم يكن يسمع الراديو.
وجاء إلى بروناي سنة 1979م، وكان يعمل مع رجل مسلم يسمى حاجي أيانج يقوم ببناء العمارات، وعرض الرجل عليه محاسن الإسلام، فوجد فرقاً بين الإسلام والمسيحية، وهو فرق جوهري، لأن الإسلام فيه وحدانية الله، والمسيحية فيها ثلاثة أقانيم، وعلمه كيفية الصلاة وأركان الإسلام، فرغب في الإسلام وأشهر إسلامه في المجلس الإسلامي.
ومما أعجبه في الإسلام نظامه الاجتماعي وبخاصة الأمانة. [في هذا عبرتان: الأولى: وجود من لم يسمع بالإسلام في الأرض في عصر الاتصالات، والثانية: أن المسلمين الذين يتعامل معهم غيرُ المسلمين ويختلط بهم لو قاموا بدعوة غير المسلمين كل في موقعه لأقاموا الحجة على الناس ونفعوهم بالدخول في هذا الدين].
قلت له: ما الفرق بين حياته قبل الإسلام وحياته بعده؟
قال: كان في الفلبين فلاحاً، وعندما وصل إلى بروناي وبدأ العمل مع المسلمين لم يشعر بالاطمئنان لأنه كان يرى الناس - وهم مسلمون - لا يطمئنون إليه قبل إسلامه، فلما دخل في الإسلام اطمأنوا إليه، وهو الآن منشرح الصدر ولم يكن كذلك قبل الإسلام.
وقال: إن بلده في الفلبين تبعد عن مانيلا بخمس وعشرين دقيقة بالطائرة.
قلت له: هل تظن أهل بلدك لو وجد عندهم مسلمون يشرحون لهم الإسلام سيدخلون في الإسلام؟
قال: لا يدري بالضبط، ولكن يظن أنه لو عرض عليهم الإسلام كما عرض عليه هو لقبله كثير منهم، أما إذا بلَّغهم الإسلام مثله - يعني ليس عندهم علم ولا مقدرة على شرح معاني الإسلام - فإنهم لا يقتنعون بالإسلام.
قلت له: هل شعرت بعد إسلامك أن الناس في حاجة إلى هذا الدين؟
قال: نعم، وفي ذلك صلاح لحياة الناس.
قلت: هل علمت أسرتك بإسلامك؟
قال: نعم، وقد بعثت لهم رسالة أخبرهم بذلك فور دخولي في الإسلام، فأجابوه أن هذا أمر يعود إليه وهو مسؤول عن نفسه، وكان أهله متدينين، وأكثرهم فلاحون، وثقافتهم محدودة لا يتجاوزون القسم الثانوي، وهو كذلك.
وقال: إن معاملة المسلمين معاملة جيدة أحسن من معاملة غير المسلمين.
وأثنى كثيراً على معالي وزير التعليم في حسن المعاملة.
وهو متزوج بفتاة فلبينية مسلمة أصلاً من مندناو، ولهما بنت صغيرة لا يتجاوز عمرها سنة وأربعة شهور.

الاجتماع بسماحة إمام الجامع الكبير في العاصمة وقاضي القضاة:

وهو فهن داتو إمام داتو حاجي عبد الحميد باكل.

قاضي القضاة في بروناي في مكتبه عبد الحميد باكل 16/1/1410هـ ـ 17/8/1989م
قاضي القضاة في بروناي في مكتبه عبد الحميد باكل 16/1/1410هـ ـ 17/8/1989م
الكاتب مع قاضي قضاة بروناي الشيخ عبد الحميد باكل في مكتبه
الكاتب مع قاضي قضاة بروناي الشيخ عبد الحميد باكل في مكتبه
من اليسار أبو هريرة ثم السكرتير الدائم في رئاسة وزراء بروناي وفي أقصى اليمين أمينول في مجلس قاضي القضاة 16/1/1410هـ ـ 17/8/1989م
من اليسار أبو هريرة ثم السكرتير الدائم في رئاسة وزراء بروناي وفي أقصى اليمين أمينول في مجلس قاضي القضاة 16/1/1410هـ ـ 17/8/1989م

ولد في 14جمادى الأولى سنة 1358هـ 2 يوليو 1939م في بروناي.
دراسته:
درس في مدرسة ملايوية وتخرج فيها سنة 1947م. واصل دراسته في سنغافورة على نفقة الحكومة في مدرسة الجنيد الإسلامية من سنة 1952م ـ 1957م.
ثم واصل دراسته في الكلية الإسلامية الملايوية، وكان مديرها الأستاذ عبد الرؤوف، وحصل على الشهادة العالية سنة 1962م ودبلوم المعلمين، وهي بمنزلة البكالوريوس.
واصل دراسته في الأزهر من سنة 1963م-1966م في كلية أصول الدين ونال شهادة الماجستير في شعبة الدعوة والإرشاد.
وظائفه وأعماله:
رجع بعد ذلك إلى بروناي وتوظف في إدارة الشؤون الدينية مديراً للدعوة، وتنقل في مناصب عدة: مدير الشؤون التربوية الإسلامية، ونائب قاضي القضاة.
ثم قاضي القضاة سنة 1977م ولا زال.
وتدرب عدة مرات في دار الإفتاء في مصر مع محمد خاطر، وفي باكستان تدرب في القضاء في الجامعة الإسلامية العالمية خمسة شهور سنة 1987م.
بعض أساتذته وزملائه:
من أساتذته سيد سابق ومحمد الغزالي، ومحمد غلاب، والدكتور بدران، ومحمد شحاتة، وعبد الواحد وافي، والشيخ عبد الحليم محمود عندما كان عميداً لكلية أصول الدين قبل أن يكون شيخاً للأزهر.
وهو معجب بالشيخ محمد الغزالي، ولهذا سمى ابنه باسمه.
ومن زملائه الدكتور يوسف نور وزير الشؤون الدينية في ماليزيا، وأبو بكر هاشم رئيس المحكمة الشرعية في سنغافورة.

المساجد والدراسات الدينية:

وقال: إن عدد المساجد في بروناي سبعون مسجداً تقريباً، غير المصليات.

الجامع الكبير في عاصمة بروناي 16/1/1410هـ ـ 17/8/1989م
الجامع الكبير في عاصمة بروناي 16/1/1410هـ ـ 17/8/1989م

والمدارس في بروناي، منها مدارس حكومية فيها مواد دينية، وتوجد مدارس مسائية خاصة للدراسة الدينية، ومدتها ست سنوات، ومدارس عربية تدرس فيها المواد العربية والدينية والإنجليزية.
ويلتحق الطلاب والطالبات المتخرجون من المدارس العربية بالكليات في جامعة الأزهر.
وقد أنشئ معهد خاص بالدراسة الدينية لرفع مستواها وهو شبيه بالكلية، مدة الدراسة فيه الآن ثلاث سنوات، ويمكن أن يصبح فيما بعد في مستوى كلية، ويسمى معهد الدراسات الإسلامية، والدروس فيه كلها باللغة العربية، ويراد منه أن يكون مركزاً في هذا البلد، والطلاب الذين يدخلون فيه هم من المتخرجين في المدارس العربية، وهو تحت إشراف وزارة الشؤون الدينية، وأساتذته بعضهم دكاترة، وبعضهم من إندونيسيا درسوا في الأزهر، وبعضهم مصريون ابتعثوا من الأزهر، وعدد طلابه الآن 32 في فصل واحد.
وتوجد مدرستان عربيتان ثانويتان: إحداهما للبنين وأخرى للبنات.
وتوجد مدرسة عربية ثانوية في مدينة توتونج وستفتح قريباً.
من مؤلفات الشيخ: أحكام الزواج في الإسلام باللغة الملايوية، ومحاضرات وخطب جمعة لمدة عشر سنين وكذلك عيد الفطر وعيد الأضحى، ويستفيد منها أئمة المساجد، لأنهم غير قادرين على إعداد الخطب بأنفسهم.
من أين أنت؟!
عندما اتصل معالي وزير التعليم بالشيخ لتحديد موعد لي لزيارته قال له: عندنا أستاذ سعودي من الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة يريد زيارتكم.
وعندما دخلت على الشيخ في مكتبة كنت لابساً لباساً باكستانيا السراويل الواسعة والقميص، فنظر إلى الشيخ وقال لي بعد التحية: من أين أنت؟ لأنه كان يظن أن يستقبل رجلاً لابساً الثوب العربي والغترة وربما العقال و"العباءة" – المشلح - فقلت له: أنا أستاذ سعودي من الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، ولباسي لباس باكستاني، فضحك كثيراً ورحب بنا فأخذت منه تلك المعلومات.
وهذا الشيخ متفتح أكثر من المفتي، ومن أسباب هذا التفتح أن من أساتذته الشيخ الغزالي وأمثاله.

فهن داتو بدر الدين حاج عثمان:

وكان يوجد في مكتب قاضي القضاة عندما اجتمعنا به الأستاذ بدر الدين حاج عثمان.
المولود في 23سبتمبر سنة 1942م.
دراسته:
درس في بروناي في المدرسة الملايوية.
ثم ذهب لمواصلة دراسته في مدرسة الجنيد الإسلامية في سنغافورة من سنة 1956م- 1961م.
وفي أول سنة 1962م ذهب إلى ماليزيا الغربية ودرس في الكلية الإسلامية في كوالالامبور وتخرج سنة 1967م.
ثم ذهب إلى مصر سنة 1968م ونال شهادة الماجستير في كلية الشريعة والقانون في الأزهر (نظام الحكم في الإسلام) وكان ذلك سنة 1971م.
وظائفه وأعماله:
ورجع إلى بروناي فتوظف في إدارة الشؤون الدينية رئيساً لقسم الدعوة.
ثم انتقل إلى سكرتارية الحكومة سنة 1979م ورئيساً لقسم الإعلام إلى سنة 1985م.
ورجع إلى إدارة الشؤون الدينية مديراً لمركز الدعوة الإسلامية.
وفي منتصف سنة 1986م عين سفيراً لبروناي في إندونيسيا، ورجع في آخر سنة 1988م وعين سكرتيراً دائماً في إدارة رئيس الوزراء.
ويبدو أن الرجل كان مندوباً لحضور جلستنا مع قاضي القضاة من قبل بعض المسؤولين!.

عواطف إسلامية تحتاج إلى فقهاء في الدين يوجهونها:

دعانا معالي وزير التعليم اليوم لنصلي المغرب في منزله ونتناول طعام العشاء، جاءنا الأخ أمينول ونقلنا إلى المنزل قبيل المغرب، فاستقبلنا معالي الوزير وكان عنده تون عبد الرحمن رئيس وزراء سرواق سابقاً، تون عبد الرحمن بن يعقوب وعمره 61 سنة.
وتخصصه الحقوق والقانون الدولي، دراسته كانت في ماليزيا وإنجلترا، وهو مهتم بالدعوة الإسلامية.
وعندما كان رئيساً للوزراء في سرواق قويت الدعوة، وكثر الداخلون في الإسلام، وبعد أن تولى النصارى الولاية حصل العكس وهو تقوية التنصير وضعف الدعوة.
فجلسنا في إحدى صالات الاستقبال، ورأيت الناس يفدون ولا يجلسون معنا، وإنما يتجهون إلى مكان آخر، وكنت أظن أنهم يتجهون إلى إحدى القاعات المعدة للاستقبال..
ولكن بعد قليل اتضح أن في منزل الوزير مسجداً يتسع لعشرة صفوف ولا يقل عدد المصلين فيه إذا ملأوه عن مائتي مصل، وكان الوافدون يذهبون إلى المسجد فأذن المؤذن، والمسجد مفروش فرشاً فاخراً وقد بخر ببخور العود، وفي قبلته قطعة كبيرة من كسوة الكعبة، وقد مدت على طول المحراب، وهي من عهد الملك فاروق منذ أربعين سنة، وعلى جانبيها قطعتان من كسوة الكعبة الجديدة، وقد كتبت أسماء الله الحسني على جدران المسجد، وصلى بنا أحد الحاضرين صلاة المغرب.
وبعد الفراغ من الصلاة أخذوا في التسبيح بصوت مرتفع جماعي، والدعاء كذلك كما هي عادة الشافعيين في اليمن وحضرموت، وهذه المناطق في جنوب شرق آسيا، ويطيل الإمام في الدعاء والناس يؤمنون، وبعد أن صلوا ركعتي السنة قام الوزير إلى مقدمة المسجد على يمين المحراب ودعاني ودعا تون عبد الرحمن، فجلس تون عبد الرحمن على يمينه وجلست أنا على يساره - ولا أدري ماذا يريدون أن يفعلوا - وتحلق الناس حلقة واحدة كبيرة على يمين المحراب و يساره، وبعضهم كانوا وراء هذه الحلقة.
وأخذ السيد إبراهيم بن حسن بن طاهر، وهو حضرمي الأصل، من مواليد سنغافورة يدعو والناس يؤمنون وراءه، وتارة يرفعون أصواتهم قائلين مثل ما يقول من ابتهالات وصلوات.
ثم جاء أحد الأولاد الصغار وهو يحمل كتيبات صغيرة مطبوعة طباعة أنيقة جميلة مشكلة، وأخذ يوزعها على الحاضرين، ففتحته فإذا هو يشتمل على سورة يس فأخذوا يقرؤون كلهم بصوت واحد مرتفع هذه السورة بكاملها، ثم قرؤوا سورة الفاتحة، وصلوا على الرسول صلى الله عليه وسلم عدة مرات، لا أدري كم هي؟
ثم وزع كتيباً أخر، ونظرت إليه فإذا هو بعنوان مولد النبي صلى الله عليه وسلم والذكر الحضرمي، وفتحوه وقرؤوا الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قاموا ينشدون أبياتاً من الشعر فيها دعاء وصلوات وتوسل، ومكثوا فترة طويلة ينشدون تلك الأبيات وهم قائمون.
وكنت جالساً بين الوزيرين ، أسمع ولا أشارك إلا في الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم عندما يذكر، فيما بيني وبين نفسي، ورأيت القوم ينظرون إلي نظرة تعجب!
وعندما وصلوا إلى مقطع معين من الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم، نهض السيد قائماً ونهض الحاضرون كلهم، ماعدا الضيف (الأهدل) المدني.
ونظر إلي الوزير وأخذ بذراعي ورفعني لأشاركهم في القيام، وأخذ الكتاب من يدي وفتح الصفحة التي فيها الصلوات التي يرددونها، فاضطررت للوقوف مع المضيف!
ثم جلسوا وقرؤوا سورة الفاتحة وسورة الصمد والمعوذتين عدة مرات، ثم أخذوا يسبحون ويستغفرون طويلاً، استمر ذلك أكثر من ساعة.

المصلون يتحلقون بعد صلاة المغرب لقراءة المولد النبوي في مسجد الوزير بمنـزله. 16/1/1410هـ ـ 17/8/1989م
المصلون يتحلقون بعد صلاة المغرب لقراءة المولد النبوي في مسجد الوزير بمنـزله. 16/1/1410هـ ـ 17/8/1989م
الوزير يؤمن على دعاء الإمام
الوزير يؤمن على دعاء الإمام

ثم أذن المؤذن لصلاة العشاء وأقيمت الصلاة، وصلى بنا الشيخ، وكرر معه المصلون الذكر الجماعي المعتاد بعد الصلوات.
ثم تناولنا طعام العشاء، والعدد لا يقل عن خمسين من الرجال ويوجد عدد من النساء في مكان آخر.
وبعد أن تناولنا طعام العشاء وأردنا الانصراف إلى الدار أخذ الوزير بيدي وانزوى قليلاً عن الناس وقال لي: إنني غداً سأسافر إلى ماليزيا وأعود يوم الأحد صباحاً وسيكون الابن أمينول معي، وسيرافقكم ابن عمه، وتصلون غداً الجمعة في الجامع، وقد رتب لكم لقاء مع بعض المسؤولين في مركز البحوث يوم السبت.
وقال لي الوزير- بعد أن تفرق الناس -: هل قراءة المولد بدعة؟
قلت: قراءة سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، مشروعة في كل الأوقات، والصلاة والسلام عليه مشروعان في كل الأوقات، وقد تجب الصلاة عليه في بعض المناسبات.
أما قراءة ألفاظ بعينها في أوقات معينة واعتقاد أن ذلك سنة، فهذا لم يدع إليه الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يفعله الصحابة ولا الأئمة المجتهدون.
قال: ولكن محبة الرسول صلى الله عليه وسلم واجبة، وتلاوة المولد من محبته.
وحصل أخذ ورد - عن طريق الترجمة - في الموضوع، ولكن كلا منا بقي على موقفه.

وداع الوزير في مكتبه:

هذا، وقد كلمت الوزير في مكتبه في آخر يوم لي في بروناي وأنا أودعه بوجوب التمسك بالكتاب والسنة وأخبرته أن كثيراً من الأمور التي يعملها بعض العلماء تخالف ذلك، وسيأتي ذلك.
هذا الرجل - وزير التعليم - يبدو عليه التدين الصادق ومحبة للعلماء، والرغبة في قضاء حاجات الناس والكرم.
ودار الضيافة الذي نزلنا فيه لا يخلو من ضيف ينزل به يقوم ابنه وأقاربه باستقبال الضيف وخدمته، وقد خصص لنا ابنه أمينول، ليرافقنا ويقود السيارة بنفسه، ويحدد لنا بعض المواعيد وكان ملازماً لنا في كل تحركاتنا، ولكنه كان إذا وصلنا إلى مؤسسة أو شخصية تركنا وذهب ينتظرنا في الخارج حتى نفرغ، والناس لا يعرفون أنه ابن الوزير، وكنت ألح عليه أن يبقى معنا وهو يحاول التهرب، ما عدا بعض الأماكن فكان يجلس معنا كما كان الحال عند المفتي.
والذي ظهر لي أن التعصب للمذهب الشافعي بلغ حداً مبالغاً فيه، وعندهم خوف شديد من دخول أي مذهب آخر إلى بلدهم، كما أن بعض الطرق الصوفية متمكنة عندهم وهم حريصون كذلك على استمرارها وبقائها فيهم وفي أجيالهم القادمة، وقد أصبحت عندهم من صميم الإسلام.
كما أنهم حريصون كذلك على عدم دخول أي عقيدة غير العقيدة الأشعرية في بلادهم، وبخاصة العقيدة السلفية التي يرون أنها عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ويسمونها بالعقيدة الوهابية.
ومن الصعب جداً أن يأتي إليهم داعية من غير بلدهم ويدعوهم إلى غير ما ألفوه في الأصول والفروع والذكر وغيرها.
فإذا ما جاء أحد ودعا إلى غير ما عندهم فالغالب أنهم لا يتركونه، بل سيطلبون منه مغادرة البلاد إلا إذا انسجم معهم وجاراهم على ما هم عليه وفعل كما يفعلون.
ومن أهم أسباب خوفهم هذا من دخول أفكار غير الأفكار التي عندهم في الأصول أو الفروع أو السياسة أو غيرها، الخشية من إيجاد تنازع وصراع في المجتمع، وهم يريدون أن يبقوا هادئين في هذا البلد الصغير بهذا العدد القليل.
وأفضل السبل- في نظري- لإدخال الدعوة السلفية الصادقة، هو السعي الجاد في إقناعهم ببعث أبنائهم إلى بعض الجامعات الإسلامية في المملكة العربية السعودية، كالجامعة الإسلامية في المدينة المنورة ليتعلموا هذه العقيدة مباشرة، وإذا تفقهوا في ذلك رجعوا إلى بلادهم ليعلموا الطلاب وعامة الناس العقيدة السلفية، بأسلوب مناسب وحكمة ولطف، وعدم الإنكار المباشر من أول وهلة، بل ينبغي التدرج وبث الفكرة في الشباب من الأقارب والأصدقاء حتى لا يثير عامة الناس ضده فيجمدوا دعوته في مهدها، وهذا يكون في العقيدة، أما الفروع التي فيها خلاف بين العلماء ولكل منهم دليله المعادل أو المقارب، فالأمر فيها سهل، والأولى بالطالب أن يعمل بما ترجح له دون إثارة مشكلات تصدع صفوف الناس وتولد فيهم الشقاق والنزاع، فاجتماع الكلمة أوجب من الخلاف على فرع فقهي يؤدي إلى إفساد ذات البين.
وإذا كان الطالب عنده مقدرة فقهية ومعرفة بكتب العلماء، فإن بعض الأحكام الفرعية التي تترجح له في مذهب غير مذهب الإمام الشافعي مثلاً، قد يجدها رواية للإمام الشافعي أو وجهاً في كتب الشافعية، مثل كتب الإمام النووي وغيره، ويستطيع أن يخبر الناس أن كتب المذهب قد نصت على هذه المسألة وقد رجحها أحد علماء المذهب، فيكون ذلك باباً يلج منه إلى إثبات الحق دون ضجيج ولا نزاع.

بدع مستحكمة تحتاج إلى علماء حكمة وصبر:

عندما تستحكم البدع ويتمسك بها الناس على أنها سنن تكون آثارها سيئة لأمرين:
الأمر الأول: اختفاء السنن الثابتة لتحل محلها تلك البدع.
الأمر الثاني: استمرار تلك البدع في الأجيال المتعاقبة التي تصبح تعتقد بأن تلك البدع هي من الإسلام، وأن السنن التي اختفت بسببها ليست من الإسلام، بل هي بدع جديدة أتى بها مبتدعون جدد، وهذا الأمر في حاجة إلى علماء مخلصين حكماء صابرين، يقومون بتربية شباب من هذا الجيل على مبادئ الإسلام وأصوله الصحيحة وتعليمهم الأدلة الواردة من الكتاب والسنة عملياً بالتدريج، وكذلك الأذكار والأوراد الثابتة الصحيحة حتى يوجدوا قاعدة من الحاملين للدعوة من أهل البلد نفسه في كل بلد استحكمت فيه تلك البدع، ويجعلهم يظهرون السنن الثابتة التي تغني الناس عما سواها.
مثال ذلك: الأذكار الواردة في الكتاب والسنة مقيدة بنص، أو عدد، أو وقت، أو مطلقة من كل ذلك، فإن كثيراً من هذه الأذكار تركها كثير من الناس، وحل محلها ما يسمى بالأوراد والأذكار المنسوبة إلى بعض الناس أو بعض البلدان، ونسيت الأذكار والأوراد النبوية الصحيحة.
وكذلك تركت سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم تعليماً وعملاً، وحلت محلها ترنيمات تتلى ساعة من الزمن في الأسبوع أو الشهر أو السنة، وقد يكون كثير منها مخالفاً لهديه صلى الله عليه وسلم لفظاً ومعنى وصفة.
ومن أمثلة ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم سن أذانين لصلاة الفجر: أحدهما لإيقاظ النائم، والآخر لدخول الوقت وليس بينهما وقت طويل، فلا يحرم الأول النائم من نومه وإنما يوقظه ليستعد، والثاني ينبهه أن الوقت قد حان.
هذه السنة تركت في بعض البلدان، وفي كثير من المساجد - ومنها المسجد الذي كنا نازلين بقربه في عاصمة بروناي - وحل محل ذلك نداءات وأذكار تأخذ أكثر من ساعة قبل الفجر وتقال في مكبر الصوت يُزعَج بها النائمون في وقت ليس من حق المؤذن أن يوقظهم بالأذان المشروع، لأنه في غير محله.
وهكذا لا تثبت بدعة إلا فقدت بسببها سنة.

الجمعة: 17/1/1410هـ ـ 18/8/1989م.

لم يكن عندنا في هذا اليوم برنامج، فبقينا في الدار وأدينا صلاة الجمعة في الجامع المجاور.
وبعد صلاة العصر تجولنا في المنطقة المجاورة للدار على أرجلنا، وترجم لي الأخ أبو هريرة بعض المعلومات عن بروناي وعن وزير التعليم، كما سبق.
وقضينا بقية الوقت في مذاكرة ومناقشة في أمور تتعلق بالدعوة عامة، في الفلبين خاصة.

زيارة منطقة موارا:

السبت: 18/1/1410هـ ـ 19/8/1989م.
كنا على موعد اليوم لزيارة المركز التاريخي، كما ذكر لنا معالي الوزير، وانتظرنا في الصباح فلم يأتنا أحد.
وفي الساعة الثانية والنصف جاءنا الأخ خيرول بن أمير شهرين بن محمد حاجي سني، أبوه شقيق زوجة الوزير أي أنه ابن خال أمينول. وخيرول مختصر أيضاً لـخير الدين.

خيرول على آخر اللسان الممتد إلى البحر في موارا 18/1/1410هـ ـ 19/8/1989م
خيرول على آخر اللسان الممتد إلى البحر في موارا 18/1/1410هـ ـ 19/8/1989م

وعمر خيرول 19سنة يدرس القانون والاقتصاد في بريطانيا في جامعة لندن، مضت له ثلاث سنوات، وبقيت عليه مثلها يتخرج بعدها، يلتقي مع السلطان في الجد الخامس.
اتصل بالمركز هاتفياً فلم يجد أحداً.
فقال: لا يوجد أحد بالمركز، فما رأيكم نذهب نتجول.
فقلنا: لا بأس فذهب بنا إلى منطقة موارا.
وهي تقع في الشمال على البحر على بعد 19كيلو متر عن مقر إقامتنا وثلاثين كيلومتراً من العاصمة.
كانت هذه المنطقة قبل اكتشاف البترول مركزاً للفحم 90% من سكانها موظفون، وفيها مصفاة بترول وبها القوات المسلحة البحرية - قسم الرجال وقسم النساء.
وفيها كل المرافق المحتاجة إليها.
وذهبنا إلى منطقة سياحية على ساحل البحر عن طريق لسان طويل من اليابسة يمتد إلى داخل البحر، لا يزيد عرضه عن عشرة أمتار، وقفنا في طرفه المجاور للبحر وطوله أكثر من كليومتر قد غرست على جانبيه أشجار تمر السيارة في وسطها.
وكنت أظن هذا اللسان صناعياً، ولكن خيرول قال: إنه طبيعي.
ومن هذا المكان تمخر القوارب إلى الجزء الشرقي من بروناي.
وفي منطقة موارا توجد مساكن بنتها الحكومة تؤجر للعاملين الوافدين من الخارج، وبها الميناء، وفي الجهة المقابلة تقع جزيرة لمبونج، وهي من ولاية صباح تبعد ساعة عن موارا.
ثم ذهبنا إلى منطقة أخرى تسمى (جردونج) (GERUDONG) وهي تبعد 32 كيلو متر عن منطقة موارا (موارا في شمال العاصمة وجردونج غربها).
وهي مشهورة بسباق الخيل، وفي الطريق على اليمين قصر زوجة السلطان الثانية (مريم بَلَس) ويسمى القصر: نور العزة، وفي شمال القصر على ساحل البحر وتوجد إسطبلات خيل السلطان، وقال الأخ خيرول: إن عددها ثلاثة آلاف، ويتدرب في هذا المكان أخو السلطان على ركوب الخيل والرماية.
ويقع القصر على تل صغيرة ويشرف على الغابات من كل الجهات، ويشرف على البحر من الجهة الغربية، وله قبة ذهبية ولكنها أصغر من قبة قصر زوجته الأولى.

زيارة السكرتير الثاني في السفارة العمانية في الدار:

بعد مغرب هذا اليوم زارني في دار الضيافة السكرتير الثاني في سفارة سلطنة عمان: سالم بن حميد بن حمد الرواحي.

الكاتب يتوسط الأستاذ السوداني إبراهيم المهدي وسالم بن حميد بن حمد الرواحي السكرتير الثاني في السفارة العمانية في دار ضيافة وزير التعليم في العاصمة ويرى واقفاً أبو هريرة الفلبيني. 18/1/1410? ـ 19/8/1989م
الكاتب يتوسط الأستاذ السوداني إبراهيم المهدي وسالم بن حميد بن حمد الرواحي السكرتير الثاني في السفارة العمانية في دار ضيافة وزير التعليم في العاصمة ويرى واقفاً أبو هريرة الفلبيني. 18/1/1410? ـ 19/8/1989م

وكان معه الأستاذ السوداني إبراهيم بن خالد، المتعاقد مع جامعة بروناي دار السلام كما سبق.
قال الأخ سالم: إن السفارة بدأت في بروناي سنة 1986م، وهي السفارة العربية الوحيدة في بروناي، ويوجد بها القائم بالأعمال والأخ سالم فقط.
وقد ألح الأخ سالم في أن نتناول في منزله طعام الغداء أو العشاء، فاعتذرت بأني ضيف لدى رجل من رجال الدولة وأشعر بحرج فعذرني.
وحصلت مذاكرة تتعلق بالدعوة وبالخلافات التي توجد بين العلماء وما ينتج عنها من شقاق، وماذا يجب على علماء المسلمين في مثل هذا الوضع، بخاصة في هذا الزمن الذي تكالبت فيه أمم الكفر على المسلمين؟
وكان الاتفاق على الحل وهو الاحتكام إلى الكتاب والسنة، ولكن هذا الحل العام كل طائفة تدعيه، وعند التفصيل تتشعب الطرق ويبتعد هذا عن ذاك بسبب اختلاف المذاهب والاتجاهات.

حضور حفل زفاف:

الأحد: 19/1/1410هـ ـ 20/8/1989م.
اتصلوا بنا من منزل وزير التعليم في الساعة العاشرة إلا ربعاً، وقالوا لنا: إنا مدعوون لحضور حفل زفاف بنت تون عبد الرحمن رئيس وزراء سرواق سابقاً، وأنهم سينقلوننا إلى مقر الحفل في الساعة الحادية عشرة صباحاً.
والحفل يقع في مكان راق تسكن فيه الشخصيات البارزة في الدولة، من النواب والوزراء الأمناء (السكرتاريون) الدائمون ويطلق عليه في آي بي هاوسنج (VIP HOUSING) وكان معنا عديل وزير التعليم محمد شهرير (SHAHRIR) وعمره 35 سنة ويحمل دبلوم تجارة في الإدارة من لندن، ويعمل في التجارة الحرة.
ويبعد المكان عن مقر إقامتنا حوالي 15كيلومتر إلى الجنوب.
وقد اجتمع الناس على اختلاف أعمارهم، رجالاً ونساء وأطفالاً، ووُزعوا على موائد، كل مائدة تتسع لما لا يقل عن عشرين شخصاً، الرجال في جانب، والنساء في جانب تحت مظلات على تل صغير، وتلك المظلات شبيهة بالخيام الواسعة المستطيلة، أعمدتها من الحديد.
وقد لبس الرجال ملابسهم المعتادة: قميص طويل الأكمام، قصير القامة، مع سراويل يأتزرون فوقها بفوطة تغطي ما بين الحقو والركبة.
وملابسهم ذات ألوان مختلفة زاهية وغامقة، لا أظن لوناً يخطر ببالك إلا وجدته في هذا الاجتماع، على الرجال فضلاً عن النساء.
وكثير من النساء مغطيات رؤوسهن، وقليل منهم كاشفات رؤوسهن، لكن ألبستهن جميعاً طويلة ساترة، لا ترى أي امرأة لابسة لباساً قصيراً يظهر منه ساقاها، لا من الكبيرات ولا من الصغيرات، هذا في مكان الزفاف، أما في الجامعة والمدارس والشوارع العامة فإن أغلب النساء محتشمات لا يرى منهن إلا الوجه والكفان.
وقد مر العروس وأبوه ووالد العروس "البنت". [العروس يطلق على الذكر والأنثى في اللغة العربية والقرينة تبين].
وكان العروس يلبس لباساً أخضر من عمامته إلى أسفل قدمه، مروا يصافحون الناس.
وبعد تناول طعام الغداء، بدأ الناس يغادرون المكان.
مررنا ونحن خارجون بفرقة الأناشيد والطبول، وهم أولاد صغار أو مراهقون، وفتيات، وقد ارتدوا ألبسة خاصة تميزهم عن غيرهم، وهي جميلة وساترة والفتيات مغطيات رؤوسهن وهم أمام باب غرفة العروس التي يجهزها النساء فيها.
وقد تجمع عدد من الناس رجالاً ونساء في هذا المكان، لمشاهدة العروس عند خروجها.
أما نحن فقد تركناهم وذهبنا.
وسألت الأخ محمد شهرير عن خبير التاريخ في بروناي، فقال: هو أخو وزير التعليم، ويسمى داتو دكتور حاجي محمد جميل السفري، وهو المسؤول الأول عن مركز تاريخ بروناي ولكنه مسافر. [وقد زارني في المدينة المنورة عندما جاء لأداء العمرة والزيارة، قبل خمس سنوات تقريبا، كتبت هذا التعليق في: 18/9/1419هـ].
سلطنة بروناي تعتبر من البلدان التي تنعم بالخيرات ومليئة بآبار البترول، وسكانها قليلون، ولذلك يظهر على أهلها الغنى بل الترف.
السيارات فيها كثيرة جداً، فلا تكاد تمر بمقصورة صغيرة إلا وجدت بجوارها مظلة تقف تحتها أكثر من سيارة، والشوارع مزدحمة بالسيارات برغم قلة السكان، ولم أر في الشارع من يوم وصلت إلى البلد سيارة أجرة ولا سائحين، لأن تأشيرة الدخول إلى بروناي صعبة، ولهذا تجد شواطئها خالية من الناس، ولذا لا يوجد فيها الفساد الذي يوجد على كثير من شواطئ الدول في العالم.

أي توفيق وأي هداية؟!

في هذا اليوم بدأ الاحتفال في كوالالامبور، عاصمة ماليزيا بالدورة الرياضية الخامسة عشرة لشباب جنوب شرق آسيا في الإستاد الرياضي، حضر الاحتفال سلطان ماليزيا، كما شاهدنا ذلك في التلفزيون.
وقد أدى الشباب الماليزي في هذا الحفل تشكيلات مختلفة، فتارة كانوا يكونون هيئة كلمات مكتوبة بحروف لاتينية من البشر، وتارة يظهر تكوينهم أمواجاً بحرية وغير ذلك.
كما كانوا يقومون برقصات شعبية وأناشيد غنائية، اختلط فيها الفتيان بالفتيات، واستمرت فترة طويلة، ولا أدري كم كلفت هذه التشكيلات من الجهد والمال والوقت والطاقات.
وكنت أنظر إلى ذلك في التلفاز، وأقول: ماذا سيحدثه هذا العمل المتواصل والجهود الشاقة والأموال الكثيرة، لو استغل ذلك كله في تربية هذا الشباب تربية إسلامية مبنية على الإيمان الصادق، والعلم النافع والعمل الصالح والإعداد للجهاد في سبيل الله؟
ترى لو حصل هذا أيبقى المسلمون أذلاء تحت أقدام اليهود والنصارى والوثنيين؟
وقد ذكرت في موضع آخر أن اللاعبين بالشعوب الإسلامية قد حطموا الشباب فيها باستغلالهم في الرقص والغناء والمبالغة في الرياضة، والتمثيليات والمسلسلات الغرامية لإلهاء الشعوب والتمتع بخيراتها وإذلالها لأعدائها.
والعجب أن المذيع عندما انتهى من نقل هذا الحفل المشتمل على المنكر قال: ونسأل الله التوفيق والهداية! قلت: أي توفيق وأي هداية، ولعل الله يستجيب دعاءه فيوفق الشعوب الإسلامية وحكامها لما يحبه ويرضاه.

هل أستطيع أن أخدم الدعوة بتخصصي؟

في هذه الليلة زارنا الأخ سبلي وهو ابن أخت وزير التعليم في بروناي، وعمره 33 سنة.
وتخصصه في برمجة الكمبيوتر في كلية المدنية في لندن، وهو موظف في شركة الكهرباء في عاصمة بروناي، وحصلت مذاكرة طويلة في الدعوة والدعاة وواجب المسلمين نحو الدعوة كل واحد في موقعه، وكان الأخ سبلي يصغي كثيراً، وبعد أن فرغنا من المذاكرة الطويلة، قال لي الأخ سبلي: هل أستطيع أن أخدم الدعوة في تخصصي؟
قلت: نعم، ما دمت قادراً على البرمجة، فإنك تستطيع أن تساعد في برمجة بعض الكتب الإسلامية ونشرها، وأهم من ذلك أن تحاول دراسة الإسلام في أوقات فراغك على يد بعض العلماء وتستعد بذلك لتعليم أسرتك وأبنائك وجيرانك وزملائك في العمل.
وقد اتضح لي أن كثيراً من الشباب في غفلة، فإذا ذُكِّروا تحركت عواطفهم لخدمة الإسلام ويحتاجون إلى توجيه.

رغبة الأخ أمينول في تعلم اللغة العربية والهدف من ذلك.

الاثنين: 20/1/1410هـ ـ 21/8/1989م.
رجع أمينول أمس مع والده، وجاءنا اليوم وذهبنا إلى البنك لصرف بعض الشيكات السياحية، وكان يحاول بما عنده من الألفاظ العربية أن يتحدث معي ويستفسر عن صحة نطقه بها وتركيب مفرداتها. [(أمينول) اختصار لـ(أمين الدين) و(خيرول) اختصار لـ(خير العارفين) ونحو ذلك. فهم يختصرونه تخفيفاً].
وعندما عدنا إلى مقر إقامتنا قال: هل تريدون أن نذهب بكم إلى مكان آخر؟
قال: غداً سأذهب بكم إلى بقية المناطق، وأبعدها كوالابلايت.
ثم ذكر أني كنت طلبت منه الصعود إلى مكان عال لالتقاط صور مناظر للمدينة "العاصمة" وقال: اليوم بعد العصر إن شاء الله آتيكم لنذهب إلى الجبل ونعود قبل المغرب لأتمكن من الفطور، ففهمت أن الشاب صائم، واليوم يوم الاثنين.
ولقد تجمعت عندي قرائن تدل على قوة إيمان هذا الفتى وإرادته الخير والمزيد من هذا الإيمان، وأنه يريد جاداً تعلم اللغة العربية، ليفهم مراد الله من كتابه ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد أبدى رغبة شديدة في أن يذهب إلى المدينة المنورة ليتعلم اللغة العربية في المسجد النبوي والجامعة الإسلامية، ولكن العقبة التي تحول بينه وبين تحقيق هذه الرغبة عدم إذن المفتي لشباب بروناي في الذهاب إلى المملكة العربية السعودية لطلب العلم في جامعاتها خوفاً عليهم حسب زعمه من العقيدة الوهابية.
وقد قال لي قبل هذا اليوم: إنه شديد الرغبة في تعلم اللغة العربية، لا ليفهم بها القرآن فقط، ولكن - إضافة إلى ذلك - ليطبق ما يريده الله ورسوله منه.
وقد أثر ذلك في نفسي وأنا أنظر إلى وجهه وهو يتحدث بلهجة الصادق النجيب النشيط الذكي، وقسمات وجهه تدل على ذلك بدون تكلف، فدمعت عيناي أسفاً على هذه الرغبة الشديدة التي تعترضها عقبة باطلة بدون حق.
ثم قلت له: أريد أن أجلس معك في وقت مناسب قبل سفري لأعلمك كيف تتعلم اللغة العربية، فقال: إن شاء الله، وذهب ليستريح في منزله.
وجاءنا ما بين العصر والمغرب يريد أن يذهب بنا لنتجول في المدينة ونصعد على الجبل لأخذ بعض الصور للعاصمة، وفضلت أنا عدم الذهاب لأمرين:
الأمر الأول: أنه صائم، وأخشى أن يأتي وقت المغرب وهو خارج المنزل، والغالب أن والده صائم وربما أسرته كلها وقد يكونون عادة يفطرون سواء.
الأمر الثاني: أن الوقت قد يكون غير مناسب للتصوير، لأن التصوير في النهار والشمس ساطعة أفضل.

كيف تتعلم اللغة العربية؟

وجلس معنا وبينت له الخطوات التي يمكنه أن يتبعها ليتعلم اللغة العربية تعلماً نافعاً، وذلك كما يأتي:
1- الإكثار من حفظ المفردات العربية.
2- حفظ القرآن الكريم بالتدريج ولو آيَة آية.
3- اختيار أحاديث صحيحة - والأفضل أن تكون من الصحيحين أو أحدهما - متنوعة في أبواب الإيمان، والأذكار والآداب، وتكون من الأحاديث القصيرة.
4- حفظ بعض الأمثال والحكم، وبعض الأشعار القديمة.
5- اقتناء كتاب في مفردات القرآن الكريم، وأحد قواميس اللغة العربية للتنقيب فيهما عن المفردات ومعانيها.
6- المراجعة المستمرة لما يحفظه، حتى يتمكن من فهمه.
7- حفظ كتيب صغير في قواعد اللغة العربية، ثم فهمه.
وقلت له: عليك أن تجتهد في أن تحصل على إذن لتهاجر إلى المدينة لتتمكن من تعلم اللغة العربية بالدراسة والمحادثة المباشرة مع العرب.
وكان الشاب يصغي لكل ذلك ويقول: إن شاء الله.
ثم سألني عن بعض الشعوذات السحرية، وذكر بعض الأمثلة من جعل بعض الأشياء تتحرك بنفسها وتذهب وتجئ وهي جمادات وهل يعتبر ذلك كفراً؟
فقلت له: إن السحر أنواع بعضه حقيقة وبعضه خداع وتخييل، وبعضه كفر وبعضه حرام وذلك بحسب نوع السحر.
وبعد ذهاب الأخ أمينول خرجنا أنا والأخ أبو هريرة نتمشى في المنطقة المجاورة وسرنا في الشارع العام المتجه إلى منطقة موارا، أخذنا ساعة ذهاباً وإياباً.
وصلينا المغرب في جامع بلقيه القريب من مقر إقامتنا.

حقق الله رغبته وهاجر إلى البلد الحرام:

أذن المفتي بعد ذلك للأخ أمينول- بسبب إلحاحه الشديد- بالسفر إلى الكويت لطلب العلم في المعهد الديني، ولكنه لم يرتح لذلك بسب ما رآه في الكويت من اختلاط الرجال والنساء، فرجع إلى بلاده وألح على المفتي ليأذن بالسفر إلى مكة المكرمة، فأذن له.
والتحق بمعهد تعليم اللغة العربية بجامعة أم القرى، وجدَّ في طلب العلم، وأصبح بعد فترة وجيزة يقرأ ويكتب ويتحدث باللغة العربية بطلاقة، حتى إنه كان المترجم بيني وبين والده عندما زرته في قصر الضيافة في مكة المكرمة، عندما جاء للعمرة في شهر رمضان.
ولازم الأخ أمينول المسجد الحرام في غالب أوقاته، واجتهد في حفظ القرآن الكريم وتجويده على أيدي بعض العلماء.
وهو - مع اجتهاده في طلب العلم - مجتهد في نوافل العبادة - علاوة على فرضها - من صلاة وصيام وذكر، ومتواضع في لباسه وفي طعامه، تواضعاً قد يرى أنه مبالغ فيه.
ثم إنه ترك الدراسة في المعهد وفي الجامعة ولازم الحرم المكي، لحفظ القرآن والتعبد، ودراسة بعض العلوم على بعض المشايخ الذين يراهم مناسبين.
وقد زارني في المدينة ونزل عندي يومين، وعاتبته على تركه الدراسة في الجامعة، فقال لي: إن بعض المدرسين يكفرون الناس ويفسقونهم ويبدعونهم، وأنا أخاف على نفسي من ذلك، ويكفيني أن أدرس في الحرم… وعلى كل حال فالرجل متمسك بالزهد والتصوف، مع أنه درس في الغرب، ومن أسرة غنية ثرية، وهو في سن الشباب.
وقد قلت له: ينبغي أن تتزوج وأن تدرس في الجامعة، وتأخذ شهادة الدكتوراه، وتعود إلى بلادك لتؤدي واجبك في الجامعة أو في غيرها.
فقال: أنا لا يمكن أن أتولى أي وظيفة، وإنما أريد أن أواصل طلب العلم، وأعمل به بحسب ما يوفقني الله.
وبلغني أنه رجع إلى بلاده، وذهب إلى الغرب ولا أدري إلى أين وصل في مسيرة حياته بعد ذلك؟

خاطرة عن البلاغ المبين:

إذا قارن المنصف المطلع بين الإسلام وغيره من الأديان يجد ما يلي:
(1) أن جميع الأديان - غير الإسلام - السماوية المحرفة والوثنية لا يوجد فيها ما يستحق الإيمان به، ولا العمل بما فيه، ولا تبليغه إلى الناس، ليس لعدم فائدة تلك الأديان فقط، بل لما فيها من الضرر على المعتقد والتصور والحياة.
(2) أن تلك الأديان- على رغم وجود دعم قوي لها من مال ورجال وأجهزة تعليمية وإعلامية ووسائل مادية ومعنوية متنوعة - لا يستطيع دعاتها والقائمون بنشرها أن يقنعوا بها العقلاء من الناس، ولا تطمئن إليها القلوب، لأن ما فيها يخالف العقول والفطر فلا يجد من دعا إليه حجة يقنع بها العقول.[ومعنى ذلك أنه مهما اجتهد أهل تلك الأديان أن يكون بلاغهم لها مبيناً لا يقدرون لأن الشبهات التي تحملها والمعاني المضادة للفطرة والعقل لا تؤهل بلاغهم لها أن يكون مبيناً].
والذين يصدقون دعوة تلك الأديان لا يخلون من أحد شخصين:
الأول: المقلد تقليداً أعمى، جمد عقله وعميت بصيرته فسار على غير هدى.
والثاني: من يحصل على منفعة مادية من مال أو منصب أو جاه وما أشبه ذلك فسار على ذلك لتلك المصلحة، وهو يدري أنه على باطل.
أما الإسلام فعلى العكس من ذلك:
(1) فيه عناصر لا حياة للبشر بدونها، إلا كما تحيا البهائم، وهي: الإيمان بأصوله وفروعه، والعلم النافع، والعمل الصالح الذي تسعد به البشرية، إذا هي أقبلت عليه وعملت به. وهو بذلك يستحق، بل تقتضي الضرورة الإيمان به والعمل به والدعوة إليه وتبليغه لكافة الناس.
(2) إن الإسلام- برغم الجهود الكثيرة التي قام بها أعداؤه لتشويهه بكل وسيلة أتيحت لهم، وبرغم القدوة السيئة التي يراها الناس في كثير من اتباعه الذين نفَّروا الناس منه بأعمالهم قادة ورعية، إلا من شاء الله، ومع قلة الحاملين له حقاً وقلة الداعين إليه، ومع ذلك كله - فهو غني بما فيه من حق وما فيه من نفع، وما فيه من موافقة العقل السليم والفطرة الصافية، غني بالحجج والبراهين القوية التي تقنع العقول بأنه حق، وتطمئن إليه القلوب وتسكن.
فالإسلام وحده هو الذي يستحق أن يبلغ للناس كافة ويستطيع الداعي إليه أن يكون بلاغه مبيناً واضحاً.

تجول سريع في المناطق الجنوبية من سلطنة بروناي:

الثلاثاء: 21/1/1410هـ ـ 22/8/1989م.
جاء إلينا الأخ أمينول وخرجنا من العاصمة الساعة التاسعة صباحاً، للقيام بجولة في المناطق الجنوبية من سلطنة بروناي، وكان أمينول هو قائد السيارة، ومعنا سكرتير الوزير الحاج زيني، والأخ أبو هريرة.
بعد نصف ساعة وصلنا إلى منطقة توتونج.
وبعد ربع ساعة من دخولنا المنطقة وصلنا إلى المدينة - عاصمة المنطقة - وهي تسمى بنفس اسم المنطقة ويسمون المنطقة: دائرة.
وفي الساعة العاشرة والثلث دخلنا حدود دائرة كوالابلايت، ومن قرى هذه الدائرة قرية تسمى: سيريا، وهي بترولية بها خزانات للبترول، ووصلنا إلى مدينة بلايت التي هي عاصمة الدائرة في الساعة الحادية عشرة، وهي آخر مدينة في جنوب بروناي، قريبة من حدود سرواق.
وفي هذه المنطقة تكثر آبار البترول، وهي على ساحل البحر وقد صلينا في أحد المساجد وفي قبلته بئر بترولية، وأينما التفت رأيت المكائن تستخرج البترول.
ولهذا قلت للإخوة: هذه من نعم الله تعالى على المسلمين يصلون في المسجد - بيت الله - وبجانبه أجهزة يستخرج بها من أعماق الأرض رزق الله.
وفي منطقة أخرى بين بلايت وتوتونج، توجد تربة بيضاء كنت أظنها ملحاً، وظهر أنها تربة يصنع منها الزجاج.
وفي مدينة بلايت تغدينا في أحد المطاعم، وقال لنا الأخ أمينول: إنه قد ضرب لنا موعداً لزيارة نائب أمير الدائرة للتعارف، وهو ابن خالة أمينول، فذهبنا إليه في مكتبه ويدعى حاجي محمد طيب، وعمره (34سنة).

الكاتب في الوسط وعلى يمينه نائب محافظة بلايت محمد طيب جنوب بروناي وعلى يساره أبو هريرة الفلبيني 21/1/1410هـ 22/8/1989م
الكاتب في الوسط وعلى يمينه نائب محافظة بلايت محمد طيب جنوب بروناي وعلى يساره أبو هريرة الفلبيني 21/1/1410هـ 22/8/1989م
نائب المحافظ الشاب محمد طيب
نائب المحافظ الشاب محمد طيب

وتخصصه في العلوم الاجتماعية في بريطانيا.
عنده ثلاث أولاد: ابنان وبنت.
وقد استقبلنا ببشاشة ورحب بنا وطلب منا زيارته في المنزل، ولكنا اعتذرنا لضيق الوقت.
ورجعنا إلى العاصمة من طريق آخر غير الطريق الذي جئنا منه لنرى - كما قال الأخ أمينول مناظر أخرى غير التي رأيناها في الذهاب.

وداع معالي وزير التعليم:

الأربعاء: 22/1/1410هـ ـ 23/8/1989م.
كان صباح هذا اليوم وقت راحة، لأني سأسافر مساء إلى الفلبين، لذلك لم يكن لنا اليوم برنامج زيارات، ما عدا زيارة معالي وزير التعليم في مكتبه لوداعه في الساعة الثالثة والنصف مساء.
وبعد الغداء جاء الأخ أمينول وذهبنا إلى والده في مكتبه، وكان أول ما قاله لي: أعتذر إليك فقد كان الحق لك في أن أزورك أنا وأودعك، لكن مشاغل العمل في الوزارة والاتصالات الهاتفية التي يصعب الغياب عنها كانت السبب في بقائي في المكتب.
قلت له: أنا أشكرك كثيراً على ما أوليتني به من كرم الضيافة، وما أتحته لي من فرصة الزيارة لهذا البلد المسلم، والاتصال بما أمكن من المؤسسات الإسلامية، وبمن أمكن من العلماء والمفكرين.
ثم قلت له: إذا كان وقتك يسمح لي بذكر بعض الأمور التي خطرت لي في هذه الزيارة مما يتعلق بالتعليم، فإني أرغب في ذلك، حرصاً مني على تحقيق بعض المصالح التي أعرف أنك حريص على تحقيقها فقال - وهو يجلس جلسة المتأدب، كأنه طالب أمام أستاذه -: إنني سأكون سعيداً بتوجيهاتك ونصحك، فأنت رجل علم وتربية وخبرة ودعوة، ومن واجبي أن أستمع إليك وأحاول تنفيذ توجيهاتك.
فقلت له: أنا أقل من ذلك، ولكن بعض الخواطر قد تفيد.

ذكرت له الأمور الآتية:

(1) العناية بقسم الدراسات الإسلامية: بمناهجه وأساتذته وكتبه، والوصول به إلى أن يكون كلية للدراسات الإسلامية، لأن شباب بروناي في حاجة إلى هذا، وهو سيوفر الكفاءات التي تجعل بروناي تكتفي ذاتياً بمدرسي المواد الإسلامية والعربية، ولا بد في أول الأمر من الأخذ بأمرين مهمين لإنجاح هذا المشروع:
الأمر الأول: ابتعاث عدد من طلاب بروناي للجامعات الإسلامية للتزود بالعلوم الإسلامية والعربية في الدول العربية، ليحملوا مؤهلات عالية وعليا، ويعودوا لتأدية واجبهم في الجامعة والمدارس الأخرى الحكومية وغيرها.
الأمر الثاني: اختيار أساتذة أكفاء من الجامعات الإسلامية في الدول العربية لتدريس الطلبة في الجامعة، ليكونوا مؤهلين للدراسات العليا في الخارج وفي نفس الجامعة.
وكنت قد كتبت بعض الملحوظات المتعلقة بالجامعة وباللغة العربية والدراسات الإسلامية وترجمها الأخ أبو هريرة إلى اللغة الإنجليزية وسلمتها له.
(2) الإكثار من الحلقات العلمية ودعوة الشباب لحضورها في منزلكم، وفي المساجد الأخرى، والعناية بمنهجها الذي تسير عليه وهذه اقتراحات تتعلق بذلك:
أولاً: لا بد من مشايخ متخصصين في العلوم الإسلامية مثل: التفسير والحديث والفقه المقارن في المذاهب الأربعة - والسيرة النبوية، وأصول الفقه، وأصول التفسير، واللغة العربية وغيرها، وتتاح لهم فرصة التعليم على نظام الحلقات العلمية القديمة التي تستوعب جميع الراغبين من الطلاب في التزود من العلم بمستوياتهم المختلفة، وبذلك ينتشر العلم ويتعمق الطلاب فيه أكثر لما في الحلقات العلمية من الحرية في الشرح المطول والموجز بحسب الحاجة، ولما فيها من المرونة التي يتمكن بها الأستاذ من تكييف حلقاته وتدريسه.
ثانياً: يجب أن يكون التدريس باللغة العربية في جميع مواد الحلقات العلمية، ويكون المدرسون عرباً – أصلاً - أو تعلموا العربية على العرب وأتقنوها نطقاً وقراءة وكتابة.
لان فهم العلوم الإسلامية باللغة العربية مباشرة، هو الوسيلة الصحيحة لفقه القرآن والسنة ومعرفة حقيقة معانيهما، وكذلك العلوم المتعلقة بهما.
وضربت له مثالاً بمن يتلقى التعليم الإسلامي باللغة العربية مباشرة ومن يتلقاه بالترجمة، وذلك المثال هو: مثل رجل أشتد عطشه وبحث عن ماء ليروي غليله، فوجد عيناً تنبع من جبل نبعاً صافياً ونزل هذا الماء الصافي، فمر في الأرض بأماكن نظيفة، وأماكن متسخة بالأتربة والغثاء والقاذورات، ففكر في ذلك وقال في نفسه: الوصول إلى الماء الصافي في منبعه صعب، ولكنه يحقق لي شرب الماء سليماً من القذر والكدر، والشرب من الماء القريب في أسفل الجبل سهل، ولكنه قد يسبب لي مرضاً، فشمر وصعد إلى منبعه وشرب ماءاً عذباً صافياً وتزود منه وواصل سيره، فهذا مثل الذي يتفقه في الدين عن طريق اللغة العربية مباشرة.
ورجل آخر استسهل وجود الماء عنده ولو كان كدراً فشرب منه، واستصعب الوصول إلى منبعه فلم يصعد إليه، وهذا مثل من يأخذ العلم بالإسلام عن طريق الترجمة.
فقال: إن الذي قلته حق ونحن نشعر بذلك، وضرب هو مثلاً آخر، فقال: وأنا أشبه من يأخذ الإسلام عن طريق الترجمة برجل له مظهر ممتاز بلباس جميل، ولكنه في الحقيقة مخبره ليس كمظهره.
وهنا اغتنمت الفرصة وقلت له: ولهذا تجد من يتلقى التعليم عن طريق الترجمة قد يعطي ما يظن أنه من الإسلام، وهو ليس منه، ومن هنا كثرت البدع والخرافات بين المسلمين، ولو أن الإسلام أخذ صافياً من منبعه كما يريد الله، لما وجَدت تلك البدع أو الخرافات مكاناً لها في مساجد المسلمين ومدارسهم فضلاً عن عوامهم.
والإسلام هو ما جاء به الكتاب والسنة وليس ما ادعاه أحد مما يخالفهما.
ثالثاً: ينبغي أن تُختار كتب من المراجع الأصيلة في العلوم الإسلامية، ليدرسها الطلبة في هذه الحلقات، بالتفصيل لعدم مقدرتهم على ذلك في فصول الدراسة الجامعية وغيرها من المدارس الرسمية، لأن أوقات الدراسة الرسمية محددة، والمناهج معدة إعداداً معيناً يصعب معه التوسع، والهدف من الحلقات العلمية إعطاء أكبر قدر ممكن من العلوم الإسلامية.
ثم إن المراجع الأصيلة هي التي تمكن الطالب من أخذ الإسلام صافياً، وضربت مثالاً لذلك بتفسير ابن كثير أو مختصراته، فتفسير ابن كثير أولى من المختصرات، وهكذا في الحديث والفقه والسيرة وغيرها.
وقال الوزير: إن لدينا الآن حلقات تحفيظ القرآن الكريم على غرار ما يجري في الحرمين.
وإنه قد قام بزيارة البلدان الآسيوية في شرق آسيا وعمان للاطلاع على سير التعليم الإسلامي فيها.
وإنه سيقوم مع مجموعة من الأساتذة والطلبة في بروناي بزيارة الجامعات السعودية، للاطلاع مباشرة على سير الدراسة فيها والتربية العملية فيها، وسيكون ذلك في شهر ديسمبر. [يبدو أن الزيارة لم تتم، فقد أخبرت رئيس الجامعة الإسلامية بذلك ولكن لم تحصل هذه الزيارة].
وقال: إن الاهتمام باللغة العربية أمر ضروري لا بد منه.
وطلبت من معاليه أن يشرفني بزيارته لي في منزلي عندما يأتي إلى المدينة المنورة في زياراته الخاصة التي تتكرر في شهر رمضان - في الغالب - والرجل عندما يأتي إلى المدينة في رمضان يحاول أن ينفرد بنفسه، ليقضي أوقاته في العبادة في المسجد النبوي، ولكنه وعدني بتحقيق رغبتي إذا تيسر له ذلك. [جاء إلى المدينة في أيام الحج، وحاول الاتصال بي فلم يجدني، إذ كنت غائبا عن المدينة، وكان يحمل لي كتابا ألفه أحد الأساتذة الإندونيسيين الذين يقومون بالتدريس في جامعة بروناي، وترك لي الكتاب لدى أحد الأصدقاء].
من أي الريحانتين أنت؟
هذا، وقد كان سألني: من أي ريحانتي الرسول صلى الله عليه وسلم أنت؟
فقلت له: من الحسين بن علي رضي الله عنهما.
فقال: سلطان بروناي من ذرية الحسن بن علي رضي الله عنهما.
وعقب على ذلك بقوله: العلماء من ذرية الحسين، والأمراء من ذرية الحسن، وكتب لي الوزير عنوانه وأرقام هواتفه بيده في مذكراتي.
قلت له: إن الحسن جاءته الخلافة بدون طلب منه لها، وعندما رأى المصلحة العامة تقتضي التنازل عنها تنازل لمعاوية، فأعقب ذريته بالإمارة، والحسين بن علي رضي الله عنهما قاتل عليها - وهو قاصد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلم يجعل الأمارة في نسله.

وداع عاطفي مؤثر وطلب دعاء:

وبعد هذه المذاكرة جاء وقت الفراق، فقال لي: لي طلب أرجو أن تهتم به، وهو أن تكثر من الدعاء لسلطان بروناي بأن يرزقه الله التقوى لأن أتباع السلاطين يقتدون بهم.
ثم التزمني بقوة وأخذ يقبل كتفي ويلصق صدره بصدري، وأجهش بالبكاء وانهمر الدمع من عينيه. وقابلت ذلك بمثله.
ولم يستطع التحرك من مكانه في المكتب لوداعي إلى خارجه، فقد كان ينتحب ويمسح دموعه بمنديله.
ثم خرجت من مكتب الوزير يرافقني ابنه الصالح أمينول وسكرتيره أغلو حاج زيني فغيران آري، والأخ أبو هريرة الفلبيني الذي آنسني في هذا الأسبوع في إقامتي وتجوالي.
وقام الأخوان أمينول وزيني بإنهاء الإجراءات في المطار وودعني الإخوة، فدخلت الطائرة في الساعة السادسة والدقيقة الخامسة والأربعين، وهو موعد الإقلاع.

رسالة من الروضة الشريفة!

فأقلعت الطائرة في الساعة السابعة، وكنت متأثراً بمشهد الوداع العاطفي في مكتب الوزير، فتخيلت أنني وصلت إلى المدينة وصليت في روضة الرسول صلى الله عليه وسلم.
وكتبت له رسالة شكر من هناك، فأنشأت وأنا في الجو هذه الأبيات:

يا زائراً دار السلام وأهلهابلغ فِهِن عبدَ العزيز سلامي
وانقل إليه شذاً بطيبة فائحاًمن روضة الهادي إلى الإسلام
واشكر له صُنْعَ الكرام فإنهلا خير في الدنيا بغير كرام
ليس الكريم هو السخي بمالهما لم يفز بتُقىً وخُلْقٍ سام
ولقد أصبتَ من الثلاثة وافراًفازدد ينلك الله خير مرام
دار السلام لدي رجالاً مثلَهيَمنُنْ عليك الله بالإنعام