الرحلة إلى البرتغال 1409 هـ ـ 1988م
الرحلة إلى البرتغال 1409 هـ ـ 1988م

السفر من ألمانيا إلى البرتغال:
الأحد: 2/1/1409هـ ـ 13/8/1988م
دولة البرتغال من الدول الأوربية الغربية التي لم أزرها من قبل، وكنت قد اقتربت منها عندما زرت أسبانيا أنا وفضيلة الشيخ عمر بن محمد فلاتة (رحمه الله) سنة 1405هـ عندما رجعنا من كندا والولايات المتحدة الأمريكية، ولم يتيسر لنا زيارة البرتغال لضيق الوقت، وكذلك لم أتمكن من زيارتها في السنة الماضية 1407-1408هـ عندما زرت أغلب دول أوربا الغربية.
وإذا كانت البرتغال الآن متميزة بهذا الاسم، وأسبانيا متميزة باسمها، فإن البلدين كليهما كانا يعرفان باسم واحد في العهد الإسلامي وهو: الأندلس، [راجع كتاب التاريخ الأندلسي للدكتور عبد الرحمن على الحجى في ص 37 الطبعة الثانية سنة 1402هـ نشر دار القلم دمشق ـ بيروت] ولا زالت آثار المسلمين موجودة في كلا البلدين، ولهذا كنت راغباً في زيارة البرتغال لأرى آثار المسلمين بها كما رأيت آثارهم في أسبانيا.
حيرة وعزم:
وفي صباح هذا اليوم أقلعت بنا الطائرة الألمانية في الساعة العاشرة والدقيقة الخامسة والأربعين من مدينة ميونخ إلى مدينة لشبونة، وكنت أحاول أن أحصل على عنوان أحد من المسلمين المقيمين في مدينة لشبونة أو رقم هاتف لأتمكن من اللقاء بهم مبكراً حتى يهيئوا لي الاتصال بالمسلمين هناك، وبعد ذلك تحصلت على رقم هاتف لمسلم باكستاني يدعى موسى عمر زودني به الدكتور بهيج ملا عندما اتصلت به من ميونخ، كما بعث لي بعنوان عن طريق التلكس في الفندق الذي كنت نزلت فيه في ميونخ.
واتصلت بالهاتف مرات كثيرة من ميونخ ولم أجد من يرد، فساورتني الشكوك في أن أجد جماعة إسلامية في لشبونة، لعدم وجود صلة بين المراكز الإسلامية المهمة في ألمانيا وبخاصة مركز ميونخ وبين المسلمين في البرتغال، وحصل عندي تردد في زيارة البرتغال، ولكني صممت على السفر متوكلاً على من إذا شاء جعل الحزن سهلاً.
وعندما ارتفعت الطائرة من مطار ميونخ رأيت كثيراً من الجبال التي تتراكم عليها الثلوج، وكثيراً من البحيرات والأنهار الكبيرة والصغيرة.
هل تريد أي مساعدة؟
وأخذ الركاب يتحدث بعضهم مع بعض، وأنا الوحيد الذي لم يكن معي رفيق من المخلوقين يؤنسني، فأخذت أقرأ بعض سور القرآن الكريم من جزأي عم وتبارك، وكنت أشعر بحلاوة المعاني القرآنية وأرفع صوتي بالتلاوة لأسمع نفسي، وهنا سالت دموعي لتوارد بعض المعاني والمشاعر المحزنة بسبب بعد أمتنا عن هذا القرآن العظيم على ذهني، فأخذت أمسح دموعي وأواصل القراءة، وأحسست أن الراكبين الذين كانا بجاني وراكباً أمامي قد سكتوا عن الكلام، فظننت أنهم ناموا، والتفت فإذا هم جميعاً يصغون لقراءتي وكان الذي بجاني ينظر إليَّ نظرة يبدو لي منها الإشفاق، وقال لي بلطف: هل تريد أي مساعدة؟ لعله ظن أن بي وجعاً ونحوه، فقلت له: شكراً، وأخذت أقرأ سراً فرجع الثلاثة إلى المحادثة.
وهبطت بنا الطائرة في مطار لشبونة في الساعة الواحدة والدقيقة الأربعين بتوقيت ألمانيا - والفرق بين توقيت ألمانيا والبرتغال ساعة واحدة تزيد في ألمانيا وتنقص في البرتغال - فكانت مدة الطيران من ميونخ إلى البرتغال - لشبونة - ثلاث ساعات إلا خمس دقائق.
ودخلنا مبنى المطار وأخذت حقائبي، وأخذت أتلفت في وجوه الناس لعلي أجد من يبدو لي أنه عربي أو مسلم، فأحاول أساله بعض الأسئلة التي منها مقدار صرف الدولار بالعملة البرتغالية التي عرفت - فيما بعد - أنها تسمى: "سكود" إذ لم أكن أعرف عنها شيئاً، فلم أستطع التعرف على أحد.
وتقدمت إلى الصراف في البنك فأعطيته خمسمائة وسبعين دولاراً يصرفها، فأخذها وهز لي رأسه وهززت له أنا رأسي، واعتبرت الهزتين إيجاباً وقبولاً قبل أن يناولني ما أستحق، فإذا الرجل يناولني مئات الآلاف، فعددتها فإذا هي ثمانمائة وواحد وخمسون ألفاً وستمائة سكوداً. فقلت: الحمد لله لقد صرت مليونيراً، لما بقي عندي من الدولارات إضافة إلى هذا المبلغ.
ثم خرجت من مبنى المطار عازماً أن آخذ سيارة أجرة إلى أحد الفنادق العالمية المشهورة، لأنها أكثر أمناً من غيرها وأهلها أكثر تفاهما مع النزلاء.