رحلات فرنسا والبرتغال وإيطاليا

الرحلات | سلسلة في المشارق والمغارب | 8 صفحة
صفحة 5 من 8 السفر إلى مدن جنوب البرتغال

السفر إلى مدن جنوب البرتغال

السفر إلى مدن جنوب البرتغال

الخميس 6/1/1409 هـ -18/8/1988م

في صباح هذا اليوم خرجنا من مدينة لشبونة إلى مدن البرتغال الجنوبية للاطلاع على ما بقي من آثار الفتوحات الإسلامية، وكنا أربعة، الثلاثة الآخرون هم: الشيخ البقالي والمستشرق ماريانو والسائق.

الشيخ البقال والمستشرق ماريانو
الشيخ البقال والمستشرق ماريانو
الكاتب والشيخ البقال على شاطئ البحر
الكاتب والشيخ البقال على شاطئ البحر

وفي الطريق وجدنا كثيراً من الأسماء العربية التي تبدأ بـ(أل) وكذلك الألفاظ نفسها عربية محرفة. مثل (الكاسر) هكذا ينطقونها، وهي محرفة عن (القصر) وهم يكتبونها هكذا (ALCACER) وهو اسم مدينة وبها قصر عربي لا زال ماثلا للعيان.

منظر لقصر عربي على تل يشرف على مدينة تسمى الكاسر (Alcaser) محرفة عن القصر كما قال المستشرق ماريانو 6/1/1409هـ ـ 18/8/1988م
منظر لقصر عربي على تل يشرف على مدينة تسمى الكاسر (Alcaser) محرفة عن القصر كما قال المستشرق ماريانو 6/1/1409هـ ـ 18/8/1988م

وقال المستشرق ماريانو: عندما خرج العرب من البرتغال سمي أول ملك للبرتغال: ملك البرتغال والغارف (أي الغرب) وهي منطقة تقع في جنوب البرتغال، غرب أسبانيا، وكان العرب يسمونها الغرب لوقوعها غرب إقليم الأندلس الأسباني، وهي تكتب هكذا (ALGARVE).
وآخر من خرج من مدينة لشبونة من العرب كان سنة: 1380م، وبقى بعض العرب المسالمين غير الحكام والعسكريين، واختلطوا بأهل البلد وذابوا فيهم، بسبب طغيان محاكم التفتيش.
ومررنا بمدينة على يميننا تسمى "القاصر دوسال" (أي مدينة الملح) والقصر يقع على هضبة المدينة، يشرف على نهر يسمى: سادو.
وكانت أشجار الفلين والبلوط عن يمين وشمال.
وقال المستشرق (ماريانو): إن العرب الذين بقوا في البرتغال كثيرون، والظن أنهم كانوا كثيرين من مدينة لشبونة فما يليها من الجنوب، و بعضهم نزحوا إلى الشمال خوفاً من الاضطهاد، وبقيت ألقابهم العائلية عربية، مثل: فلان ومدينة، وتوجد شوارع باسم (ساوماهماد) أي القديس محمد.
قلت لماريانو: الذي يتأمل في وجوه البرتغاليين والأسبان يبدو له أنهم يشبهون العرب أكثر من الأوربيين.
فقال: إن سبعين من كل مائة في جنوب البلد أشكالهم عربية، بخلاف الشمال فإنهم أشبه بالأوربيين.
وقال: إن منطقة سلفس (SILVES) سكانها كانوا من اليمن.
وقال: إن البرتغاليين ما زالوا يستعملون كلمة أوش الله (OSHALLAH) [هكذا كتبها ماريانو بيده في دفتري ونقلتها منه بحروفها] بمعنى إنشاء الله التي يكثر استعمالها عند العرب.
ومررنا ببلدة تسمى المدوفر (ALMODOVAR).
قال الشيخ البقالي: لعلها حرفت عن المظفر الكلمة التي كان يلقب بها الأمراء.
ويكثر في منطقة الغرب (ALGARVE) البرتقال واللوز والتين وصناعة حلويات اللوز والتين.
وصلنا إلى مدينة سلفس في الساعة الواحدة والربع بعد الظهر. وهي المدينة التي نشأ فيها المعتمد بن عباد الملك الشاعر، [انظر ترجمته في سير إعلام النبلاء (19/58)]. وهي المدينة الوحيدة التي كان بها جامعة عربية في البرتغال.
ثم ذهبنا إلى مدينة فارو (FARO) وهي عاصمة جنوب البرتغال المسماة: الغرب كما مضى وهي على شاطئ البحر.
قال ماريانو: وكلمة (فارو) في الأصل تطلق على منارة في البحر لإرشاد السفن.
ويوجد في هذه المدينة المتحف الأثرى.
والمبنى الذي يوجد فيه المتحف كان كنيسة حول إلى متحف، وما أكثر الكنائس التي تتعطل من الطقوس لعزوف الناس عنها في بلا الغرب، فتحول إلى متاحف أو مخازن، وقد يتمكن المسلمون من شراء بعض الكنائس فيحولونها إلى مساجد.
ومحتويات المتحف نقلت إلى الكنيسة منذ عشر سنوات، وكانت في متحف آخر من القرن الثامن عشر الميلادي، ومدخل المتحف الحالي من بقية الآثار العربية.
وتوجد بالمتحف قطع إسلامية عثروا عليها في منطقة تسمى ميلامورا وهي تحتوى على آثار إسلامية كثيرة وبخاصة الفسيفساء، وقد رأينا مواعين صغيرة وكبيرة عليها كتابات عربية.

آثار إسلامية في مدينة فارو جنوب البرتغال 6/1/1409هـ
آثار إسلامية في مدينة فارو جنوب البرتغال 6/1/1409هـ

وقالت مديرة المتحف: إنهم كلما بحثوا وجدوا آثارا عربية كثيرة، وهم يحاولون جمع القطع وبناؤها وترميمها، وقد طلبوا منا قراءة بعض الكتابات الموجودة فلم نستطع ذلك واعتذرنا، ونصحناهم أن يستعينوا ببعض المؤسسات الإسلامية لتمدهم ببعض خبراء الخطوط.
ثم واصلنا السير إلى مدينة تافيرا (TAVIRA)، وهذه المناطق فيها شبه ببلاد غامد في الأشجار والمرتفعات، إلا أن جبال بلاد غامد أعلى وأكثر، وبقينا في المدينة ساعة.
ثم ذهبنا إلى مدينة ميرتولا (MERTOLA) وهي تبعد عن مدينة فارو 74كيلومتر، وكانت ميناء نهرياً للعرب، وفيها مسجد حُوِّل إلى كنيسة، ويسمى النهر الذي تشرف عليه القصر، والمسجد: جواديانا (GVADIANA) يمتد على النهر جسر للوصول إلى المدينة.
وفي الطريق إلى ميرتولا رأينا لوحة تشير إلى ضاحية اسمها: القرية (ALCARIA) وتكثر في هذه المنطقة أشجار الصنوبر.

في مدينة ميرتولا:

وصلنا إلى مدينة ميرتولا الساعة السابعة والنصف بعد الظهر، ونزلنا في فندق صغير من فنادق القرية، والقرية هادئة يخيم عليها الصمت في الليل، لا تسمع بها إلا نباح الكلاب، وتقل بها الأنوار.
ويسمى الفندق سانريمو (SANREMO).

حوار مع المستشرق ماريانو (MARIANO):

ولد في بغداد بالعراق في شهر مارس سنة 1922م، وهو مسيحي كاثوليكي.
تخصصه: مهندس كهربائي ميكانيكي.
وظائفه: عمل في شركة سيارات فورد في العراق.
وعمل في الجيش البريطاني في الحرب العالمية الثانية في فلسطين والعراق وإيران وكثير من بلدان الشرق الأوسط.
وعمل في شركة بريطانية تسمى: (فيحاء) للتجارة والمقاولات في العراق والكويت من سنة 1954-1959م.
وعمل في السفارة الأمريكية في لشبونة من سنة 1954-1958م وعمل قنصلاً للبرتغال في بغداد من سنة 1959-1963م، وكان أيضاً مندوبا تجارياً مع القنصلية في العراق والخليج.
وكان مستشاراً لشركة النفط البرازيلية... في العراق والخليج.
وأول اتفاقية مع العراق كانت لمدة 25 سنة، وكان كذلك مع المفاوضين البرازيليين مع السعودية سنة 1973 لمدة شهر، وقال: إنه نزل في فندق اليمامة في الرياض، وقد منحه رئيس جمهورية البرازيل وسام ريوبرانكو.
وعمل في البرتغال رئيساً لفرع تنمية التجارة مع الدول العربية في غرفة التجارة والصناعة في لشبونة.
وابتعث من قبل وزارة الخارجية البرتغالية سنة 1985م إلى العراق لتنظيم الاتفاقية الاقتصادية مع الحكومة العراقية، وبقى هناك ثلاثة شهور.
ثم رجع إلى لشبونة وصار مراسلاً للحكومة العراقية بواسطة سفارتها في باريس.
وساعد في إكمال إجراءات فتح السفارة العراقية في لشبونة، وأنشأ جمعية الصداقة البرتغالية العراقية.
وأنشأ مجلة: برتغال برس كوب لتقوية العلاقة مع الدول العربية.
وفي سنة 1984م دعته سفارة المملكة العربية السعودية في مدريد لزيارة المملكة بدعوة من وزارة الإعلام السعودية، وتعرف على الاقتصاد السعودي، وقابل وزير الإعلام ووزير الصناعة وزار عدداً من مناطق المملكة، وأعجب بالنهضة العمرانية الحضارية فيها.
ودعاه الشيخ فهد المشرف على النشاط الرياضي الكويتي.
وآخر عمل قام به - وهو الآن يسعى لاستكماله - إنشاء معهد للدراسات العربية في منطقة الغرب (ALGARVE) مع أعضاء آخرين من المهتمين بالتراث من البرتغاليين.
كما أنشأ المؤسسة البرتغالية للتراث العربي الإسلامي.
وقد ألقى محاضرات في المسجد المركزي في لشبونة بعنوان انطباعات عن الهندسة المعمارية الإسلامية.
وأنشئت المؤسسة في مايو 1987م، والهدف منها إنعاش وإحياء الثقافة والفن العربي الإسلامي في البرتغال.
وهو رئيس هذه المؤسسة، ومعه أربعة عشر شخصاً - مؤسسون - ومن أهدافها أيضاً المحافظة على الآثار الإسلامية وإصلاحها، وإنشاء مكتبة تهتم بذلك وبالتاريخ الإسلامي وبالحضارة الإسلامية.
وقال: إنه تعلم اللغة العربية في الخمسينات في بغداد، لأنه ولد هناك ونشأ واختلط وهو صغير بأبناء العرب، ومكث فترة طويلة هناك واحتك بالعرب بسبب أعماله السابقة، وأحب اللغة العربية واهتم بعد ذلك بالفن والحضارة الإسلامية.
وبقي في المتحف البريطاني من أجل ذلك ثلاثة شهور، ودرس الآثار الإسلامية في متاحف العراق وتركيا ومصر والسعودية في الرياض.
وسألته متى سمع عن الإسلام؟
فقال: سمع عنه وهو صغير بسبب اختلاطه بزملائه العرب من صغره.
واهتم بدراسة الإسلام وعمره اثنتا عشرة سنة، وبدأ بدراسة النقود القديمة، لأن هوايته كانت تدفعه لذلك وهذا جعله يدرس كتب التاريخ المتعلقة بالموضوع.
وسألته: هل اهتم بمقارنة الأديان؟
فقال: لا، وقال: إن المسلمين بقوا في البرتغال بعد الفتح سبعمائة سنة.
واتصلت البرتغال بالمسلمين بعد الاكتشافات التي قامت بها في البحار، فاتصلت بهم في الهند وعمان.
وعلى الرغم من مكث العرب في البرتغال فترة طويلة وآثارهم لا زالت ماثلة، فإنهم لم يبق لهم ذكر في البرتغال بعد خروجهم، إلا بعد الحرب العالمية الثانية.
ولم تكن البرتغال دولة إلا بعد خروج المسلمين منها. [فسر ذلك بأن أهل البرتغال لم يكونوا مؤهلين لإقامة دولة بأنفسهم، وإنما عرفوا معنى الدولة مع العرب].
وعدد سكان البرتغال: أحد عشر مليون نسمة.
ونظام حكمها الآن جمهوري برلماني.
وأصول سكانها: في الشمال: الفاك وسلينك.
وفي الوسط والجنوب: لوزيتان، ورومان، وفينيق، ومغاربة ولسكان إفريقيا صلة بالبرتغال قبل الفينقيين والرومان والعرب.
وقال ماريانو: إنه يأسف لعدم تقوية العرب علاقاتهم مع البرتغال والتي لا زالت آثارهم فيها، ولا زالت الأسماء العربية تحملها المدن والشوارع البرتغالية وبعض الأشخاص.
وأهم صادرات البرتغال: القطن والأحذية والنبيذ والفلين، والأسماك (معلبات)، والرخام، والفسيفساء، والملابس.
ومن صناعتهم النسيج والسفن والآلات الكهربائية الخفيفة والقطارات والسيارات (تجميع وتصدير) والسلاح الخفيف.
وقال: إن عدد المسلمين في البرتغال لا يزيد عن تسعة آلاف، والبرتغاليون منهم خمسة عشر شخصاً فقط.
وسألته عن السبب في قلة دخول الأوربيين في الإسلام وبخاصة في البرتغال؟
فقال: السبب عدم فهمهم للإسلام.
قلت له: ألا تظن أن الكنيسة شوهت الإسلام في أوربا وفي غيرها؟
فقال: الكنيسة لم تشوه الإسلام.
قلت: وأجهزة الإعلام؟
قال: كذلك لم تشوه أجهزة الإعلام البرتغالية الإسلام. [هكذا زعم ماريانو، والناس لا يخفى عليهم ذلك ولكنى لم أتماد معه في النقاش، لأن هذا الأمر بدهي وكنت في حاجة إلى الوقت لأشرح له الإسلام وأدعوه إليه].
قلت له: ماذا ترى في تصرفات المسلمين هل هي سائرة على نهج الإسلام؟
فقال: أظن أن أكثر المسلمين يخالفون الإسلام.
قلت له: هل تفرق بين منهج الإسلام وتصرفات المسلمين السيئة؟
قال: نعم.
قلت له: هل توجد كتب مترجمة تعرف بالإسلام باللغة البرتغالية؟
فقال: يوجد كتاب واحد ألفه رجل في جامعة لشبونة بعنوان الإسلام وهو يشوه صورة الإسلام ولا يوجد غيره.
قال الشيخ البقالي: طبعت كتب في البرازيل عن طريق جمعيات إسلامية باللغة البرتغالية.
قلت له: ماذا ترى في مستقبل الإسلام في العالم؟
قال: الناس في الغرب يلتمسون مخرجاً من التفكك العائلى، ويرغبون في أن تعود العائلة إلى ترابطها ويمكن أن يأتي وقت يرجع فيه الناس إلى الإسلام، ولكن ليس بالقوة وإنما بالثقافة.
ويرى أن الحلول موجودة في القرآن.
وسألته عن موقف المستشرقين من الإسلام في الماضي والحاضر.
فقال: المستشرق العالم لا يطعن في الإسلام، والذي يطعن في الدين ليس مستشرقاً. [هكذا قال!].
قلت له: ما الأسس التي يجب أن يعتمد عليها المستشرق في بحثه؟
فقال: أن يكون أميناً غير متحيز، وأن يطلع على المراجع الإسلامية الأصيلة، وأن يفهم اللغة العربية.
قلت له: ما الموضوعات الإسلامية التي ترى أن الأوربي في حاجة أن يطلع عليها أولاً؟
قال: تفسير القرآن الكريم بلغاتهم، وفي القرآن كثير من الموضوعات التي يمكن أن يستفيد منها الأوربي، وينفر الأوربيون من تحريم الخمر.
قلت له: ما نقاط الضعف التي تراها عند المسلمين؟
قال: اختلافاتهم، ولو قرءوا القرآن وطبقوه لما اختلفوا.
قلت له: ما الإمكانات المتاحة لنشر الإسلام في أوربا؟
قال: يمكن فتح مدارس ابتدائية.
ثم قال: إن المؤسسة التي أنشأها ويرأسها - وهي تهتم بالتراث الإسلامي والحضارة الإسلامية - تحتاج إلى كتب التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية باللغة العربية واللغة الإنجليزية واللغة البرتغالية.

دعوة ماريانو إلى الإسلام:

وبعد أن أجريت معه هذه المقابلة وأخذت منه المعلومات السابقة قلت له:
إن المسلمين تخلّوا - في الغالب - عن واجبهم في الدعوة إلى الله وأنا - وقد اجتمعت بك وتعرفت عليك وعرفت أنك قمت برحلة طويلة في التعرف على الإسلام عن طريق هوايتك في معرفة حضارة الإسلام، وأنت تجيد اللغة العربية قراءة وكتابة - أريد أن أسألك سؤالاً قد لا تتوقعه، وهو: أما فكرت في الدخول في الإسلام؟
فقال: هو مسيحي ويحترم الإسلام، ولكنه لم يحاول ذلك.
قلت له: إن واجبي أن أنصحك، وقد رافقتني مرافقة لم تحصل لغيرك معي من غير المسلمين، حيث سافرنا يومين في سيارة واحدة، وننام في فندق واحد ونتحدث عن الإسلام كثيراً، والمسلم يجب عليه أن يحب للناس ما يحبه لنفسه من الخير، وهذا الدين هو الدين الحق الذي لم يبق دين محفوظ النصوص والأصول والأحكام والمعاملات والأخلاق مثله، ولا يسمع بهذا الدين يهودي ولا نصراني ثم لم يؤمن به إلا دخل النار.
وأنت عمرك الآن ستة وستون سنة، ولا تدري ماذا بقى لك من العمر، ومستقبلك بدون إسلام مستقبل مظلم عندك، وواضح عندنا نحن المسلمين، لذلك يجب عليك أن تفكر في إنقاذ نفسك من النار، وقد قامت عليك الحجة بفهمك للإسلام.
وكان "ماريانو" مصغياً مطرقاً كأن على رأسه الطير، وأبدى شيئاً من العاطفة، وشكرني على هذه النصيحة، وتفرقنا بعدها لننام بعد عناء السفر الطويل من الصباح، وأسال الله له الهداية والتوفيق، وقد أبدى رغبة في بعث تفسير القرآن الكريم للاطلاع عليه. [بعد عودتي إلى المدينة بعثته له وجاءني منه خطاب يخبرني بتسلمه ويشكرني على ذلك].
هذا، وعندما عدنا إلى لشبونة ألح عليَّ أن أزوره في منزله لتناول طعام الغداء، مع إمام المسجد المركزي الشيخ محمد البقالي، وقال لي: لا تخف سنقدم لك الطعام الحلال الذي رأيتك تأكله في الفندق وفي السفر، وهو السمك والخضار، فلبيت رغبته وأجبت دعوته، وهو متزوج امرأة هندية غير مسلمة، وتناولنا عنده طعام الغداء.
وعنده بالمنزل غرفة مليئة بالتحف الأثرية الإسلامية القديمة جداً، من السجاد والسيوف، والمواعين، وقال: إن عنده كثيراً من النقود الإسلامية القديمة من الدراهم والدنانير، وقد أودعها في البنك خوفاً عليها من السرقة والنهب، لأنها غالية الثمن، وقد ألف كتاباً ضمنه صور تلك النقود وأهداني نسخة منه.
وقد ساعدني كثيراً في لشبونة وخارجها، وأعطاني رقم هاتفه من أول يوم التقينا فيه وقال: إذا طرأت لك أي حاجة اتصل بي وستراني رهن إشارتك، وقد حصل ذلك بالفعل وكان يأتيني من منزله في جنوب لشبونة إلى الفندق.
وأرى أنه ينبغي أن يزود بالكتب التاريخية الإسلامية وصور الآثار الإسلامية القديمة، وكذلك صور الحرمين الشريفين وما يتعلق بهما، لأن في ذلك نوعاً من الإعلان عن الإسلام، وقد بدأ البرتغاليون يهتمون بالآثار الإسلامية ويخصصون لها المتاحف وما كانوا من قبل يذكرون الإسلام.
وأسال الله لماريانو الهداية لهذا الدين، فانه إذا هداه الله سيكون مؤثراً في غيره والله المستعان.

مركز الدراسات الإسلامية:

الجمعة: 7/1/1409هـ -19/8/1988م
اسم القرية التي بتنا فيها (MERTOLA) وهي قرية صغيرة، وعلى قمة تَلِّها يقع القصر العربي، وهي القلعة التي شيد بجانبها المسجد، وتسمى القلعة: (CASTELO) ويسمى المسجد (MESQUITA).

القلعة العربية "كاستيلو" في قرية ميرتولا جنوب البرتغال ويبدو الشيخ البقالي إمام الجامع في برشلونة جالساً على الرصيف 7/1/1409هـ ـ 19/8/1988م
القلعة العربية "كاستيلو" في قرية ميرتولا جنوب البرتغال ويبدو الشيخ البقالي إمام الجامع في برشلونة جالساً على الرصيف 7/1/1409هـ ـ 19/8/1988م

وقبل أن نصعد إلى القلعة والمسجد الذي حول إلى كنيسة مررنا بمركز يسمى مركز الدراسات الإسلامية في العهد الوسيط في ميرتولا، وجدنا به بعض الموظفين، وأعطانا كتيباً عنوانه: (مرطولا أيام المرابطين والموحدين) وقد طبعت الكتاب وزارة الشؤون الثقافية في المملكة المغربية، وهو يحتوى على التحف الأثرية التي نظمها الموقع الأثري بمدينة مرطولا بالتعاون مع بلدية المدينة، وأغلب ما فيه مجموعة خزفية عثر على أغلبها في القصر العربي في هذه المدينة، وقد صورت وكتب عن كل قطعة منها نبذة باللغتين العربية والبرتغالية.
ومما جاء في مقدمة الكتاب: "وفي مرطولا فقد ساعدت منذ البداية مجموعة من الصدف الحسنة على وضع مخطط طموح خرج إلى الوجود شيئاً فشيئاً بفضل مجهودات المجلس البلدي، وهكذا تكوّن فريق هام يضم مختلف الباحثين في ميادين شتى، ومنذ 1979م كشفت حفريات أثرية سنوية متتالية عن الوجود الإسلامي وفق دلائل أثرية قاطعة عثر عليها بقصبة "مرطولا" هذا بالإضافة إلى مسجد الموحدين الذي يعتبر الْمَعْلَمَة الوحيدة بالبرتغال التي لا زالت تحافظ على الطابع الأصيل الذي تقام على أسسه المساجد الإسلامية...‎".
وهذه المقدمة تحت توقيع كلوديوطوريس.
وكان وضع الكتاب وطبعه بمناسبة المعرض الأثرى الذي أقيم في هذه المدينة من 22 فبراير إلى 7 مارس من هذا العام 1988م.
ثم صعدنا إلى القصر ولم نتجول فيه كثيراً وإنما دخلنا إلى المسجد الذي دنسته أوضار الكنيسة، وقد علق الناقوس بمئذنته والصليب ودق الناقوس، وأخذت العجائز في التوافد إليه، وقد وضعوا مقاعد في داخله على هيئة صفوف، ووضعت الصور والتماثيل في الأمام، ولا زال محرابه يشير إلى الكعبة المشرفة، والمسجد يتسع لما لا يقل عن عشرة صفوف لكل صف مائة شخص، ولفت انتباهي أن العجائز اللاتي جئن إلى الكنيسة لابسات أسود مع غطاء للرأس، عندما تراهن تظنهن من عجائز سوريا المحتجبات، قلت لماريانو: هل هؤلاء كلهن راهبات؟
قال: لا بل إن نساء هذه المنطقة ونساء المنطقة الوسطى منهن يلبسن هذا اللباس، ويجوز أن يكون متوارثاً عن لباس النساء المسلمات من قديم الزمان.
وقد رأيت فعلاً عدداً من النساء في هذه الأرياف يلبسن ذلك اللباس.
إنما الأعمال بالنيات:
اقتربت منا إحدى تلك العجائز، وقد أصبح وجهها كله شعاباً من أثر الشيخوخة، وطلبت منا مساعدة فأعطاها الشيخ البقالي شيئاً من النقود وأعطيتها أنا شيئاً كذلك، وقلت لها كم عمرك؟
فقالت 77 سنة وأخذت بعد أن تناولت النقود تظهر فرحها وسرورها وتنظر إلينا وتظهر مودتها لنا، ثم قالت كلاماً، فقلت لماريانو ماذا تقول؟ قال: إنها تدعوا لكما، وتقول: إنها ستشترى بهذه النقود خمراً وتشربها - فقلت حسبي الله ونعم الوكيل، نعطيها نقودنا لتشتري بها خمراً؟
وعزاؤنا أنا أعطينا صدقة، ظناً منا أنها ستتناول ما ينفع لا ما يضر، فلا حول ولا قوة إلا بالله، وإنما الأعمال بالنيات.
قلت: ولعل في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه في قصة الذي تصدق على سارق، ثم على زانية، ثم على غني، وهو لا يعلم، ما يسلينا. فقد روى عن رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((قال رَجُلٌ: لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ، فَأَصْبَحوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ عَلَى سَارِقٍ. فَقَالَ اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ لأتصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدَيْ زَانِيَةٍ، فَأَصْبَحوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى زَانِيَةٍ. فَقَالَ اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى زَانِيَةٍ؟ لأتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدَيْ غَنِيٍّ، فَأَصْبَحوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ عَلَى غَنِيٍّ فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى سَارِقٍ وَعَلَى زَانِيَةٍ وَعَلَى غَنِيٍّ؟ فَأُتِيَ فَقِيلَ لَهُ أَمَّا صَدَقَتُكَ عَلَى سَارِقٍ فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعِفَّ عَنْ سَرِقَتِهِ وَأَمَّا الزَّانِيَةُ فَلَعَلَّهَا أَنْ تَسْتَعِفَّ عَنْ زِنَاهَا وَأَمَّا الْغَنِيُّ فَلَعَلَّهُ يَعْتَبِرُ فَيُنْفِقُ مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ)). [البخاري: 1332، ومسلم: 1698].
وفي الساعة العاشرة صباحاً خرجنا من مدينة ميرتولا إلى مدينة أخرى تسمى:"مورا" وهي تبعد عن مدينة ميرتولا سبعين كيلو متراً تقريباً، وهذه المنطقة قريبة من حدود أسبانيا، وقد كنا بالأمس نسير من لشبونة جنوباً إلى مدينة: فارو، ومن فارو رجعنا إلى الشرق ثم أخذنا نسير إلى الشمال.

في مدينة مورو:

وصلنا إلى مدينة مورو في الساعة الحادية عشرة، ويوجد في مكان مرتفع من هذه المدينة قصر كبير تهدم كثير منه وكان ماريانو حريصاً أن يرينا بئراً في هذا القصر لا زالت الكتابة العربية موجودة بها، وهرعنا في القصر هنا وهناك لنرى هذه البئر فلم نجدها، ثم ذهب يسأل بعض الموظفين من رجال الآثار في مكتب قريب عن البئر، فأخبروه أن امرأة سقطت فيها وقد أغلقت البئر مؤقتاً.

المستشرق ماريانو يبحث عن بئر قديمة قد طمرت وأمامه الشيخ البقالي في أحد قصور المسلمين ـ في مدينة مورو جنوب البرتغال 7/1/1409هـ ـ 19/8/1988م
المستشرق ماريانو يبحث عن بئر قديمة قد طمرت وأمامه الشيخ البقالي في أحد قصور المسلمين ـ في مدينة مورو جنوب البرتغال 7/1/1409هـ ـ 19/8/1988م

وفي الساعة الثانية عشرة خرجنا من مدينة مورو إلى مدينة: بيجا، وتسمى عند العرب: باجة، واليها ينسب القاضي الباجى، قاضي قرطبة. [راجع ترجمته في سير إعلام النبلاء (18/535)].

في مدينة بيجا:

وصلنا مدينة بيجا (BEJA) الساعة الثانية عشرة والنصف ظهراً.
وعلى القصر العربي في مدينة بيجا برج عال برتغالي، هو أعلى برج من نوعه في البرتغال.

على اليمين الشيخ البقالي وماريانو على سقف أحد القصور العربية الباقية في جنوب البرتغال 7/1/1409هـ ـ 9/8/1988م
على اليمين الشيخ البقالي وماريانو على سقف أحد القصور العربية الباقية في جنوب البرتغال 7/1/1409هـ ـ 9/8/1988م

وقد هدمت هذه المدينة ثلاث مرات من جراء الحروب التي كانت بين المسلمين من العرب والبرتغال وأعيد بناؤها.
وفي مدينة بيجا هذه ولد المعتمد ملك أشبيلية في عهد الطوائف وباسمه سمي أحد الشوارع في المدينة في 25 مايو سنة 1985م، وصيغت باسمه ميداليات رسمت صورته (الخيالية عليها).
وخرجنا من مدينة بيجا الساعة الرابعة مساء إلى مدينة إيفورا (EVORA) وهي تبعد عن بيجا 79 كيلو متراً شمالاً، وتبعد عن الحدود الأسبانية 62 كيلومتراً، وفي الساعة الرابعة والدقيقة الأربعين وصلنا إلى مدينة إيفورا.

في مدينة إيفورا:

ويحيط بأغلب المدينة سور كبير عريض قديم قال ماريانو: إن علماء الآثار مختلفون فيه أهو من عهد العرب أم قبلهم أم بعدهم، ولم يتقرر بشأنه شيء إلى الآن.
كما يوجد في المدينة معبد ديانا الروماني.
وتوجد فيها كذلك كنيسة يقال: إنها بنيت على جماجم بشرية أخذت من المقابر وكان بناؤها ما بين القرن السادس عشر والقرن السابع عشر الميلادي.
ثم خرجنا من مدينة إيفورا في الساعة الخامسة والنصف قافلين إلى لشبونة وهي تبعد عنها 170 كيلو متر والسير إليها شمالاً مع ميل إلى الغرب.
قال ماريانو: إن زيارتنا غطت أغلب جنوب البرتغال التي يطلق عليها الغرب، وكان المقرر أن نبيت ثلاث ليال في هذه الجولة خارج لشبونة، ولكن طلبت من ماريانو أن نحاول السرعة والرجوع إلى لشبونة في أقرب فرصة حرصاً على الوقت، فكان نتيجة ذلك أن نمنا ليلة واحدة فقط ولكنا زرنا كل المدن التي قررنا زيارتها والحمد لله.

مع المسلم البرتغالي محمد علي ماركيس داسلفا:

السبت: 8/1/1409 هـ -20/8/1988م
بعد صلاة العصر من هذا اليوم التقيت بعض المسلمين من أصل برتغالي ومنهم الأخ محمد علي ماركس داسلفا، في فندق نوفوتيل (NOVOTEL).
وكان المترجم الشيخ محمد البقالي إمام المسجد المركزي في لشبونة.
ولد الأخ محمد علي سنة 1912م في 16 أغسطس، أي أن عمره الآن 76 سنة وكان مسيحياً كاثوليكياً، كان يعمل محاسباً وهو الآن متقاعد، ولم يكن متمسكاً بدينه قبل الإسلام، والسبب في ذلك أنه لم يجد توافقاً بين النظرية المسيحية وتعليماتها وبين التطبيق العملي.

المسلم البرتغالي محمد علي ماركيس الذي أجرى معه الكاتب حواراً في الفندق وبجواره إمام الجامع الكبير محمد البقالي 8/1/1409هـ
المسلم البرتغالي محمد علي ماركيس الذي أجرى معه الكاتب حواراً في الفندق وبجواره إمام الجامع الكبير محمد البقالي 8/1/1409هـ

وقد قرأ كثيراً عن الديانات الأخرى، وبخاصة الديانات الهندية، فقرأ عن البوذية، والكنفوشوسية، والهندوكية ثم بعد ذلك كله قرأ عن الإسلام.
وسألته: متى أول ما سمعت عن الإسلام في عمرك؟
فقال: عندما أصبح كبيراً في حوالي سن الأربعين عاماً، قرأ أولاً كتاباً للكاتب الفرنسي: رومان رولان (ROMAN ROLAN) وعنوان الكتاب:"لماذا لستُ مسيحياً" ومما قاله في هذا الكتاب: "أنا لست متديناً، ولكني لو كنت متديناً لكنت مسلماً".
وهذه الجملة هي التي شدت أخانا محمداً إلى الإسلام.
كان ذلك في موزمبيق منذ خمس وعشرين سنة، والكتاب المذكور كبير ولا زال يحتفظ به عنده إلى الآن.
وبعد هذه القراءة انتقل إلى مدينة نامبولة في شمال موزمبيق وأغلب سكانها مسلمون 80% منهم مسلمون تقريباً، فاتصل بهم، وكان مما جذبه إليهم أنه لاحظ نظافتهم التامة في منازلهم على الرغم من قلة إمكاناتهم وتواضع بيوتهم، فعاش بينهم واحترمهم.
وفي سنة 1970 انتقل إلى البرتغال قبل أن يدخل الإسلام.
وأسلم في سنة 1971-1972م عن طريق السيد سليمان والي المؤسس السابق للجماعة الإسلامية في لشبونة وشهد على إسلامه سليمان والي وآخر يدعى محمد رشيد، وهو برتغالي أيضاً أسلم في موزمبيق، وهو كاتب وشاعر.
ورجع في سنة 1974م إلى موزمبيق.
وخلال وجوده في البرتغال استمر يزاول حياته كأنه غير مسلم، فكان يأكل لحم الخنزير ويشرب الخمر وغير ذلك!
وعندما رجع إلى موزمبيق انصهر في المجتمع الإسلامي، وعمل بالإسلام وتزوج امرأة مسلمة وعاش معها، ولم ينجب منها أولاداً، وكان نشاطه الإسلامي حافلاً، حيث نشر مقالات عن الإسلام، واتصل فور عودته إلى موزمبيق برجل مسلم يسمى يوسف آدم جي الذي أسس مجلة صيحة الإسلام في موزمبيق.
وكان يوسف يأتي إلى بيته ليصحح له بعض الأخطاء في كتابته في المجلة باللغة البرتغالية.
ومن هذا التاريخ أخذ محمد علي يكتب في هذه المجلة وكتاباته - كما قال - قائمة على الكتاب والسنة [وهو لم يتعلم على أيدي متخصصين في الكتاب والسنة، على حد المثل اليمني: لماذا جعلوك شيخاً؟ قال: ما حصلوا غيري!].
وكان يكتب في موضوعات مختلفة: في القمار والخمر وغيرهما من المحرمات.
قلت له: ما الفرق بين حياتك قبل الإسلام وبعده؟
فقال: الفرق كبير، فقد شعرت بالسعادة بعد الإسلام.
وسألته عن صلة المسلمين الوافدين بالمسلمين من أهل البلد؟
فقال: هم ثلاثة أقسام في علاقتهم:
أحدها: علاقات تجارية.
والثاني: علاقات دينية.
والثالث: علاقات إنسانية اجتماعية.
فما يخص القسم الأول فهو يتبع المصالح.
وأما القسم الثاني فلا يوجد حوار بين المسلمين.
وصلة المسلمين بالمسلمين لا بأس بها.
وأما العلاقات الإنسانية الاجتماعية فهي تابعة لسلوك كل شخص، وهذا النوع من العلاقة يؤثر فيه الدين والمصلحة، وعامة الشعب البرتغالي ليس عنده إقبال على الإسلام، وبخاصة شهود يهوا والسبتيين. [كيف يقبل الشعب البرتغالي - أو غيره - إلى الإسلام، وهو لا يجيد من يفقه في الإسلام ولا يجد في المكتبات كتباً بلغته تشرح الإسلام، بل يجد ما ينفره من الإسلام من الدعايات الغربية، ومن سلوك أغلب المسلمين في نفس البلاد وفي بلاد المسلمين؟!].
قلت له: ما صفات الداعية المسلم الذي يمكن أن يؤثر في البرتغاليين؟
قال: أهم الصفات القدوة الحسنة، ومعرفة اللغة واختيار الموضوعات المؤثرة في الناس، كالأخلاق وبيان صفات الله الحسنى، وإعطاء تفسير صحيح للقرآن.
وسألته عن عدد المسلمين البرتغاليين؟
فقال: لا يزيدون عن ستة عشر شخصاً.
وسبب قلتهم عدم نشاط الجالية الإسلامية، فالجالية لا تهتم إلا بالتجارة، ولا تشارك في النشاط الإسلامي، وضرب مثالاً، فقال: إن مجلة الفرقان، كانت توزع مجاناً لأنها كانت تتلقى مساعدة، والآن اضطر المسؤولون عنها أن يبيعوا النسخة بخمسين سكودا وهو مبلغ ضئيل جداً [تعلم ضآلته عندما تعرف أن قيمة الدولار 160 سكودا]. ومع ذلك لا يقبل أفراد الجالية إلى شراء المجلة، ويشتريها غير المسلمين أحسن من الجالية.
قلت له: وهل الجالية متمسكة بدينها، قال: لا والسبب أن رئيس الجالية السابق كان يقول: إن الإسلام يمكن أن ينسجم مع أي مجتمع حيث كان [يقصد أن المسلمين يجب أن يتكيفوا مع المجتمعات الأخرى ويعملوا بعاداتهم ولو خالفت الإسلام]. ولأن بعض المسلمين أصبحوا غربيين أكثر من الغربيين في سلوكهم وعاداتهم وتقاليدهم وكثير منهم يشربون الخمر ويقيمون حفلات غناء وملاه، ويهتمون بالاحتفال بالموالد، ويسمحون لنسائهم بالدخول إلى المسجد وهن غير محتشمات.
قلت له: ماذا ترى عن مستقبل الإسلام في البرتغال؟
قال: إنه ينظر إلى ذلك نظرة تشاؤم، والدليل على ذلك أن الجماعة التي يؤمل أن تنشر الإسلام في البرتغال، وهي جماعة التبليغ يقتصر عملها على المساجد، والدعوة يجب أن تصل إلى من يحتاجها من المسلمين وغيرهم.
قلت له: هل يقبل البرتغاليون الزيارة في منازلهم؟
قال: نعم يقبلون الزيارة، ويمكن أن يسمعوا الدعوة، وهم يشترون مجلة الفرقان، ويوجد أب مسيحي يكتب في المجلة بموضوعية عن الأخلاق والشؤون الاجتماعية والتربية.
وسألته عن تماسك الأسرة البرتغالية. فقال: في الأرياف لا تزال الأسرة محافظة على العادات والتقاليد، أما المدن فالتفكك كبير، وبخاصة العاصمة لشبونة التي يكثر فيها تعاطي الكحول والبغاء، ويمكن أن يكون التفكك الأسري 50%.
وكان مع الأخ محمد علي الدكتور موسى عمر وبعض محرري مجلة الفرقان وقد سألوني هم بعض الأسئلة للمجلة وأجبت عنها.

الكاتب مع بعض المسلمين الذين أتوا لزيارته في الفندق
الكاتب مع بعض المسلمين الذين أتوا لزيارته في الفندق

جولة أخرى في لشبونة وضواحيها:

الأحد: 9/1/1409 هـ -21/8/1988م
في صباح هذا اليوم قمنا بجولة في مدينة لشبونة - وهم ينطقونها: لشبوا (LISBOA).
وكان يرافقني الشيخ البقالي، فمررنا في شمالها الشرقي بسوق أهل الريف الذي يقيمونه في هذا اليوم - الأحد يوم الإجازة - يترك أهل المدينة قسطاً من راحتهم، ليحضروا إلى هذا السوق لشراء بعض بضائعه لوفرتها ورخصها، وهي تتكون من المحاصيل الزراعية في الغالب، ويمتد السوق على جانبي الشوارع في العراء وقد يرفع بعضهم مظلات من القماش أو غيره كما هو الحال في أسواق الخضار التي لا تخصص لها مبان.
كما مررنا بجامعة لشبونة، وبجانبها مكتبة البلدية والحديقة الكبرى، ثم خرجنا إلى الضواحي الواقعة شمال المدينة، ومبانيها تقع على مرتفعات، وفي إحدى هذه الضواحي مسجد صغير في إحدى العمائر الكبيرة، تبرع به أحد المسلمين استأجره ووقفه، ويسكن في هذه الضاحية أكثر من خمسين عائلة مسلمة وأغلبهم من الهنود والأفارقة.
ومررنا بالملعب الرياضي، وهو أكبر ملعب رياضي في القطر يتسع لمائة وعشرين ألفاً، وهو يقع قرب برج التلفاز.
ثم اتجهنا إلى جنوب المدينة من جهتها الغربية، فمررنا بجبل نصب عليه لاقط (إريل) التلفزيون وبه تقع قيادة القوات الجوية البرتغالية، ومنه يستطيع الإنسان أن يشرف على مركز المدينة وجنوبها ويرى المسجد المركزي والقنطرة، ويقع بجانب القيادة السجن العسكري وتحتضن الجبل غابة من الأشجار.
ومررنا جنوباً - في غرب لشبونة - بمنطقة تسمى: الجيش (LGES) وبهذه المنطقة معظم السفارات الإسلامية: التركية والمصرية والجزائرية والليبية، أما سفارات العراق والمغرب وباكستان فتقع في وسط المدينة.
وفي جنوب منطقة الجيش نهر التاجا وفي غربها المحيط الأطلسي وقد وصلنا إلى مصب النهر في المحيط.
ثم عدنا إلى منزل المستشرق ماريانو، حيث كنا على وعد معه لتناول طعام الغداء، وأهدى لنا كتابه المسمى: فلسطين في التاريخ، وهو باللغة الإنجليزية.
ومنزله يحتوي على غرفة مليئة بالآثار الإسلامية القديمة: السجاد والسيوف والمواعين، وغيرها، وهو مغرم بذلك كما سبق في مقابلتي له.

المستشرق ماريانو على اليسار ـ في منزله ـ يشير إلى صور بعض المقتنيات العربية التي يملكها وقد أثبت صورها في كتاب له، وعلى يمينه الشيخ البقالي 9/1/1409هـ ـ 21/8/1988م
المستشرق ماريانو على اليسار ـ في منزله ـ يشير إلى صور بعض المقتنيات العربية التي يملكها وقد أثبت صورها في كتاب له، وعلى يمينه الشيخ البقالي 9/1/1409هـ ـ 21/8/1988م
صورة لأحد التحف المقتناة في منزل المستشرق ماريانو 6/1/1409هـ 18/8/1988م
صورة لأحد التحف المقتناة في منزل المستشرق ماريانو 6/1/1409هـ 18/8/1988م

وكان هذا اليوم هو آخر الأيام التي بقيت فيها في البرتغال وهي تسعة أيام.

السفر إلى إيطاليا:

الاثنين: 10/1/1409 هـ - 22/8/1988م
ذهب معي الشيخ البقالي جزاه الله خيراً إلى مطار لشبونة، وحاول أن يصعد معي إلى الموظفين الذين يتسلمون الحقائب ويسلمون بطاقات دخول الطائرة، ولكن الجنود لم يسمحوا له وقالوا: لا يدخل إلا الراكب فقط، وصعدت أَدُور في القاعة هنا وهناك حتى وجدت المكتب الذي يقوم بإجراءات الرحلة إلى ميلانو، وكان المقرر أن تقلع الطائرة الإيطالية في الساعة الثالثة إلا عشر دقائق، ولكنها تأخرت فلم تقلع إلا في الساعة السابعة والنصف مساء. وصلنا إلى مطار ميلانو في الساعة التاسعة والنصف بتوقيت البرتغال - العاشرة والنصف بتوقيت إيطاليا.

سلسلة في المشارق والمغارب

رحلة إيطاليا

الدكتور
عبد الله بن أحمد قادري الأهدل

الطبعة الأولى
1427هـ ـ 2006م