الرحلة إلى فرنسا 1408 هـ ـ 1988م
الرحلة إلى فرنسا 1408 هـ ـ 1988م

السفر من لندن إلى باريس:
الثلاثاء: 22/1/1408هـ.
جاءني الأخ عبد الخالق مظفر حسين جزاه الله خيراً إلى الفندق، ورافقني إلى مطار هيثرو العالمي بلندن، وساعدني حتى انتهت الإجراءات وودعني وعاد مشكوراً.
وقد أقلعت الطائرة البريطانية في الساعة الحادية عشرة إلا عشر دقائق.
وكان الجو صحواً، وعندما ارتفعت الطائرة أخذت أنظر من النافذة، فرأيت جمالاً في طبيعة الأرض: المزارع التي تتناثر بينها القرى في الأرياف، والأرياف في الحقيقة هي التي يمكن للسائح أن يتمتع بجمالها ويرتاح فيها، بخلاف المدن التي يكثر فيها الصخب وتزدحم المباني والناس ووسائل الموصلات، فإن النفس لا ترتاح فيها، هذه طبيعتي أنا، فإني عندما كنت أسافر من مدينة إلى أخرى بالقطار أو بالسيارة، أرى المناظر الجميلة التي كنت أود أن أنزل بها لو كان عندي وقت، وقد تمتعت بذلك في أرياف ألمانيا بميونخ في إحدى الرحلات إليها، كما كنت أرتاح في المدن الصغيرة التي تقل بها الضوضاء.
وهبطت الطائرة في مطار شارل ديغول في الساعة الحادية عشرة والدقيقة العشرين قبل الظهر. فكانت مدة الطيران من لندن إلى باريس ثلاثين دقيقة.
وجدت في المطار الأخ اليمني عبد الرحمن بافضل، الذي اتصل به بعض الإخوة من لندن يخبره بوصولي، ليسهل لي الاتصال ببعض المراكز الإسلامية، وبعض القسس، وبعض المسلمين الجدد الذين اعتدت أن آخذ منهم جميعاً بعض المعلومات المتعلقة بالدعوة، كلٌ في مجاله.
وقد ساعدني جزاه الله خيراً بلقاء مع الإخوة المسؤولين في اتحاد المنظمات الإسلامية ـ وقد زرتهم بعد ظهر هذا اليوم، واتفقنا أن نجتمع بهم غدا الأربعاء ـ كما حدد لي موعدا مع البروفيسور رجاء جارودي الذي أعلن إسلامه وكان قبل ذلك لا يؤمن بدين. [سيأتي الحديث عنه إن شاء الله مع التعليق على ما عنده من انحراف خطير في بعض أصول الإيمان!].

وحدد لي موعداً مع الأب المستشرق: ميشيل لولونج في الساعة الحادية عشرة من صباح الخميس بعد غد.
مع أعضاء اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا:
الأربعاء: 23/1/1408 هـ
التقيت الإخوة صباح هذا اليوم، في مكتب الاتحاد في باريس، وفضلت أن آخذ بعض المعلومات التي قد أعددت لها أسئلة ـ وهناك معلومات مكتوبة في نشرة خاصة سأوردها فيما بعد أن شاء الله ـ والإخوة هم:
الأخ أحمد جاب الله:
(ويفضل هو أن يقال جاء بالله، أي بقدرته وخلقه).
ولد سنة 1956م بتونس.
تخصصه تخرج في كلية الشريعة وأصول الدين في جامعة الزيتونة، ونال درجة الدكتوراه من جامعة السوربون، موضوع بحثه: مفهوم العمل في القرآن، وهو في باريس من سنة 1980م.
الأخ زهير شكري محمود:
ولد سنة 1952م.
تخصصه: هندسة السيطرة النووية، نال فيها شهادة الدكتوراه من جامعة ستراسبورغ، وهو عضو في إدارة الاتحاد، ورئيس الجمعية الإسلامية في مدينة ستراسبورغ، وهو في فرنسا من سنة 1978م.
الأخ عبد الله بن منصور:
ولد سنة 1959م.
تخصصه: هندسة الإلكترونيات، أستاذ في الكهرباء، أمين سر الاتحاد، ورئيس جمعية الصف الإسلامي، وهو في فرنسا من سنة 1978م.
الأخ أنيس عبد الرحمن قرقاح، جزائري:
ولد سنة 1955م. تخرج في كلية الدعوة وأصول الدين في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، سنة 1982م، وهو مسئول عن قسم الدعوة في الاتحاد، ومبعوث من الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.
والإخوة نشطون في الدعوة إلى الله منظمون في أعمالهم، ثقافتهم الإسلامية جيدة، عندهم اهتمام بجمع كلمة المسلمين ومعرفتهم بالجمعيات والمراكز الإسلامية طيبة، وكذلك متعاونون مع تلك الجمعيات.
سألت الإخوة : هل يعرف متى بدأت صلة الإسلام بفرنسا أو العكس؟
فأجاب الإخوة: عندما كان المسلمون في الأندلس وصلوا إلى جنوب فرنسا، وتوجد مدن أسست في عهد المسلمين هم الذين أسسوها، منها مدينة تولوز، كانت تسمى طالوشة ومدينة بوردو، وكانت تسمى براولة.
وتوقف المد الإسلامي في معركة تسمى معركة بلاط الشهداء في ضواحي مدينة بواتيه، والقائد الفرنسي الذي رد المد الإسلامي يسمى شارل مارتل، وهو مُعَظَّم عند الفرنسيين وتوجد منظمة فرنسية باسمه تدعو إلى إخراج الأجانب وبخاصة المسلمين من فرنسا، وقد حلت هذه المنظمة في هذا الأسبوع.
وكانت توجد صلة دبلوماسية بين شارلمان وهارون الرشيد، تبادلا الرسل والهدايا بسبب هذه الصلة، وكان ذلك في وسط فرنسا، وكانت المنطقة تسمى بلاد الغال وسكانها يسمون بالفرنجة، وكانت عاصمتها مدينة ليون.
وحكم المسلمون مدينة في جنوب فرنسا ثلاثاً وتسعين سنة (ويوجد بحث في هذا الموضوع).
وسألت الإخوة هل يعرف أول فرنسي دخل في الإسلام، ولو على وجه التقريب؟
فقالوا: هذا صعب تحديده ونحن لا نعرف شيئاً.
وسألتهم عن عدد المسلمين؟
فقالوا ـ مع شئ من الخلاف اليسير بينهم ـ: عدد المسلمين غير الفرنسيين ثلاثة ملايين تقريباً، وهؤلاء غير المتجنسين، منهم بعض المغاربة والمتجنسون يقاربون مليوناً، والأغلبية الساحقة منهم جزائريون، وبعضهم من المشرق.
أما عدد المسلمين من أصل فرنسي، فلا يوجد إحصاء دقيق، والصحف الفرنسية بعضها يبالغ في تكثير العدد، تخويفاً من تغلغل الإسلام في البلاد وأهلها، وبعضها تحاول التقليل منهم، لتدلل على عدم تغلغل الإسلام في صفوف الأوربيين.
والظاهر أن عددهم يقارب مائة ألف.
وسألتهم عن الجماعات الإسلامية الموجودة في فرنسا؟
فقالوا: إن الأخ أحمد جاب الله له بحث خاص في ذلك [وعدني أن يبعثه لي ولم يصلني إلى الآن].
وخلاصة ما ذكروا في ذلك ما يأتي:
هناك جماعتان منهجهما الفكر الإسلامي الشمولي، وهما:
أولاً: اتحاد المنظمات الإسلامية، ويشمل ثمانياً وثلاثين منظمة في فرنسا: اثنتا عشرة منظمة عاملة، وست منظمات مناصرة، وعشرون منظمة متعاونة.
ثانياً: رابطة الطلبة المسلمين في فرنسا، ولها فروع في خمس مدن وأكثرها نشاطاً في مدينة ستراسبورغ.
وتوجد جماعات إقليمية قطرية ولكن فكرها شمولي.
الجماعات الثانية: فكرها غير شمولي وتمثل هذا الاتجاه جماعة التبليغ وهم منتشرون في أنحاء فرنسا، وهم مرتبطون بالجماعة في باكستان وحصل بينهم خلاف وانقسموا إلى قسمين، وعملهم أقدم من عمل الجماعات الأخرى، وقد نفع الله بهم كثيراً من العمال المسلمين، وعملهم يقارب 90% من العمل الإسلامي.
وتوجد جماعات أخرى مرتبطة بالحكومات في الشعوب الإسلامية منها مسجد باريس والوداديات.
وتوجد جماعة صوفية، وهي تحتضن كثيراً من الفرنسيين والأفارقة.
والجماعات الكبيرة منها تتبنى فكر روني فينوه المدعو الشيخ عبد الواحد، وقد توفي وله كتب في التصوف متداولة ومنتشرة ويوجد بعض العرب وبعض المشايخ الأفارقة من السنغال يتبعهم بعض الفرنسيين.
وهناك جمعية تسمى: الجامعة العامة لمسلمي فرنسا، وهدفها الأساسي أن تمثل كل المسلمين في فرنسا، وتكون واسطة بين الجالية الإسلامية والدولة، وأخذ الاعتراف بحقوق المسلمين، ويرأسها شخص مسلم فرنسي يبدو عليه الصلاح، ولها مجلس إداري ينتخب دورياً.
وهذه الجماعة اشترك في تكوينها كل المسلمين، على اختلاف اتجاهاتهم والحكومة إلى الآن تتجاهلها، وأثرها محدود.
وتؤيد الحكومة مسجد باريس الذي حاول المسئولون فيه إفساد هذه الجماعة عندما أنشئت.
وتوجد جمعيات فرعية في المساجد والمصليات، لتدريس الأطفال.
وتوجد طائفة الإسماعيلية من الهنود والباكستانيين وهم نشطون جداً.
وكذلك توجد طائفة البهائية.
وكان للشيعة نشاط في أول الثورة الإيرانية، ولكن مركزهم الثقافي أغلق، ولهم مكتبة تسمى مكتبة أهل البيت، وقد أغلقت هذه الأيام بعد التوتر الذي حصل بين فرنسا وإيران.
وأكثر النشاط الشيعي يقوم به الشيعة العراقيون واللبنانيون وينشطون في صفوف العرب، وليس لهم منبر خاص (أي مركز).
وعدد المساجد الكبيرة في مدينة باريس وضواحيها، عشرون مسجداً تقريباً.
والمساجد التي تصلى فيها الجمعة، وهي أصغر من تلك، مائتان.
والمصليات الصغيرة كثيرة، وقد يكون عدد المساجد في فرنسا أكثر من ألف مسجد.
وسألت الإخوة: هل يمكن أن يقوم أغنياء المسلمين بإنشاء أوقاف للعمل الإسلامي، يستثمر وينفق من ثماره على الدعوة من تعليم وغيره، في فرنسا؟
فأجاب الإخوة: إن ذلك ممكن قانوناً، ولكنه يحتاج إلى دعم معنوي مع التمويل، وقد توضع سدود أمام تطبيق القانون من قبل الحكومة، خشية من دعم انتشار الإسلام في فرنسا.
قلت للإخوة: هل لاتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا صلة بالجاليات الإسلامية: رجالاً ونساءً، وأطفالاً؟
قالوا: نعم الصلة قائمة عن طريق المساجد ونشاطاتها الدورية من محاضرات وخطب جمعة ودروس عامة.
وعندنا المؤتمر الثانوي والمخيم الصيفي، وهما يستوعبان كل الأصناف والأغلب يكون من الشباب.
وتوجد لقاءات شهرية في المدن عن طريق الجمعيات، ويسعى الاتحاد إلى إنشاء معارض للكتاب الإسلامي في المدن، كما أن الاتحاد يساعد في رحلات الحج.
وتوجد جمعيات لتدريس أبناء المسلمين اللغة العربية ومبادئ الإسلام، ويوجد اهتمام خاص بالشباب المولود في فرنسا.
وسألتهم: ما صلة الاتحاد بالمسلمين الفرنسيين ومتابعتهم؟ وهل توجد جماعات إسلامية أخرى تعنى بهؤلاء المسلمين؟ وهل توجد خطط لذلك؟
قالوا: نحن نشعر بالتقصير، ونحن في بداية الاهتمام بوضع تخطيط خاص بذلك، وعندنا قطاع خاص به.
ويوجد بعض الإخوة الفرنسيين على صلة طيبة ببعض إخواننا في الاتحاد، ويحضر بعضهم في المخيمات والمؤتمرات، وأكثر من يحضر من المسلمين الفرنسيين من النساء.
قلت: هل توجد عند الاتحاد خطة مدروسة لدعوة غير المسلمين في حدود إمكاناته المتاحة الآن، أو خطة للمستقبل تنفذ على مراحل، أو هل توجد جماعات إسلامية عندها شئ من هذا؟
قالوا: من خلال النشاط العام للاتحاد يهدف إلى هذا الأمر، ولكن الجالية الإسلامية لكثرتها تأخذ من الاتحاد الجهد الأكبر لتربيتهم وحفظهم، ولهذا فالجهد الموجه إلى غير المسلمين قليل، وهو يحصل عن طريق اللقاءات العامة ومعرض الكتاب.
والاتحاد أكثر اتجاها من غيره لهذا الهدف، إلا أن الصوفيين الفرنسيين مجتهدون أكثر في دعوة غير المسلمين، وعندهم حلقات منظمة.
وسألتهم: هل تظنون أن الوسائل المتاحة الآن والتي تطبق فعلاً لنشر الدعوة بين غير المسلمين، كافية لإقامة الحجة عليهم بإبلاغهم مبادئ الإسلام العامة؟
قالوا: قطعا، لا.
قلت: هل توجد ترجمات سليمة لمعاني القرآن الكريم في فرنسا باللغة الفرنسية، مع توافرها؟ بحيث تكون في متناول الأيدي بسهولة استعارة أو شراء؟
قالوا: توجد ترجمتان: إحداهما للدكتور أحمد حميد الله [سيأتي ذكره]. والثانية للدكتور صلاح الدين كشريد، وهو تونسي، وهاتان الترجمتان هما أفضل الترجمات الموجودة، وتوجد عليهما ملاحظات شكلية.
والأولى منتشرة في السوق يمكن أن يحصل عليها من يطلبها.
وتوجد ترجمات أخرى.
وقد طبعت شركة الراجحي ترجمة حميد الله، ووزارة الأوقاف الكويتية طبعت ترجمة كشريد بصفة محدودة.
قلت: هل توجد كتب باللغة الفرنسية تعرف الناس بالإسلام وهي سليمة ميسرة؟
قالوا: توجد كتب قليلة جداً لا تؤدي الغرض، والمهم أن تؤلف كتب يراعى فيها عقلية الفرنسي.
وسألت: هل توجد كتب مؤلفة ابتداء باللغة الفرنسية أو مترجمة صالحة للنشر ولم يتيسر طبعها ونشرها للعجز المادي؟
فأجابوا: يوجد كتاب صغير ألفه إسماعيل الصيني، وهو أستاذ في إحدى جامعات المملكة العربية السعودية ويسمى مبادئ العقيدة، ولكنا لم نقرأه إلى الآن. [في فرع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالمدينة المنورة].
وعندنا مشروع للترجمة.
قلت: ما الصفات التي ترون وجوب توافرها في الداعي إلى الله حتى يؤثر في الفرنسيين؟
فأجابوا: قوة الإيمان والقدوة الحسنة، والإلمام بالثقافة المعاصرة وبخاصة ثقافة أهل البلد، وقوة الحجة، وحسن المظهر ودقة التنظيم، واللين ولطف المعاملة، والصبر وسعته.
والإلمام بلغة القوم بل إتقانها، ومعرفة البيئة وتربية المجتمع وواقعه.
وسألتهم: ما العقبات التي تواجه العمل الإسلامي في فرنسا وما سبيل التغلب عليها؟
فأجابوا:
1- قلة الدعاة الموجهين والعلماء الشرعيين الذين يوثق في علمهم.
2- بعد أكثر المسلمين الموجودين في فرنسا عن دينهم، ولذلك يكون سلوكهم قدوة سيئة.
3- الخلاف بين الجماعات الإسلامية وعدم التعاون بينها.
4- ضعف الإمكانات المالية.
5- غياب المنابر الإعلامية (وللإعلام تأثيره الكبير).
6- عقدة الخوف عند المجتمع الفرنسي من الإسلام، والصورة السلبية التي ارتسمت في ذهنه عن الإسلام.
7- عدم استقرار القائمين على العمل الإسلامي، وعدم وجود متفرغين للدعوة، بحيث يكونون قائمين بفرض الكفاية.
8- عدم وجود القدوة الحسنة في تطبيق الإسلام حكماً في الشعوب الإسلامية.
9- قلة المثقفين الملتزمين بالإسلام الذين يمكن أن يؤثروا في المجتمع الفرنسي.
10- غياب القوة الاقتصادية للمسلمين، بخلاف اليهود مثلاً.
11- غياب الثقل السياسي للمسلمين.
12- مناوأة العاملين للإسلام من بعض زعماء الشعوب الإسلامية، وملاحقتهم بالإيذاء والتشويه حتى في البلدان الأجنبية.
وأكد الإخوة بعد هذه المناقشات والمعلومات، على أن تحاول المؤسسات الإسلامية كالجامعات ومؤسسات الدعوة، أن تتعاون معهم ببعث محاضرين ودعاة في الإجازات وفي المناسبات، كالمخيمات والمؤتمرات، وكذلك بعث بعض الكتب الإسلامية، والتعاون معهم في إقامة بعض مشروعاتهم المهمة التي ينقصها الدعم المادي والكفاءات البشرية، كترجمة معاني القرآن الكريم أو تأليف بعض الكتب أو ترجمتها باللغة الفرنسية وطبعها ونشرها.
معلومات عن اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا:
(أخذت من نشرة مطبوعة للاتحاد).
توطئة:
تعتبر فرنسا من أهم وأكبر دول أوروبا، وللمسلمين معها تاريخ طويل فقد وصلوا فاتحين إلى " بواتيه " (POITIERS) التي تبعد ثلاثمائة وعشرين كيلو متراً إلى الجنوب الغربي من باريس، ثم انقلب الوضع فدخلت فرنسا إلى المغرب العربي، ثم احتلت بعد الحرب العالمية الأولى كثيراً من البلاد الإسلامية من أفريقيا السوداء، بالإضافة إلى الجزائر وتونس والمغرب وسوريا ولبنان، وإذا كانت الآن قد انسحبت من هذه البلدان، فإنها لا تزال تُعتبر لكثير من الأسباب البلد المفضل لهجرة الكثير من المسلمين من أبناء هذه البلدان إليها، طلباً للعلم أو العمل، حتى بلغ عدد المسلمين المقيمين في فرنسا، حوالي ثلاثة ملايين في إحصاء نهاية 1982م، منهم حوالي مليونين ونصف مليون من العرب.
إن هذه الجالية العربية الإسلامية في فرنسا تعتبر الأولى في أوروبا، إذ يبلغ عدد المسلمين في ألمانيا مليونين ونصف مليون، منهم أكثر من مليون ونصف من الأتراك، ويبلغ عدد المسلمين في بريطانيا مليونين ونصف المليون [ويقدره بعض المسلمين في بريطانيا بمليونين] أكثرهم من شبه القارة بالهندية وجنوب شرق آسيا، أما المسلمون في سائر الدول الأوروبية الأخرى، فهم أقل من ذلك بكثير، إذ يبلغ عددهم في إيطاليا مائة وخمسين ألفاً، وفي أسبانيا حوالي مائة وعشرين ألفاً، وفي سويسرا خمسة وثلاثين ألفاً، وهكذا...
إن ثلاثة ملايين مسلم يحتاجون إلى وزارة أوقاف كاملة بكل أجهزتها، ومعها وزارة تربية أيضاً لو كانوا في بلاد إسلامية فكيف وهم يعيشون في فرنسا التي تعتبر من أهم مراكز الحضارة الغربية الحديثة؟ [بل يحتاجون إلى دولة فيها كل الوزارات، فبعض الدول في الشعوب الإسلامية لو جمع عدد منها لم يبلغ سكانها هذا العدد!!].
لمحة عن أوضاع المسلمين في فرنسا:
إن المسلمين في فرنسا ينقسمون إلى فئات متعددة:
1- عمال في المصانع، أو أصحاب محلات صغيرة، وهم محدودو الدخل وبعضهم يرسل مساعدات لأهله، والبعض الآخر أتى بأهله معه إلى فرنسا ودخله لا يكاد يكفي نفقاته، لولا المساعدات الاجتماعية الكثيرة التي تقدم في فرنسا لكل مقيم مهما كانت جنسيته الأصلية.
2- طلاب: يأتون إلى فرنسا من أجل إكمال دراستهم الجامعية، وأكثر هؤلاء يأتون من بلاد المغرب العربي بغير منح دراسية، ويشجعهم على ذلك أن الدارسة في فرنسا بغير رسوم تقريباً، ويعملون أيام العطل في الصيف، أو في الليالي من أجل تأمين نفقاتهم المعيشية.
3- مسلمون هاجروا إلى فرنسا أثناء حرب الجزائر، وعند استقلالها منحتهم فرنسا الجنسية الفرنسية، ويزيد عددهم عن ستمائة ألف نسمة، ومعظمهم يعيش في ظروف صعبة، وخاصة الأبناء الذين ولدوا وتربوا في فرنسا، وهم يضربون في التيه والضياع.
4- مسلمون من أصل فرنسي، وهم يتكاثرون كل يوم، إلا أنهم عرضة للضغوط والمعوقات مع المجتمع، بالإضافة إلى أنهم في حاجة إلى من يرشدهم ويعلمهم قواعد الدين الإسلامي، وهذه الفئات تشترك في أنها محدودة الدخل.
العائلات والأبناء:
وهناك نسبة لا بأس بها من العمال المسلمين يأتون بزوجاتهم وأولادهم، ويقيمون في فرنسا بشكل مستقر، وهناك نسبة من الطلاب ـ خاصة المتدينين منهم ـ يتزوجون لحماية أنفسهم من الانحراف، وبعضهم ينجبون الأولاد و تتأخر دراستهم وتطول إقامتهم في فرنسا، حتى يكبر أولادهم ويدخلوا المدارس.
إننا نقدر عدد أولاد المسلمين الذين في سن الدراسة بحوالي خمسمائة ألف تلميذ ـ إذ ليس هناك إحصاء رسمي - يتعلمون في المدارس الفرنسية، وكثير منهم لم يعد يعرف شيئاً عن اللغة العربية، فضلاً عن القرآن الكريم .
بل إن كثيراً من الآباء، لم يعودوا قادرين على التفاهم مع أولادهم، لأنهم لا يعرفون إلا العربية، والأولاد لا يعرفون إلا الفرنسية.
أما المدارس العربية الرسمية، فهناك مدرستان فقط في باريس، هما المدرسة العراقية والمدرسة الليبية، ولا يتجاوز طلاب المدرستين ألف طالب.
تحرص بعض الجمعيات والمساجد على تعليم أولاد المسلمين اللغة العربية ومبادئ الإسلام في أيام العطل، ولكن ضعف إمكانيات هذه الجمعيات وعدم توافر المكان المناسب، والمعلم المناسب في كثير من الأحيان، يجعل إقبال المسلمين على إرسال أولادهم ضعيفاً، ولو أخذنا مدينة باريس كمثال فإننا نقدر، وهذا ليس إحصاءاً رسمياً، أن عدد أولاد المسلمين الذين يتعلمون العربية والإسلام في مختلف المساجد والمراكز الإسلامية في باريس وضواحيها، لا يزيدون عن ألفين في أحسن الحالات، بينما يسكن في باريس وضواحيها حوالي مليون من المسلمين.
وفيهم من الأولاد في سن الدارسة ما لا يقل عن مائة ألف تلميذ.
وإذا كان منهم ألف في المدرستين العربيتين الرسميتين، وألفان يتعلمون العربية والإسلام في المساجد والمراكز الإسلامية، فإن الباقي ـ أي أكثر من تسعين ألفاً ـ يتعلمون في المدارس الفرنسية.
أي مستقبل ينتظر هؤلاء؟ ومن المسؤول عنهم أمام الله؟
المساجد والجمعيات:
إن الصحوة الإسلامية المعاصرة امتدت إلى فرنسا، فلا تكاد تجد مجموعة من المسلمين في أية مدينة فرنسية، إلا ويحرصون على أن يكون لهم مسجد يؤدون فيه الصلوات.
لكن هذه الصحوة الآن هي مجرد اندفاع نحو الإسلام وعاطفة طيبة، من النادر أن يرافقها وعي إسلامي صحيح، وإذا لم يتركز العمل لإيجاد هذا الوعي فإن كثيراً من المشكلات ستزداد.
إن عدد المساجد والمصليات في فرنسا يزيد عن ألف مسجد ومصلى، في إحصائنا غير الرسمي.
وفي إحصاء أجراه مكتب رابطة العالم الإسلامي في باريس، بلغ عدد المساجد في فرنسا خمسمائة وستين مسجداً، ولا تزال هناك العشرات من المساجد المجهولة والتي تحتاج إلى اكتشاف.
كل مسجد أو مصلى له جمعية ترعاه، وهي قد تكون قائمة على شخص واحد في كثير من الأحيان، وقد تضم مجموعة من المسلمين طلاباً أو عمالاً في بعض الأحيان، وعادة يتم الإنفاق على المساجد من تبرعات المصلين، وقد كان مكتب رابطة العالم الإسلامي في باريس يسهم في نفقات بعض هذه المساجد، ولذلك غالباً ما يقتصر النشاط على الصلوات الخمس وخطبة الجمعة، يتبرع بالقيام بها أحد المسلمين ممن لديهم إلمام بالشريعة أكثر من غيرهم، ولا توجد دروس لأنه لا يوجد من يدرس.
أما تعليم أبناء المسلمين العربية ومبادئ الإسلام و القرآن الكريم، فهذا يقتصر على عدد محدود من المساجد والجمعيات التي يسر الله لها مسؤولين نشطين.
اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا:
هذا الواقع الذي أشرنا إليه بإيجاز، دفع مجموعة من الجمعيات الإسلامية العاملة إلى التداعي إلى الاجتماع، والتشاور فيما يجب عمله، وبعد سلسلة من الاجتماعات خلال سنة 1983م، تم الاتفاق على إنشاء اتحاد للمنظمات الإسلامية في فرنسا، وحددت أهدافه وهيئاته، وفق النظام المصاحب، وتقدمت الجمعيات المذكورة بطلب للحصول على رخصة رسمية من السلطات الفرنسية، وتم ذلك، وصدرت الموافقة الرسمية على إنشاء الاتحاد بتاريخ 3أغسطس 1983م، وشكل مجلس الإدارة التأسيسي من:
1-الدكتور أحمد محمود، عن رابطة المسلمين بفرنسا (مدينة نانسي) رئيساً.
2-الدكتور زهير محمود، عن الجمعية الإسلامية لشرق فرنسا (مدينة ستراسبورغ) أميناً.
3-الدكتور خلدون موسى محمد، عن المركز الثقافي الإسلامي (مدينة بيزانسون) أميناً للمال.
ثم انضمت للاتحاد المنظمات الإسلامية التالية:
1-جمعية الصف الإسلامي في فرنسا. مدينة أميان.
2-جمعية رابطة المسجد والمركز الإسلامي. مدينة رانس.
3-الرابطة الاجتماعية والثقافية الإسلامية. مدينة ليل.
4-الجمعية الثقافية للتوجيه والتربية الإسلامية. مدينة مرسيليا.
5-التجمع الإسلامي في فرنسا. مدينة باريس.
6-الجمعية الإسلامية لغرب فرنسا. مدينة نانت.
7-الاتحاد الإسلامي بليموج. مدينة ليموج.
8-جمعية مسلمي لاجيروند. مدينة بوردو.
9-جمعية المسلمين بالألب ماريتيم. مدينة نيس.
وتوجد هذه الجمعيات في المدن الفرنسية الرئيسية.
وتم تشكيل المجلس الإداري للاتحاد من الإخوة:
1-القاضي الشيخ فيصل مولوي. مرشداً دينياً.
2-الدكتور أحمد محمود. رئيساً.
3-الدكتور زهير محمود. أميناً للمال.
4-الأستاذ عبد الله بن منصور. أميناً للسر.
5-الدكتور خلدون موسى محمد. عضواً.
6-الأستاذ محمد الهادي الزمزمي. عضواً.
أما المجلس الإداري الحالي للاتحاد فيتكون من:
1-القاضي الشيخ فيصل مولوي. مرشداً دينياً.
2-الدكتور أحمد جاء بالله. رئيساً.
3-الأستاذ عبد الله بن منصور. أميناً للسر.
4-الدكتور محمد جمال. أمينا للمال.
5-الشيخ أنيس قرقاح. عضواً.
6-الدكتور زهير محمود. عضواً.
7- الدكتور عبد الرحمن. عضواً.
المنظمات العاملة في الاتحاد:
الصف الإسلامي في فرنسا - أميان:
تكونت هذه الجمعية في مستهل سنة 1983م بمدينة أميان التي يسكنها أكثر من ثمانية آلاف من المسلمين، أغلبهم من أصل جزائري، منحتهم فرنسا الجنسية الفرنسية عام 1962م، ويحتاج هؤلاء إلى رعاية خاصة، لشدة الضغط من المجتمع الفرنسي عليهم وعلى أبنائهم الذين ولدوا ونشأوا في فرنسا منقطعين عن قيمهم الإسلامية ولغتهم العربية، وتسعى الجمعية (الصف الإسلامي) إلى الاهتمام بالجالية الإسلامية في مدينة أميان ومساعدة المسلمين على القيام بواجباتهم الدينية وتعليم أبنائهم وحل مشكلاتهم.
جمعية المسلمين بلاجيروند ـ بوردو:
تعتبر مدينة بوردو من أهم المدن الفرنسية، وهي تحوي جالية إسلامية كبيرة، وقد تأسست هذه الجمعية في فيفري سنة 1981م، واستطاعت بفضل الله تعالى شراء مكان أقامت فيه جامع الهدى الذي يشرف على أنشطة هذه الجمعية المختلفة:
1- إقامة المساجد وتسهيل أداء الشعائر التعبدية للمسلمين.
2- المحافظة على الشخصية الإسلامية بما يأتي:
( أ ) تنسيق دروس مسجدية للرجال وأخرى للنساء.
( ب) تدريس العربية وتحفيظ القرآن الكريم وتعليم الإسلام للأطفال.
( ج ) تعريف الفرنسيين بمبادئ الإسلام الحنيف.
( د ) إحياء المناسبات الإسلامية والقيام بأنشطة عامة (مهرجانات مؤتمرات فيديو).
( هـ ) تقديم مساعدات للطلبة المسلمين وإعانتهم على حسن الاستقرار بمدينة بوردو.
الاتحاد الإسلامي بليموج:
تكونت جمعية الاتحاد الإسلامي بليموج عام 1983م بمدينة ليموج في وسط فرنسا، وجعلت الجمعية من أول مهامها الحصول على مكان للعبادة، لكل المسلمين في المدينة، وعددهم يقارب خمسة آلاف مسلم، وتم بحمد الله شراء أرض منذ زمن قريب، ويسعى الاتحاد إلى جمع التبرعات لبناء قاعة الصلاة.
ومن أنشطة هذه الجمعية التربية الدينية للمسلمين، وتعليم اللغة لأبناء الجالية الإسلامية، ودعوة العلماء والدعاة المسلمين لإلقاء الدروس والمحاضرات.
رابطة المسلمين في اللورين ـ نانسي:
تأسست هذه الجمعية بمدينة نانسي في مقاطعة اللورين سنة 1981م، وكان اسمها رابطة المسلمين في فرنسا، وهي تعمل على إعانة المسلمين على القيام بشعائرهم التعبدية وتعليم العلوم الإسلامية للرجال والنساء وتعليم اللغة العربية و القرآن الكريم لأبناء المهاجرين، وللجمعية مشروع ترجو الله أن يعينها على تخطي العوائق التي تعترضها مادية كانت أو قانونية.
جمعية المركز الثقافي الإسلامي بفرانش كونتاي:
تأسست جمعية المركز الثقافي الإسلامي بفرانش كونتاي في صيف سنة 1981م، في مدينة بيزانسون، واستطاعت في بداية تأسيسها الحصول على مكان من السلطة الفرنسية للصلاة والتعليم، إلا أن السلطة استرجعت المكان بعد مدة، وبقي المسلمون، وهم عدة آلاف بدون قاعة للصلاة.
وبالرغم من ذلك فقد تمكنت الجمعية من القيام بعدة أنشطة للاهتمام بالمسلمين من توفير للكتاب الإسلامي، واستضافة العلماء والدعاة لإلقاء الدروس والمحاضرات، إلى تعليم الأبناء وتحفيظهم القرآن...
الرابطة الاجتماعية الثقافية الإسلامية ـ ليل:
تأسست هذه الجمعية في سنة 1982م بمدينة ليل الواقعة في شمال فرنسا، قرب الحدود البلجيكية، وللجمعية أنشطة متنوعة، منها الثقافية كتعليم الأطفال، وتثقيف العمال المسلمين، ومنها الدينية كتحفيظ القرآن للناشئة وإحياء المناسبات الدينية، ومنها الاجتماعية كالاهتمام بالعائلات المسلمة.
وقد اشترت الجمعية أرضاً لبناء مركز إسلامي ثقافي، وتسعى الآن لإيجاد المال اللازم والدعم الضروري لبداية البناء.
جمعية المسلمين بالألب ماريتيم - نيس:
تأسست هذه الجمعية في بداية سنة 1979م بمدينة نيس في أقصى الجنوب الفرنسي، ولها عدة أنشطة متنوعة، أهمها تعليم أبناء المسلمين مبادئ الدين الإسلامي واللغة العربية، وقد حققت الجمعية في هذا الميدان نتائج جيدة.
كما تشرف الجمعية على كل مساجد المدينة وتنظم فيها الدروس والحلقات والخطب، وتدعو إليها الدعاة والعلماء لترشيد المسلمين.
وتسعى الجمعية إلى جانب ذلك لتوفير مركز إسلامي، بحجم ضخامة الجالية الإسلامية في المنطقة، وتقيم أنشطتها في مكان مستأجر.
التجمع الإسلامي في فرنسا ـ باريس:
تأسست هذه الجمعية سنة 1979م، ولها أنشطة متنوعة، بحكم وجودها في باريس التي تحوي جالية إسلامية ضخمة تتجاوز مليون نسمة.
ومن أهم أنشطة التجمع الإسلامي النشاط المسجدي، حيث ينظم الدروس والخطب في العديد من مساجد باريس وضواحيها، وكذلك المحاضرات والندوات التي تدعو لها رجال الفكر الإسلامي والموجهة خصوصاً للرأي العام الفرنسي. [يظهر لك من النشاطات التي تذكرها الجمعيات قلة النشاط الموجه لغير المسلمين].
كما ينظم التجمع الإسلامي معرضاً سنوياً للكتاب الإسلامي، يدوم أربعة أيام، ويقوم كذلك بزيارة المستشفيات، وزيارة المساجين المسلمين، ومراقبة المذابح التي تصدر اللحوم إلى بعض الدول الإسلامية، وغير ذلك من أنشطة كثيرة ومتنوعة.
كما اهتم التجمع الإسلامي بأبناء الجيل الثاني من المسلمين، وينظم لهم تعليم القرآن والعربية على حسب إمكاناته.
ويسعى التجمع الإسلامي لإنشاء مركز إسلامي يستوعب الجالية المسلمة الكبيرة في باريس، ولكن هذا المشروع يحتاج إلى كثير من الدعم.
رابطة المسجد والمركز الإسلامي بـ(رانس):
تأسست هذه الرابطة سنة 1980م بمدينة رانس، وهي تشرف على عدد من المساجد في رانس، وتنظم الدروس، وخطب الجمعة في كل مساجد المدينة.
ومن أنشطتها كذلك تدريس الأطفال، والقيام على مكتبة كبيرة للكتب، والأشرطة الإسلامية، وللجمعية مشروع بناء مركز إسلامي في مدينة رانس...
الجمعية الإسلامية لغرب فرنسا ـ نانت:
تأسست هذه الجمعية بمدينة نانت في غرب فرنسا، وكان من جملة أهدافها:
1-جمع صفوف المسلمين بالمنطقة.
2-إيجاد إطار منظم للعمل والنشاط الإسلامي بمدينة نانت، وناطق رسمي باسم الجالية الإسلامية بالمنطقة، يمثلها لدى السلطة المحلية.
3-إحياء الدعوة إلى الإسلام ونشرها بين صفوف الجالية المسلمة عمالاً وطلاباً، ومن وسائل الجمعية في تحقيق أهدافها:
( أ ) فتح المساجد والمراكز الإسلامية الثقافية.
(ب) تعليم الدين والثقافة الإسلامية، بتنظيم حلقات ودروس وندوات ولقاءات شهرية بالمساجد.
(ج ) تدريس العربية لأطفال الجالية المسلمة بعدة مراكز في المدينة.
الجمعية الإسلامية بالبيرينيه أطلنطيك ـ (بو):
تأسست هذه الجمعية في شهر مارس سنة 1984م بمدينة: (بو) الواقعة في الجنوب الغربي، قرب الحدود الأسبانية، وللجمعية أنشطة كثيرة ومتنوعة خاصة وتربية الأشبال من الجيل الثاني من أبناء المسلمين، حيث حققت الجمعية في هذا المجال نتائج حميدة، وصار أشبال المدينة (بو) يحضرون مؤتمرات ومخيمات الاتحاد، ويعرضون فيها حفظ القرآن الكريم والأناشيد والمسرحيات الإسلامية.
الجمعية الإسلامية لشرق فرنسا ـ ستراسبورغ:
تأسست هذه الجمعية سنة 1983م، بمدينة ستراسبورغ الواقعة في شرق فرنسا على الحدود الألمانية، وهي تقوم بالإشراف على بعض المصليات في مدينة ستراسبورغ وضواحيها، ومن نشاطاتها نشر المعرفة والفكر الإسلامي بين أوساط المغتربين والفرنسيين على السواء...
وهناك جمعيات معاصرة للاتحاد وأخرى متعاونة، وفقها الله كلها لاتحاد الكلمة وأداء الواجب.
من إنجازات الاتحاد:
( 1 ) مسألة الحجاب:
اعترضت المسلمات الفرنسيات والمسلمات المقيمات في فرنسا صعوبات كثيرة، عند استخراج الأوراق الرسمية كجواز السفر أو بطاقة التعريف وغيرها، وذلك لأن القوانين الفرنسية تمنعهن من تقديم صورة فوتغرافية وهن بالحجاب، فتقدم اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا بمذكرة لوزير الداخلية الفرنسي يطلب فيها السماح لهن بذلك مراعاة لمبادئ الإسلام، وأجاب وزير الداخلية بالموافقة سنة 1983م بعد موافقة البرلمان الفرنسي على ذلك.
( 2 ) مسألة التعليم:
شعوراً منه بأن مسألة تعليم أطفال المسلمين اللغة العربية و القرآن الكريم، ذات أهمية قصوى وخطورة بالغة، كلف اتحاد المنظمات الإسلامية لجنة من المدرسين للقيام بدراسة ميدانية حول مستلزمات التدريس في أغلب المدن الفرنسية، ووضع منهاج متكامل لتعليم أطفال المسلمين، يراعي ظروف تجمعاتهم في فرنسا، ووضعت لتنفيذه مشروع كتاب وكراسات تحتوي إلى جانب تعليم اللغة العربية على تعريف بأركان الإسلام، وأخلاقه، زيادة على حفظ القرآن الكريم وتدريسه، والاتحاد مقبل على طبع الكتاب والكراسات وتوزيعها.
( 3 ) التقويم السنوي:
حرصاً على توحيد المسلمين، وحداً للاضطراب الذي كان حاصلاً فيما يخص مواقيت الصلاة في فرنسا، دعا اتحاد المنظمات الإسلامية لجنة شرعية فلكية، لتضع للمسلمين في فرنسا توقيتاً للصلاة، يتم إلى جانب انضباطه بالقواعد الشرعية بالدقة البالغة والحساب الدقيق، وبعد دراسة متأنية وضعت اللجنة توقيتاً لأغلب المدن الفرنسية، يخرجه الاتحاد في تقويم سنوي، يوزع في كل فرنسا.
ويعمل الاتحاد دوماً على تطوير هذا التقويم، الذي يشمل زيادة على المواقيت المضبوطة، باقة من الأحاديث النبوية الشريفة، ومجموعة من النصائح والمواعظ باللغتين: العربية والفرنسية، إلى جانب عدد كبير من عناوين الجمعيات الإسلامية في فرنسا.
( 4 ) بيت الزكاة:
قام الاتحاد بتأسيس بيت الزكاة، شعوراً منه بالحاجة الماسة لهذا المشروع الإسلامي الهام، وقد عبر كثير من المسلمين في فرنسا في عدة مناسبات عن حيرتهم في إخراج زكاة أموالهم وإيصالها إلى المستحقين.
إن مشروع بيت الزكاة سيحقق بإذن الله أهدافاً عدة أهمها:
1- تذكير المسلمين بفريضة الزكاة، حتى يؤدوها ولا يغفلوا عنها.
2- مساعدة المزكين على إيصال زكاتهم إلى المستحقين وإنفاقها في مصارفها الشرعية...
3- تحقيق التكافل بين المسلمين...
ولبيت الزكاة حساب بنكي خاص باسم اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا، تحت إشراف فضيلة الشيخ فيصل مولوي الموجه الديني للاتحاد.
( 5 ) تبرعات أفغانستان:
قياماً بواجب النصرة نحو المجاهدين في أفغانستان وعائلاتهم، درج الاتحاد على تقديم المساعدات من أدوية وأغطية وملابس وغيرها، إلى المجاهدين في أفغانستان، وكذلك دعوة مندوبيهم إلى ملتقيات ومؤتمرات الاتحاد، للحديث عن الجهاد وجعل القضية الأفغانية حية في أذهان المسلمين، كما قام الاتحاد بفتح صندوق خاص بجمع التبرعات والمساعدات للمجاهدين.
( 6 ) الأطعمة الحلال:
دأب اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا منذ تأسيسه على الاهتمام بمسألة الأطعمة الحلال، فكتب إلى أغلب منتجي المواد الغذائية في فرنسا رسالة يلفت فيها اهتمامهم إلى ضخامة الجالية الإسلامية، ويحثهم فيها على إنتاج مواد خالية من الدهنيات المستخرجة من لحم الخنزير، ويطلب منهم أن يوضحوا التركيب بدقة على المغلفات والمعلبات، وقد أجاب بعضهم إجابات مشجعة، كما طلب الاتحاد من بعض الاختصاصيين في التغذية القيام بدراسة حول مسألة الأطعمة الحلال، سيصدرها الاتحاد إن شاء الله.
( 7 ) قسم الإعلام:
أهتم هذا القسم بإصدار نشرة: "النبأ" التي تحتوي على ما يصدر عن وسائل الإعلام في فرنسا، حول الإسلام و المسلمين، وترجمة ذلك بالعربية وإرساله إلى المجلات والصحف والهيئات والمؤسسات الإسلامية في العالم، ليكون في متناول يدها مادة إخبارية جاهزة.
كما قام قسم الإعلام بإنتاج بعض الأشرطة الصوتية والمرئية ونشرها في فرنسا، وتوفير أشرطة الفيديو التي تتناول موضوعات إسلامية وتوزيعها على المسلمين في هذه البلاد، بعد أن غزا الفيديو كل البيوت.
ويقوم قسم الإعلام كذلك بمتابعة الأخبار وإعداد الملحقات الصحفية حول أهم قضايا المسلمين في فرنسا.
( 8 ) المؤتمرات واللقاءات:
يقيم اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا مؤتمراً سنوياً، يدعى له مجموعة من العلماء والمحاضرين والدعاة، وتدرس فيه العديد من القضايا الإسلامية المعاصرة، كما تطرح فيه مشكلات المسلمين في فرنسا، وطرق معالجتها.
ويتعاون الاتحاد مع عدد من الجمعيات الإسلامية على عقد مؤتمرات جهوية دورية، تعالج مشكلات المسلمين في المناطق.
( 9 ) المخيم الصيفي:
يعقد اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا مخيماً صيفياً سنوياً، يشترك فيه عدد من الشباب المسلم إلى جانب جناح خاص بالنساء، وكذلك الأشبال، ويتناول المخيم موضوعاً أساسياً، تلقى حوله المحاضرات والدروس والندوات، ويدعى لذلك عدد من العلماء والدعاة من داخل فرنسا وخارجها.
كما يحتوي برنامج المخيم على فقرات متنوعة، كالرياضة والمسابقات الثقافية والندوات.
وللاتحاد مشاريع يرغب تنفيذها في المستقبل وهي ذات أهمية لأنها تخدم المسلمين في تحقيق القيام بشعائرهم التعبدية وتعليم أبنائهم وأسرهم ونشر الوعي والتربية في أبنائهم ونشر الإسلام بين غير المسلمين.
وكل ذلك يحتاج إلى دعم من الذين أقدرهم الله تعالى على المساعدة بما حباهم من أموال. [إنني أنقل هذه النشاطات التفصيلية لأمور: الأمر الأول: بيان الجهود التي يقوم بها بطلائع دعاة الإسلام في البلدان غير الإسلامية، وهذا يعتبر من تاريخ المسلمين الذي ينبغي حفظه وتدوينه، فإن كثيرا من تاريخ المسلمين في العالم يضيع لعدم تدوينه. الأمر الثاني: تنبيه ذوي الغنى على أن يسهموا مما رزقهم الله في إعانة الجمعيات الإسلامية النشيطة لتقوم بواجب الدعوة إلى الله في صفوف المسلمين وغيرهم، وكذلك حث المؤسسات الإسلامية على بعث دعاة متفرغين يساعدون هذه الجمعيات على أداء واجبها. الأمر الثالث: أن تستفيد الجمعيات الإسلامية في العالم، بعضها من بعض لأن بعض الجمعيات قد تكون ناشئة لا توجد عندها خبرة فتستفيد من الجمعيات ذات الخبرة السابقة].
حوار مع البروفيسور رجاء جارودي:
اتصل الأخ عبد الرحمن بافضل بالأستاذ رجاء جارودي يوم الاثنين ليحدد لي معه موعداً، فقال له: اتصل بي غدا الثلاثاء لأخبرك بالموعد.
واتصل به أمس الثلاثاء فحدد له اللقاء اليوم الأربعاء، ما بين الساعة الخامسة والسادسة مساء، وعين لنا مقهى من المقاهي نلتقي فيه، فقلت للأخ عبد الرحمن: المقهى لا يصلح لهذا اللقاء، لأنه سيكون فيه ضوضاء فلا نتمكن من أخذ المعلومات والمناقشة كما ينبغي، وقد أضطر إلى أن أسجل المقابلة في شريط عندما لا أستطيع نقل الكلام بالنص، وإن كانت كتابتي والحمد لله تمكنني من ذلك في حينه تقريباً، فإذا أمكن أن يأتينا إلى الفندق ونقعد في غرفتي فهو أفضل، فاتصل به وأخبره بذلك فوافق.
وفي الساعة الخامسة والربع وصل الأستاذ رجاء جارودي إلى الفندق.
اللهم سلم.. اللهم سلم!
ذهب معنا إلى الغرفة وقد استقبلناه في قاعة الانتظار في فندق "إركاد" (ARCADE).


فجلست أنا وهو في الغرفة، ونزل الأخ عبد الرحمن بافضل لإحضار القهوة والشاي، وكان جارودي قاعداً على الكرسي، والجو في هذا اليوم كان صحواً، وفيه شئ من الحرارة، والغرفة ليست واسعة ومكيفها بخيل، وأشعة الشمس تتخلل النافذة، فرأيت جارودي يفتح ربطة عنقه، ثم نزع معطفه (الجاكت) وعلقه، وكان ينفخ، ثم استأذن ليستلقي على السرير، وسمعته وهو يقول: مشكلة باللغة الإنجليزية، ووضع يده على رأسه وهو ينفخ، فساورني الخوف، وخشيت أن يكون ملك الموت قد حضر لينقله من دار الدنيا إلى دار الآخرة - التي عرفت فيما بعد أن جارودي لا يؤمن بها - وإذا قدر الله ذلك ففارق الحياة في غرفتي وقد جاء في هذه اللحظات، فماذا ستقول سلطات الأمن في باريس عن هذا الحدث؟ وبخاصة أن المشكلات التي تسمى إرهابية على أشدها في فرنسا، فدعوت الله في نفسي ولجأت إليه مكرراً: اللهم سلم، اللهم سلم.
وقد كنت أسارقه النظر إلى وجهه وهو مغمض عينيه، وفي بعض الأوقات يفتح عينية ويبتسم، والرجل لا يفهم لغتي وأنا لا أفهم لغته، ولكني كنت أفهم أنه متعب، وهو يفهم أني قلق مما يجري، على حد قول الشاعر في الحمامة التي كانت تغرد عنده حزينة، وهو يبكي كذلك حزيناً بسبب غربته:
واستبطأت صاحبي - عبد الرحمن - وفتحت باب الغرفة والنافذة ليدخل الهواء، والتفت جارودي إليَّ، وأشار إلى بيت الخلاء فدخل وأخذ غَرْفة من الماء ومسح بها وجهه وابتسم، ثم استلقى مرة أخرى على السرير.
وجاء صاحبي بالعصير والقهوة، فاستقبلته في الباب وقلت له - مخافتاً -: الرجل متعب وحالته مزعجة! فصب العصير في الكأس وناول جارودي.
وتحرك جارودي على جنبه وتناول العصير وشرب.... ثم قال - وهو مستلق -: هات ما عندك من أسئلة! فتنفست الصعداء وحمدت الله على سلامته.
ثم بدأت أسأله بعض الأسئلة، فلم يجب في حينه على كثير منها، وإنما أحالني إلى بعض مذكرات سلمها لي، وقال: إن أجوبتك على هذه الأسئلة موجودة في هذه الأوراق، وهي باللغة الفرنسية، وإذا وجدت من يترجمها لي بدقة فسأكتب منها فيما بعد ما أراه مناسباً لأسئلتي..
والآن أكتب ما قاله بلسانه حرفياً:
السؤال الأول: قلت له: ما الأسلوب الذي يقترحه لعرض الإسلام في أوربا؟
ناولني المذكرة الأولى، وقال: هذا جواب سؤالك بالضبط عن الطريقة التي ينبغي عرض الإسلام بها في أوربا، كما أردت.
السؤال الثاني: هل يمكن أن يستمر الغرب في منح الحرية الموجودة الآن للمسلمين في نشر دينهم، ولو رأى الإسلام ينتشر بكثرة في الغرب؟
فأجاب: هذا من الخيال أن تظن أن الغربيين سيدخلون في الإسلام بأعداد كبيرة، ولكن العقبة الرئيسية في طريقة انتشار الإسلام وفهم الناس له هو إعطاء صورة مشوهة للإسلام، والصورة المشوهة هذه تأتي من جانبين:
من جانب أعداء الإسلام، ومن جانب أصحابنا - يعني المسلمين - والغريب في القضية أن الذين يتكلمون عن الإسلام هنا، يأتون من الشرق وهم لا يفهمون مشكلاتنا ولا يستطيعون الإجابة عن الأسئلة التي تثار هنا، ويمكن أن أعطي مثالاً على هذا:
عندما جاء شيخ الأزهر - جاد الحق - إلى هنا، وتحدث في التلفزيون، أساء إلى الإسلام في عشر دقائق، أكثر مما فعل أعداء الإسلام في سنوات طويلة، ولو أراد أن يخدم الإسلام لبقي هناك وما جاء يتحدث عنه هنا. [الرجل الآن يرى أن علماء المسلمين لا يفقهون مشكلات الغرب حتى يتمكنوا من معالجتها ـ هكذا يظهر وكلامه صحيح في من لا يفهم أحوال القوم ويجيد لغتهم ـ ولكنه مغرور بنفسه ويرى نفسه أكثر أهلية من الذين تفقهوا في الدين وتخصصوا فيه وبخاصة في أصول الإيمان كما سيأتي].
قلت له: ما صفات الداعية المسلم الذي يمكن أن يؤثر في الغرب؟
فقال: أولاً قبل أن يتحدث عن الإسلام هنا، يجب أن يسمع ماذا يقول الناس.
توجد مشكلات واضحة تنتظر حلولاً مثل القنبلة الذرية. وقنبلة هيروشيما التي قتلت سبعين ألفاً في لحظات، ليست شيئاً بجانب ما هو موجود الآن، فعندنا اليوم في العالم ما يعادل مليون قنبلة من قنابل هيروشيما، هذه أول مشكلة.
وفي مجال الأحياء والبيولوجيا، استطاعوا أن يلعبوا بالجينات حتى يحولوا الإنسان إلى عملاق وحش.
ومن المشكلات الموجودة - هنا في الغرب - وجود مخزون من اللحوم ومن الزبدة، تصرف على حفظها مليارات، من أجل تخزينها في المستودعات والثلاجات، في وقت مات فيه من الجوع في سنة واحدة فقط - العام الماضي - أربعة وثمانون مليون شخص بسبب الجوع.
وماذا عن مشكلات ديون العالم الثالث؟
لو حددنا هذه الديون المطلوب دفعها للغرب، وما تبعها من فوائد وأرباح لم يبق للعالم الثالث شئ يقتات منه، وكان مصيرهم الموت، والعالم الغربي قائم على هذه الديون لا يقدر أن يعيش بدونها.
هذه ثلاثة أمثلة من مشكلات نريد لها حلاً.
قلت: هل فرغت من الإجابة عن صفات الداعية، لأنه لم يذكر إلا صفة واحدة، وهي أن يعرف ما عند الناس من مشكلات ويذكر لها الحلول.
فقال: هذه الأمثلة من المشكلات، الذي يأتي لها بحل هو الذي ينفع في أوروبا وليكن من يكون: عربي، صيني، أوروبي، فلا بد من معرفة المشكلات أولاً ثم إيجاد الحل.
قلت: هل وجدت من خلال دارستك للإسلام حلاً فيه لهذه المشكلات؟
قال: ليس هناك معجزات في يدي لحل هذه المشكلات، وليست مشكلة الحل آتية من قبل الإسلام، الإسلام موجود، ولكن المشكلة تأتي من قبل المسلمين الذين لا يفكرون في حل المشكلات.
وضرب لذلك مثالاً فقال: أبو حنيفة أوجد جواباً لسؤال، وهو كيف يعيش المسلم في مجتمع يختلف تماماً عن مجتمع الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة؟ كانت الدولة الفارسية قوية جداً قبل الإسلام، وكانت هناك تجارة وتبادل عملات، وهناك ثقافة قديمة عتيقة في الرومان واليونان، كل ذلك ما كان موجوداً في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم في البلاد العربية. [قصده من هذا أن المسلمين لم يكونوا في عهد الرسول ( يعرفون حضارة الفرس والروم ولكنهم عندما فتحوا الدولتين لم يقفوا عاجزين عن حل المشكلات واستوعبوا تلك الحضارة على ضوء الإسلام بخلاف المسلمين اليوم فإنهم عاجزون عن ذلك، وهذا صحيح ولكن هل ترك أعداء الإسلام من الغربيين والمنافقين الذين والوهم من أبناء المسلمين لدعاة الإسلام ومفكريه مجالاً لمحاولة إيجاد حل للمشكلات؟ وهل يستطيع حل المشكلات من يستعمل معه كل أنواع الأذى من قتل وسجن وتعذيب وتشريد؟!].
والإجابة في عصرنا هذا لم نجدها عند أبي حنيفة، ولكنا نستفيد من الطريقة التي استعملها لحل مشكلات المسلمين عندما يعيشون في أجواء غير أجواء المدينة، كحالتنا في أوروبا مثلاً، لا يوجد جواب جاهز أعطيك إياه.
قلت له: ألا ترى أن هذه المشكلات كلها، لا يمكن حلها عن طريق الإسلام إلا بعد الإيمان به مبدئياً، حتى يأتمر الناس بعد ذلك عن اقتناع بأوامره، ويجتنبوا نواهيه، والإسلام لا يوجد خير إلا دل عليه ولا شر إلا حذر منه؟
قال: أنا معك أن الإيمان هو البداية، لكن هذا لا يمنع أنك تدرس الواقع وتوجد الحلول، والقرآن عندما أقرأه أجد فيه كلمة التفكر وما يتبعها أكثر من ( 830 مرة).
وعندما انتشر الإسلام بسرعة في القرن الأول كان عندهم إيمان وعندهم تفكر، يفكرون جيداً ولا يقولون - مثل المسلمين اليوم - نحن نعرف كل شئ وعندنا الحل لكل شئ، وليس عندهم شئ.
وضرب مثالاً، فقال: بعد ثلاثة قرون من الصدر الأول أتى ابن حزم، ووضع كتاباً لمقارنة تاريخ الأديان من أجل أن يظهر للناس أن الإسلام هو أحسن الأديان الموجودة، ودرس الأديان الأخرى، وقرأ الإنجيل بعمق وتفصيل لكل دقائقه وهضمها ثم رد عليها.
واليوم مع الأسف الشديد لم أجد عالماً نهج هذا النهج، فلا بد من التفكير والبحث.
قلت: هل ترى موضوعات معينة درستها في الإسلام ينبغي أن تُطرق قبل غيرها وتنشر في العالم؟
قال: من الغباء أن نقول: إن العلوم كلها في القرآن وإننا بقراءة القرآن تتقدم العلوم، لأن القرآن جاء ليحدد طريق الإنسان ومنهجه، ولم يأت بالعلوم التي يبحث الناس عنها الآن، جاء ليرينا الهدف، وعين الله الإنسان خليفة في الأرض، وبعد أن عرف الإنسان هدفه عليه أن يعمل حتى يثبت مقدرته على أن يكون خليفة، وقد قال: عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لو عثرت بغلة في العراق لكنت مسؤولاً عنها أمام الله لِمَ لم أمهد لها الطريق؟ والآن عندنا مشكلات أكثر من البغال، ولم نوجد لها حلولاً.
قلت: نرى الإسلام ينتشر، ويدخل الناس فيه كثيراً في أماكن كثيرة من العالم، ما عدا أوربا وأمريكا واليابان فإن الداخلين في الإسلام في هذه البلدان قليلون - ما عدا الملونين في أمريكا مثلاً - فما السبب الذي تراه؟
فقال: لأنه لا توجد أجوبة لحل المشكلات الموجودة، ولا أعتقد أن الإسلام ينتشر في البلدان الأخرى بمعنى الكلمة، يقول الإنسان: إنه مسلم بنطق الشهادة ويحمل ورقة تثبت له أنه أسلم، ويذهب إلى المسجد، ولكنه لا يفهم شيئاً ولا يغير إيمانه وإسلامه من حياته شيئاً.
ففي إفريقيا دخل كثير من الناس في الإسلام، ولكن لم يتغير شئ من حياتهم وواقعهم.
قال: وأضرب لك مثالاً: الجالية الإسلامية بالهند [يبدو أنه أراد الأقلية، لأن المسلمين الهنود ليسوا بجاليات وإنما هم هنود أصلاً] دعوني ووجدت أنهم يجهلون تماماً حضارة الهندوس، وعقيدتهم، وكنا معهم كأننا في وسط ناس متوحشين، رغم أن الهند قلعة الروحانيات القديمة، وهذا ما فهمه إقبال، ولكن المسلمين اليوم قطعوا أنفسهم عما حولهم.
قلت: ماذا تتوقع مستقبلاً للإسلام في بلاد المسلمين وفي العالم كله؟
قال: الإسلام هو القرآن بالدرجة الأولى، حدد لنا الهدف وعلينا أن نعمل ونوجد الوسائل التي تحقق الهدف.
وضرب مثالاً من الهند مرة أخرى، قال: بعد وفاة غاندي الذي حكم الهند جاء بعده نهرو، وأحب أن يقلد الغرب في منهجه، فأنشأ برلماناً على الطريقة الإنجليزية، وقرر أن يخطط في تنفيذ سياسته على الطريقة السوفيتية، ولم يكن هذا حلاً لمشكلات الهند، فما الذي اقترحه المسلمون لحل مشكلات الهند؟ لا شئ. صراع مع الهندوس دائماً بلا نتيجة، في كلكتا الصراع مستمر ودائم بين المسلمين والهندوس. [المسلمون في الهند ـ وفي غير الهند ـ لا يدعهم الكفار يطبقون دينهم في شؤونهم الاجتماعية الخاصة بهم، فكيف يتوقع أن يقبلوا منهم اقتراحات حلول سياسية واقتصادية، والإسلام هو عدوهم اللدود؟! بل كافح رجال الدعوة المفكرون لتطبيق الإسلام وإيجاد الحلول في بلاد المسلمين فحوربوا، ومن أقطابهم الأستاذ حسن البنا في مصر والأستاذ المودودي في باكستان وغيرهم في بلدان عربية وغير عربية].
قلت: هل يمكن أن يستفيد المسلمون من الإمكانات القانونية والحرية الموجودة في الغرب حسب دعوى الغربيين، لنشر المسلمين دينهم؟
قال: ليس في الغرب حرية، هنا حرية الفلوس، حرية الثعلب الموضوع في صحن للشواء، يقفز منه، وللأسف الشديد أن الدول الإسلامية لا تعطي مثلاً طيباً ولا توجد في بلادهم حرية!
قلت له: ما رأيكم في مناهج المؤسسات الإسلامية للدعوة الإسلامية هل يمكن أن يتحقق بها انتشار الإسلام؟
قال: أرى أنها طرق سيئة جداً.
قلت: كيف؟
قال: أعطيك مثالاً: في العالم مساجد جميلة أقامها المسلمون، وأصبح التفكير عند المسلمين هو بناء المساجد قبل أن يوجدوا مسلمين ويربوهم، وأراهم دائماً ينشئون مساجد، ولكن لم أر مساجد خرَّجت مسلمين، والأصل أن توجد المسلمين ثم تبني المساجد. وجنيف بها مسجد ضخم مزين بالرخام ولكن لم أر مسلماً واحداً أصلحه هذا المسجد، ونفس الشيء في روما، فلوس تصرف إسرافاً ولا توجد جدوى من صرفها. [صحيح أن حالة المسلمين اليوم غير مؤهلة لحل المشاكل، بوضعهم الحالي، وغالبهم لا يبدؤون بالأولويات في سياساتهم، ولكن الرجل يبالغ كثيراً في ذلك، ويرى أن الاهتمام بالعبادات ووسائلها كبناء المساجد ... لا يحقق للمسلمين أهدافهم، وأن الواجب عليهم قبل التفكير في الغيب وصور العبادة - كما يأتي - أن يفكروا في الشؤون الاقتصادية والطبية وغيرها، مما يظهر للناس نفعه المادي. والحقيقة أن المسلمين لو حققوا في نفوسهم الإيمان القوي الصادق، والفقه في الدين، لما تأخروا عن عمارة الأرض معنوياً ومادياً، لأن ذلك كله عبادة في الإسلام].
وقبل أن تعطي الناس دروساً تعطيهم مثالاً لما تريد أن تقول.
مثال ذلك: قرطبة فيها أحسن المساجد وعلى مسافة (150 كيلو متراً) توجد مغبية - مدينة إسبانية - يوجد بها كثير من المسلمين الذين عندهم مليارات من الأموال، وهم يعطون مثالاً سيئاً، وأنا أتحدث عن الإسلام في قرطبة، والناس يقولون لي: انظر إلى المسلمين في مغبية كيف يتصرفون وفي أي شيء ينفقون الملايين؟
وهذا من العوائق الكبرى في طريق الدعوة إلى الإسلام.
قلت: ما الذي تقترحه لتربية المسلم الصادق؟
قال: علينا أن نعمل مع الذين حولنا. يعني أن كل قوم أو كل فرد يدعو إلى الإسلام في موقعه؟ مسلمو الهند يعملون مع الهندوس، ومسلمو أمريكا يعملون مع الأمريكان، ومسلمو فرنسا يعملون مع الفرنسيين؟ كل ناس في بلدهم يعملون مع من حولهم.
ويجب أولاً أن نهضم ما عند الآخرين، ونعرف فكرهم وعقيدتهم وسلوكهم وطريقتهم في الحياة، ونفهم كتبهم، ومنهجهم، وبعد أن نفهم ذلك جيداً يكون كلامنا معهم مبنياً على مسائل عرفناها.
ثم تحدث جارودي عن الحوار الإبراهيمي الذي يقوم به في قرطبة وجنيف وباريس، ولم أتمكن من أخذ معلومات عن هذا الحوار وما يجري فيه وما الهدف منه ومن أعضاؤه لضيق الوقت، لأنه أظهر أن لا يستطيع البقاء كثيراً، ولهذا سلمني بعض الأوراق بلغته من أول لقائنا.
ومما قاله في ذلك: أن أحد الآباء حضر هذا الحوار، وهو من أمريكا اللاتينية، ومن الذين أعطوا مثالاً في الدفاع عن الحريات، ولا أحد من المسلمين يعرف هذا الأب، ودوره في الحريات في أمريكا اللاتينية على الرغم من أنه سيحول أمريكا اللاتينية، إذ سيتبعه الكثير من الناس و المسلمون لا يعرفون ماذا يفعل.
وسألته: هل الغالب في أهل الغرب التماسك الأسري والاجتماعي أو التفكك؟
قال: انحلال كامل وتفكك كامل، ولا هدف ولا غاية وراء تلك المؤسسات الموجهة، حتى الثقافية منها، والمفكر والكبير: كامون يقول: إن العالم ما عنده معنى ولا هدف [وقال المترجم: إن البروفيسور المشهور بوديه، وهو طبيب رئيس قسم سألناه: ما رأيك في الحياة، قال: الحياة بالنسبة لي فوضى، مثل امرأة مومس، فالغربيون ليس عندهم غاية ولا هدف].
ثم قال جارودي: المشكلة أن أهل الغرب عندهم الوسائل المادية والتكنيك والأشياء التي تخدم الإنسان مادياً، ولكن ليس عندهم غاية. وفي الشق الثاني ناس عندهم غاية صحيحة ولكن لا يفكرون ولا يعملون - يقصد المسلمين - وقال: بعض المسلمين الذين عندهم غنى يصلون في المسجد، لكن حياتهم مثل حياة الغربيين أنفسهم، يقلدونهم في كل شئ، ويقولون نحن مسلمون، وأنا أسميهم غربيين يصلون في المساجد.
قلت له: ما الأمور الجوهرية التي رأيت الإسلام يتميز بها عن سائر الأديان في الأرض؟
قال: أنا لا أقول بهذا المنطق، وإنما أقول: إن الله عز وجل ذكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم ليس بدعاً من الرسل، وإنما بعثه الله لثلاثة أشياء: لتأكيد هذه الرسالة الربانية، ولتصحيحها وتصحيح مسارها، ولإكمالها، هذه الأمور الثلاثة التي بعثه الله من أجلها، وواضح من نصوص القرآن أن الإسلام لم يبدأ بمحمد صلى الله عليه وسلم، وإنما بدأ بآدم عليه السلام.
قلت: يبدو أنه فهم مني أني لم أعتقد أن الرسالة بدأت من عهد آدم عليه السلام، وذلك بالهدى الذي علمه آدم وآدم علم ذريته، أنا لم أقصد ذلك، بل الأنبياء والرسل كلهم كانوا على الدين الذي أراده الله منهم، والقرآن مليء بقصص الأنبياء والرسل السابقين لمحمد صلى الله عليه وسلم من لدن آدم إلى عيسى عليه السلام، ولكن الكتب التي نزلت قبل القرآن حرفت وبدلت ولم يبق إلا القرآن وحياً يتلى من عند الله، فما الأمر الجوهري الذي رآه بين القرآن وبين تلك الكتب المحرفة وما اشتملت عليه؟
قال: إن الشؤون الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وغيرها مبنية على الإيمان في الإسلام، بخلاف الأديان فقد انفصلت حياة الناس ونظمهم عن هذا الإيمان.
قلت: تعني أن الإسلام شامل لحياة البشر كلها، بخلاف الأديان الأخرى؟
قال: نعم، وينبغي أن نهتم في مخاطبة أهل الأديان الأخرى بالأشياء المشتركة بيننا وبينهم ونذكرهم بها، ولا نهتم بنقاط الخلاف فمن التسمية نفسها نقول: إن إبراهيم كان مسلماً، وعيسى كان مسلماً، وموسى كان مسلماً، الإسلام ليس لنا وحدنا، الإسلام هو الخضوع والذل لله، فالمعنى يشملنا ويشمل من قبلنا، ولهذا يجب أن نهتم بهذه المعاني التي جاء بها القرآن.
قلت: لكن عندما نهتم بهذه المعاني هم لا يتركوننا، فإذا قلنا: إن الله واحد - وهذا هو أساس الإيمان - لا يسلمون بذلك، فلابد من الخلاف في أمر جوهري في أول نقطة ننطلق منها نحن وهم، فماذا نصنع في هذه الحالة؟
قال: هذه مشكلة غير حقيقية وليست صحيحة، لأنهم جاءوا بها من الفلسفة اليونانية، فقالوا: إن الله ثالث ثلاثة، فأدخلوها في الدين وهي ليست منه، فلماذا نتناقش في قضية ليس لها معنى؟ [هون جارودي هذا الأمر، وهو الأساس الأول بيننا وبين النصارى، ونحن لا نشك أنه عقيدة يونانية، ولكن القوم يعتقدون أن ذلك هو دين عيسى عليه السلام، ولهذا أبرز القرآن هذا المعنى وأقام الحجج على النصارى في رده ونقضه، ومن المستحيل أن يترك المسلم هذا المبدأ بدون نقضه كما أن النصارى لا يمكن أن يتركوه إلا من أسلم منهم أو كان على مذهب يخالفه] وعندما نذكر المسيحيين، ونقول لهم: إن القرآن الكريم ذكر سيدنا عيسى عليه السلام وأنه نبي خلقه الله في بطن مريم العذراء، وأنه جاء منها بمعجزة إلهية من غير أب، فسيسرون بذلك، فلماذا نحن نهتم بالأمور الخلافية؟. [وحدانية الله عند المسلمين، وعدمها عند المسيحيين، من الأمور الخلافية التي لا ينبغي الاهتمام بها عند جارودي! ونحن لا نخالفه في أنه ينبغي إخبارهم بأننا نؤمن بكل الأنبياء، ونذكر له قصة عيسى وأمه كما ذكرها القرآن، لكن لا يجوز لنا السكوت عما يعتقدون من التثليث، وتأليه نبي الله عيسى عليه الصلاة والسلام].
لماذا انتشر الإسلام في إسبانيا ـ مثلاً؟ أسبانيا قبل أن يأتي الإسلام إليها، كان فيها من يقول بالعقيدة الصحيحة التي جاء بها الإسلام، وهي أن عيسى عليه السلام كان نبياً ورسولاً، ولم يكن ابن الله وكان غيرهم يقول غير ذلك، فلما جاء المسلمون وأكدوا هذا المعنى دخل أهل أسبانيا في الإسلام، وقالوا نحن نعتقد هذا الدين أصلاً، وهو أن المسيح رسول الله وليس ابن الله.
وهذه المشكلة عند عدد محدود من النصارى يمكن أن يكونوا خمسين شخصاً من المفكرين الدينيين يقولون بأن الله ثالث ثلاثة، هؤلاء نتركهم، ونبحث مع الآخرين. [هذه مبالغة غير صحيحة، لأن غالب المسيحيين الذين يؤمنون بالمسيحية، سواء كانوا من المفكرين الدينيين، كما يقول، أو من غيرهم يؤمنون بأن الله ثالث ثلاثة، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا].
عندما وصل المغول إلى الدولة البيزنطية قتلوا أهل مدينة بيزنطة كلها ورجال الدين يناقشون قضية الملائكة: هل هم ذكور أو إناث؟. [أسفت أنني نسيت أن أسأل جارودي هل يؤمن بالملائكة أو لا؟ فقد بلغني أنه لا يؤمن بالملائكة ولا باليوم الآخر، وقد ناقشته في الإيمان باليوم الآخر واتضح أنه لا يؤمن به كما سيأتي في هذه المقابلة].
والآن وضْعُنا أسوأ من وضع أولئك، عندنا مشكلات في العالم لا نهتم بحلها، ونناقش في أمور غيرها ليست ذات بال.. [ومنها عقيدة التثليث في نظره!].
توجد نار مشتعلة ينبغي أن نقول للمسيحي: تعال نتعاون على إطفاء النار وبعد ذلك تناقش الأمور الأخرى.
قلت له: سمعت من بعض الناس أن جارودي يرى أن الأديان كلها سواء: القرآن والتوراة والإنجيل - الموجودَين الآن بعد التحريف - فهل هذا صحيح؟!
قال: لم أقل أبداً يوماً من الأيام: إنها سواء، وإنما أقول فقط ما هو في القرآن، من أن كل الأنبياء السابقين لمحمد صلى الله عليه وسلم أرسلوا من الله الذي أرسل محمداً عليه الصلاة والسلام، والناس يحرفون كلامي ويقولون عني غير ما أريد، وهؤلاء الناس لم يقرءوا لي سطراً واحداً مما كتبته، وهذا كلام خيال ليس له أساس من الصحة.
الإيمان باليوم الآخر عند جارودي!
قلت: سمعت أن لجارودي رأياً في الإيمان باليوم الآخر وما فيه من جنة ونار ونعيم وعذاب، وهو عند المسلمين ركن من أركان الإيمان الذي لا يصح الإسلام بدونه، أرجو أن أسمع من جارودي ما يعتقده في هذا الأمر؟
فقال: بالنسبة لله عز وجل، اللحظة التي خلقنا فيها أول ما خلق العالم، واللحظة التي نعيش فيها الآن، ولحظة الوقوف بين يديه يوم البعث والنشور هي بالنسبة لله لحظة واحدة.
وفهمه - أي جارودي - للحياة الآخرة أنه في هذه الحياة الدنيا، الناس قد ينجح واحد ويكون غنياً ويمسك دولة ويقيم نظاماً، لكن هذا لا يعني أنه نجح حقيقة في مقياس الله، فمقاييس الله في وزن الناس هي معنى اليوم الآخر، وعندما يقول الله: اخشوني ليس معناه أنا نخشى الله بالضرب، وإنما معناه أن نخشى أن نغضب الله، هذا هو الحب لله عز وجل، والإمام الغزالي شرح هذا المعنى بشكل رائع في الكتاب السادس والثلاثين من كتابه: إحياء علوم الدين، وهذا الكتاب يتعلق بحب الله، وهو من أروع ما قرأ في هذا المعنى.
قلت: حب الله صحيح، يحب لأنه يستحق ذلك، ولكن اليوم الآخر هو غير الدنيا، وفي الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ونصوص القرآن تدل على أن اليوم الآخر هو غير الحياة الدنيا، وفي اليوم الآخر يجازى الناس بأعمالهم خيراً كانت أو شراً، وهذا هو الذي فهمه المسلمون من القرآن والسنة، وليس مجرد فهم مستنبط وإنما هو قطعي في دلالته وثبوته، ولا إيمان لمن لم يؤمن به.
قال: كل ما نحكيه نحن الآن عن الله عز وجل وعن الجنة والنار هي أمثلة ـ خيالية ـ وليست حقيقية، لأني مهما أقول في الله عز وجل بمفهومي أنا، فالله ليس كذلك، وحبي له غير حبي لزوجتي.
قلت: الأشياء التي في الدنيا تختلف عن الأشياء التي في الآخرة تماماً، وليست كما نرى أو نفهم، ولكن اليوم الآخر وما فيه من جنة ونار حقيقة.
قال: الجنة والنار هنا في الدنيا، الإمام الغزالي، قال: الجنة والنار في الحياة الدنيا، فالجنة تشعر بها عندما تسير في طريق الله، قلت - وكان هو مستعجلاً يريد أن يذهب لموعد في الإذاعة -: هذه المسألة سيطول البحث فيها، ولكن أرجو أن يراجع كلام الغزالي وغيره في هذه المسألة، لأني أعتقد أنه فهم خطأ من بعض عبارات الصوفية التي نقلها الغزالي، ومن ذلك كلام لرابعة العدوية سيأتي إن شاء الله ذكره.
قال: إنه قرأ في كتاب الغزالي أن رابعة العدوية قالت: أنا أعبد الله عز وجل لا طمعاً في جنته ولا خوفاً من ناره، وإنما حباً له.
قلت له: هذا كلام ناس يصيبون ويخطئون، والقرآن والسنة يدلان على خلاف هذا الفهم أو الاعتقاد، وهم لا يقصدون من هذا أنه لا توجد جنة ولا نار، ولكن يقصدون أنهم من شدة إخلاصهم لله فإنهم يعبدونه حباً له بصرف النظر عن الجنة والنار.
قال: بالنسبة لله لا يوجد قبل وبعد.
قلت: ولكن بالنسبة لنا يوجد قبل وبعد.
قال: إن الإنسان من روح الله، نفخ فيه من روحه، ونحن نحمل في أنفسنا الجنة والنار، فإذا شعرت أن الله عز وجل تخلى عني، معناه أنا في النار، أشعر بهذا فوراً، ولكن ليس بالتصور الذي يظنه المسلمون أنه بعد الموت توجد نار. يُضرب الإنسان إذا أذنب في الدنيا، وإذا عمل طيباً يدخل الجنة.
قلت له: هذا تصور شاذ عند علماء الإسلام، والنصوص كثيرة في الكتاب والسنة توضح فرض الإيمان باليوم الآخر، كيف يكون إيمانك بها على هذا التصور؟
قال: الله يحاسب الإنسان ويعاقبه ابتداء من هذه الحياة إذا ابتعد عن الله، وإذا مشى في طريق الله فهو في الجنة من الآن يبدأ هذا.
قلت: ما رأيك في الظلمة من الملوك والجبابرة الذين يظلمون الناس في الأرض ويموتون قبل أن يؤخذ منهم حق المظلومين، متى يعاقبون؟
قال: الله معنا في كل لحظة يراقبنا على كل صغيرة وكبيرة، وبعض الناس يصورون الجنة بأن فيها نساء جميلات لهن عيون كبيرة وخمر من نوع خاص. [الذي جاء به القرآن يقول عنه جارودي: بعض الناس يصورونه!].
قلت: هذا هو الذي ذكره القرآن فماذا تقول فيه؟
قال: الله يقول: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه}. فيعطيهم صوراً من مجتمعهم حتى يفهموا.
قلت: تعني ذلك خيال، وليس حقيقة؟
قال: إذا كنت لا أطيع الله إلا لأني أريد عيون النساء والخمر اللذيذة فأنا أصبحت عبداً لشهوتي.
قلت: بل أعبد الله وأطمع في ثوابه الذي وعدني به.
قال: أنا أتصور أني محب لله، ولست عبداً للنساء والخمر التي ألقاها في الآخرة.
فالإسلام والقرآن يرفضان قضية العبودية لغير الله.
قلت: أنا أطلب من جارودي وأكرر مرة أخرى أن يراجع نفسه في هذا الموضوع، لأنه يخالف نصوص القرآن والسنة (ثم احتدم النقاش بين جارودي والمترجم ثم قال لي جارودي) ـ: أريد منك أن تراجع القسم الذي كتبه الغزالي.

قلت: الغزالي لا يقصد هذا الذي فهمته، وهو يثبت الجنة والنار، ولكن ينقل عن بعض الصوفية كلاماً يحثون فيه على الإخلاص لله ويبالغون في عباراتهم، فيقولون: إنهم لشدة إخلاصهم له وحبهم له يعبدونه بصرف النظر إلى الجنة والنار.
قال: إن الغزالي قال أكثر من ذلك، قال: ينبغي أن يعبد الناس ربهم حباً له، لأنهم إذا عبدوه بالخوف من النار والطمع في الجنة يصبح المجتمع في حالة رعب...
والكاثوليك يعملون مع الناس هكذا، كل واحد مظلوم أخذت حقوقه يقولون له: ربنا يعوضك في الجنة، وهذا مفهوم خطير، ولا أريد المسلمين يقعون في هذا الفخ.
وهذا سلاح كل دولة تستعمل الدين سلاحاً سياسياً، تقول للناس مثل هذا الكلام. [قلت للمترجم: قل له إن هذا الفكر هو فكر إلحادي ينبع من قول الشيوعيين الماركسيين: إن الدين أفيون الشعوب واستغلال الدين شئ والحقائق التي جاء بها القرآن شئ آخر. ولكن المترجم قال: إن الوقت ضيق والأفضل أن يبعث له صورة من كلام الغزالي عن اليوم الآخر ومفهومه لهذا الأمر].
ويمكن أن نعطي مفهوم الجنة والنار بهذا المعنى للشعب الذي لا يمكن أن يسير في الطريق الصحيح إلا بالخوف، أما الذي يعبد الله بإخلاص فلا يحتاج إلى ذلك.
نابليون كان ملحداً وثنياً، ولكن كان يقول: إذا كان هناك شعب لا توجد فيه عدالة اجتماعية والناس يشكون ويتألمون من المشكلات، يجب أن يقال لهم: إنه يوجد عالم آخر ستكون فيه التعويضات والحقوق حتى يهدءوا.
قلت: كلام الناس شئ وكلام الله شئ آخر، الله سبحانه وتعالى كرر ذكر اليوم الآخر في القرآن ما لا يحصى كثرة مع ذكر الله، إذا ذكر الله ذكر معه اليوم الآخر، فكلام الله غير كلام الناس، كلامهم يكونون فيه متأثرين بأهوائهم، وثقافاتهم ومبادئهم، أما كلام الله فهو حقيقة يجب الإيمان به.
قال: كلام الله يجب أن لا نفهمه بالمعاني الأدبية الواضحة، وأضرب لك مثالاً برمضان، الله تعالى قال: {كلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر} ولو قلت هذا الكلام لسكان الإسكيمو وفهموه على حقيقته، لمكثوا ستة أشهر صائمين حتى يموتوا من الجوع، فلا ينبغي أن نفهم القرآن بالمعنى الأدبي - يعني ما يظهر من النص المجرد - والقرآن يعطيك إشارة وحدثاً ويأمرك بالتفكير.
قلت: ولكن هذا الأمر - يعني الإيمان باليوم الآخر - كرره القرآن وأكده من أوله إلى آخره، وأكدته سنة الرسول صلى الله عليه وسلم تأكيداً شديداً، ولو كان ذكره مرة واحدة فقط كان يمكن هذا الكلام أن يجد محملاً - وإن خالف الظاهر بشرط أن تدل قرينة على إرادة غير الظاهر - ولكن القرآن كرر وأكد ووصف اليوم الآخر وصفاً دقيقاً وكذلك السنة، وهي تدل على أنه أراده الله حقيقة.
(واحتد النقاش بينه وبين المترجم، وقال: إن وقته انتهى).
فقلت له: على كل حال نشكره على حضوره، ومعذرة لأخذنا شيئاً من وقته، وهذا الموضوع يحتاج إلى زيادة بحث منه ونظر في موقفه هذا.
فقال: يجب أن تقرأ للغزالي وابن الرومي وابن عربي وابن عطاء الله، قلت لا حجة في قول أحد مع كلام الله ورسوله، ولا أظن أن هؤلاء كلهم يرون رأيك هذا، وإن وجد في عباراتهم مثل العبارة المنقولة عن رابعة العدوية، وقلت لك: إن الغزالي رحمه الله أثبت في كتابه "الإحياء" الذي زعمت أنه ينفي الجنة والنار في اليوم الآخر، وأقول لك: عليك أن تقرأ في مقابل من ذكرت لابن تيمية وابن القيم أيضاً ولجميع أهل الحديث وأئمة الفقه.
قال: ابن تيمية يفضل أن يعيش ستين سنة وهو مظلوم، على أن يعيش سنة واحدة وهو يقوم بمعارضة.
قلت: لقد قام بمعارضات وجادل وناقش كل الطوائف، ونصح الحكام وجاهد الغزاة المعتدين.
قال: إنه كان في الملتقى الفكري في الجزائر، وثار جدل عنيف بينه وبين بعض العلماء في الجنة والنار، وكانوا معه عنيفين.
قلت: أما أنا فأرجو أن يؤمن بالجنة ونلتقي أنا وهو في الجنة.
قال: إذا كان أهل الجنة مثل الغزالي وجاد الحق فإنه يفضل أن يذهب إلى النار! [وعندما سمع خلاصة ما نقلته عن جارودي في العلماء الدكتور طه بن مصطفى أبو كريشة: سبب حنقه على الشيخ جاد الحق أنه كشف ما عنده من زيغ في الاعتقاد، في لقاء معه وسط جمهور كبير في قاعة الشيخ محمد عبده بجامعة الأزهر، وكنت حاضراً هذا اللقاء، وظننا أن الشيخ جاد الحق لم يحسن لقاء الرجل، ثم تبين لنا فيما بعد صدق ما أعلنه عنه، بينما كان جارودي قادماً وفي حسبانه أنه سيلقى كل تكريم من أعلى مستوى ديني في مصر، والدكتور طه بن مصطفى أبو كريشة من أساتذة كلية اللغة العربية في الأزهر، وكان أستاذاً في كلية اللغة العربية في الجامعة الإسلامية، عندما كنت عميدا لها وبعد ذلك، ثم أصبح نائبا لرئيس جامعة الأزهر].
قلت: وهكذا يكون اتباع الهوى.
وهنا لا بد من تنبيهات:
التنبيه الأول:
أن هذا الدين يجد إقبالاً ممن بلغه لهيمنته على النفوس وموافقته للفطرة والعقول السليمة، لما يشتمل عليه من العقيدة الواضحة السهلة التي لا تصطدم بالعقل والفطرة، ولا فرق بين متعلم وعامي، إلا أن كلاً منهما يحتاج إلى أسلوب يتناسب معه في إبلاغه هذا الدين، والأستاذ رجاء جارودي من ذوي الثقافة العالية عند الأوربيين، و إن كان وقع في حمأة الإلحاد، فهذا عند الأوربيين ليس عيباً، وربما يكون أكثرهم غير مقر بدين وإن كانوا ينتسبون إلى النصرانية المحرفة المبدلة التي رموا بها في زوايا الكنائس، لقلة من الناس يرتزقون منها ولا يفهمون حقيقة ما يقولون للناس.
التنبيه الثاني:
أن الأصل في الذي يوفقه الله للإسلام أن يتتلمذ على أيدي مَن فقهه الله في الدين، ليتعلم أولاً فروض العين [وفي مقدمتها أصول الإيمان وأصول الإسلام] التي أوجبها الله سبحانه وتعالى عليه بنفسه، حتى يؤدي ما فرض الله عليه عن علم وليس عن جهل، فإن الله لا يقبل إلا صالح الأعمال وهي التي يتوافر فيها الإخلاص والصواب، والصواب لا يوجد إلا بالعلم به عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم.
وإذا أراد المسلم أن يطرق أبواباً أخرى غير فروض العين من أحكام الإسلام، فإنه يجب عليه كذلك أن لا يدخل نفسه في أبوابها مفتياً أو قاضياً أو واعظاً أو آمراً بمعروف وناهياً عن منكر، إلا بعد أن يتعلم ذلك من علماء الإسلام ويتفقه فيه على أيديهم، وإذا أراد أن يكون مجتهداً فلا بد أن تتوافر فيه شروط الاجتهاد، سواء كان اجتهاداً جزئياً أو اجتهاداً مطلقاً، وهذا الأخير قلما تجد من يدعيه من العقلاء في العصور المتأخرة.
التنبيه الثالث:
الواجب على علماء المسلمين إذا سمعوا عن شخص دخل في الإسلام له ثقافة عالية في قومه ومركز اجتماعي، ويرجى من مثله أن يكون داعية إلى الله تعالى، أن يجتهدوا في تفقيهه في الدين، إما ببعث أحد العلماء الفقهاء في الدين ليلازمه فترة طويلة حتى يعمله ما يحتاج إليه، سواء كان في فرض العين أو فرض الكفاية، أو استدعائه إلى بعض المؤسسات الإسلامية في أحد البلدان الإسلامية لتعليمه دين الله، وأن لا يترك بمجرد دعواه الإسلام بدون تعليم.
التنبيه الرابع:
أن يتريث المسلمون والمؤسسات الإسلامية وأجهزة الإعلام في الشعوب الإسلامية، عن الإشادة به وكثرة مدحه وإطرائه، قبل الاجتماع به وتفقيهه في الدين، لأن ذلك قد يجعله يغتر بنفسه ويصدق نفسه - إذا كانت قد حدثته - بأنه مفكر إسلامي وداعية إسلامي، وهو لا يفقه في الدين إلا القليل، وعنده كثير من الأفكار القديمة التي كان يعتقدها لا تزال تسيطر على عقله وسلوكه، ويزداد غروراً عندما تنهال عليه الدعوات من العالم الإسلامي، لإلقاء محاضرات عن الإسلام، وهو لا يزال أقل علماً في الإسلام من طالب مسلم عاش في بلاد إسلامية، وهذا الأسلوب الذي يعامل به أمثال هؤلاء يجعلهم في نظر أنفسهم فوق الحاجة إلى التعليم، لأنه أصبح مفكراً إسلامياً وداعيةً ومناظراً... وتكون النتيجة أن يتجول بعقله في أي مرجع من الكتب التي ألفت في الإسلام، سواء كانت سليمة أو غير سليمة، يأخذ من هذا ما يوافق ثقافته وتفكيره ويأخذ من ذلك ما يناسبه، وقد يتمكن من قلبه بعض المعاني المنحرفة.
وقد يفهم من الكلام المنحرف انحرافاً أشد لم يقصده المؤلف، ويصبح عنده خليط من أفكاره القديمة وفلسفته، ومن الأفكار التي أطلع عليها مما يوافق أفكاره القديمة وفلسفته، وعنده شئ من المعاني الإسلامية الصحيحة، ويظن أنه أعلم العلماء، ويرى أن علماء المسلمين الذين أفنوا حياتهم في تعلم شرع الله أقل شأناً منه، حتى لو دخلوا هم الجنة التي يؤمنون بها، فإنه يفضل أن يدخل النار، ولو كان لا يؤمن لا بهذه ولا بتلك!
وهذا يبدو لي هو الذي حصل للأستاذ جارودي، فإنه يتهكم بشيخ الأزهر ومشايخ العلم الذين قابلوه في الملتقى الفكري في الجزائر، ومنهم الشيخ محمد الغزالي والدكتور يوسف القرضاوي [هكذا ذكر لي المترجم الدكتور يوسف القرضاوي، ولكني سمعته في إحدى الفضائيات ينكر حضور حوار جارودي في هذا الأمر، فربما كان ذكره سبق لسان من المترجم] بسبب أنهم ناقشوه في ركن من أركان الإيمان لا يصح الإسلام بدونه، وهو اليوم الآخر، وقد صمم على رأي له، وهو أنه لا يوجد يوم آخر، وإنما هو عبارة عن السعادة في الدنيا بطاعة الله والشقاء في الدنيا بمعصية الله، ويرى أن الذي يؤمن بوجود الحور العين والخمر والعسل الذي ذكره الله في القرآن، إنما هو عبد لتلك الأشياء وليس عبداً حقا لله. [وهذا مذهب الملحدين الذين كان جارودي واحداً منهم قبل إعلان إسلامه].
ويأخذ ذلك من بعض العبارات التي أطلقها الصوفية - وهي تخالف بظاهر ها القرآن والسنة وما فهمه علماء الإسلام من الصحابة ومن تبعهم - وهم مع ذلك لم يقصدوا ما قصده جارودي من إنكار لليوم الآخر والجنة والنار، ومن ذلك قول رابعة العدوية الذي نقله الغزالي في إحياء علوم الدين (4/310): "وقال الثوري: لرابعة: ما حقيقة إيمانك؟ قالت: ما عبدته خوفاً من ناره ولا حباً لجنته، فأكون كالأجير السوء، بل عبدته حباً له وشوقا إليه..." ونقل الغزالي عبارات تشبه هذه العبارة، ثم قال في آخر ما نقل: "وما أرادوا بهذا إلا إيثار لذة القلب في معرفة الله تعالى على لذة الأكل والشرب والنكاح، فإن الجنة معدن متعة الحواس، وأما القلب فلذته في لقاء الله فقط".
ورجاء جارودي إنما يقرأ هذه الأمور عن طريق الترجمة من العربية إلى غيرها، ويجوز أن يكون المترجم قد حرف إما قصداً، وإما عن سوء فهم، فيضاف إلى ذلك ما قد يحصل لجارودي وأمثاله من سوء فهم أو موافقة فكرهم السابق، فيصل في النهاية إلى إنكار ركن من أركان الإيمان وقد سمعت أنه كذلك لا يؤمن بوجود ملائكة، ولكن لم أسأله عن ذلك نسياناً وهو كان مستعجلاً. [ولم أتمكن من كتابة بعض الأمور عن جارودي، كسبب إسلامه وديانته قبل الإسلام لأنه سلمني أوراقاً، قال: إن ذلك موجود فيها وهو باللغة الفرنسية تحتاج إلى ترجمة ولعلي أتدارك ذلك بعد أن تتيسر ترجمتها، وعمر جارودي أربعة وسبعون عاماً لأنه ولد سنة 1913م].
حوار مع الأب الدكتور ميشيل لولونغ:
كنا على موعد مع الأب الدكتور ميشيل لولونج، في مكتبه في باريس، وكان معي الدكتور أحمد جاب الله رئيس اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا.
رحب بنا الرجل وأظهر سروره بقدومنا، وحيانا باللغة العربية، وهو يتحدث بها.

وقبل أن أبدأ الكتابة عنه ذكرت له بأني أزور المبشرين والمستشرقين في هذه الجولة، وأحاورهم في بعض القضايا مع أخذ بعض المعلومات منهم، فقال: أنا لست مبشراً ولا أرى أن المسلمين في حاجة إلى التبشير، لأن عندهم ما يكفيهم، وهو الإسلام الذي جاء به القرآن والرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) .
قلت: وماذا أسميك مستشرقاً؟
قال: سمني مؤمناً أنا مؤمن. [قصده أنه مؤمن بدينه، ومؤمن بأن الإسلام حق ولكنه غير ناسخ لغيره من الأديان فالدين المسيحي الموجود حالياً كالإسلام كما سيأتي لذلك صريحاً من كلامه].
قلت: متى ولد الأب لولونج وما تخصصه وما وظائفه؟
قال: إنه ولد سنة 1925م في فرنسا في عائلة متدينة، وعنها أخذ دينه، وخاصة الإيمان بالله والمسيح والارتباط بالكنيسة الكاثوليكية.
ولم يكن يعرف الإسلام جيداً عندما كان شاباً ولا يعرف عن المسلمين شيئاً ذا أهمية، وعندما درس في جامعة السوربون وجد فرصة للالتقاء بالمسلمين وبخاصة طلبة المغرب العربي فتعرف على الإسلام عن طريقهم، وعرف أن الإسلام فيه ثروة للبشرية، وأن هناك علاقة قوية بين المسلمين والمسيحيين، وبخاصة أنه حصل اجتماع للكنيسة سنة 1934م دعت فيه إلى التعرف على الديانات الأخرى، واحترام الإسلام والتعاون مع المسلمين، وبخاصة في نشر القيم الأخلاقية وغير ذلك.
ودعا بولس السادس والبابا بولس الثاني إلى الصداقة بين المسيحيين والمسلمين واحترام بعضهم بعضاً، نعم هنالك اختلاف بين الديانتين، وبخاصة حول المسيح باعتباره عند المسيحيين بالإضافة إلى أنه رسول فهو كذلك إله، وكذلك حول بعثة الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم).
ومع هذا الاختلاف، فلا مانع من الاحترام والعمل المشترك لوجود ما يجمع المسلمين والمسيحيين، كالاعتقاد في الله وبأننا كلنا عائدون إلى الله ومحاسبون بين يدي الله، وكذلك القيم والأخلاق.
وسألته: متى تظن أول صلة حصلت بين فرنسا و المسلمين؟
وفهم الدكتور أني أريد الصلة في هذا العصر، فصحح له الأخ أحمد جاب الله وهو الذي كان يساعدنا في الترجمة أن المقصود في القديم والحديث، فأجاب:
إن السؤال عن التاريخ مهم باعتبار أن الحاضر متأثر بالماضي.
كان في القديم صراعات بين أوربا المسيحية والإسلام، وكان الإسلام يعتبر عدواً وخطراً في أوربا لعدة قرون، فقد ارتبط الإسلام في أذهان الأوربيين بمعركة: بواتيه التي وقف فيها القائد الفرنسي شارل مارتيل المد الإسلامي، وكانت الحروب الصليبية، وأرسلت الجيوش لمحاربة المسلمين في بلادهم، وجاء المسلمون إلى أوربا الوسطى، وكانت العلاقة بين المسلمين والمسيحيين علاقة خوف واستشعار الخطر من الجانبين.
كان المسلمون يظنون أن المسيحيين يكونون خطراً عليهم، وعلى دينهم، وكان المسيحيون يظنون أن المسلمين يكونون خطراً عليهم وعلى دينهم، بالإضافة إلى ذلك شاركت الكنيسة في استعمار أوربا لبلاد المسلمين ـ واستدرك الدكتور فقال ـ لا يقال الكنيسة ولكن بعض المسيحيين ـ. [كان استدراكه على المترجم، لأن المترجم عبر بالكنيسة، وهو أراد كما قال بعض المسيحيين تبرئة للكنيسة من أن تكون فعلت ذلك بإجماع].
ولكن كانت هناك علاقات بين الشرق الأوسط وأوربا إيجابية، على رغم هذا الجو الذي فيه نوع من الصراع والخلافات.
في الشرق الأوسط احترم المسلمون المسيحيين، ومكنوهم من تطبيق ديانتهم بحرية وكذلك في القدس، حيث كان المسلمون متسامحين مع اليهود ومع المسيحيين، وفي أوربا ـ في أسبانيا ـ كانت هناك فترات تعايش وتفاهم، والآن رغم المشكلات الدولية، نعتقد أن الذي يجمع بين المسلمين والمسيحيين هو أهم من الذي يفرقهم.
الذي يفرقهم هو المشكلات السياسية، فالمسلمون - مثلاً - قريبون من مشكلات العالم الثالث، بينما أوربا في محور الدول الصناعية، لأن في العالم قطبين: قطب الدول الضعيفة التي يطلق عليها الجنوب، والدول القوية التي يطلق عليها الشمال.
فالمشكلة في الحقيقة الآن بين المسلمين والمسيحيين هي سياسية وليست دينية. [لم نتمكن من مناقشة هذا الرأي لأن الأب كان مستعجلاً، وكان الهاتف يرن بين آونة وأخرى يذكرونه باقتراب وقت الصلاة، وهو الذي يتولى الصلوات في أوقاتها، كالإمام عند المسلمين].
ولا بد أن يجتهد المؤمنون - يعني المسلمين والمسيحيين - في مقابلة الملحدين - في إقرار السلام في الشرق الأوسط، مثلاً فلسطين لا بد أن يتعاون المسلمون والمسيحيون في الدفاع عن حقوق الإنسان فيها، مهما كانت ديانتهم.
والبابا يدعو إلى تعاون المسلمين والمسيحيين وتجاوز الخلافات الماضية، ويقول: إن الذي يجمعنا أكثر من الذي يفرقنا، المشكلة الآن هي كيف يعمل المسلمون والمسيحيون في إحلال السلام.
(وأخرج كتابا من مكتبته، وقال): ترجمت في هذا الكتاب عدة خطابات لـ"بولس" السادس والبابا الحالي، وكلها تدعو إلى ضرورة الانفتاح والتعاون بين المسلمين والمسيحيين، وفي الزيارة الأخيرة للبابا لأمريكا، تكلم في لقائه مع الطائفة اليهودية عن ضرورة وجود وطن للفلسطينيين في فلسطين، (وقال الأب باللغة العربية ): حق تقرير المصير.
ولكن هذا الكلام وهذه التعليمات التي يكررها البابا دائماً ليست محترمة من قبل الكنائس المحلية. وقد يكون من المفيد أن توجد لقاءات دائمة بين المسؤولين عن المؤسسات الإسلامية وغيرها، وكذلك المؤسسات الكنسية مثل الفاتيكان والطوائف المسيحية الأخرى - وذكر مؤسسة مسيحية في جنيف - الظاهر أنه قصد مجمع الكنائس العالمي - ويمكن في مثل هذه أن يتدارس المسلمون والمسيحيون مشكلاتهم، مثل مشكلة الأقليات الإسلامية في بلاد المسيحيين والأقليات المسيحية في بلاد المسلمين، وكيف يمكن لهذه الأقليات أن تطبق دينها وتكون محترمة، لأن عدم تسوية هذه المشكلات ستستغل من قبل جهات أخرى لإشعال الخلاف بين المسلمين والمسيحيين، كما يحصل الآن عندنا من بعض المسيحيين في أوربا حول وجود المسلمين، يرون أنه نوع من الغزو لأوربا المسيحية.
فلو حصلت لقاءات بين المسؤولين من المسلمين والمسيحيين كان في ذلك نوع من التفاهم في نطاق العقيدة المشتركة.
(وسأله المترجم أحمد جاب الله: لماذا لا تأخذ الكنائس المحلية بالتعليمات التي تصدر من البابا؟ فأجاب ): الكنيسة تأخذ بتعليماته إلى حد ما، وأنه هو ـ أي الأب لولونغ ـ كان مسؤولاً عن لجنة السكرتارية المسؤولة عن العلاقة مع المسلمين، والكنيسة يجب أن تأخذ بتعليمات البابا، وتوجد مجموعة تعمل لهذا الهدف، ولكن يجب أن نعترف أنه يوجد في فرنسا وفي غيرها من لا يوافق على هذا التوجه.
ويعود السبب إلى بعض المشكلات، فإن الفاتيكان له موقف من قضية فلسطين ويرى أن مدينة القدس يجب أن تكون محايدة وليست تحت نفوذ إسرائيل، وهذا هو موقف الأمم المتحدة، وهذا الموقف ليس مقبولاً في الظاهر عند الكنيسة الفرنسية بسبب الجو العام السائد هنا، لا يجرؤ مسؤولو الكنسية أن يصرحوا بمثل هذا الموقف ولكن هو - أي الأب لولونغ - يتمنى دائماً لو أن الكنائس المحلية تلتزم بالتعليمات العامة للبابا.
وقال: لو كان المسلمون مسلمين حقاً، والمسيحيون مسيحيين حقاً لحصل بينهم التفاهم، وعدم التفاهم من قبل المسلمين، هو أنهم لا يلتزمون تماماً بتعليمات دينهم، وكذلك المسيحيون.
والكنائس لها مشكلات خاصة، فالبابا - مثلاً - يدعو في أمريكا إلى احترام مبادئ المسيحية، ولكن الأساقفة لا يأخذون كلهم بكلام البابا، فدور البابا هو التذكير بهذه المبادئ.
وسألت الأب لولونغ: بعض المستشرقين الذين قابلتهم، وكذا وسائل الإعلام في الغرب ينسبون إلى الإسلام ما يفعله بعض المسلمين، مما يخالف الإسلام، فما رأيكم في هذا؟
قال: هذا ليس عدلاً، وأنا معك في هذا الأمر، ليس عدلاً أن نقوِّم الإسلام بسلوك سيئ لبعض المسلمين، لأنه يوجد مسلمون جيدون أوفياء لدينهم، وأعرف في فرنسا كثيراً من المسلمين الذين يلتزمون بإسلامهم، فلا بد أن نقوم الإسلام بعمل هؤلاء الملتزمين، وليس بعمل المنحرفين. [الإسلام يعرف بمنهجه ونصوصه، و لو خالف بعض المسلمين الملتزمين في بعض الجزئيات].
وكذلك بالنسبة للمسيحية فلا ينبغي أن نقوم موقف الكنيسة من خلال مواقف بعض المسيحيين، فلا نقول - مثلاً -: إن الكنيسة وراء الاستعمار، لأن هذا موقف بعض المسيحيين وليس موقف الكنيسة ككل. [يحاول الأب بشتى الوسائل أن يقنع المسلمين بسلامة موقف الكنيسة المركزية من الإسلام و المسلمين في الجملة].
قلت: ما القاعدة التي تنطلقون منها في بحوثكم وكتاباتكم عن الإسلام، ما الهدف، وما المصادر وما الوسائل؟
قال: الهدف من الدراسات التي أعددتها عن الإسلام أنا باعتباري أباً مسيحياً، جاءتني فرصة لمعرفة المسلمين، ومن صلتي بهم تعرفت على الإسلام، ورأيت من المهم الإسهام في التعريف الموضوعي للإسلام لإخواني المسيحيين.
درست العربية والقرآن والسنة، ثم درست وحضرت الليسانس في اللغة العربية، وقمت بإعداد أطروحة دكتوراه حول التراث الديني في التعليم التونسي، ثم كتبت عشرات من الكتب لتوضيح نقاط الالتقاء والاختلاف بين الإسلام والمسيحية، وكتبت عن الصعوبات السياسية التي تحول بين التقاء المسلمين والمسيحيين، وكتبت كتاباً عن القدس، وآخر ما كتبته كتاب تعرضت فيه لنقاط العلاقة بين المسلمين والمسيحيين ومشكلة الشرق الأوسط والصحوة الإسلامية.
وسألت الأب فقلت: ما دمت على اطلاع طيب على القرآن والسنة والسيرة النبوية، فهل وصلت في اطلاعك ذلك أن القرآن هو كلام الله حقاً، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم هو رسول الله صدقاً؟
فأجاب: هذا سؤال مهم وصعب، ولقد حاولت في كتاب مع مجموعة من المسيحيين و المسلمين أن أشرح كيف يكون موقف المسيحي من القرآن ومن محمد (صلى الله عليه وسلم).
وموقفي الخاص كمسيحي لا أستطيع أن أشاطر المسلمين - يعني أوافقهم - تماماً في عقيدتهم، ولا أستطيع الاعتقاد بأن القرآن والرسول (صلى الله عليه وسلم) جاءا عوضاً عن الديانة المسيحية، كما هو موقف المسلمين من المسيح، يعني كما أن المسلمين لا يعتقدون أن المسيح إله، بل يعتقدون أنه رسول فقط، مخالفين في ذلك عقيدة النصارى الذين يعتقدون أنه رسول وإله، فموقفنا نحن المسيحيين من القرآن ومن الرسول كموقف المسلمين من عقيدتنا، أي لا نوافق أن الإسلام جاء بديلاً للمسيحية، ولكن لا بد من احترام القرآن واحترام الرسول (صلى الله عليه وسلم)، لا بد أن أفهم ماذا يقول الله لي في القرآن وما يقول الرسول (صلى الله عليه وسلم). وأنا أعتقد أن القرآن من الله وأن محمداً مرسل من الله، ولكن الوحي الإلهي الذي نزل على المسيح كان كاملاً.
وقد استوضحت من المترجم بعد أن كتبت ما مضى: أرجو أن تلخص لي ماذا فهمت من كلام الأب السابق، فقال الأخ أحمد جاب الله: الحقيقة أراد أنه كما يعتقد المسلمون في المسيح أنه رسول فقط، والنصارى يعتقدون أنه رسول وإله، فالنصارى يسمحون للمسلمين أن يعتقدوا في المسيح خلاف ما يعتقده النصارى، فليسمح لنا المسلمون أن نعتقد في القرآن وفي محمد (صلى الله عليه وسلم) ما لا يعتقدونه. ويقول: إن هذا الموضوع موضوع شائك وصعب، وقد عبر عن رأيه في الكتاب الذي ذكره.
فقلت للأخ: ولكن فهمت من عبارة الأب أنه يعتقد أن القرآن جاء من عند الله؟ قال: نعم في الأخير يقول: موقفه الشخصي اعتقاده أن القرآن من الله وأن محمداً مبعوث من الله، ولكن لا يعتقد أن القرآن جاء ليلغي الديانة المسيحية، ولكن يقول: إنه وهو مسيحي يجب عليه أن يفهم مراد الله عز وجل من القرآن وما جاء به محمد (صلى الله عليه وسلم).
قلت: ما الأسلوب المناسب الذي يراه الأب لعرض الإسلام على أهل الغرب؟
قال: الجواب باختصار: لا بد أن يكون المسلمون مسلمين حقاً.
قلت: ما الذي ينصح به الأب المسلمين حتى يحافظوا على أبنائهم في أوربا في جو يخالف جو بلادهم؟
فأجاب: لا بد من الاستفادة من المسجد، ولا بد من دراسة القرآن، ولا بد من التربية الدينية، وهذا واجب المسلمين في هذه البلاد، ثم لا بد أن يتجاوز المسلمون خلافاتهم في فرنسا، وأن لا يتصارعوا فيما بينهم، وأن يعيشوا في سلام بينهم وبين غير المسلمين.
وسألته: ما سبب قلة دخول الأوربيين في الإسلام، بخلاف غيرهم كالأفارقة مثلاً؟
قال: في إفريقيا كثير من الناس ليس لهم دين كبير، قصده دين سماوي، عندهم ديانات تقليدية [يعني وثنية] ليست كالإسلام والمسيحية، وكما يوجد ناس يدخلون في الإسلام في إفريقيا فكذلك يدخل آخرون في المسيحية، لأنهم يجدون في الإسلام والمسيحية حقائق لا يجدونها في دياناتهم التقليدية.
أما في الغرب فأكثر الناس لهم ديانة، وإن كانوا لا يطبقونها، ولكن ينتسبون إلى ديانة، فأنا مثلاً مسيحي ولست مسلماً، ولا أريد أن أكون مسلماً وأنا مسرور بذلك، فلست في حاجة إلى دين آخر أقبل عليه، وينبغي أن نشتغل كلنا مسلمين ومسيحيين بالملحدين، وكل من ليس له دين نساعدهم حتى يجدوا الطريق إلى الله من أي باب.
انتهت المقابلة التي أجريت مع الأب لولونج.
وكانت عندي أسئلة أخرى واستفسارات ومناقشات فيما ذكر، ولكن وقته كما ذكر لم يكن يسمح له بالاستمرار، ووعدني بوقت آخر إذا شئت ولكن وقتي لم يكن يسمح لي بالعودة إليه.
ولا بد هنا من ذكر بعض الأمور تعليقاً على هذه المقابلة:
1- إن الأب متحمس كثيراً للتقريب بين المسلمين والمسيحيين، إلى حد أنه يرى أن نقاط الوفاق بينهم أكثر من نقاط الخلاف.
2- إنه يؤكد على إخلاصه لدينه، فلا يذكر شيئاً إيجابياً للإسلام إلا وذكر مثله للمسيحية، ولا ينفي شيئاً سلبياً عن الإسلام إلا فعل ذلك للمسيحية.
3- إن النقطة الأساسية وهي العقيدة في المسيح يقر الأب أن الخلاف فيها جوهري، لأن المسلمين يعتقدون أنه رسول وبشر والمسيحيين يعتقدون أنه رسول وإله، ومع ذلك فإنه لشدة تحمسه للتقريب بين المسلمين والمسيحيين يجعل هذه النقطة شبه منسية، ويقول: إن سبب الخلاف بين المسلمين والمسيحيين سياسي وليس دينياً.
4- يؤكد الأب أن القرآن جاء من عند الله، وأن محمداً رسول الله ومع ذلك يقول: إنه لا يوافق المسلمين أن الإسلام جاء ملغياً للديانة المسيحية - المحرفة عند المسلمين - والقرآن قد نص على أن الإسلام هو الدين الحق الذي لم يبق غيره من الأديان ديناً حقاً، ونص الرسول صلى الله عليه وسلم أنه لا يسمع به يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن به إلا دخل النار.
فلا أدري كيف يوفق بين إيمانه بالقرآن أنه من عند الله وأن محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، وبين اعتقاده أن دين المسيحية غير الصحيح في القرآن دين حق، ويقول: إن الوحي الإلهي كان كاملاً عند المسيح، فإن كان يعني عند نزوله قبل تحريفه، فلا شك أنه كامل بالنسبة لوقته، وإن كان يقصد الآن - وهو الصحيح - فالكلام متناقض.
5- إن الدكتور الأب قام بجهود كبيرة جداً لخدمة هدفه، وهو محاولة التقريب بين المسلمين والمسيحيين بالأسلوب الذي يراه، وهذا يدل على أن أهل الأديان الأخرى، وإن كانت باطلة عندنا، فإنهم هم يعتقدون أنها دين يبذلون كل طاقتهم لإقناع الناس بها.
فهل درس المسلمون تلك الكتب ومغزاها وأساليب دعوة التقريب فيها وبينوا لقومهم ذلك؟
وهل درسوا ما أراد الأب بقوله: إنه كتب لقومه المسيحيين ليفهمهم كيف يكون موقفهم من القرآن ومن الرسول صلى الله عليه وسلم؟
6- إن كثيراً من الأسئلة أو فقراتها كان يحاول الأب التهرب من الإجابة الصريحة عنها.
7- يبدو لي والله أعلم أن الرجل يميل إلى الإسلام في قرارة نفسه، وأنه لا يريد أن يظهر ذلك للمسيحيين صراحة، وهذا طبيعة من لم يصل إيمانهم ويقينهم إلى التوكل على الله وتقديم رضاه على إرضاء الناس أو الجاه أو المال أو المنصب.
وقد ذكرته للأخ الدكتور عبد الله بن عمر نصيف أمين عام رابطة العالم الإسلامي، فقال: "أنا أظن أن هذا الرجل من الذين يكتمون إيمانهم".
وعلى كل حال فإن الهداية بيد الله. وقد وجدت مستشرقاً كبير السن في بعض بلدان أوربا في هذه الرحلة يكتم إيمانه فعلاً وصرح لي بأنه مسلم ولكنه طلب مني عدم التصريح بذلك، وعلل ذلك بأنه أراد أن يخدم الإسلام و المسلمين دون أن يشعر أعداء الإسلام بأنه مسلم، وقد أثنى عليه المسلمون هناك فعلاً.
زيارة الدكتور محمد حميد الله:
وبعد أن فرغنا من الاجتماع بالدكتور لولونج، ذهبنا لزيارة الدكتور محمد حميد الله، ولم نكن قد حددنا موعداً معه، لأن الرجل لا يوجد عنده هاتف، وهو في منزله لا يغادره في أغلب الأوقات، وقد كنا في منزله في الساعة الثانية عشرة والنصف ظهراً.
طرقنا الباب، ففتح لنا مرحباً وجلسناً معه قليلاً.
ولد الدكتور محمد حميد الله في مدينة حيدر أباد بالدكن، قال: وهي الآن تحت الاحتلال الهندوكي، وكانت دولة إسلامية.
وكان مولده سنة 1326هـ في شهر محرم أي أن عمره الآن اثنتان وثمانون سنة هجرية.
وبسبب الاحتلال الهندوسي لبلاده لجأ إلى فرنسا، وهو فيها منذ أربعين عاماً.
تخصص في الحقوق في بلاده، ودرس في جامعة السوربون في باريس، وقدم أطروحته في سنة 1934م: الوثائق السياسية في عهد النبوة والخلافة الراشدة، ونشر نص الوثائق باللغة العربية، وأما أصل الأطروحة فهي بالفرنسية وقد طبعت قبل 50 سنة.
وقد حاولت أن آخذ بعض المعلومات من الدكتور محمد حميد الله عن الإسلام والمسلمين في فرنسا وعن صفات الداعية، والموضوعات المؤثرة في الأوربيين، ولكن الرجل فوجئ بالزيارة والأسئلة، ولم يعرف الزائر، فكان فيما بدا لي متحفظاً، ولهذا أكتب شيئاً مما سمعته منه.
سألته عن الوقت الذي حصلت فيه صلة بين المسلمين وفرنسا؟
فقال: من عهد عثمان رضي الله عنه، وقال: إن الطبري ذكر ذلك وأشار إلى مجموعة الوثائق السياسية ص 533 [لا أدري أي طبعة] وقال: يمكن أن يكون قد أسلم في ذلك الوقت بعض الفرنسيين.
وسألته: عن عدد المسلمين في أوربا؟
فقال: لا أدري، ولكن عددهم في فرنسا ثلاثة ملايين، ومن بينهم مائتا ألف ممن اعتنق الإسلام من أصل أوربي في فرنسا، ويوجد منهم تسعون ألف مسلم - أي من الذين دخلوا في الإسلام - في باريس.
ومنهم من أسلم مخلصاً، ومنهم من أسلم بسبب مادي، ولكن نحن لم نبلغ الإسلام للناس، ومع ذلك لا يمر يوم إلا ويوجد فيه من يدخل في الإسلام.
ونحن في حاجة إلى مزيد من الكتب والمراكز والجرائد الإسلامية في كل مدينة وكل قرية في أوربا، وفي حاجة إلى دعاة مخلصين فقهاء يجيدون اللغات الأوربية حتى يبينوا للناس الإسلام.
ويوجد في فرنسا ألف مسجد، وفي باريس وحدها ثمانون مسجداً.
قلت له: ما الذي تحتاج إليه الصحوة الإسلامية في نظرك؟
فقال: أين هي الصحوة الإسلامية؟ لو كانت توجد صحوة إسلامية ما كانت شعوب المسلمين تحكم بغير ما أنزل الله، وما كانت بعض شعوبهم تحت أقدام الكفار.
قلت له: الصحوة موجودة، والإقبال على الإسلام شديد من الشباب في كل العالم، وبخاصة شباب الجامعات من ذوي التخصصات العلمية، كالأطباء والمهندسين وغيرهم. غير الجامعات والمعاهد الإسلامية التي يظن الناس أن طلابها هم الذين يقبلون إلى الإسلام، بسبب أنه مجال دراستهم.
وهؤلاء الشباب مستعدون لبذل أنفسهم وأموالهم في سبيل الله، ولكن توجد بعض العقبات التي تعترض نتائج عملهم، منها: قلة الموجهين لهم التوجيه الصحيح، ممن فقههم الله في الدين فقهاً يحقق مرضاة الله، ولهذا قد تحصل من هذا الشباب بعض التصرفات التي ليست في مصلحتهم ولا في مصلحة الدعوة، مع حسن النية.
ومن ذلك الضغوط الشديدة التي يوجهها لهم أعداء الإسلام من داخل الشعوب الإسلامية وخارجها، ولو وجدوا من يرشدهم إلى الحقائق الإسلامية المبنية على الدليل والسيرة النبوية، وسلموا من أعداء الله الذين يقفون لهم المرصاد، لما حُكِمت الشعوب الإسلامية بغير ما أنزل الله، ولا استقر لأعداء الإسلام من اليهود والنصارى والشيوعيين قراراً في بلدان المسلمين التي احتلوها.
وقد بدا عليه الارتياح عندما سمع مني هذا الكلام وهو لا يدري - فيما ظهر لي -عن كثير مما يدور في العالم الإسلامي من الإقبال الشديد على الإسلام لذلك أظهر تشاؤمه.
والدكتور محمد حميد الله منزوٍ في غرفة ضيقة مليئة بالكتب والمجلات والوثائق المحيطة به، بل إن سريره عليه كيس من النايلون وعليه كتب، فإذا أراد أن ينام أزال الكتب والكيس ونام عليه.
وهو رجل نحيف متوسط القامة، له لحية طويلة، وليست عريضة، وعندما فتحت آلة التصوير لآخذ صورة لغرفته المليئة بالكتب، استأذن وخرج من الغرفة حتى لا تلتقط له صورة.
وبغرفته طاولة صغيرة ومقعد يجلس عليه ليقرأ ويكتب، ومقعدان كذلك للزائر، وهو يعيش وحده ويخدم نفسه، ولم يتزوج طول حياته، وهو يسكن في حي جامعة السوربون في الدور الرابع من العمارة، وهي قديمة ولا يوجد بها مصعد.
في برج إيفل:
وبعد أن زرنا الدكتور محمد حميد الله، ذهبنا إلى برج إيفل الشهير في مدينة باريس، وهو ذو ارتفاع شاهق في وسط المدينة، بالقرب من نهر السين الذي يقسم مدينة باريس، أشرفنا منه على المدينة ذات المباني العالية، وكانت تشرف على تلك العمارات كلها واحدة منها، قال لي الأخ أحمد: إنها أطول عمارة في باريس، كما شاهدنا مبنى منظمة اليونسكو وهو مثلث الشكل.

وفي البرج رأينا صورة مجسمة للمهندس أيف الذي أشرف على بناء هذا البرج وسمي باسمه، وهو عبارة عن هيكل رجل ملتح قاعد على مكتبه وأمامه أحد معاونيه من المهندسين. وفي أحد طوابق البرج كتب على الجدران أسماء الحارات المقابلة من مدينة باريس بصورها وأرقامها.
وفي بعض أدواره الأخرى سجلت عواصم الدول العالمية كلها، وكتب بجانب اسم كل عاصمة المسافة التي تبعد بها من نفس المكان بالكيلو، من ذلك مدينة تونس تبعد من ذلك المكان ألفاً وثلاثمائة كيلو وزيادة لا أحفظها الآن، حتى قلت للأخ أحمد - وهو تونسي -: إن مدينة الدمام في المملكة العربية السعودية تبعد عن المدينة المنورة بألف وخمسمائة كيلو متراً تقريباً، وهي في عرض الجزيرة وليست في طولها، المدينة تبعد عن ساحل البحر الأحمر بأكثر من مائتين وخمسين كيلو متر، ومدينة الدمام على ساحل الخليج العربي.

العودة إلى بلد الحرمين الشريفين:
الجمعة: 25/1/1408 هـ.
هذا هو اليوم الذي يكمل اثنين وثمانين يوماً من هذه الرحلة، التي بدأت في يوم 3/11/1407هـ وهو آخر أيام هذه الرحلة.
أسأل الله أن يجعله خاتمة خير وبركة وأن يجعل عملي في هذه الرحلة وغيرها، خالصاً لوجهه الكريم.
وكانت باريس هي خاتمة المدن الأوربية التي تنقلت فيها.
وقد أقلعت الطائرة الترايستار السعودية من مطار شارل ديجول في الساعة 11.15 صباحاً، وهبطت في مطار جنيف في الساعة 12 فكانت مدة الطيران ساعة إلا ربعاً، وبقيت في المطار أكثر من ساعة وعشرين دقيقة.
وأقلعت من مطار جنيف في الساعة 13.25.
كل هذا بتوقيت غرب أوربا الصيفي، وهو ينقص عن توقيت المملكة العربية السعودية بساعة واحدة.
فرغت من ترتيب وتصحيحه في الساعة الثانية إلا ربعاً بعد منتصف ليلة الأحد
الرابع والعشرين من شهر ذي القعدة عام 1426هـ ـ 25 من شهر ديسمبر عام 2005م
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
روابط عن الإسلام في فرنسا:
وحيث إن شئون المسلمين تطورت في فرنسا تطوراً إيجابياً وتطوراً سلبياً، كغيرها من البلدان الغربية، بسبب الأحداث الكثيرة في هذه الفترة، فإني أذكر بعض الروابط التي عثرت عليها في الشبكة العالمية، لتحديث المعلومات في الكتاب.
وأسأل الله تعالى للمسلمين الثبات والاستقرار في البلدان الغربية ليستوطن دينهم هناك، وأن يوفق دعاة الإسلام لمزيد من النشاط لتثبتهم، وأن يرفع عنهم كل بلاء ومحنة، وأن يهدي العالم لدراسة هذا الدين وينقهم به.
وسبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.
الرابط الأول:
http://www.islamway.com/?iw_s=Article&iw_a=view&article_id=708
الرابط الثاني:
http://www.islamonline.net/Arabic/news/2004-12/26/article03.shtml
الرابط الثالث:
http://www.islamlight.net/index.php?option=content&task=view&id=2052&Itemid=69
الرابط الرابع:
http://www.aljazeera.net/NR/exeres/253CF91C-5415-4296-84BE-1DD88FF0D557.htm
الرابط الخامس:
http://www.islamonline.net/Arabic/doc/2004/01/article01.SHTML
الرابط السادس:
http://www.islamonline.net/arabic/daawa/2003/04/article14.shtml
الرابط السابع:
http://www.aljazeera.net/NR/exeres/AC4ABB43-2DA4-4288-B684-CBEBB6CFCFCC.htm
الرابط الثامن:
http://www.e-cfr.org/ara/index.php?module=announce&ANN_user_op=view&ANN_id=131
الرابط التاسع:
http://islamonline.net/Arabic/news/2005-09/29/article16.shtml
الرابط العاشر:
http://www.islamonline.net/Arabic/news/2005-05/24/article09.shtml
سلسلة في المشارق والمغارب
رحلة البرتغال
الدكتور
عبد الله بن أحمد قادري الأهدل
الطبعة الأولى
1427هـ ـ 2006م