رحلات سنغافورة وبروناي وتايوان

الرحلات | سلسلة في المشارق والمغارب | 15 صفحة
صفحة 3 من 15 الزيارة الأولى 1400هـ

الزيارة الأولى 1400هـ

الزيارة الأولى 1400هـ

في 25 من شهر شعبان سنة 1400هـ وأنا في طريقي إلى إندونيسيا، نمت في سنغافورة ليلة واحدة وكان معي الشيخ عبد القوي عبد المجيد، وعبد الله بن سعيد باهرمز، والابن عبد البر، غادرنا كوالالمبور إلى سنغافورة من بعد أن قابلنا الأخ أنور إبراهيم رئس حركة الشباب الإسلامي (أبيم) إلى المطار.. [سيأتي تعريف واف بحركة الشباب الإسلامي: (أبيم) في الكتاب الخاص برحلة ماليزيا من هذه السلسلة، أما أنور إبراهيم فقد تخلى عن هذه الحركة رسمياً وانضم إلى الحزب الحاكم المعروف اختصارا بـ(أمنو) وتولى فيه مناصب عدة، كان آخرها منصب نائب رئيس الوزراء ونائب رئيس الحزب ووزير المالية، غير أن رئيس الوزراء: محاضر محمد، تآمر عليه مع بعض الوزراء وعزلوه في تاريخ:11/5/1419هـ -2/8/1998م عندما انتقد فسادهم المالي، خوفاً من أن يسقطهم ويتولى حكم البلاد، ولفقوا ضده تهماً يغلب على الظن أنه بريء منها، وهو الآن في السجن ويحاكم محاكمة ظالمة، وبين حين وآخر تقوم مظاهرات في البلاد تطالب بإطلاق سراحه، واستقالة المتآمرين عليه، وقد أطلق سراحه واعترف ظالموه بظلمهم له وحكم عليهم بتعويضه].
وفي الثانية والربع بعد الظهر صعدنا إلى طائرة الخطوط الماليزية - وبعد إقلاعها [في الساعة الثانية والنصف] بثلاث وعشرين دقيقة أعلن المضيف أننا دخلنا في أرض سنغافورة، وكنت أطل على أراضي سنغافورة فلم أرها فيما ظهر لي تختلف عن أرض ماليزيا في كونها مكسوة بالأشجار والغابات والمزارع.
وكنت في هذه اللحظات أتمتع بجمال خلق الله: غابات تكسو الجبال والوهاد، وبحر تنعكس زرقته على أشعة الشمس وسحاب شديد البياض مثل القوافل يتبع بعضها بعضاً، وباجتماع ذلك كله أصبح ضوء الشمس يشبه غسق الفجر أو الليل المقمر.
هبطت بنا الطائرة في مطار سنغافورة في الساعة الثالثة والدقيقة السابعة - فرأينا باحة المطار وممراته وقاعاته غاية في النظافة والتنظيم والجمال.

فك الارتباط!

كان الأخ عبد الله بن سعيد باهرمز قد فهم من الخطوط الماليزية أن نزولنا في أحد فنادق سنغافورة سيكون على حساب الخطوط المذكورة، لأن الحجز تم عن طريقها من سنغافورة إلى جاكرتا، وعندما طلب من الموظفة المختصة أن تعطيه بطاقة للفندق، قالت له: أنتم لا تستحقون ذلك، لأنكم حجزتم باختياركم ليوم غد، وكان في إمكانكم السفر اليوم لأن الرحلات موجودة - وكانت على حق في ذلك - ولكن صاحبنا باهرمز أخذ يراجع ويحاجج، وبدأت درجة حرارة الموظفة ترتفع، لتدافع عن رأيها واقتربت من الخصمين وسألت عبد الله عما يجري؟ فأخبرني فقلت له: الحق معها.
وفك مثل هذا الارتباط محمود، أما غيره من الارتباطات السياسية والعسكرية فأهله أدري به!
ثم ذهبنا إلى مكان آخر في المطار أودعنا فيه حقائبنا التي لا حاجة لنا بها بأجرة محدودة.

جمال مظهر سنغافورة:

ركبنا سيارة أجرة صغيرة إلى داخل المدينة "سنغافورة" فرأينا إعلاناً في مقدمة السيارة: "ممنوع التدخين" وكنا رأينا ذلك في جميع الأماكن داخل قاعة المطار، فقلنا للسائق هل التدخين ممنوع في سنغافورة كلها، فقال: ممنوع في كل مرفق عام يشترك فيه عامة الناس ويضطرون للاختلاط، كالسيارات والقطارات والطائرات والسفن والأماكن العامة كالقاعات ونحوها.
قلت: حكومات الشعوب الإسلامية يعلمون فيعملون، والحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها أخذها، إننا نكاد نختنق في وسائل نقلنا العامة وفي قاعات مطاراتنا، وفي بعض قاعات اجتماعاتنا ومحاضراتنا، ويعود الإنسان منا إلى أهله وقد انبعثت عليهم من ثيابه رائحة الدخان حتى ليشك فيه أنه أصبح من المدمنين على التدخين، وإن المؤمنين لأولى بمنع هذه المضرات التي بين ضررها المختصون فأين الجهات المسؤولة وأين المتجاوبون معها؟
[كررت هذه الفكرة في كثير من المناسبات، وقد منعت الخطوط السعودية التدخين على رحلاتها، فأحسنت بذلك صنعاً، ومنع التدخين في قاعات المطارات رسمياً، ولكن كثيراً من المسافرين تراهم يتعاطون التدخين تحت الإعلانات التي رسم عليها علامة ممنوع التدخين، ولا نرى من يتابع تنفيذ المنع من الموظفين، وما قيمة نظام يصدر بدون تنفيذ، لهذا نلح على المسؤولين عن مثل هذه الأمور أن يقفوا مواقف صارمة ممن ينتهك ذلك].
وكان السائق السنغافوري مسلماً يسمى موسى بن دحلان وكان لطيفاً في قيادته ومعاملته.

سوق مركزي قرب الفندق ـ سنغافورة 12/1/1410هـ ـ 13/8/1989م
سوق مركزي قرب الفندق ـ سنغافورة 12/1/1410هـ ـ 13/8/1989م

وصلنا إلى الفندق "نيجارا" في داخل المدينة في الساعة الرابعة والنصف، أخذنا راحتنا ثم تجولنا في بعض الأسواق، ويقتضي النظام هناك أن تقفل الدكاكين في الساعة التاسعة مساء إلا بعض الأماكن التجارية الخاصة، وبحثنا عن مطعم إسلامي، فلم نجد إلا بعد مشقة مطعماً يقوم بإدارته والطبخ فيه بعض مسلمي الهند، وعندما رأونا استقبلونا استقبالاً حاراً وقدموا لنا أيضاً طعاماً حاراً بالفلافل فشكرناهم بألسنتنا ودموعِنا التي أسالها الفلفل.
ثم رجعنا إلى الفندق فنمنا، ويسود مدينة سنغافورة إضافة إلى النظافة والجمال الهدوء.

الثلاثاء: 26/8/1400هـ - 8/7/1980م

وفي الساعة العاشرة تحركنا من الفندق إلى مطار سنغافورة فتسلمنا حقائبنا وأنهينا الإجراءات، وأقلعت بنا طائرة الخطوط السنغافورية إلى جاكرتا في الساعة الحادية عشرة والدقيقة العاشرة، وبعد الإقلاع مباشرة أطللت من النافذة - كعادتي -فرأيت البحر وقد انتشرت فيه البواخر والقوارب، ثم ظهرت بعد قليل الجزر المكسوة بالخضرة وهي منتشرة في البحر بأشكال هندسية مختلفة، وفي الساعة الثانية عشرة والدقيقة الثالثة والعشرين هبطت بنا الطائرة في مطار جاكرتا. [و قد بسطت ما يتعلق برحلاتي المتعددة لإندونيسيا في مجلدات خاصة بها في هذه السلسلة وهي المجلدات الرابع والخامس والسادس من هذه السلسلة "في المشارق والمغارب)].