رحلات سنغافورة وبروناي وتايوان

الرحلات | سلسلة في المشارق والمغارب | 15 صفحة
صفحة 13 من 15 في مدينة تايبيه

في مدينة تايبيه

في مدينة تايبيه

رحلة أخرى!

السبت 28/10/1406هـ
وبعد الإجراءات اللازمة في مطار تايبيه، قابلنا أحد سماسرة الفنادق وألح علينا في أن ننزل في فندق يسمى: تشاينا هوتيل (HOTEL CHINA) وركبنا على السيارة التي توصلنا إليه، وأخذنا رحلة طويلة أخرى من المطار إلى وسط المدينة، وزاد في طول الوقت زحام السيارات الشديد الذي قال السائق: إن سببه كون هذا اليوم آخر أيام العمل في هذا الأسبوع، وكان يوم السبت وغداً الأحد يوم إجازة.

في غرفة خانقة:

وعندما نزلنا في الفندق وجدنا أنه يقع في وسط المدينة المزدحم بالسيارات والأسواق الصاخبة يكثر به الضّجيج، وزاد الطين بلة أن غرفه صغيرة خانقة، لا تزيد النافذة فيه عن متر، وتحيط به العمارات الشاهقة التي لا ترى أرض الله ولا خلقه بسبب قربها منه، ولم نجد مكاناً نضع فيه حقائبنا ودورة المياه فيها في غاية الضيق.
لذلك اتفقنا أن نبقى حقائبنا مقفلة تأهباً للرحيل من هذا الفندق إلى سواه.
وقد زارنا بعض المسلمين الصينيين وعرفوا عدم رغبتنا في البقاء بهذا الفندق، فحجزوا لنا في فندق آخر، تمتعنا فيه بالراحة النفسية والمناظر الطبيعية، كما سيأتي ذكر ذلك.

مع الحاج داود:

زارنا في الفندق بعض المسلمين الصينيين وعلى رأسهم الحاج داود بنجونمين، وهو وزير مفوض متقاعد في وزارة الخارجية في جمهورية الصين الوطنية، وهو مستشار الوزارة حالياً وإمام الجامع في مدينة تايبيه، وعضو المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي، له في هذه العضوية سبع سنوات وعضو في المجلس الأعلى للمساجد، ومدير قسم اللغة العربية في جامعة: "جن جي الوطنية".
ولد الحاج داود في عام 1913م عمره الآن أربعة وسبعون عاماً.

دخول الإسلام تايوان:

سألناه عن زمن دخول الإسلام في تايوان فقال: إن الإسلام دخل الصين الوطنية على مرحلتين:
المرحلة الأولى:
قبل ثلاثمائة سنة على يد قائد جيش عندما كان البر الصيني محتلاً بقوات منشوريا، وكان هذا القائد من أسرة إسلامية، تسمى "ميونغ" وكان تحت يده عدد من الجيش المسلم، والقائد نفسه لم يكن مسلماً، وقد أسس المسلمون الذين كانوا في جيشه على سواحل تايوان الغربية عدة مساجد.
المرحلة الثانية:
في هذا العصر، عند احتلال القوات الشيوعية للبر الصيني سنة 1949م، فانتقلت الحكومة المركزية إلى تايوان، ومعها عدد من المسلمين الصينيين، وقال الحاج داود: إن عدد المسلمين في تايوان أكثر من خمسين ألفاً، وكلهم على المذهب الحنفي، وقال: إنه لا يوجد بينهم خلاف. [لم نتمكن من معرفة الحقائق في تايوان بأنفسنا بالاتصال بالمسلمين في تايبيه وغيرها لضيق الوقت وعدم الحصول على فرصة لوضع منهج للزيارة لأن المسلمين في تايبيه كانوا مشغولين بإقامة معسكر للشباب الصيني في شرق آسيا وجنوب الباسفيك]. وقد دخل الإسلام أول مرة في جزيرة تايوان سنة 1063هـ الموافق 1661م أيام دولة ميونغ عندما غزا الزعيم الصيني تشنج تشنج كونج، تايوان على رأس جيش من جنوب الصين، وحررها من الاستعمار الهولندي، وكان من بين هؤلاء الجنود بعض المسلمين من مقاطعة فوكيني الصينية وهم أول من دخل تايوان من المسلمين، ويبلغ عدد المسلمين الآن فيها أربعون ألفاً [قبل أسطر قليلة ذكر أن عدد المسلمين أكثر من خمسين ألفاً، فلا أدري أنسي هو أم فهمت منه أنا خطأ؟ وستجد تفصيلاً أكثر في كتاب رحلات الصين].. وأكثر المسلمين من مدينة تايبيه العاصمة، والباقون مفرقون في أنحاء الجزيرة، وتوجد في الجزيرة خمسة مساجد: اثنان في العاصمة وواحد في تايزونج وواحد في كاوشنغ، والثالث في مدينة لونكنغ.
مكانة المسلمين الاقتصادية والاجتماعية طيبة، وليس عندهم ما يفيض عن حاجتهم لإنشاء مدارس ومؤسسات إسلامية، وحرية الأديان في الجزيرة كاملة بالتساوي وتوجد رابطة للأديان الأربعة، تحت إشراف الحكومة.
والأديان هي: البوذية، والإسلام، والكاثوليكية، والبروتستانتية، يجتمع رؤساؤها تحت إشراف الحكومة للتخطيط ضد الشيوعية، وتوحيد كلمتهم وسياستهم [هكذا ويبدو من هذه العبارة أن المقصود بتوحيد كلمتهم اجتماعهم ضد الشيوعية، أي تحالفهم، وإلا فإن كلمة المسلمين لا تتوحد مع كلمة غيرهم، لأنهم هم على التوحيد وغيرهم على الشرك].

وفي تايوان ثلاث حكومات:

الحكومة المركزية: وهي تمثل الصين، بما فيها البر الصيني.
والحكومة الإقليمية لتايوان: ومستواها محافظة.
والحكومة البلدية: تحت إشراف الحكومة الإقليمية.
والصناعات الموجودة في تايوان تشمل الصناعات الثقيلة والخفيفة وهي تتطور بسرعة، وبدأت الصناعات الدقيقة كالإلكترونيات.
وتستورد الخام من المواد الطبيعية، وأكثر ما يوجد الرخام للبناء والزراعة وصيد الأسماك.
ذكر الحاج داود أنه حج ثمان مرات، في أربع منها كان رئيساً لبعثة الحج، وآخرها السنة الماضية.
وقدم للملك فهد رحمه الله أنموذجاً للمركز الإسلامي، بما فيه مكتبة تذكارية للملك فيصل رحمه الله وقال: إن العمل لإنشاء المركز سيبدأ قريبا بإذن الله.
تعلم الحاج داود في الجامع الأزهر في البعثة الفؤادية 1933م، أخذ الشهادة العالمية من كلية اللغة العربية سنة 1939م، ورجع إلى الصين سنة 1940م فتوظف في وزارة الخارجية وعمل فيها لمدة أربعين سنة وذكر من أساتذته في الأزهر: الظواهري ومصطفى المراغى والشيخ محمود شلتوت والشيخ إبراهيم جلالي وقال: إنه كان قوياً في دراسته لأنه تعلم اللغة العربية وهو صغير، وقال: إنه كان يحب المزاح في صغره والآن يمزح ولكن مع الوقار.

يحب صوت قارئ القرآن وأصوات المغنين!

وقال الحاج داود: إنه كان يحب أن يسمع القرآن من الشيخ محمد رفعت، وسماع الأغاني لعبد الوهاب وأم كلثوم!
ومن النكات التي لا زال الحاج داود يذكرها أن مدرس اللغة العربية قابل مدرس اللغة الفرنسية، فقال الأول للثاني صباح الخير. فقال الثاني: بنجور. ومعناها صباح الخير، فقال مدرس اللغة العربية لزميله مدرس اللغة الفرنسية: بَجَّرك الله!
وقال الحاج داود: إن هذه كانت نكتة يذكرها الأزهريون في مجالسهم. وشكا الحاج داود من الحكومة المصرية التي أصبحت تمنع أهل تايوان من زيارتها، وإن كانت في الآونة الأخيرة قد خففت من ذلك.
وعند الحاج داود خمسة أولاد، كلهم متزوجون. وقال: إن أمنيته أن تنتصر تايوان على الشيوعيين وتسترد البر الصيني من أيديهم، وأن يعود النظام الديمقراطي الذي به تحل المشكلة الصينية.
وسئل الحاج داود عن موقف أمريكا من تايوان وهل يحتمل أن تسلمها إلى الصين الشيوعية؟!
فقال: إنه لا يعتقد ذلك لأن مصلحة أمريكا أن تبقى تايوان حرة، وليست تايوان ضعيفة بل قوية، وعدد سكانها تسعة عشر مليوناً، وعندما قيل له: إن هذا العدد ليس بشيء أمام سكان الصين الشيوعية الذين يبلغ عددهم ألف مليون، والعالم أصبح يخاف منهم، قال: إن أغلب سكان الصين الشيوعية لا يساعدون الحكومة الشيوعية، بل إن قلوبهم معنا وكل يوم نجد منهم عدداً يهرب إلى تايوان من الصين.
وقال: إن عدد سكان البر الصيني كان خمسمائة مليون، وعدد المسلمين خمسين مليوناً، ويدعي الشيوعيون الآن أن عددهم بليون، وبناء على ذلك يكون عدد المسلمين مائة مليون، ولكن حكومة الصين تنكر ذلك. وسئل الحاج داود عن دعوة غير المسلمين إلى الإسلام في تايوان فقال: إنهم سيقومون بذلك بعد إتمام المركز الإسلامي، وإن الحكومة لا تمنع ذلك بل تشجعه - والله أعلم -.
وقال: إن البلاد خصبة لقبول الإسلام، لما يوجد من تقارب في بعض الأمور بين الإسلام والكونفوشيوسية.
ولا أدرى ما هي تلك الأمور التي ذكرها الحاج داود، ولكن الذي يجب أن يعلم أن الإسلام هو دين الله، وغيره من الأديان هي دين الشيطان، والفرق بين الإسلام وغيره، كالفرق بين الله المعبود وحده عند المسلمين، والشيطان الذي يعبده كل الكفار بطقوس وأسماء متنوعة.
واختتم الحاج داود كلامه بقوله: نطلب من المسلمين إن يدعوا الله بنصرنا على الشيوعيين وأن تكون دعوة الإسلام منتشرة في الصين وأن يؤلف بين المسلمين مرة أخرى، لأن في الفرقة يكمن ضعف المسلمين.
ونريد أن ننصح الدول والشعوب الإسلامية أن يوحدوا كلمتهم للدفاع عن بقاء المسلمين والإسلام، ولا يتركوا فرصة للعدو للنيل منهم وندعو الله للحكومة السعودية بالتوفيق والسداد.
وكنت أود أن التقى عدداً كبيراً من المسلمين في تايوان وعاصمتها تايبيه وفي غيرها من المدن التايوانية، لأسمع منهم ما عندهم حول الإسلام والمسلمين في هذا البلد، مما ذكره الحاج داود أو غيره ولكن لم أتمكن من ذلك كما ذكرت ذلك من قبل، ولذلك فإن كل المعلومات التي سجلتها هنا هي عن الحاج داود فقط.
والعجيب في الأمر أن الحاج داود عنده طموح - كما أبدى ذلك في حديثه، لتحرير البر الصيني كله من أيدي الشيوعيين الذين يبلغ عددهم بليون نسمة [ وهم في ازدياد] ودولتهم تعد من الدول الصناعية المتقدمة، وهى تمتلك أسلحة ليست سهلة، وهى من الدول الكبرى ذات العضوية الدائمة في مجلس الأمن.
وعدد سكان تايوان لم يبلغ عشرين مليونا [إلى تاريخ هذه الزيارة] وهى دولة صغيرة، وكنت أظن أن أهل تايوان في خوف وقلق من هجوم الصين عليهم، وهى لا تخفى مطالبتها بالجزيرة، عكس ما يطالب به الحاج داود ولا ندرى هل أهل تايوان كلهم كالحاج داود أو لا!!. [هذه الأسئلة وغيرها سيأتي الكلام عنها في الرحلة الثانية لتايوان من هذا الكتاب بإذن الله].
وكان مع الأستاذ داود شابان صينيان آخران: أحدهما سراج الدين مكيدا، و كان قد درس بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة قبل عشرين سنة، ولم يواصل دراسته وهو الآن متزوج وعنده ولد عمره أربع سنين وكانت دراسته في شعبة اللغة العربية لغير الناطقين بها، في سنة 1965م ثم تحول منها إلى دار الحديث في المدينة، وأخذ شهادة الشعبة فقط، ثم درس في جامعة بغداد سنة 1968-1969م اللغة العربية، ثم درس في جامعة الإمام محمد السنوسي في ليبيا لمدة خمس سنين وأخذ شهادتها الجامعية في قسم اللغة العربية. [ويتاجر الآن في بيع الملابس الجاهزة والدروع، والهدايا].
أما الشاب الثاني فهو يونس عبد الحي وهو من طلبة الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة وقد انتقل هذا العام إلى السنة الرابعة من كلية الشريعة.
وبعد أن تم التعارف بيننا وطال الحديث ودعنا الإخوة، واتفقا أن يأتينا الأخ سراج الدين غداً الأحد في الساعة التاسعة والنصف صباحاً لننتقل من فندق تشاينا إلى فندق جراند هوتيل الذي تم الحجز فيه، ثم نتجول معه لمشاهدة بعض المناطق في تايبيه. وكنا نود أن يضعوا لنا جدولاً لزيارة مساجد تايبيه والالتقاء ببعض المسلمين، ولكن الإخوة اعتذروا بأنهم مشغولون بإقامة المعسكر الذي يعد للشباب الصيني، من داخل تايوان ومن خارجها، من دول شرق آسيا وجنوب الباسفيك وأن هذا المؤتمر سيفتتحه الدكتور تنكو عبد الرحمن رئيس وزراء ماليزيا الأسبق والأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي الأسبق، ودعونا لحضور الافتتاح وزيارة المعسكر، ووعدونا أنهم إذا فرغوا من أعمال المعسكر سيضعون لنا جدولاً للزيارة، ولكن ذلك غير ممكن لقصر وقتنا المخصص لتايوان، لأن الأصل في زيارتنا أن تكون لليابان وكوريا الجنوبية.

الأحد 29/10/1406هـ

جاء إلينا الأخ سراج الدين في الصباح لنقلنا إلى فندقنا الجديد، ومررنا في طريقنا إلى الفندق بجانب قصر الحكم الذي يداوم فيه رئيس الجمهورية، وبجانبه مبنى المحكمة العليا، ووزارة الخارجية ثم وزارة التربية والتعليم.
وفندق جراند هوتيل (GRAND HOTEL) يقع بجانب تل بل تلال مغطاة بالغابات ذات مناظر جميلة.
وقال الأخ سراج الدين: إن مساحة تايوان ستة وثلاثون ألف كيلاً مربعاً، ومساحة تايبيه عشرة في عشرة كيلو، وأكبر المدن بعد العاصمة هي مدينة كاوشنغ في الجنوب.[سيأتي الكلام عن زيارتي لها في الرحلة الثانية من هذا الكتاب].
قمنا مع الأخ سراج الدين بجولة في شمال مدينة تايبيه بسيارته، يعلو بنا ويهبط في جبال وشعاب بين الغابات الكثيفة التي لا ترى الأرض معها إلا في الممرات والطرق التي تتخللها.

في بيت الطلبة:

ثم رجعنا إلى مدينة الطلبة (مقر أنشطة رعاية الشباب) وهو يقع تحت فندقنا، والتقينا بعض الإخوة المشتركين فيه من أعضاء معسكر الشباب الصيني في دول شرق آسيا وجنوب الباسفيك، ومنهم الأخ الدكتور محمد على وَانْ المقيم في مدينة سيدنى بأستراليا، وهو نائب رئيس مجلس الدعوة الإقليمي في جنوب شرق آسيا والمحيط الهادي، كما التقينا الشابين الصينيين: شعبان ورمضان [هذان اسماهما] ـ ولكن في شهر ذي القعدة ـ وهما من مدينة تايبيه، وبعض المسؤولين عن المعسكر، والهدف من هذا المعسكر وأمثاله توعيتهم وحثهم على الاتحاد والائتلاف، ودعونا لتناول طعام الغداء معهم، وجرت بعض المناقشات والمذاكرات في بعض شؤون الدعوة.
ثم أوصلنا الأخ سراج الدين إلى الفندق لنأخذ راحتنا.
والمسلمون في هذا البلد وأمثاله مهتمون بشؤون حياتهم المادية أكثر من غيرها ومشكلتهم أنهم لا تجمعهم رابطة تنظم نشاطهم، كما فهمنا ذلك من بعضهم، والدعوة إلى الله لا بد لها من تخطيط وتنظيم يجعل كل فرد من أفراد المسلمين مشاركاً فيها بما يدخل في استطاعته.
ولا يوجد نشاط عندهم لتبليغ الإسلام إلى غير المسلمين، وهذا فيه خطر على مستقبل الإسلام في هذا البلد وأمثاله، لأن عدد المسلمين قليل وتناسلهم محدود، والجهل ينتشر بينهم ولا يدخل غيرهم في الإسلام، وهذا يعنى أن الكبار ينقرضون، والصغار مع قلتهم يجهلون دينهم وقد يترك بعضهم دينه بسبب جهله ويصبح من سواد غير المسلمين، ولذلك فإنهم في حاجة إلى قيادة متعلمة واعية مؤمنة مخلصة، تدأب على بث روح الإيمان في نفوسهم وجمع كلمتهم في نظام واحد، ووضع منهج يسيرون عليه في تربية أنفسهم وأولادهم، ونشر الفقه الإسلامي في أوساطهم، وضرورة الالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية، وعدم تحكيم العادات وخلطها بالدين الإسلامي.
كما أنهم في حاجة إلى وضع منهج لدعوة غيرهم من البوذيين والكونفوشسيين والنصارى وغيرهم، ممن لا دين لهم حتى يبلغوا دعوة الله ويكثر بذلك سواد المسلمين، وبذلك تنتشر الدعوة في صفوف الصينيين.
نسأل الله أن يوفق لذلك شبابهم الذين تعلموا أو ما زالوا يتعلمون دين الإسلام في بعض الجامعات والمعاهد الإسلامية.

تنكو عبد الرحمن يفتتح المعسكر:

الاثنين 30/10/1406 هـ
في الساعة التاسعة إلا ربعاً حضرنا حفل افتتاح المعسكر، الذي افتتحه معالي الدكتور تنكو عبد الرحمن رئيس وزراء ماليزيا الأسبق والأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي الأسبق.

حفل افتتاح معسكر الشباب المسلم في جنوب شرق آسيا تايبيه 30/10/1406هـ ـ 7/7/1986م
حفل افتتاح معسكر الشباب المسلم في جنوب شرق آسيا تايبيه 30/10/1406هـ ـ 7/7/1986م

وقد تضمنت كلمته شكر المسؤولين عن هذا المعسكر وأهمية إقامة المعسكرات لشباب المسلمين، ومن أهم الأمور التي حض عليها وجوب اهتمام الشباب بهذا الدين، وأنكر قلة وجود الشباب في هذا المعسكر على الرغم من أنه إنما أقيم لهم وقال: إن عدم وجود الشباب الناشئ في هذا المعسكر وأمثاله ينذر بخطر تقلص الإسلام في هذا البلد.

مع الملحق التعليمي السعودي في السفارة:

وفي الحفلة التقينا الأخ الكريم الشاب المسلم الأستاذ: عبد الله بن عبد المحسن البُخَيِّت، الملحق التعليمي في سفارة المملكة العربية السعودية في تايبيه، وقد سُرَّ بنا أيما سرور ونقلنا معه بسيارته إلى السفارة.

الاجتماع بالقائم بالأعمال السعودي:

التقينا الأخ الكريم الأستاذ أحمد بن محمد العجلان، القائم بأعمال السفارة، وأخذنا عنه المعلومات الآتية:
ولد الأخ أحمد في مكة المكرمة سنة 1363هـ.
درس في جدة الابتدائي والإعدادي، ودرس الثانوية في الشام (دمشق) ودرس الجامعة في جامعة الرياض (جامعة الملك سعود حالياً) تخرج فيها سنة 1387هـ، والتحق بوزارة الخارجية سنة 1388هـ، وتدرج في وظائفها من ملحق إلى سكرتير ثالث، ثم سكرتير ثاني، ثم سكرتير أول.
عمل في سفارة المملكة في قطر (الدوحة) ثلاث سنوات، وسنتين في المملكة، وخمس سنوات في استوكهولم، وله الآن في مدينة تايبيه خمس سنوات ونصف.
وقال الأخ أحمد: إن أجمل أيام حياته كانت في الدوحة، لأنها دولة إسلامية، وله فيها أصدقاء أعزاء وبخاصة من العلماء، وذكر منهم: فضيلة الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود، والشيخ أحمد بن طامي بن حجر، والشيخ عبد الله بن إبراهيم الأنصاري، والدكتور يوسف القرضاوي، والأستاذ عبد المعز، والشيخ مبارك بن سيف آل ناخى - وقد توفى هذا رحمه الله -.
وذكر الأخ أحمد من أصدقاء الخير والصلاح السيدة الفاضلة السودانية: مكة فرح رزق التي التقاها في ستوكهولم، وهى من دعاة الإسلام في السويد، ولها هناك اثنان وعشرون عاماً، تجاهد في سبيل الدعوة ولها مؤلفات إسلامية بلغة البلد.
وقال الأخ أحمد: إن في السويد جمعية إسلامية تسمى: "الرابطة الإسلامية" في مالمو جنوب السويد، وتوجد جمعية إسلامية تركية في مدينة ستوكهولم، [وقد زرت الرابطة وبعض الجمعيات في السويد ستة 1387هـ وذكرت المعلومات عنها في الكتاب الخاص بالسويد] كما يوجد مجاهد جزائري في ستوكهولم أيضاً، يسمى محمد العلام وينتقل للدعوة في المدن الأخرى.
وقال الأخ أحمد: كما يوجد في ستوكهولم رجل إفريقي أسلم، ويسمى عبد الرحمن أنشأ مركزاً إسلامياً صغيراً وصلى معه الأخ أحمد الجمعة فيه، وقال سعادة القائم بالأعمال الأخ أحمد العجلان: إن من مهمة المؤسسات الإسلامية - رابطة العالم الإسلامي وغيرها - بعث دعاة وأئمة المساجد على مستوى من يستحق أن يسمى داعية، لأن الناس يقبلون عليهم ويستفيدون منهم.
أما المسلمون في تايوان فقال الأخ أحمد: إنهم كلهم من السنة، ولا توجد عندهم مذاهب مختلفة، وعندهم جهل بالإسلام، واقترح أن يقوم من عنده علم بمبادئ الإسلام بزيارة العوائل المسلمة ودعوتهم للطعام وغيره، لتحسين العلاقة بيننا وبينهم.
وأما الداعية إلى الإسلام فانه في حاجة إلى لغة البلد، ولا بد من دعمه دعماً مادياً حتى يكون مستغنياً عن العمل في غير الدعوة.
ومن الوسائل التي يراها مناسبة للدعوة وجود أفلام عن الإسلام ومبادئه باللغة الصينية تظهر فيها الحياة الاجتماعية الإسلامية، فإنها تؤثر في الناس، ويرى أنه ينبغي أن يكون في الصين مكتباً لرابطة العالم الإسلامي يكون المسؤول عنه نشيطا مزوداً بالوسائل المناسبة.
ثم ودعنا سعادة القائم بالأعمال السعودي الأستاذ أحمد بن محمد العجلان، وانصرفنا شاكرين على حسن الاستقبال والاقتراحات الطيبة والمعلومات النافعة. [والأخ أحمد من الموظفين العرب القلائل الذين وجدتهم يهتمون بالإسلام اهتماماً صادقاً في السفارات العربية، كثر الله من أمثاله].

الاجتماع بالأخ الصيني: إبراهيم جاو:

وفي هذا اليوم التقينا بالشاب الصيني المسلم الأخ الدكتور: إبراهيم إدريس جاو.
ولد الأخ إبراهيم في سنة 1947م، درس في تايبيه إلى المرحلة الثانوية، وابتعث إلى ليبيا سنة 1964م، حيث بدأ هناك بتعلم اللغة العربية، وأخذ المرحلة الجامعية –الشريعة - تخرج سنة 1973م قبل أن يفرض تدريس الكتاب الأخضر على المدارس في ليبيا.
وحاول مواصلة الدراسات العليا في ليبيا، ولكنه نصح بمزاولة التدريس في معهد البحوث الإسلامية وهو من عهد السنوسي، درسّ في المعهد أربع سنوات، وخلال هذه السنوات وجد الأمور تنتقل من سيئ إلى أسوأ، فكتب إلى بعض المسؤولين عن التعليم في القاهرة والمملكة العربية السعودية، ليحصل على منحة لمواصلة دراسته، وبعد مرور سنتين سعد بالالتحاق بجامعة الملك عبد العزيز في جدة في آخر سنة 1397هـ، أخذ الماجستير في الفقه والأصول، وكانت رسالة الماجستير بعنوان الصلح في الحقوق المالية، والدكتوراه بعنوان: عصمة الدم في الشريعة الإسلامية -أسباب اكتسابها وأسباب زوالها سنة 1405-1406هـ. وعندما رجع هذه السنة إلى تايوان التحق بالخارجية الصينية للعمل في تايوان، ولكن طلب منه أن يذهب إلى سفارة الصين في جدة للعمل في القنصلية العامة. وصلته بالشباب في الصين طيبة.

ميدانك الصحيح في تايوان:

والحقيقة أن خروج الأخ إبراهيم من تايوان بعد أن نال ما نال من التعليم الإسلامي واللغة العربية، يعتبر خسارة للمسلمين، فمثله وأمثاله من الشباب المسلم المتعلم الواعي ينفع في الدعوة في بلاده بلغة قومه، وهو أعرف بعاداتهم ونفسياتهم، وهم أكثر قبولاً له من غيره من الدعاة من الخارج، وقد نصحنا الأخ إبراهيم بذلك، وقلنا له: إن ميدان عملك الصحيح في بلادك: تايوان. فلعله يفكر في الأمر. [وقد التحق فعلا بسفارة تايوان في المملكة، على وظيفة: سكرتير أول، وزارني في منزلي بالمدينة أكثر من مرة، وأظنه رجع إلى بلاده، نفع الله به].
ومن المشكلات التي ذكر الدكتور إبراهيم أنها تعترض الشباب الصيني فلا يجد الفرصة لتعلم الإسلام واللغة العربية: صعوبة نظام التعليم في البلد الذي يفرض على الطالب بذل كل جهده ووقته في التحصيل حتى يتمكن من مواصلة دراسته، والضعيف لا يستطيع ذلك، وبخاصة ما بعد المرحلة الثانوية.

مقابلة الإعلامي الصيني غسان!

كان قد اجتمع بنا شاب صيني يتحدث اللغة العربية بوضوح في حفل افتتاح المعسكر في الصباح، وطلب منا مقابلة إذاعية وهو مسؤول عن الإذاعة في القسم العربي في إذاعة تايوان: "إذاعة صوت الصين الحرة - القسم العربي - المشرف لي تشوان تيان غسان" [وقد أعطانا عنوانه لنرسل له بعض الكتب المناسبة: ص. ب 38-24، تايبيه، تايوان، جمهورية الصين].

مسؤول القسم العربي في إذاعة تايوان: غسان على يسار الكاتب ومحمد باكريم على يمينه 30/10/1406هـ ـ 7/7/1986م
مسؤول القسم العربي في إذاعة تايوان: غسان على يسار الكاتب ومحمد باكريم على يمينه 30/10/1406هـ ـ 7/7/1986م

وقد وعدناه أن نلتقي بعد صلاة العصر، وجاءنا في مكتب أخينا الفاضل الملحق التعليمي الأستاذ عبد الله البُخَيِّت، وكانت أسئلته حول الأمور الآتية:

من اليسار الملحق الثقافي السعودي في تايوان عبد الله البخيت، محمد باكريم، الكاتب، الإعلامي الصيني غسان، الشاب الصيني إبراهيم جاو، الموظف بوزارة الخارجية التايوانية 30/10/1406?
من اليسار الملحق الثقافي السعودي في تايوان عبد الله البخيت، محمد باكريم، الكاتب، الإعلامي الصيني غسان، الشاب الصيني إبراهيم جاو، الموظف بوزارة الخارجية التايوانية 30/10/1406?

(1) أهمية المعسكر الدولي لشباب المسلمين الصينيين والغاية التي يصبون إليها؟
(2) المجالات التي يمكن أن تعزز العلاقات مع المملكة العربية السعودية وبخاصة في المجالات الثقافية، والسبيل إلى تحقيق ذلك؟
(3) ماذا تعرف عن الصين؟
(4) ما سبيل تقوية الإيمان؟
وكانت أجوبتنا مختصرة وغالبها يدور حول مهمتنا التي انتدبنا من أجلها، وهى الدعوة إلى الله والتعرف على أحوال المسلمين، والفوائد التي تعود على المسلمين وغيرهم من اللقاءات والاتصالات.

ورددنا له التحية بمثلها، فقابلناه!

وعندما عرفنا أن غساناً ليس مسلماً، وهو قد تعلم في إحدى الجامعات العربية في الأردن، قسم اللغة العربية، التفتُّ إليه بعد المقابلة التي تخصه، فقلت: وأنا عندي مقابلة معك فهل تسمح بذلك؟
فقال: هل أنت صحفي أو مذيع أو غير ذلك من الوظائف الإعلامية؟ فقلت له: عندي هواية لجمع المعلومات وتسجيلها في رحلاتي التي أطلقت عليها عنوان "في المشارق والمغارب" فقال لا بأس.
فقلت له: هل أنت مسلم؟
فقال:لا.
قلت: وما دينك؟
قال: ليس لي دين وكان الإسلام عندي أقرب من الأديان الأخرى.
قلت: ما دمت قد درست اللغة العربية، وعندك مقدرة على فهم أساليبها وتراكيبها فإن في استطاعتك أن تفهم الإسلام بنفسك وتسأل عما يشكل عليك، والإسلام يرغم العقول على التسليم بصدقه وأنه دين لا مرية فيه.
قال: ولكن عندي شبهات!
قلت: ما هي؟
فأخذ يعددها، وكان منها ما يتعلق بالإله، ومنها ما يتعلق بالوحي، ومنها ما يتعلق بالرسول صلى الله عليه وسلم، ومنها ما يتعلق ببعض الفروع والمحرمات.
وطال النقاش والسؤال والجواب أكثر من ساعة ونصف الساعة. وكانت مقابلاتنا له أطول وأكثر جدية، ولم ننته من هذا النقاش إلا وهو قد استسلم استسلاماً كاملاً بأن كل شبهاته قد أزالتها الأدلة المقنعة، وكانت أغلبها عقلية مدعمة بالدليل النقلي.
ثم قلت له: وإذا كانت الشبهات كلها قد دحضت وأصبح هذا الدين عندك دين حق، فلماذا لا تتوكل على الله وتدخل في الإسلام؟
فقال: سأعود إلى زوجتي وأحاول إقناعها بالإسلام وأجيب على شبهاتها، وإذا وجدت عندها شبهات لم استطع الرد عليها فسأتصل بكم بالمراسلة البريدية، لتجيبوا عليها ولعلنا نسلم أنا وهى وأولادنا...
فأخبرته أن كل فرد مسؤول عن نفسه أولاً، وأن تأخر زوجته عن الإسلام لا يجيز له أن يتأخر هو وقد أقيمت عليه الحجة، لأنه إذا مات على كفره بعد إقامة الحجة عليه فمصيره إلى النار.
ومن النقاش الذي دار بيننا وبينه اتضح أن أهم ما يجب العناية به، هو نشر الكتب الإسلامية المتعلقة بالإيمان وبراهينه الكونية والعقلية، وكل أصول الإيمان وفروعه، كالإيمان بالله ورسوله وكتابه واليوم الآخر ونحوها، مع مقارنة ذلك بالأديان الأخرى، فان كثيراً من الناس إذا اتضحت لهم هذه المعاني تكون الحجة قد أقيمت عليهم، وكثير منهم سيدخلون في الإسلام أو يفكرون في دراسته.
ومن الأمور التي قال غسان إنها تقف عقبة في سبيل دخوله الإسلام بعد اقتناعه كونه لا يستطيع أن يقلع عن بعض الأشياء التي حرمها الإسلام، كشرب الخمر وأكل لحم الخنزير، وقد اقتنع بعد المناقشة بأن كل شيء يضر الإنسان في جسمه أو عقله يجب أن يقلع عنه، وشرحنا له بأن الخالق عليم حكيم، ولا يحرم على خلقه إلا ما فيه عليهم ضرر سواء كان معلوماً حساً أم لا.
ولهذا فقد قابل غسان وقوبل، والحمد لله رب العالمين. [وقد بعثت له بكتب الشيخ عبد المجيد بن عزيز الزنداني اليمني: توحيد الخالق، وهي ستة أجزاء عن طريق الأخ عبد الله البخيت الملحق التعليمي، وجاءني خطاب من الأخ عبد الله ذكر فيه أن الرجل تأثر كثيراً بتلك المناقشة وبكتب الزنداني].

مع الملحق التعليمي الأخ عبد الله البُخَيِّت:

ثم التفتُّ لأخينا في الله الأستاذ عبد الله بن عبد المحسن البخيت، الملحق التعليمي الذي حرص جزاه الله خيراً على عدم مفارقتنا وبقي معنا في مكتبه مدة المقابلة الإذاعية، ثم مدة المقابلة التي تلتها وهي دعوة المقُاَبل غسان إلى الإسلام، والإجابة على كل استفساراته، وكان مسروراً جداً بالمناقشة واشترك معنا في بعضها، التفت إليه وقلت له: بقيت مقابلتنا للملحق التعليمي، فابتسم وقال: ماذا تريد؟ قلت: جرت عادتي أن آخذ بعض المعلومات عن الشخصيات التي أجتمع بها في المشارق والمغارب، فأخذت عنه المعلومات الآتية:

الكاتب وعلى يمينه الملحق الثقافي السعودي في تايبيه عبد الله البخيت ويليه الشيخ عبد الله باكريم30/10/1406هـ
الكاتب وعلى يمينه الملحق الثقافي السعودي في تايبيه عبد الله البخيت ويليه الشيخ عبد الله باكريم30/10/1406هـ

ولد الأخ عبد الله سنة 1387هـ في روضة سدير، تخرج في كلية الآداب بجامعة الملك سعود سنة 1399-1400هـ.
تعين على وظيفة في ديوان الخدمة المدنية في رمضان سنة 1399هـ، ثم انتقل للعمل في جامعة الملك سعود في إدارة البعثات والتدريب، ثم انتقل للمكتب التعليمي في أمريكا، ودَرَسَ الإدارة الجامعية لمدة سنتين في تكساس، ورجع إلى المملكة سنة1405هـ، ثم انتقل للعمل في المكتب التعليمي في الجزائر، وبعد سنة ونصف انتقل للمكتب التعليمي في تايبيه وهو المسؤول عنه ولا زال فيه إلى الآن.

الاعتراف بالفضل لأهله:

وعندما سألت الأخ عبد الله عن انطباعاته عن العمل في الجزائر تحفز وقال: إنه استفاد استفادة كبيرة في فترة بقائه في الجزائر وقال: إن المسؤول في المكتب التعليمي بالجزائر، ترك أثراً طيباً ودوراً فعالاً في تطوير العلاقات الثقافية بين المملكة العربية السعودية والجزائر، كما ترك دوراً فعالاً في نشر الإسلام، وهو الأستاذ عبدالله بن محمد الناصر الذي تخرج في كلية اللغة العربية في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
ووصفه الأخ عبد الله بأنه كان صادقاً في تعامله مع ربه ومع نفسه - وهذه هي قاعدة الخير في الإنسان - وعقب الأخ عبد الله على ذلك بقوله: والجزائر تربة خصبة للدعوة الإسلامية، وقد تحررت سنة 1962م بكلمة: "لا إله إلا الله" وكان نشاط المكتب التعليمي كبيراً، أنشأت فيه مكتبة كبيرة، كان يرتادها ما بين مائتين وثلاثمائة طالب وطالبة، ولقد أثر ذلك في الطلاب والطالبات، حتى إن بعض الطالبات اللاتي كن سافرات، التزمن الحجاب، ووزع - يعنى الأستاذ ناصر - كتباً كثيرة على الجامعات، وكون علاقة طيبة مع رجال الفكر والأدب والعلم، وقويت بسبب ذلك العلاقة بين البلدين في مجال الدين والثقافة، وتطورت حرية التبادل بين رجال الفكر والأدب في البلدين، وهذا يقتضي احترام الرجل وتقديره، وجزاؤه عند الله. وهو الآن ملحق تعليمي في لندن، وقال الأخ عبد الله البخيت: وأنا أعرف انه لا يحب ذكر اسمه ولا ذكر ما قام به، لأنه أراد بذلك وجه الله، ولكن أرى أن الاعتراف بالفضل لأهله واجب، وفي ذلك قدوة حسنة لمن أراد الاقتداء.
وقال الأخ عبد الله البخيت: واصلنا العمل في المكتب في الجزائر، والتقينا مع رجال الأدب والجامعات، وكان التجاوب طيباً وهم صادقون معنا، وكانت الأمور ميسرة ولم نصادف أي مشكلات.
وكانت حركة التعريب في الجزائر نشطة، حتى إن الطالب في المرحلة الابتدائية كان يتكلم اللغة العربية بفصاحة، ولا يعرف اللغة الفرنسية، والمراسلات أصبحت باللغة العربية.
وفي الجزائر مؤتمر الفكر الإسلامي، وهو ثمرة طيبة ينبغي أن يشارك فيه رجال العلم والدعوة، وهو غني بالبحوث والمحاضرات، وليت الجامعات في المملكة العربية السعودية تشترك فيه بالحضور والبحوث، وتقوى العلاقة بينها وبين المؤتمر والمؤسسات العلمية في الجزائر.
وتمتاز الجزائر بارتفاع مآذنها في المساجد على منازل المدن، وأكثر المتحمسين هم الشباب، ورواد المساجد من الشباب أكثر من رواد السينما مع ما لها من ترويج ودعاية.
قلت: والبلاد التي يرى شبابها متحمساً لدينه قاصداً لمساجده، عازفاً عن سفاسف الأمور هي بلاد يبشر مستقبلها بخير، والعكس بالعكس. [لقد وقعت الجزائر بين نارين: نار جهل كثير ممن يدعون الإسلام، وقد شوهوه بتصرفاتهم المنفرة باسمه، من الاعتداء على نفوس حرم الله قتلها بدون حق، ونار أعداء الإسلام من العلمانيين الجزائريين، ومن يدعمهم من خارج البلاد من اليهود والنصارى. لذلك أصيب الإسلام في الجزائر بنكسة شديدة، نسأل الله أن ينصره بمن يفقه دينه، وأن يرد كيد أعدائه في نحورهم].
وانتقل الأخ عبد الله إلى تايوان في هذا العام 1406هـ وهو جاد ومتحمس للعمل الإسلامي الذي هو عقيدة بلاده وثقافتها وعماد حياتها، وعنده استعداد للمشاركة في الدعوة وتعليم اللغة العربية، وقد عرض ذلك على الأستاذ داود، ولا شك أن المسلمين في تايوان تنقصهم معرفة الدين الإسلامي، وكثير منهم يجهل هذا الدين وأركانه، كالصلاة والدعاء ونحوهما، ولا يوجد تخطيط سليم في الجمعية الإسلامية، والمفروض في هذه الجمعية أن تنظم دروساً لتعليم النشء والشباب لغة القرآن وتحفظهم إياه، ومبادئ الإسلام كأداء الصلاة المفروضة، ولعل نشاط الأخ عبد الله وعرضه أن يقوم هو ومن يتعاون معه بذلك، يجد تجاوبا من المسلمين في تايوان، فهذه فرصة قد لا توجد عند كثير من الموظفين في السفارات، ولا يقوم بها إلا من قوى إيمانه وأراد وجه ربه.
واقترح الأخ عبد الله على الجامعات في المملكة والمؤسسات المسؤولة عن الدعوة إلى الله، أن تستمر في بعث الدعاة ولو لفترات قصيرة بالتناوب فإن الاستمرار في ذلك يحدث أثراً طيباً على المدى البعيد.
كما اقترح أن تفتح الجامعات أبوابها للطلبة المسلمين في تايوان لتعليم اللغة العربية والدين الإسلامي.
وقال: إن الدعاة الذين يبعثون للدعوة ينبغي أن تكون عندهم مقدرة على التحدث باللغة الإنجليزية على الأقل.
وقال: إن من أهم الوسائل النافعة للدعوة إلى الإسلام، أن تقوم مراكز الترجمة في المملكة بترجمة بعض الكتب الإسلامية النافعة، إلى اللغة الصينية ليعم نفعها، أو تؤلف كتب باللغة الصينية ابتداء.
وقال: إن معظم المسلمين في تايوان من كبار السن، ويخشى أن ينقرضوا مع الزمن، وفي هذا خطر على مستقبل الإسلام في تايوان، فلا بد من جذب الشباب بأي أسلوب نافع، ويتمنى أن تقوم الجامعات في المملكة بإيفاد بعض طلابها لزيارة هذا البلد للالتقاء بشبابه، وكذلك تستقبل بعض الشباب من الصين ليلتقي طلابها في المملكة والقيام بأداء العمرة، لأن ذلك سيؤثر في الشباب الصيني ويزيده قوة إيمان، ويمكن أن تنظم لهم لقاءات بالمثقفين والعلماء ليحثوهم على تحمل الأمانة والنهوض بدينهم.
واقترح أن يبعث المسؤولون في المؤسسات الإسلامية في المملكة العربية السعودية أئمة للمساجد وتعليم النشء، لأن المساجد في حاجة إلى أئمة فقهاء في الدين يجيدون تلاوة القرآن ويحفظونه أو يحفظون كثيراً منه. وكذلك لو انتدبوا بعض حفاظ القرآن الكريم خلال الصيف لتدريس القرآن الكريم لكان في ذلك فائدة عظيمة.
واقترح أن تتاح الفرصة لشباب الصين للدراسة في مدارس تحفيظ القرآن الكريم في المملكة. وهكذا تجد كل إناء بما فيه ينضح، فالحريص على نشر الإسلام وهداية الناس يفكر دائماً في السبل التي تؤدى إلى ذلك، ويعمل هو جاداً في أداء ما يقدر عليه. فجزى الله الأخ عبد الله خيراً كثيراً، وكثر من أمثاله.

السفر إلى اليابان:

الثلاثاء: 1/11/1406هـ
أصر الأخ عبد الله البخيت على أن يوصلنا هو إلى المطار ويتابع الإجراءات تيسيراً لأمرنا، لأنه يعرف مهاراتنا في اللغة التي يفهمها أهل البلد!!

البطاقة الدبلوماسية:

بعد أن أنهى الإجراءات اللازمة مع موظفي المطار والجوازات، استدعانا موظفو المطار لفتح حقائبنا الكبيرة لتفتيشها، تطبيقا للنظم الأمنية عندهم فأبرز الأخ عبد الله بطاقته الدبلوماسية وقال لهم: "أنا مسؤول عن حقائب الإخوة فهل يكفى أن تعرفوا البطاقة؟" فهزوا له رؤوسهم وقالوا: نعم، فقلت للأخ عبد الله: لو أعرتنا هذه البطاقة لنستفيد منها في أسفارنا، كل ما أرادوا أن يفتشوا حقائبنا أبرزناها لهم حتى نعود إلى بلادنا! فاستغرق في الضحك وقال: وماذا أفعل أنا هنا؟ قلت له: أنا أعرف أن أخذنا لها يضرك ولا ينفعنا، لأنها مميزة بصورة صاحبها وعمله ورقم جوازه، ولكن اعتبرها نكتة اليوم الذي هو يوم مغادرتنا لتايوان!
ثم ودعنا الأخ عبد الله بعد أن اطمأن على انتهاء كل الإجراءات وعاد إلى مكتبه، ونحن صعدنا إلى الطائرة الأمريكية: بوينغ 747 التي أقلعت من تايبيه في الساعة الحادية عشرة والربع صباحاً بتوقيت تايوان، وهو ينقص ساعة عن توقيت اليابان.

ويأبى الله إلا ما يريد:

هذا وقد خرجت من تايوان نادماً على أمرين:
الأمر الأول:
عدم تمكننا التجول الكافي حول المدينة، لنتصورها تصوراً كافياً، ولو أنا تمكنا من الالتقاء بالإخوة في السفارة في صبيحة يوم وصولنا لحققوا لنا ذلك وغيره، ولكن قدر الله وما شاء فعل، ويأبى الله إلا ما يريد.
الأمر الثاني:
- وهو الأهم - قلة من التقيناهم من المسلمين في تايوان بسبب انشغال من كنا نظن أنهم سيسهلون لنا مقصدنا بوضع جدول لزيارتنا، بسب احتفالات معسكرهم الذي مر ذكره، ويبدو أن المسلمين في هذا البلد غير منظمين، وإن كان لهم جمعية إسلامية، وكثير من الكبار والصغار مشغولون بشؤون دنياهم، لحاجتهم إلى العمل، وإذا لم ينتبهوا لتربية أولادهم تربية إسلامية، فانه يخشى على الإسلام من الانقراض في هذا البلد، لأن الكبار سيموتون والصغار إذا جهلوا دينهم سيتركونه، ولا يوجد متفرغ للدعوة يعلم أبناء المسلمين ويدعو إلى الإسلام، حتى يدخل في الإسلام مسلمون جدد.
والحقيقة أن المسؤولية الآن تقع على عاتق بعض الشباب الصيني الذين أكملوا دراساتهم الإسلامية في بعض الجامعات العربية، فإنهم إذا عقدوا العزم على القيام بالدعوة إلى الله ونظموا أنفسهم، وحاولوا غرس الإيمان وتقويته في قلوب أهل بلدهم، وإقناعهم بوجوب الحرص على تربية أولادهم، ودعوة غير المسلمين إلى هذا الدين، حتى ينظموا أنفسهم تنظيماً يحقق لهم القوة والثبات، إنهم إذا فعلوا ذلك يرجى للإسلام والمسلمين مستقبل طيب في هذا البلد، وعسى أن نسمع عنهم ما يسرنا ويرضى ربنا، وفقهم الله وأعانهم.
بعد أن سجلت في دفتري ما مضى، بدأت أنظر من نافذة الطائرة.
كان الجو صحواً، وإن وجدت بعض السحب المتفرقة فوق المحيط الهادي، وكانت تبدو بين حين وآخر جزر صغيرة، تكاد أمواج المحيط الهادي تغمرها، وكانت السفن الكبيرة والصغيرة تمخر عباب البحر مشرقة ومغربة، أو آخذة ذات الشمال وذات الجنوب، مخلفة وراءها فجوة في الماء بقدر كبرها أو صغرها، وبياض رشاش الماء يرى على جانبها أو أمامها.
وبعد أن مضت لنا ساعتان من الزمن، أعلن قائد الطائرة وجوب ربط أحزمة المقاعد، لأن الطائرة بدأت تتراقص، لدخولها في قوافل ضخمة من السحب التي أحاطت بها من كل جانب، حتى لم نكن نرى من النافذة شيئاً غير ظلمة السحب.
وفي الساعة الواحدة والدقيقة الأربعين بتوقيت تايوان كنا على أطراف جزر اليابان الجنوبية، وهناك ظهرت المزارع والبحيرات والأنهار وبعض القرى والمدن والجسور والشوارع المنظمة الجميلة.
وهبطت بنا الطائرة في مطار طوكيو الدولي، في الساعة الثانية ظهراً بتوقيت تايوان، الواحدة بتوقيت اليابان فكانت مدة الطيران بين تايبيه وطوكيو ثلاث ساعات.