1- في مدينة ميلانو
1- في مدينة ميلانو
كان المقرر أن تقلع الطائرة الإيطالية من مطار مدينة لشبونة في الساعة الثالثة إلا عشر دقائق، ولكنها تأخرت فلم تقلع إلا في الساعة السابعة والنصف مساء. وصلنا إلى مطار ميلانو في الساعة التاسعة والنصف بتوقيت البرتغال - العاشرة والنصف بتوقيت إيطاليا.
إنما الصبر عند الصدمة الأولى!
عندما دخلنا قاعة الساحبات لتسليم العفش، فوجئت فور دخولي من الباب بكلب ضخم الجثة بدا لي كأنه يريد مهاجمتي، وكدت أرفع حقيبتي لأضرب رأسه، ولكنى تمالكت نفسي عندما خطر ببالي أنه من رجال البوليس الإيطاليين، ونظرت إلى يميني فرأيت رجل البوليس منحازاً وفي يده سلسلة الكلب المربوطة في رقبته، فحمدت الله الذي أعانني على ضبط أعصابي فلم أضرب البوليس الحيواني (الكلب)، إذ لو ضربته لحاكموني بحجة أني أهنته وهو يؤدي واجبه، والظاهر أنه يلتمس مجرمي تهريب المخدرات، وعلى كل حال فالصبر عندما يفوز به صاحبه في وقته يوافق قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((إنما الصبر عند الصدمة الأولى)).
كان المقرر أن أجد في المطار الأخ الدكتور الطبيب المسلم الأردني الأصل علي بن عبد اللطيف أبا شويمة، حيث كنت اتصلت به من لشبونة وأخبرته برقم الرحلة، وكنت قد اجتمعت به قبل ذلك في معسكر إسلامي أقيم في فرانكفورت وأعطاني عنوانه ورقم هاتفه، ولكن بسبب تأخر الطائرة ما يقرب من أربع ساعات، لم أجده وكنت أريد أن أصرف نقوداً من أجل أجرة السيارة التي توصلني إلى المدينة فلم أجد مصرفاً.
فأخذت حقائبي وخرجت، وقلت لصاحب السيارة ليس عندي نقود إيطالية.
فقال: لا مشكلة، قلت له: أوصلني إلى فندق كبير من الفنادق العالمية مثل هيلتون وشيراتون، فقال: طيب.
وهذه عادتي إذا نزلت بمدينة لا أعرف فنادقها وليس معي أحد من سكانها أحاول أن أنزل في مثل هذه الفنادق، لأنها أكثر أمناً وخدمة من غيرها، وذهب بي إلى فندق هيلتون وكنت متعباً، وخشيت ألا أستطيع التفاهم معهم، فاتصلت بالدكتور على وقلت له: أخبرهم بأني أريد عشاء لأني جائع، والمهم أن يكون حلالاً، فاتصل بهم وأحضروا لي العشاء وصليت المغرب والعشاء، ثم أسلمت نفسي لربي فنمت نومة عميقة، وما أحلى النوم بعد التعب والطعام بعد الجوع!!
وقلت لموظف الفندق: أعط صاحب السيارة أجرته ولا أدري كم؟ لأن عملتهم شبيهة ببغاث الطير التي قال فيها الشاعر:
وكانت في هذا الوقت قيمة الدولار الأمريكي الواحد ألفاً وأربعمائة ليرة إيطالية، فالدولار كان أم الصقر والليرة من فروخ بغاث الطير، وبذلك يمكن أن تتصور كم أجرة السيارة، بل أجرة الفندق والعشاء، وبخاصة إذا كان النزيل متعباً غريب الدار جاهلاً باللغة وصرف النقد مثلي، على كل حال كان المجموع أكثر من ثلاثمائة دولار بقليل. [ولكن بغاث الطير في إيطاليا كانت أقوى وأفضل من ذباب إندونيسيا، حيث بلغ سعر الدولار هذا العام:1419هـ ـ 1998م 15 ألف روبية...!].
الثلاثاء 11/1/1409 هـ - 23/8/1988م
جاء الأخ علي جزاه الله خيراً ونقلني إلى فندق آخر وهو فندق متوسط ونظيف، ولكن بقربه إحدى محطات القطار ولم أرتح فيه وبت تلك الليلة على مضض، وكذلك الليلة التالية، ولم أغادر الفندق هذا اليوم لأني كنت في حاجة إلى المزيد من الراحة، وقال لي الأخ علي: نلتمس لك بعض الإخوة يرافقك من يوم غد إنشاء الله.
زيارة المركز الإسلامي في ميلانو:
الأربعاء 12/5/1409هـ - 24/8/1988م
في هذا اليوم زرت المركز الإسلامي في ميلانو وأخذت بعض المعلومات عن نشاطه، وهذا موجزها من النشرة الخاصة به.
المركز الإسلامي مؤسسة مستقلة تسير على كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وتأخذ بعقيدة أهل السنة والجماعة من السلف الصالح.
تأسس المركز عام 1976م بعون الله، ثم بجهد المسلمين في مدينة ميلانو، من عمال وطلاب وتجار، وقد سعى منذ إنشائه في خدمة الدعوة الإسلامية في أبناء الجالية الإسلامية التي تحاول التيارات المنحرفة حرفها بكل الوسائل إلى الضلال والانحلال أو بين الإيطاليين من أبناء هذه البلاد بتبيان الإسلام الصحيح.
ورغم أن ميلانو يقطنها مليونان ونصف المليون نسمة منهم خمسون ألف مسلم من مختلف البلاد الإسلامية، بالإضافة إلى مئات التجار المسلمين الذين يأتونها كل شهر، رغم ذلك ليس بها مسجد للمسلمين [سيأتي أنه تم بناء مسجد في ميلانو ولكنه صغير أيضاً بالنسبة للمسلمين]. والمركز الإسلامي الذي يقع في طرف المدينة في طابق تحت الأرض، ومساحته لا تجاوز 200 متر، هو المكان الوحيد لكل هذه الجموع من المسلمين.

من هنا كان سعينا الحثيث لإيجاد بناء يليق بالمسلمين كي يؤدوا من خلاله واجباتهم في الدعوة على أكمل وجه، ويتسع لما يقوم به المركز من نشاطات مهمة وعديدة.
ونحن نأمل بالله ثم بالمسلمين أن يعينوننا على تحقيق هذا العمل في أقرب وقت بإذن الله.
ثم ذكرت النشرة ما يُزَاوَل في المركز من النشاطات العبادية والثقافية والاجتماعية والرياضية والتعليمية، من ذلك إقامة صلوات الجماعة والجمع والأعياد، والندوة الأسبوعية التي يحضرها أسبوعياً عدد من المسلمين تدرس فيها علوم القرآن الكريم والتفسير وعلوم الحديث والتاريخ وغيرها.
وصندوق المسلم الفقير الذي تجمع فيه التبرعات من المسلمين المقيمين والتجار العابرين، وتخصص لمساعدة المحتاجين وأبناء السبيل. ولهذا المرفق أثر كبير في حماية كثير من المسلمين من الذهاب إلى الكنائس التي تقدم مساعدات للنيل من عقيدة المسلم.
وتوفير اللحم الحلال، بحيث يوفر اللحوم المذكاة، وتباع في بعض المجازر في المدينة.
ويشرف المركز على تذكية الأنعام والدواجن التي تصدرها بعض الشركات الإيطالية إلى العالم الإسلامي.
ولكثرة الجالية الإسلامية وزيادة أطفالها، قام المركز بإمكاناته المحدودة وفق المكان بتدريس اللغة العربية في نطاق محدود لأبناء المسلمين.
ومن مشاريع المركز التي يرجو تحقيقها إنشاء مدرسة إسلامية كاملة، تجمع بين المنهج الإسلامي والمنهج الإيطالي لحماية أبناء المسلمين من التذويب في المدارس الإيطالية.
وكذلك روضة أطفال.
ومن نشاطات المركز الرحلات التي يجتمع فيها المسلمون في جو إسلامي يحصل فيه التعارف والتعاون والتكافل.
ومن نشاطاته توفير الكتاب الإسلامي في كافة العلوم الإسلامية، ليبيعها بالثمن المناسب أو وضعها في مكتبة المركز للمطالعة، وفي مكتبة المركز كمية طيبة من الكتب وبخاصة أمهات الكتب.
ويوفر المركز الشريط المسموع وقد سجل خمسة عشر ألف شريط لعلماء العالم الإسلامي.
ويقوم المركز بمسابقات دينية في حفظ القرآن والحديث والفقه والتوحيد.
ويقوم بتنظيم نشاطات رياضية في العديد من الألعاب وفي عمل الدوري السنوي لكرة القدم بين فرق المركز، وقد أطلق على كل فرقة اسم من أسماء الصحابة أو معركة من معارك الإسلام... وكذلك في كرة تنس الطاولة، وتوزع جوائز في هذه المسابقات.
ويشارك المركز في سباقات الضاحية وفاز المشاركون من المركز بعدد من الكؤوس.
كما يشارك أعضاؤه في سباق الضاحية السنوي الذي تنظمه بلدية ميلانو، ويشترك فيه خمسون ألف متسابق.
والمركز عضو أساسي في لجنة الدفاع عن حقوق الأجانب التي أسستها بلدية مدينة ميلانو، ومن خلال هذه اللجنة يدافع المركز عن الحقوق الدينية والثقافية للمسلمين، وقد استطاع المركز أن يحصل على إذن بالسماح للمرأة المسلمة بأخذ وثائق رسمية ومستندات بالصور الفوتوغرافية وهي تلبس اللباس الشرعي، كما سعى المركز لدى البلدية للاعتراف بشهادات عقود الزواج وإشهار الإسلام التي تصدر من المركز.
ويقدم المركز وجبات الطعام للمسلمين المحتاجين في رمضان، ويتبرع لهذه الوجبات المحسنون من المسلمين من داخل إيطاليا وخارجها.
كما يقوم المركز بنشاط دعوي في الأوساط الإيطالية، ومن نشاطاته في هذا المجال ما يأتي:
1-إصدار رسالة الإسلام، وهي مجلة دورية باللغة الإيطالية تصدر كل شهر وتقدم الإسلام بالأسلوب الحسن الواضح.
وهذه المجلة تعتبر المصدر الوحيد للذي يريد التعرف على الإسلام باللغة الإيطالية، ويصدر المركز منها في الوقت الحاضر: ألفين وخمسمائة نسخة وتوزع بالبريد في جميع أنحاء إيطاليا.
2-الندوة الأسبوعية باللغة الإيطالية... وقد دخل عدد من الإيطاليين في الإسلام، وأصبح عددهم في ميلانو وحدها يزيد عن خمسين شخصاً، ويدرسون القرآن الكريم واللغة العربية، ومبادئ الإسلام..
3-المحاضرات: يقوم المركز بين الحين والآخر بمحاضرات للتعريف بالإسلام للطلبة في المدارس والجامعات، سواء بالذهاب إليها أو بدعوة الطلاب إلى المركز، كما ينظم محاضرات في القاعات العامة بعد الإعلان عنها في الصحف والملصقات.
ويقوم المركز بالدعوة داخل السجون، وقد كان لهذا العمل النتائج المرضية، وقد أسلم في الآونة الأخيرة خمسة أفراد، أحدهم أسلم هو وعائلته وعددهم خمسة، وحسن إسلامهم.
4-الكتاب الإسلامي: يوفر المركز الإسلامي الكتاب الإسلامي باللغة الإيطالية، وقد روعي أن يكون الكتاب صغير الحجم ليسهل تناوله وقراءته، كما روعي أن يعالج أهم القضايا التي يحتاج لها المسلم الجديد، ويتساءل عنها الفرد الغربي.
ومن أهم الكتيبات التي أصدرها المركز ما يلي:
مبادئ الإسلام، الصلاة، الزكاة، لماذا لا يأكل المسلم لحم الخنزير؟ ولماذا لا يشرب الكحول؟ نظام العائلة في الإسلام، محمد رسول الله، أخلاق المسلم، نبذة عن القرآن والحديث.
ثم ذكرت النشرة مشروع المركز والمقبرة والمركز الإسلامي وذلك كما يلي:
أولاً: المسجد والمقبرة:
بزيادة أعداد المسلمين المقيمين ودخول العديد من الإيطاليين في حظيرة الإسلام رأى المركز من الأمور الحتمية والمهمة إيجاد مقبرة لأموات المسلمين، حيث أن نقل المتوفى يحتاج إلى تكاليف باهظة، أو أن يقبر في مقابر النصارى، كما أن الإيطالي المسلم لا يمكن نقله إلى أي بلد آخر.
لذلك قام المركز بتقديم طلب إلى بلدية ميلانو بمنح المركز الإسلامي قطعة أرض لهذا الشأن، وبعد جهود مضنية قرر مجلس البلدية منح المركز قطعة أرض مساحتها 800م مربع، على أن يبنى في جزء منها مسجد ومكان لغسل الميت.
وقد قام المركز بتقديم تصميم للمشروع وافق عليه مجلس البلدية بتاريخ11/6/1986م على أن يبدأ البناء في غضون عام.
وطرح المركز مناقصة للمشروع، فكان أفضل العروض ما قيمته 135 ألف دولار، استطاع المركز أن يجمع منها حتى الآن 37 ألف دولار، وقد روعي في البناء أن يكون المسجد أمام المقبرة حسب تعاليم الإسلام الحنيف، والمسجد حيث تبلغ مساحته أكثر من 100م2 يستعمل أيضاً لإقامة الصلوات اليومية والندوات الثقافية، حيث إن له مخرجاً مستقلاً على الشارع العام. [هذا المسجد قد بني، ويؤسفني أنني لم أتمكن من زيارته].
ثانياً: مشروع بناية المركز الإسلامي الجديد بأقسامه المتعددة:
نظراً لاتساع الجالية الإسلامية ونشاطات المركز المختلفة، فقد أصبح من الضروري التفكير في شراء مقر جديد للمركز الإسلامي حيث إن المقر الحالي بالأجرة، ولا تتجاوز مساحته 200م2 في بناء سكني في طرف المدينة ولا يليق بالإسلام والمسلمين لكونه في الدور تحت الأرض في المبنى.
وهذا المشروع عبارة عن شراء بناية مكونة من أربعة أدوار:
الدور الأرضي منها يكون لعمل مطعم إسلامي، مجزرة، أرشيف، مكتبة ترجمة ومكتب تشغيل للعمال المسلمين، وهذه المشاريع التجارية يستطيع المركز من خلالها أن يوفر الدخل المناسب لسد احتياجاته والنفقات على نشاطاته المختلفة، ومن المتوقع أن يكون هذا الدخل ما يساوي قيمته خمسة وعشرين ألف دولار سنوياً.
الدور الأول: للمسجد وملحقاته.
الدور الثاني: مكاتب للإدارة، مكتبة، مكتب للدعوة ومكتب نشر لمجلة رسالة الإسلام.
الدور الثالث: مدرسة لأطفال المسلمين.
مساحة البناء الإجمالية تسعمائة متر مربع.
تكاليف الشراء والتجهيزات الإجمالية تسعمائة وعشرة آلاف دولار، جمع منها حتى الآن مائة وثلاثون ألف دولار.... [هذه المعلومات مدونة عند المركز، وأنا من عادتي تسجيل كثير من المعلومات سواء منها المكتوب أو الذي يقال لي شفوياً لأمرين: الأمر الأول: تدوين نشاط إسلامي في المركز الذي أتمكن من زيارته في أي بلد وهو تدوين أعتبره إسهاماً في حفظ تاريخ نشاط المسلمين في العالم، فما أكثر ما يضيع تاريخ الإسلام والمسلمين في بلدان كثيرة، وكوني أجمع بين المكتوب وما أتلقاه شفوياً من المسؤولين عن المراكز إنما أقصد به الحرص على إلى استيفاء المعلومات، لأن المكتوب في الغالب يكون قد طرأ عليه شيء ما لقدمه، كأن يكون مشروعاً فأصبح أمراً واقعاً والمعلومات الشفوية متأخرة تكون أتم مما كتب. الأمر الثاني: فإني أرغب في أن أنقل للمسلمين صورة عن نشاط إخوانهم في بلدان العالم وما يحتاجونه من العون، والأغنياء من تجار المسلمين أو حكامهم قادرين على ذلك العون فإذا اطلعوا على ذلك قامت عليهم الحجة في مساندة إخوانهم المسلمين للمحافظة على أنفسهم وأبنائهم ولدعوة غير المسلمين إلى الإسلام].
جولة في مدينة ميلانو:
الخميس 13/1/1409هـ - 25/8/1988م
في يوم الخميس قمنا بجولة في مدينة ميلانو، وكان يرافقني شاب أردني، وهو يدرس الهندسة المدنية في جنوب إيطاليا، وجاء إلى ميلانو في إجازة ليشارك في النشاطات الإسلامية في المركز، وقد عين لمرافقتي جزاه الله خيراً.
تجولنا في وسط المدينة وذهبنا إلى الكاتدرائية الكبرى في ميلانو، وكذلك ذهبنا إلى مبنى قديم يسمى بالقصر، ولم نتمكن من دخوله لأنا جئنا في غير وقت الزيارة.
أما الكاتدرائية فان زخارفها والتماثيل التي نصبت في داخلها أو خارجها - ولا زالوا يزخرفونها - لو أنفقت الأموال التي خصصت لها على بعض الشعوب الجائعة، لكفتها وهنا تذكرت نهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن زخرفة المساجد، ووازنت بين مسجد صغير يبنى في ضاحية من ضواحي بلدان المسلمين من اللبن والخشب وتقام فيه الصلوات الخمس ويذكر فيه الله وحده، وبين أمثال هذه الكاتدرائية المزخرفة التي تبلغ مساحتها عشرات آلاف الأمتار ولا تجد فيها إلا السائح يتفرج، وأحياناً القسيس يقوم بالدجل ويغفر للناس ذنوبهم بعد إقرارهم بها عنده، ويَدَعُونه ليذهبوا يمارسون نفس الذنوب التي سيغفرها لهم بعد ذلك، وإذا جاء أحد يؤدي شيئاً من الطقوس فيها، فإنما يقوم بما يسخط الله من الشرك والحركات الوثنية.
لا بد من صنعا وإن طال السفر:
الجمعة: 14/1/1409 هـ -26/8/1988م
وفي صباح يوم الجمعة ذهبنا نلتمس مكاناً مرتفعاً خارج المدينة لنتصورها من الخارج، وقد سألت الإخوة قبل هذا اليوم: ألا يوجد برج عال أو جبل يشرف على المدينة فقالوا: إنهم لا يعرفون إلا سطح الكاتدرائية، وقد علونا سطحها ورأينا شيئاً ولكنه لا يكفي لأخذ التصور المطلوب، وقد مر مرافقي بمكتب البلدية وهو قريب من الكاتدرائية في مركز المدينة وفيه موظفو استعلامات فسألهم إن كان يوجد هذا المكان فقالوا: لا يوجد.
ولكني لم أيأس وقلت لصاحبي: قف سائق أجرة وسله لعله يعرف ما نريد، وسائقو سيارات الأجرة أكثر خبرة من غيرهم بالمدن التي يزاولون فيها عملهم.
فوقف أحدهم وسئل فقال: اركبوا، فذهبنا معه وصعد بنا إلى جبل في شمال مدينة ميلانو - لعله يميل إلى الغرب قليلاً ويسمى هذا الجبل بجبل النجمة (MONTESTELLA).
وقف سيارته في سفح الجبل وصعدنا إلى قمته، وكان يقف على القمة بعض رجال الشرطة (البوليس) على سيارة جيب، فألقينا نظرات على جهات المدينة والتقطنا بعض الصور لها.
وخلال المدة التي كنا نلتقط الصور للمدينة نزل رجال الشرطة إلى قائد السيارة وتكلما معه، ورأيناه بعد ذلك يتحرك هنا وهناك كأنه قلق فنزلنا إليه وركبنا، وبعد أن سار نحو كيلو قلت: هل يمكن أن يعود بنا إلى الجبل مرة أخرى لنستكمل شيئاً من صور المدينة؟ فقال: لا أستطيع فقد أنذرني البوليس من المجيء بأحد إلى هذا الجبل، لأن المنطقة عسكرية، فعرفنا سبب قلقه، ولقد نظر إلينا رجال البوليس ونحن نمشى على قمة الجبل ونصور ولم يبدوا أي اعتراض ولا فهمنا منهم استياءاً أو امتعاضاً، والسائق ما كان ليخبرنا لولا أنا طلبنا منه الرجوع، وفعلهم هذا يدل على احترام الضيف، مع أن إيطاليا فيها مشكلات أمنية ومنظرنا واضح أنه مما يسمى بالشرق الأوسط وهم يخافون من أهل هذه المنطقة.
وهنا تذكرت قصة حصلت لنا أنا وفضيلة الشيخ عبد المحسن العباد وفضيلة الشيخ عمر محمد فلاتة كان الأول حينئذ نائب رئيس الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، وكان الثاني أمين عام الجامعة، وكنا في بلد عربي، وذهبنا من عاصمة ذلك البلد نتجول في بعض المناطق السياحية في ضواحي العاصمة مع ناس كثير، وكان ذلك اليوم يوم جمعة - يوم إجازة - وخرجنا نحن الثلاثة ومعنا رجلان من ذلك البلد أحدهما كان مشرفاً ثقافياً واجتماعياً والآخر مشرفاً رياضياً في الجامعة الإسلامية، خرجنا من المسجد بعد صلاة الجمعة نتجول على أرجلنا، فإذا بعض الجنود يخرجون من خيمة ويصيحون بأصوات منكرة - وإن كانت أقل من أنكر الأصوات - لماذا جئتم هنا؟ ألا تعلمون أن هذه المنطقة محظورة لأنها منطقة عسكرية؟
قلنا: نحن لا ندري ولم نر ما يدل على أنها منطقة عسكرية، ولا داعي للخوف، فسنعود إلى حيث أتينا فقالوا: لا، بل يجب أن تبرزوا جوازاتكم وتنتظروا حتى نتصل بالقائد ليكون على علم، فأعطيناهم الجوازات وقعدنا نحن الثلاثة تحت شجرة كبيرة ننتظر أوامر الجنود وقائدهم!
ولما كان أهل مكة أدرى بشعابها فقد حاورهم الأخوان اللذان كانا معنا وهما من أهل البلد، وفي النهاية أخذ أحدهما شيئاً من النقود لا أظنها تزيد عن ريإلين سعوديين ووضعها في جيب أحد الجنود، فانقلب لتوه من جندي يغار على منطقته العسكرية إلى رجل مؤدب نادم على ما جرى وجاء يعتذر لنا وسلم لنا جوازاتنا وتركناه مسروراً بتلك النقود الضئيلة! ورجعنا قافلين.
ترى: ما الفرق بين رجال أمن إيطاليا ورجال أمن ذلك البلد العربي؟! احْكُمْ!
معذرة فالشيء بالشيء يذكر كما قيل. ولنعد إلى ميلانو.
ثم رجعنا إلى الفندق في ميلانو وتهيئنا لصلاة الجمعة وذهبنا إلى المركز لصلاة الجمعة.
وهناك التقينا بعض الإخوة من مسلمي إيطاليا وأجريت معهم الحوارات الآتية:
حوار مع الأخ المسلم الإيطالي عبد الرحمن (ROSARIO PASQVINI):

[ميلانو 13/1/1409هـ في المركز الإسلامي].
ولد سنة 1934م.
تخصصه: حقوق.
الديانة السابقة: كاثوليك.
كان في أول أمره ملتزماً بها ولكنه أصبح ملحداً، ثم أسلم.
وسألته عن سبب إلحاده؟
فقال: إن الكنيسة فيها استغلال الفرد لأخيه وظلمه.
قلت: متى أول ما سمعت عن الإسلام؟
فقال: عندما كان يذهب إلى المدرسة، وعمره (9 سنوات تقريباً) وكان الذي سمعه مجرد تعريف مقتضب.
وقال: إنه عندما ألحد انضم إلى اليسار المتطرف، ووجد عندهم نفس ما كان في الكنيسة من سيطرة الفرد على الفرد وظلمه، فلم يبال بعد ذلك فرفض الانضمام إلى اليسار، وأخذ يبحث عن الحقيقة والمذهب الذي يكون فيه عدل بين الناس ومساواة وكان هذا هدفه.
وقرأ عن الإسلام قراءة نظرية، ولكن الشكوك كانت تصاحبه حتى التقى الأخ الشيخ علي أبو شويمة [أردني الأصل إيطالي الجنسية وهو رئيس المركز الإسلامي في ميلانو وطبيب عنده عيادة خاصة] ففهم حقيقة الإسلام ودفعه ذلك إلى الدخول فيه.
وقال: عندما التقى الأخ علي تعاون معه، ومعهما اثنان آخران على تأسيس المركز وكان ذلك سنة 1974م.
قلت له: ما موقف أسرتك من إسلامك؟
قال: إنهم تركوا له حريته لأنه متعلم مثقف وأما أصدقاؤه فقد ذهلوا منه عندما تغيرت حياته بالإسلام.
قلت له: ما الفرق بين حياتك قبل الإسلام وحياتك بعده؟
قال: تحققتْ بالإسلام إنسانيتي وأشكر الله الذي هداني للإسلام.
قلت له: هل توجد كتب إسلامية باللغة الإيطالية في متناول أيدي الناس؟
قال: توجد كتب تتحدث عن الإسلام، ولكنها لا تجذب الناس إليه إنما تبعدهم عنه وتنفرهم منه، ويأمل من المسلمين أن ينشروا الكتب الإسلامية السليمة الجذابة.
قلت له: هل تظن أن الحجة قامت على سكان إيطاليا بفهم الإسلام؟
قال: لم تقم الحجة لأنهم لم يفهموا حقيقة الإسلام.
قلت: من المسؤول عن إقامة الحجة بتبليغ الإسلام؟
قال: تقع المسؤولية على القائمين على الدعوة في العالم العربي، لأن العرب هم الذين تلقوا الوحي وهم يفهمونه ويجب أن يقوموا بالدعوة إليه.
وأجهزة الإعلام بأوروبا بيد أعداء الإسلام الذين يتعمدون تشويهه باستمرار.
وللمركز الإسلامي نشرة تسمى رسالة الإسلام لا يطبع منها إلا ألفا نسخة فقط في الشهر لقلة الإمكانات وكان يجب أن لا يقل عددها عن مأتي ألف نسخة.
قلت: ما الموضوعات التي ترى لها الأولوية في الإسلام بالنسبة للإيطاليين؟
قال: قبل الحديث عن الموضوعات يجب أن يكون الداعية قوياً منظماً وعنده وسائل مادية وإعلامية للوصول إلى قلوب الناس.
وقال: لو وجد مسجد له مئذنة طويلة وقبة كبيرة، فان ذلك مظهر يؤثر في الأوربي، بخلاف ما إذا كان المسجد الذي يصلي فيه المسلمون ويتجمعون فيه غرفة أو شقة صغيرة.
قلت له: هذا جيد ولكن الرجال الأكفاء يجب أن يوجدوا قبل الأمور المادية وقبل المظاهر، وأنا أعرف مساجد في أوروبا هي كما وصفت بالنسبة للمظهر، ولكنها شبيهة بالمتاحف لا نشاط فيها ولا تأثير لها، وضربت له مثالاً بمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف كان من حيث المظهر وكيف كان من حيث التأثير؟ [مع الاعتراف بأن بين الجزيرة العربية حينئذ وأوروبا الآن فرقاً من حيث التقدم المادي] وذكرت له أن بعض الجماعات في أوروبا تنطلق دعوتهم من غرف صغيرة وتأثيرهم أكثر من تأثير جماعات عندهم مساجد كبيرة... فاعترف بذلك.
ثم تحدث عن الموضوعات التي تكون لها الأولوية في إبرازها فقال:
إن كل شخص من الأوربيين يختلف عن الآخر في تفكيره وفي تساؤلاته، فهو في حاجة إلى طرق الموضوعات التي تهمه، هذا إذا كان الاتصال فردياً.
أما إذا كان عن طريق الوسائل الإعلامية العامة، فيجب أولاً قراءة القرآن الكريم على الناس، ثم تفسير آيات قرآنية مرتبطة بالواقع الذي يهم الناس، مثل طاعة الوالدين والمعاملات على وجه العموم.
قلت له: ما صفات الداعية الذي يمكن أن يؤثر في الإيطالي بدعوته؟
قال: الإجابة على السؤال صعبة، والمهم التقوى والتحلي بالصفات التي دعا إليها القرآن والسنة، وأن يجيد لغة القوم الذين يتحدث إليهم، وأن يكون حليماً، عنده ثقافة واسعة، وله شخصية قوية.
قلت له: ما سبب قلة الداخلين في الإسلام في أوروبا بخلاف أفريقيا والسود في أمريكا وجنوب شرق آسيا؟
قال: الله أعلم، ولكن من الأسباب الواضحة الواقع الاجتماعي، فالأمريكان السود جعلهم اضطهادهم يبحثون عن دين يساعدهم على التخلص من ذلك وكذلك الأفريقيون.
أما إندونيسيا وماليزيا، فان لديهم تربية معينة بالديانة البوذية وفيها هيمنة الفرد على الفرد وحيثما وجدت هذه التربية فأهلها يسيطرون على الناس.. [ولكن السيطرة موجودة في أوروبا كما اعترف الأخ عبد الرحمن في مطلع حديثه].
قلت: ما الوسائل الممكنة قانوناً لنشر الدعوة في إيطاليا؟
قال: القانون الإيطالي يبيح لكل الأديان أن تتحرك، والذي ينقص المسلمين هو الوسائل المادية، وهذه الإمكانات القانونية يخشى إذا كثر المسلمون أن يحال بينهم وبين الاستفادة منها.
قلت: ما العقبات التي تعترض الدعوة الإسلامية في إيطاليا؟
قال: أهم العقبات الوسائل المادية، وضرب لذلك مثلاً بالمركز الإسلامي الذي يستطيع أن يقوم بنشاط دعوى يلفت أنظار الناس إلى الإسلام، فلو حصل على مليار ليرة لاستطاع أن يبنى إذاعة، ويمكنه أن يعلن عن الإسلام ونشاطات الدعوة في المترو الذي يستعمله مليوناً شخص، فلو تمكنا من كتابة إعلان فيه هكذا: من أراد أن يتعرف على الإسلام فليحضر إلى المركز الإسلامي في ميلانو، مع ذكر العنوان لأقبل كثير من الناس إلى المركز للسؤال عن الإسلام.
وقال: إن الإيطاليين المسلمين في حاجة إلى التعليم في الجامعات الإسلامية، وبذلك سيكونون مؤهلين للدعوة... والمسلمون في حاجة إلى مقبرة ومجزرة... وهذه من الأمور التي لابد منها لهم.
قلت له: كم عدد المسلمين الإيطاليين؟
قال: ثلاثة آلاف تقريباً ولا توجد إحصائية دقيقة، وأغلب المسلمين الإيطاليين على السنة، ولا يوجد منهم من هو قادياني.
قلت: كم عدد المسلمين الإيطاليين في ميلانو؟
قال: مائة شخص تقريباً.
وقال: الأمل أن تقوم الدولة الإسلامية في إيطاليا تحقيقاً لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم من أن روما ستفتح كما فتحت القسطنطينية. [قلت: اليوم الذي ستحقق فيه ذلك سيكون المسلمون فيه على غير حالتنا التي نحن فيها الآن].
الأخَوَان الإيطاليان المسلمان عبد الشكور وعلي:

[ميلانو، المركز الإسلامي 13/1/1409هـ وقد أجريت الحوار معهما في آن واحد اختصاراً للوقت].
علي أبو علي (FEDERSICO FRANCESLO).
ولد الأخ علي سنة 1953م في ميلانو، وهو تاجر أصله سويسري.
ديانته: كان أبوه بروتستانتياً وأمه كاثوليكية وهو على دين أمه.
وترك التدين، ثم هداه الله بعد ذلك للإسلام.
أول سماعه عن الإسلام كان في المدرسة وعمره اثنتا عشرة سنة، وكانت المعلومات التي سمعها مشوهة.
ومما كان سمعه أن المسلمين ينظرون إلى الشمس تعبداً مما أدى إلى فقد كثير منهم أبصارهم!
وكان الأخ علي قبل أن يسلم يسير على طريقه الهيبيز، يكثر من تعاطي المخدرات والعزف على الموسيقى.
وكان أيضاً يناصر الثورة الاجتماعية، وهى الدعوة إلى السلم والوقوف ضد الحرب، كالحرب التي في فيتنام.
أما الأخ عبد الشكور (PERGOMARC).
فقد ولد في سنة 1962م.
وديانته السابقة كاثوليكية.
وهو يدْرس ويعمل.
أول ما سمع عن الإسلام كان عمره 18-19 سنة، وكان يدرس الديانات لنفسه، والسبب في دراسته لها أنه لم يكن يستسيغ بعض الأفكار الكاثوليكية وتصرفات القسس، وآخر ما اختار من الأديان بعد دراسته لها الإسلام.
قرأ في بعض كتب أحد الكتاب الفرنسيين وهو مسلم عاش في القاهرة وذكر هذا الكاتب أن العالم الغربي غير متدين وأن العالم الشرقي متدين.
وشرح هذا الكاتب الأديان وقال: إن الأوربي لا يمكن أن يكون بوذياً، ويمكن أن يكون مسلماً، يعني أن الإسلام أقرب إلى الأوربي من الأديان الأخرى.
وقال أيضاً هذا الكاتب: إن كل الأفكار الأوربية هي شخصية لم تثبت صحتها علماً ولا بد لأوروبا من فكر ديني، وأن الدين الذي يلائمها هو الدين الإسلامي.
ورأى الكاتب أنه لا بد من تحطيم كل الأفكار الأوروبية وعدم استقامتها وبين ذلك تاريخياً وأن الديانات الأخرى ديانات سماوية فيها بعض الحقائق، ولكنها غير سليمة، وأن الدين الإسلامي هو الحق الذي يجمع كل الإيجابيات وينفى كل السلبيات.
وقال الأخ عبد الشكور: إنه عن طريق هذا الكتاب دخل كثير من الإيطاليين في الإسلام.
واسم مؤلف الكتاب: عبد الواحد يحيى.
وقال الأخ عبد الشكور: إن بعض المسلمين الملتزمين يرون أن عنده شطحات صوفية، ولكنه هو [أي عبد الشكور] يرى أنه ليس عنده شيء من ذلك.
وقال الأخ عبد الشكور: إنه دخل في الإسلام مباشرة دون معرفة أحد من المسلمين وكان عمره 23 سنة وكانت دراسته للأديان والإسلام حوالي خمس سنوات.
وقال الأخ علي: إنه في فترة تسيبه زار بعض البلدان الإسلامية وأدخل السجن في المغرب لسبب ما.
وخلال زياراته تلك عرف الأذان وسمع عن الصلاة والصيام وسمع القرآن - قال: وهو موسيقار - وتأثر بسماع القرآن الكريم وكذلك تأثر بمنظر الصلاة وتابع بحثه وطلبه للحقيقة في طريقة الهيبيز والثورة الاجتماعية، فلم يجد فيهما شيئاً ينفعه فتركهما.
وفي هذه الفترة هداه الله لمعرفة الإسلام لمعايشته المسلمين سنة في ساحل العاج.
ثم رجع إلى أوربا والتقى المسلمين.
وفي النهاية جاء إلى المركز الإسلامي في ميلانو، وتعرف على الشيخ عبد الرحمن [سبق الحديث معه] الذي شرح له كلمة التوحيد ومبادئ الإسلام كما، شرح له كيف كَوَّن الرسول صلى الله عليه وسلم دولة الإسلام، وشرح له المعالم الإسلامية والنظام السياسي الإسلامي والحرية والعدالة في الإسلام والمساواة فأشبع ذلك نفسه.
وقال: إن تأثير القرآن فيه عندما يسمعه كبير جداً عليه، وقال: إنه سمع أغاني أم كلثوم التي تصاحبها الموسيقى والآلات الفنية المختلفة وسمع القرآن الذي يقرأه شخص واحد بدون أن تصاحبه أي آلة موسيقية فكان تأثير سماعه للقرآن فيه لا يدانيه شيء.
وقال - وهو موسيقار كما سبق -: إن أحكام التجويد التي يؤدي بها تالي القرآن قراءته، لو أراد أن يقلدها بمئات الآلات الموسيقية والحس الموسيقي، ما قدر على ذلك فهي بذلك أي قراءة القرآن تجعل السامع يشعر أنها فوق قدرة الإنسان، وهى تدخل إلى القلب مباشرة.
قلت له: لو اتجه الكفار لسماع القرآن بصوت حسن وهم لا يفهمون معانيه هل تراهم سيتأثرون بذلك فيبحثون عن الإسلام؟
فقال: نعم وقد دخل كثير من الموسيقيين الأمريكان والأوربيين في الإسلام عن طريق سماعهم القرآن، وبعضهم ما زال يعزف إلى الآن.
قال الأخ علي: وأما أنا فقد تركت العزف. [ذكر سيد قطب رحمه الله قصة امرأة يوغسلافية سمعت تلاوة القرآن وهى لا تفهم اللغة العربية وأظهرت تأثرها بذلك. راجع كتاب في ظلال القرآن: 2/821-822، 1786، طبع دار الشروق].
قلت للأخ علي: هل وجدت فرقاً في حياتك قبل الإسلام وحياتك بعده؟
فقال: إنه بعد إسلامه عرف الحلال والحرام وأصبح منهجه الذي يسير عليه واضحاً ولا توجد في حياته مشكلات عقدية وأخلاقية تحتاج إلى حل.
وقال الأخ عبد الشكور: إنه قبل الإسلام كانت تصرفاته كلها منصبه على ما يراه في مصالحه هو شخصياً (أي أنه كان أنانياً) وأما بعد الإسلام فإنه أصبح يفكر في علاقته بربه وعلاقته بنفسه وأهله وعلاقته بغيره من المسلمين وغيرهم.
وسألتهما هل يهتم المسلم غير الإيطالي بالمسلم الإيطالي.
فأجاب الأخ علي: بعضهم يهتم وبعضهم لا يهتم، وأفضل مساعدة للمسلم الجديد أن يوضح له الإسلام الصحيح وأفضل من يساعد المسلم الإيطالي الجديد هو المسلم الإيطالي القديم لمعرفته لغته وعاداته ومشكلاته، وقد يصعب وجود عربي يساعد المسلم الجديد في بعض المناطق.
هذا يحتم على المسلمين في أوروبا أن يكونوا جماعة متكاتفة يتحابون ويتعاونون، وهذا العمل موجود عند الصوفية، وأما غير الصوفية فهو ضعيف عندهم جداً.
بعض المسلمين يحتاج عندما يدخل في الإسلام من يقول له: أنت عضو جديد في مجتمعنا، ولكنه لا يجد ذلك، وقد يساعد ببعض الأشياء المادية، ولكنه لا يجد ما كان يجده المهاجرون من الأنصار. [المسلمون الجدد وان كانوا في بلادهم إلا أنهم يشبهون المهاجرين بسبب الغربة والوحشة التي يجدونها من أسرهم وأصدقائهم ومجتمعهم بعد إسلامهم ولذلك هم في حاجة إلى اهتمام إخوانهم الوافدين الذين لهم تجمعات لا بأس بها].
وقال الأخ عبد الشكور: يوجد شيء من العطف في حدود، ولكن بُعْد المكان في السكن والعمل يجعل الاهتمام والتعاون صعباً، وقال: إنه هو نفسه عندما أسلم لم يجد الأخوة الصادقة من أحد، وقال: إنه يوجد شيء من الفروق بين حياة الغربي والشرقي في الأصل.
وسألتهما عن سبب قلة الداخلين في الإسلام من الأوربيين؟
فقال الأخ علي: الأوربيون يرون أن الإسلام دين للعرب والسود والملونين، وليس للبيض.
وقال الأخ عبد الشكور: السبب قرب الأفارقة وغيرهم للفطرة، وذلك يقربهم إلى الإسلام، بخلاف الأوربي والأمريكي فإنهم أكثر مادية، وذلك يبعدهم عن التعرف على الإسلام.
وضرب مثالاً لذلك وهو أن غير المسلم في أوروبا يكون غير متدين أما في غير أوروبا فانه قد يكون متديناً وهو غير مسلم.
وقال الأخ علي: الدعوة الإسلامية في الغرب بدأت قبل اثنتي عشرة سنة تقريباً، فهي جديدة ووافقه الأخ عبد الشكور، وقال الأخ علي: إن المفكرين الأوربيين كان عندهم معرفة بالإسلام واختلاط بالمسلمين، أما غير المفكرين من الشعوب الأوربية فإنهم لا يعرفون شيئاً عن الإسلام وعندما دخل الأتراك فرنسا كان الفرنسيون ينظرون إليهم هل عندهم أربع عيون؟! كان ذلك في سنة 1740م.
لقاء مع الأخ شويمة:
السبت 14/1/1409 هـ 27/8/1988م
اسمه الكامل علي بن عبد اللطيف بن شويمة.

وهو رئيس المركز الإسلامي في ميلانو.
وقد زارني في الفندق بعد عصر هذا اليوم الجمعة 14/1/1409هـ وسألته بعض الأسئلة فأجاب عنها:
ولد سنة 1950م في الأردن.
التخصص: طب بشري - الأمراض الباطنية.
له في إيطاليا ثمانية عشر عاماً.
بداية الدعوة في إيطاليا وتطورها.
بدأت الدعوة في إيطاليا سنة 1970م.
وبدأت في ميلانو سنة 1976م.
كانت أولاً في بروجيا - وهي في وسط إيطاليا - حيث كان الطلبة المسلمون يدرسون فيها اللغة الإيطالية.
بدأ العمل باسم اتحاد الطلبة المسلمين ثم أخذ العمل الإسلامي يتطور.
وتوجد في ميلانو جالية إسلامية، وهى مدينة صناعية وتجارية. ولذلك أنشئ فيها المركز الإسلامي.
عدد المسلمين في إيطاليا يقدر بمائتين وخمسين ألفاً، ولا توجد إحصائية دقيقة، وغالب المسلمين من بلاد المغرب العربي، ثم مصر والأردن وسوريا والعراق وإيران، وبعض البلدان الأفريقية كالسنغال وإريتريا والصومال لمعرفتهم اللغة الإيطالية.
وحالة المسلمين الاجتماعية تختلف: فبعضهم عمال حرف يدوية، وبعضهم طلاب، وبعضهم تجار، وبخاصة الوساطة بين الشركات الإيطالية والعرب وأغلبهم عمال.
وعمر وجود الجالية في إيطاليا قصير فقد كان المسلمون الموجودون في إيطاليا قبل خمس عشرة سنة من الطلبة وبعد ذلك وفد العمال، وبخاصة المصريين ثم توافد في السنوات الأخيرة المغاربة.
ولا توجد جماعات إسلامية منظمة في إيطاليا ينفصل بعضها عن بعض كما هو الحال في ألمانيا وفرنسا وبريطانيا... وتعتبر الجالية في تقدم إسلامي جيد في إيطاليا بالقياس إلى عشر سنوات مضت.
نشاط المركز الإسلامي في ميلانو:
وأهم النشاطات التي يقوم بها المركز:
إقامة الصلوات، وعقد ندوات ثقافية، وتقديم وجبات الطعام الحلال، وبخاصة في رمضان، وصندوق المسلم الفقير يجمع فيه بعض الأموال من التجار والزوار العاملين ويساعد فيه المنقطع عن العمل والمحتاج، ومساعدتهم تكون قرضاً أو هبة حسب حالة المحتاج.
وقد وزع في هذا العام ما يقارب ستين ألف دولار.
ويقوم المركز بعقود الأنكحة، وهو معتَرَف به بصفة غير مصرح بها لأن توقيع أمير المركز موجود عند الحكومة ويمضى المسؤولون فيها على توقيع الأمير.
وينظم المركز رحلات للعائلات المسلمة من أجل التعارف والتعاون وتحقيق الولاء.
ويشارك اتحاد الطلبة المسلمين في إقامة مؤتمر سنوي في إيطاليا يحضره علماء يلقون محاضرات وندوات... ويقيم مخيماً صيفياً سنوياً لمدة أسبوع للمسلمين وعائلاتهم وأطفالهم.
كما ينظم الاحتفالات بالأعياد والمناسبات ويوزع هدايا للأطفال.
والمركز عضو أساسي في استشارة البلدية عند وضع القوانين، وهو يمثل المسلمين، وعن طريقه حصل المسلمون على بعض حقوقهم يدعمهم في العمل وغيره، وقد سمح للمرأة أن تعمل وهى لابسة لباس الحشمة الشرعي وكذلك صورتها في الجواز والوثائق الرسمية تؤخذ لها وهى محتشمة. وتقيم البلدية مهرجاناً كبيراً للأجانب، حيث تقدم كل طائفة منهم ما عندها من ثقافات وعادات.
والمركز الإسلامي يقدم في هذا المهرجان عرضاً لشرح معاني الإسلام، نيابة عن المسلمين، ودعا المركز إلى تكوين اتحاد للأجانب مسلمين وغير مسلمين، وتألف الاتحاد مما يقارب ثلاثين منظمة، ولها إدارة تتألف من خمسة ممثلين، أحدهم يمثل المركز الإسلامي.
وقد أخذ المركز مكانة عند السلطات من خلال هذه الإدارة، ويدعم المركز القضايا الإسلامية كقضية أفغانستان وقضية فلسطين، ويدعو إلى مساندة تلك القضايا، وقد قام بالصلاة على أرواح الشهداء، ويدعو المركز الصحف لإعطائها معلومات تنشرها للتعريف بقضايا المسلمين. ومن نشاطات المركز إقامة ندوات ثقافية، غير ندوة السبت الرئيسية.
ويقيم ثلاث ندوات متخصصة، كتعليم الفقه... وللمركز باع في دعوة الإيطاليين إلى الإسلام، ويصدر مجلة رسالة الإسلام منذ ثمان سنوات، وكانت أولاً تصدر في ورق مطبوع على الآلة الكاتبة، والآن تصدر مطبوعة بخمسة آلاف نسخة للعدد، يوزع ألفان منها في البريد والباقي يباع في المكتبات، ولها أثر في السجون لأن السجن مقر للتأمل والبحث حيث يكون السجين ناقماً على مجتمعه.
وقد أعلن خمسة من السجناء إسلامهم بسبب اطلاعهم على المجلة، ويطبع المركز كتيبات صغيرة تؤلف تأليفاً بلغة البلد يراعى فيها ما يناسب الأوربي ونفسيته.
وتقام ندوة أسبوعية في المركز للإيطاليين مثل ندوة العرب في التخصص.
وتقام ندوة للمهتمين بالإسلام من غير المسلمين يغلب عليها الحوار والإجابة عن أسئلتهم.
كما تقام محاضرات عن الإسلام في قاعات مشهورة في البلد يستأجرها المركز، وقد لا يذكر الإسلام في عنوان المحاضرة، ولكن يذكر في أثناء المحاضرة موقف الإسلام من قضايا معينة تهم أهل البلد، كالاهتمام بكبار السن، وإدمان الخمر والمخدرات. وتستعمل وسائل الإعلام المتاحة في نشر بعض المعاني حيث يبعث المركز برسائل للتلفاز المحلي والراديو.
ويوجد في مدينة ميلانو وحدها خمس عشرة محطة تلفازية وخمسون محطة إذاعية، منها ما هو على مستوى إيطاليا كلها، ومنها ما هو على مستوى المدينة، والموضوعات التي يبعث بها لتلك الأجهزة تكون عامة تشتمل على معان إسلامية.
وقد دعي المركز للمشاركة في التلفاز بعشر حلقات ومثلها في الراديو وهي أسبوعية.
ويقوم المركز بالرد على أي مقال ينشر ضد الإسلام في الصحافة وذلك مجدٍ ومؤثر، لأن كثيراً من الصحف تكتب أحياناً في صفحاتها الأولى شيئاً عن الإسلام.
كما أن المركز يبعث برسائل إلى مديري المدارس لإلقاء دروس للطلاب في مادة الإسلام، حيث توجد فترات في منهاج الصفوف، ولذلك يوافق بعض المديرين على تلك الدروس فيبعث المركز من يقوم بذلك، وأحياناً يبعثون بعض الطلاب إلى المركز لأخذ معلومات عن الإسلام.
وقد استجابت لطلبنا في العام الأول عشر مدارس، وفي العام الثاني جاء إلى المركز خمسمائة طالب.
ويشارك المركز في المحاضرات التي تلقى في المراكز الإيطالية الثقافية، إما بمحاضرات وإما بمناقشات فيما يتعلق بالإسلام.
ويساعد المركز الطلبة المسلمين من العرب وغيرهم في المدارس الإيطالية بما يوفر لهم التمسك بالإسلام، ومن ذلك اللحم الحلال الذي وافقت البلدية على قيام المركز بتوفيره.
كما وافقوا على قيام المركز بتدريس اللغة العربية والتاريخ الإسلامي للطلبة المسلمين في ثلاث مناطق يوماً في الأسبوع، ويوجد في إيطاليا مسجد واحد - أنشئ على هيئة مسجد بقبة ومئذنة - وهو مسجد ميلانو الذي افتتح حديثاً في 28/5/1988م.
أما أماكن الصلاة فيوجد منها في إيطاليا 25 مسجداً في شقق أو غرف صغيرة عشرون منها تتبع الطلبة المسلمين.
وأقدم مصلى في إيطاليا هو الذي أقامه اتحاد الطلاب المسلمين في مدينة بروجيا (PERUGIA)
والمركز مهتم بدعوة غير المسلمين، ولكن العقبة الكبيرة التي تحول بينه وبين وضع خطة ثابتة لذلك عدم وجود المكان المناسب، لأن المركز الآن يوجد في طابق سفلي في إحدى العمارات السكنية، ولهذا فكرنا في إيجاد مركز كبير يكون مشتملاً على كل المرافق بما في ذلك المسجد، ومدرسة وغيرهما، ولا زلنا في أخذ ورد مع البلدية وقد يطول ذلك، ولهذا نريد شراء بناء بجانب المسجد الصغير الذي بني قريباً، وقد دفعنا في ذلك البناء عربوناً ونحتاج إلى تسديد قيمته، فإذا تم ذلك أمكننا أن ننشئ فيه مدرسة وقاعة محاضرات ومكاتب إدارية مناسبة للزوار، لأن الأوربيين ينظرون إلى المظاهر نظرة خاصة، وبذلك يتوسع نشاط المركز.
وللمركز مشاريع مستقبلية لا يؤخره عن تنفيذها إلا المادة.
وقانون البلد فيه حرية نوعاً ما للدعوة، ويحاول البرلمان أن يحد من النشاط الإسلامي، ولكن ما زال المجال مفتوحاً، ويمكننا الآن إنشاء إذاعة ويوجد من المسلمين الإيطاليين كفاءات جيدة، ولكن المشكلة في وجود ميزانية لذلك.
ولدى المركز مشروع لترجمة معاني القرآن الكريم، حيث لا توجد ترجمة سليمة باللغة الإيطالية، وتوجد خمس ترجمات للمستشرقين وهى محرفة.
وقد بدأ اتحاد الطلبة المسلمين في ترجمة تفسير المودودي، وقد أنجزوا نصفه، ولا زالوا يواصلون الترجمة، والمهم وجود دار نشر تقوم بتوزيعه.
وأول مسلم إيطالي عرفناه في هذا العصر طالب أسلم في بروجيا وحسن إسلامه وكان ذلك سنة 1969م وتوفي بعد ذلك بسنتين في سنة 1971م وسمى نفسه محمد رباح.
هل قامت الحجة على الإيطاليين بفهم الإسلام؟
وسألت الدكتور علي: هل قامت الحجة على الإيطاليين بفهم الإسلام؟
فقال: الغالب منهم لم يفهموا الإسلام، وأكثر الذين سمعوا شيئاً عن الإسلام فهموه عن طريق ما نشر عن إيران بعد الثورة، والذي انطبع في أذهانهم عن الإسلام هو الإرهاب، ولا يوجد دعاة لنشر الإسلام بين الإيطاليين، ولو وجد دعاة متفرغون أكفاء لأقاموا الحجة بعرض الإسلام على حقيقته، والآن لا يفهمه الناس إلا مشوهاً.
والقليل الذين يفهمون الإسلام فهماً جيداً في الجملة، يترددون في الدخول في الإسلام بسبب العقبات المادية والضغوط الاجتماعية التي تواجههم، ولم يجدوا حلاً لها من قبل المؤسسات الإسلامية.
وقد سمعت بعض الإيطاليين يقول: عندما ينتصر الإسلام سأكون من جنوده، وأما الآن فلا، وهذا يدل على شدة خوفهم من مستقبلهم المادي. [المسلمون يتحملون قسطاً كبيراً في عدم إيجادهم حلاً لمشكلات من يريد الدخول في الإسلام، ولكن الذي يفهم الإسلام قامت عليه الحجة وأصبح مسؤولاً أمام الله في تأخره عن الدخول في هذا الدين].
سبب قلة الداخلين في الإسلام من الأوربيين:
وبهذه المناسبة قلت للأخ على: ما سبب قلة دخول الأوربيين في الإسلام في رأيك؟
فقال: الأسباب متعددة:
منها أن الأوربي يرى أنه أرقى شعوب العالم، وأنه هو القدوة لغيره وليس العكس. وبناء على ذلك يرى أن الإسلام للعالم الثالث.
ومنها عدم وجود حلول مادية لمشكلاته إذا دخل في الإسلام.
ومنها قلة المراجع والكتب الإسلامية التي يحتاج إليها الأوربي، للاطلاع على مبادئ الإسلام.
ومنها وجود مؤسسات تصد الناس عن الإسلام، كالكنيسة وغيرها، ولذلك يشجعون المراكز البوذية ونحوها، وتقوم الكنيسة بمحاضرات عن الإسلام عن طريق مستشرقين تابعين لها لتشويه الإسلام.
وسبب تشجيعهم للأديان الأخرى غير الإسلام معرفتهم بأن الذي يدخل في الإسلام لا يدعه في الغالب، بخلاف الأديان الأخرى.
وهذه العقبات يوجد بعضها في بعض البلدان الأخرى كأفريقيا، ولكنها أقل بكثير من العقبات الموجودة في أوروبا.
مستقبل الإسلام في أوربا:
قلت: كيف تتصور مستقبل الإسلام في أوروبا؟
فقال: يعتمد ذلك - بعد توفيق الله - على نشاط المسلمين. وإن توطين الإسلام في أوروبا ليس هدفاً ثابتاً عند كثير من المسؤولين عن المراكز الإسلامية، فالدعوة أنشئت للحفاظ على المسلمين، أو لأمور اجتماعية ولم تنشأ لتوطين الإسلام في أوروبا.
ولكن فكرة التوطين أصبحت الآن من اهتمام بعض المراكز الإسلامية والدعاة إلى الإسلام، فإذا تطورت هذه الفكرة ووجدت الإمكانات، فان مستقبل الإسلام في أوروبا سيكون جيداً، وإلا فستبقى أوروبا على ما هي عليه.
صفات الداعية المؤثر في الأوربيين.
قلت للأخ علي: ما صفات الداعية الذي يمكن أن يؤثر في الأوربيين؟
فقال: الإيمان الصادق بدينه، وشعور الأوربي بأنه صادق في حديثه، وأن يكون قدوة حسنة، وكثير من الأوربيون يدخلون في الإسلام بسبب القدوة الحسنة، وليس كل من عرف الشريعة الإسلامية يكون داعية مؤثراً، بل لا يؤثر إلا إذا عرف نفسيات الناس وأفكارهم وعاداتهم وأساليب مخاطبتهم بلغتهم.
ولهذا نرى أنه لا بد من تفريغ من مارس الدعوة في هذه البلدان وعاش بين أهلها واحتك بالناس وعرف عاداتهم وأساليب خطابهم، ولو كان لا توجد عنده شهادة شرعية، لكنه قرأ واطلع وكفاءته جيدة بدراساته الإسلامية الخاصة، فإذا وجد المتخصص في الشريعة الذي أتيح له ما سبق فهو أفضل.
والطلاب المسلمون الملتزمون أكثر نفعاً وبعضهم تخرجوا وأصبحوا يعملون في بعض الوظائف العامة والخاصة، ولكنهم لا يزالون يقومون بالدعوة في الجالية، والطلاب نفعهم في الدعوة واضح.
صلة المسلمين الوافدين بالمسلمين الإيطاليين.
قلت له: كيف صلة المسلمين الوافدين بالمسلمين الجدد من إيطاليا؟
فقال: لا بد من الاتزان في هذا الأمر الحساس، فان الأوروبي تبقى عنده نعرة، إذ يشعر بأنه يفهم أكثر من غيره حتى بعد الإسلام، فإذا شعر بأن المسلمين يفرحون به أكثر من غيره زاده ذلك تعاظماً وتأكد له أنه أكثر علماً من غيره، وبخاصة إذا كان المسلمون الذين يتصلون به جهالاً.
كما أنه إذا دخل في الإسلام تعرض لمضايقات، وقد يكون سبب دخول بعضهم في الإسلام فقده العطف والحنان في مجتمعه، فإذا لم يجد عطفاً وحناناً عند المسلمين أصيب باليأس، فلا بد من الاتزان في الصلة بالمسلم الجديد، فيتصل به من عنده فقه في الإسلام ويعنى به مع وضعه في مكانه بالنسبة لفهم الإسلام حتى لا يظن أنه أكثر فهماً للإسلام من غيره مع جهلة لكثير منه لحداثة دخوله فيه.
مع الأخ جمال شفيق عليان:
السبت: 15/1/1409 هـ -28/8/1988م
جاءني الأخ جمال شفيق عليان وأخذت منه بعض المعلومات عن إيطاليا.
إيطاليا الآن جمهورية، وعدد سكانها ستون مليوناً، وولاياتها اثنتان وعشرون ولاية. [ذكرها الأخ جمال بكاملها وكتبتها في دفتري الذي أسجل فيه المعلومات].
وقال: إن الكاتدرائية الكبرى في ميلانو تسمى: دومو (DUOMO) بناها المعماريون: [ذهبنا إليها يوم الخميس 13/1/1409هـ].

1-جونافورتى (GIONAFORTE).
2-ليوناردو دافنتشى (LEONARDODAVINCI).
3-برامانتى (BRAMANTE).
وكان بدء بنائها سنة 1386م، والواجهة الأمامية بنيت في القرن السادس عشر، وأكمل بناؤها في القرن السابع عشر بإشراف المعماري: كارلوبوتسى (CARLUBUZZI).
مساحتها 11700متر مربع.
يوجد بداخلها ألفاً صنم.
وأما القصر الذي رأيناه يوم الخميس الماضي، فيسمى سفورسيكو (SFORZESCO) وقد بدئ في بنائه سنة 1450م بناه الدوق فرانتسيسكو سفورتسا (FRANCE SLOSFORZA).
وكان بناؤه على أطلال قصر قديم وقد تم توسيعه فيما بعد. وفي سنة 1893م كان ثكنة عسكرية، وهو الآن متحف مدينة ميلانو وفيه 38 صالة، وكل صالة متخصصة في مجال معين ومنها صالة خاصة بالآثار المصرية.
أما الجبل الذي ذهبنا إليه يوم الجمعة فيسمى أونتى ستيلا (ONTESTELLA)، وفي وسط مدينة ميلانو رأينا يوم الخميس الماضي ميدان لوريتو (LORETO) وهو الذي صلب فيه موسوليني (MOSOLINI). [هذه سنة الله في الطغاة الظلمة يرفعون أنفسهم إلى قمة المجد الموهوم في حياتهم فإذا ذهبوا بقيت ذكراهم الصحيحة التي خلفوها وراءهم تلاحقهم في قبورهم باللعنات المتتابعة].
وبعد مغرب هذا اليوم حضرنا الندوة الأسبوعية التي تعقد في المركز الإسلامي، ألقى فيها الدكتور علي حديثاً مختصراً فسر فيه بعض الآيات، وبعده طلب مني إلقاء محاضرة في العقيدة استغرقت مع الأسئلة والإجابة عنها ساعتين تقريباً، وكان غالب الحاضرين من المسلمين العرب.

السفر إلى مدينة روما:
الأحد 16/1/1409 هـ -29/8/1988م
في صباح اليوم الأحد سافرت إلى مدينة روما، ونزلت في فندق يسمى: (HOTEL VILLA PAMPHILI) واتصلت بالأخ وليد سعيد الفلسطيني وأخبرته بالعنوان، وأني في حاجة إليه لضيق الوقت، لأنني سأغادر روما يوم الثلاثاء، فقال: سأحاول المجيء إليك في أقرب فرصة، واعتذر بعدم وجود سيارة خاصة، وأن المكان بعيد ويحتاج إلى التنقل من محطة إلى أخرى حتى يصل.
وجاءني قبيل المغرب واتفقنا إلى أن أنتقل غداً إلى فندق أخر في وسط البلد، لسهولة المواصلات هناك.