رحلات السويد وفنلندا والنرويج

الرحلات | سلسلة في المشارق والمغارب | 10 صفحة
صفحة 9 من 10 1- في مدينة أوسلو

1- في مدينة أوسلو

1- في مدينة أوسلو

في مطار أوسلو:

الجمعة 27/12/1407هـ
أقلعت الطائرة من مطار ستوكهولم الساعة الثامنة مساء، وهبطت في مطار مدينة أوسلو، ويسمى "فورنييو" في الساعة الثامنة وخمس وأربعين دقيقة، أي أن مدة الطيران بين ستوكهولم وأوسلو ساعة إلا ربعاً فقط.
وجدت في المطار الأخ الكريم، الشاب المسلم الداعية أبا يوسف فيصل بيك التونسي الأصل، النرويجي الجنسية.
ولد سنة 1961م وهو في أوسلو من سنة 1971م. تخصص في الهندسة الإلكترونية، بكالوريوس، ويرغب أن يواصل دراسته العليا، متزوج فتاة فنلندية، وعنده ابن عمره سنة ونصف ويسمى: يوسف.

ظلمة مخيفة!

ذهب بي الأخ فيصل إلى الفندق الذي حجز لي فيه، وهو يقع في منطقة جبلية تسمى: (HOLMEKLLOEN والفندق يسمى: (PARK HOTEL) (16).

منظر من فندق بارك هوتيل في أوسلو 28/12/1407هـ ـ 22/8/1987م
منظر من فندق بارك هوتيل في أوسلو 28/12/1407هـ ـ 22/8/1987م

عندما تحركنا من المطار كان يوجد رذاذ من المطر، ولكن لم يوجد ضباب، ولا زال في الوقت سعة، فصلاة المغرب لم تحن بعد، ولكن بعد ربع ساعة تقريباً كثر الضباب، وبخاصة عندما بدأنا نصعد إلى أعلي الجبل، فلم يكن ضوء السيارة يفيد في الرؤية، والطريق كان متعرجاً، وكان بسبب ذلك يبدو الخطر من جانبين:
الجانب الأول: الخشية من اصطدام السيارات لعدم وضوح الرؤية.
والجانب الثاني: خشية الانحراف عن الطريق والسقوط في هاوية.
ومن الصعب على السائق أن يقف في ذلك الطريق، فما كان أمام أخينا فيصل، إلا أن يغامر حتى يسر الله ووصلنا إلى الفندق سالمين والحمد لله على لطفه.

سبحان الخالق!

السبت: 28/12/1407هـ.
عندما أصبحت فتحت نافذة غرفتي، فرأيت العجب العجاب: رأيت الفندق الذي اختاره لي الأخ فيصل يقع على قمة جبل في منطقة تشرف على جانب من مدينة أوسلو، وتوجد سلسلة جبال كثيرة، وكلها مكسوة بالغابات، وقد غرز الفندق في غابة، وتتخلل تلك الجبال بحيرات وأنهار صغيرة، إنها مناظر ممتعة، يكفي السائح أن يقعد في شرفة غرفته بالفندق ويمد نظره إليها وهو في مكانه، ولو رأى القارئ صورة لبعض نواحي تلك المنطقة، لأغناه بذلك عن الوصف بالكتابة، ولكن الوصف بالكتابة لا يغني عن الصورة، فسبحان الخالق!

جولة في مدينة أوسلو:

وجاء الأخ فيصل في الساعة العاشرة والربع، وذهبنا نتجول في المدينة.
وأول مكان أحب الأخ فيصل أن يرينيه هو ميدان التزحلق، وهو جبل صناعي أقيم فوق جبل طبيعي، هذا الجبل الصناعي عبارة عن مدرجات من البناء الممتد في السماء، وأمامه ميدان فسيح تتراكم الثلوج في أيام الشتاء عليه من أعلاه إلى أسفله، ويؤمه هواة التزحلق من كل مكان، فيتزحلقون من قمته إلى أسفله، والذي يصعد إلى ذروته يرى المدينة وجبالها وشعابها وبحيراتها وأنهارها من جميع جوانبها، كما أن أهل المدينة يرون المتزحلق من مساكنهم، لارتفاع هذا الجبل الصناعي، ولم يتيسر لي أن أصعد إليه فقد كنا مشغولين وفات الوقت.
وأردنا أن نصرف بعض الشيكات السياحية، فلم نجد أي بنك في المدينة مفتوحاً، بخلاف المدن الأخرى، فإنك لا بد واجد بنكاً أو عدداً من البنوك مفتوحة أيام الإجازات، ولهذا ذهبنا إلى المطار لنصرف، لأنه يوجد به بنك مفتوح.
ثم دخلنا إلى وسط المدينة، فمررنا بمقر البلدية ومقر البرلمان، وبعض الوزارات، والشوارع في وسط المدينة ضيقة، مزدحمة بالناس.
وأكثرهم سائحون، والأجانب كثيرون، من أجناس مختلفة، يتضح ذلك للناظر من أول وهلة، وهذا بخلاف فنلندا، فإن الأجانب فيها قليلون جداً في مدنها الرئيسية والصغيرة، ومواصلاتها نادراً ما تجد فيها أجنبياً، حتى قلت للأخ فهد في مدينة هلسنكي عندما كان الناس يختلسون النظر إلينا: يبدو أنه لا يوجد أجنبي غيرنا في هلسنكي!
ثم مر بنا الأخ فيصل أبو يوسف إلى منزله، لأرى ابنه يوسف البالغ من العمر سنة وخمسة شهور، وليكرمني بطعام الإفطار(17).

الطفل يوسف بن فيصل بك في منـزل أبيه ـ أوسلو 1/1/1408هـ ـ 25/8/1987م
الطفل يوسف بن فيصل بك في منـزل أبيه ـ أوسلو 1/1/1408هـ ـ 25/8/1987م

مقر جماعة التبليغ في أوسلو:

وزرنا مسجداً صغيراً لجماعة التبليغ، وأغلبهم من باكستان وكانوا يصلحون بعض مرافق المسجد، لأنه مبنَى عادي في الأصل، يريدون تحويله إلى مسجد ومرافقه، ووجدنا طائفة منهم مجتمعين واقفين في حلقة في الشارع، وأحدهم في وسطهم يدعو وهم رافعون أكفهم يؤمنون، وذلك من مراسيم خروجهم في سبيل الله، إلى المساجد أو إلى التجمعات الإسلامية.

مقر جماعة البرلويين:

ثم مررنا بمقر جماعة البرلويين، وهو مبنى كبير ولم يكن فيه أحد، وقال الأخ أبو يوسف: إن أغلب أعضاء الجماعة - مع كثرة بدعهم وخرافاتهم - ليسوا ملتزمين بحلال ولا حرام، وقال: إن عددهم كبير، وينالون مساعدة من الدولة، وهذه المباني منحتهم إياها الدولة مجاناً، ويدفعون لها أجراً رمزياً.
وتجول بنا الأخ أبو يوسف في كثير من شوارع المدينة بسيارته، وكانت الشمس في هذا اليوم ساطعة، ويغلب على شوارع المدينة وبخاصة وسطها رصها بالآجر الأحمر بدلاً من النفط ـ الإسفلت ـ وهكذا تجد كثيراً من مدن أوروبا وبخاصة في دول اسكندنافيا، قال الأخ أبو يوسف إنه يساعد على ذوبان الثلوج في أيام الشتاء.

من آثار الحضارة المادية المقطوعة الصلة بالله:

كنا نسير في أحد الشوارع فرأيت على رصيفه أربعة أشخاص، كلهم فوق الخمسين سنة من العمر وهم ممددون على الرصيف، كأنهم موتى، لا يتحركون، فسألت الأخ فيصلاً عنهم فقال: هؤلاء يتناولون المخدرات بكثرة، ويمكثون فترة غائبة عنهم عقولهم، والناس يمرون بهم ولا يلتفت إليهم أحد!
قلت: هذا أثر من آثار الحضارة المادية التي قطعت صلتها بالله، وهذه الحرية التي يحرصون على عدم فقدها هي عبودية الإنسان لنفسه وشهواته وهواه، وحرمان نفسه من الحرية الصحيحة التي لا يكون فيها عبداً إلا لله. [ولقد ابتليت بلدان المسلمين بمآسي البلدان الغربية، بسبب بعد كثير من أهلها، وبخاصة ولاة أمرها عن تحكيم شرع الله في حياتها، فأصبح يوجد في الشعوب الإسلامية كثير مما حل ببلدان أهل الغرب، ومن ذلك تعاطي المخدرات وشرب الخمور، حتى فقد كثير من الشباب والأسر الحياة السعيدة التي كان المسلمون المتمسكون بدينهم ينعمون بها، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وإلى الله وحده المشتكى!].
إنه لا منقذ لهذه البشرية إلا دين الله الحق الذي هو الإسلام.

زيارة المركز الثقافي الإسلامي في أوسلو:

ثم زرنا المركز الثقافي الإسلامي في مدينة أوسلو، ووجدنا به إمام المسجد الشيخ محبوب الرحمن الباكستاني(18).

محبوب الرحمن إمام مسجد المركز الثقافي ـ أوسلو 28/12/1407هـ ـ 22/8/1987م
محبوب الرحمن إمام مسجد المركز الثقافي ـ أوسلو 28/12/1407هـ ـ 22/8/1987م

ولد سنة 1950م وهو من عوالي بيشاور.
تعلم في المدرسة العربية لإشاعة العلوم في فيصل أباد.
جاء إلى مدينة أوسلو قبل سنتين، وهو إمام المسجد في المركز الثقافي الإسلامي.
أنشئ المركز سنة 1973م.
له مجلس شورى.
يديره رئيس المجلس ونائبه والسكرتير، والرئيس هو محمد أظهر علي.
عدد الأعضاء المسجلين أربعون شخصاً.
نشاط المركز: تعليم الأطفال، ويقوم به الإمام، وكذلك يلقي دروساً أيام الأحد والجمعة.
ويوزع بعض الكتب الإسلامية، باللغة النرويجية واللغة الإنجليزية، مثل كتاب مبادئ الإسلام للمودودي.
وتلقى دروس ومحاضرات عامة في المناسبات.
وجماعة المركز مرتبطة بالجماعات الإسلامية في باكستان.
كان المركز يصدر المجلات الإسلامية باللغة العربية واللغة الأردية، ولكن بعضها توقف، وبعضها تصدر بعد أشهر، بسبب المشكلات المادية، ومن تلك المجلات: مجلة دين الحق.
يزور المركز المدرسون والطلبة النرويجيون، للاطلاع على المركز ومعرفة شئ عن الإسلام، فيوزع عليهم بعض الكتب باللغة النرويجية والإنجليزية.
وسألته عن أولاد أعضاء المركز هل هم متمسكون بالإسلام؟
فقال: أكثرهم متمسكون، وبعضهم تأثروا بالنرويجيين.

زيارة مركز الرابطة الإسلامية في أوسلو:

وبعد صلاة العصر اجتمعنا ببعض أعضاء الرابطة الإسلامية، وأكثرهم من الشباب المغربي، وقد ألقيت فيهم محاضرة بعنوان الإيمان وتربية الأولاد في البلاد غير الإسلامية، وبعد ذلك ألقوا بعض الأسئلة وأجيب عنها(19).

أبو يوسف وزملاؤه ـ الرابطة الإسلامية ـ يستمعون للمحاضرة أوسلو 28/12/1407هـ ـ 22/8/1987م
أبو يوسف وزملاؤه ـ الرابطة الإسلامية ـ يستمعون للمحاضرة أوسلو 28/12/1407هـ ـ 22/8/1987م

هل أصبح السراب حقيقة؟!

ذهبنا إلى مطعم مغربي لتناول طعام العشاء، وكنا على المقاعد المشرفة على رصيف الشارع، والحاجز بيننا وبين الشارع زجاج، ووضعت أمامنا السفرة المغربية التي يراها من يمر بالشارع، فمر عدد من الشباب النرويجي ذكوراً وإناثاً وهم يصيحون ويضحكون ويتمايلون - سكارى - والتفت شاب وشابة منهم نحونا، فرأيا تلك السفرة المغربية فوقفا وأخذا يتناولان من وراء الزجاج بالإشارة إلى الطعام بأيديهما ويضعانها في أفواههما. والظاهر أنهما كانا جادين في هذا التناول الوهمي، ولعلهما شبعا أيضا بمجرد الإشارة إلى الطعام ثم إلى أفواههما من وراء الزجاج وبذلك يصبح السراب حقيقة ملموسة عند السكارى!

روائح جثث الموتى تنعاهم!

قال الأخ أبو يوسف: إن الجرائد كثيراً ما تنشر عن أشخاص توفوا في منازلهم، ولم يدر عنهم أحد، حتى تنتشر روائح جثثهم وبخاصة العجائز، وكثير منهم لهم أولاد، ولكنهم لا يسكنون معهم، وقد يبقى الولد السنوات الطويلة، لا يدري عن والده شيئاً، بل قد يموت أحدهما ولا يدري عن موته الآخر، وقبل فترة نشرت الجرائد عن عجوز توفيت في شقتها وبقيت ثلاثة أسابيع لم يدر الناس عنها إلا برائحتها.

حواجز وهمية يجب أن تحطم!

لقد سألت كثيراً من المسلمين العاملين في حقل الدعوة الإسلامية في البلدان غير الإسلامية هذا السؤال: هل يقبل غير المسلمين التفاهم معهم في أمور الإسلام والاختلاط بهم من أجل ذلك؟
فيكون جواب كثير منهم: أن غير المسلمين متكبرون، وينظرون إلى الأجانب نظرة حذر وبخاصة المسلمين، ويصعب الاختلاط بهم.
ولكني في هذه الرحلة وجدت ما يدل على عدم صحة إطلاق ذلك، إما بنفسي، أو أمثلة سمعتها من بعض الإخوة الذين تيسرت لهم أسباب الاختلاط بغير المسلمين، والغالب أن يكون ذلك بغير سعي من المسلم.
ولعل القارئ يجد أمثلة كثيرة تدل على ما أقول في أماكن متفرقة من هذه السلسلة، ولا أدعي أن ما فعلته أو سمعته يعتبر إحصاء، وإنما هو أمثلة يمكن الاستئناس بها على أن ذلك الإطلاق غير صحيح.
ومن ذلك ما أخبرني به الأخ أبو يوسف من أن مؤتمراً مسيحياً عقد في جامعة أوسلو، والهدف منه: التقريب بين الأديان، وكان عقده في أول هذا العام 1987م ودعي إليه المسلمون ليعرفوا الناس بدينهم، وأن بعض الإخوة ألقوا محاضرات وجرت بينهم وبين النرويجيين مناقشات كانت مفيدة جداً، وعلى أثر ذلك أخذ كثير من النرويجيين عناوين بعض الإخوة المسلمين وبدءوا يراسلونهم ويسألونهم بعض الأسئلة عن الإسلام، وهذا دليل على عدم صحة دعوى صعوبة الاختلاط بغير المسلمين، فعلى دعاة الإسلام أن يحطموا هذه الحواجز الوهمية!

الأحد: 29/12/1407 هـ.

كان الجو هذا اليوم مغيماً وممطراً، لا يرى من الأرض إلا بياض البحيرات وما عداها كان مسوداً: تراكم السحب واخضرار الغابات الشديد ونزول المطر، يجعل ذلك كلُّه المنظرَ شبيهاً بالليل المقمر.
جاءني الأخ أبو يوسف وذهبنا إلى مقر الرابطة الإسلامية لإلقاء محاضرة خاصة بالنساء النرويجيات.
وفي الطريق تذاكرنا الموضوع الذي طرق بالأمس، وهو إمكان الداعية المسلم أن يتصل بغير المسلمين ويدعوهم إلى الله بالأسلوب الذي يراه مناسباً لدعوتهم.
فقال الأخ أبو يوسف: إن من الأمور التي حصلت في المؤتمر الذي عقد في الجامعة، مناقشة الكتب الدراسية الرسمية، وطريقة عرضها للإسلام، وبيان ما فيها من أخطاء، وقد وعدوا بتغيير كثير مما استنكره المسلمون، وهذا من المكاسب التي قد لا يفكر فيها المسلمون إلا في مثل هذه اللقاءات المفتوحة.

هذا يصلي، وذاك يتزلج، أيهما الجديد؟!

رأيت ونحن نسير في الطريق إلى المركز صورة ملفتة للنظر:
صورة مكبرة لرمال الجزيرة العربية، وعلى تلك الصحراء أعرابي لابس لباساً عربياً: ثوباً وغترة وعقالاً، وهو ساجد سجود الصلاة [وقد خط خطاً في الرمل قاصداً به السترة!]. وبجانبه رجل طائر في الفضاء، وآلة التزلج على الجليد في رجليه، فقلت للأخ أبي يوسف: ما مناسبة هاتين الصورتين، وما الذي جاء برمال الجزيرة وأعرابيِّها الساجد بجانب هذا الأوربي المتزلج؟
فقال: أرادوا بذلك إبراز المقارنة بين ما يعرفون من عاداتهم وبين هذا العالم الذي لا يعرفونه، ولذلك كتبوا عليه: عالم جديد!
قلت: ألا يعرفون الجزيرة العربية وسكانها؟ قال: إن النرويجيين منغلقون على أنفسهم، لا يفكرون في العالم الخارجي.
قلت: إن المصلي معروف من عهد آدم عليه السلام، والمتزلج في الحقيقة هو الجديد!

محاضرة للأخوات المسلمات:

وذهبنا إلى مقر الرابطة الإسلامية، وألقيت محاضرة، موضوعها العام: الحرية الحقيقية في التوحيد. كانت شرحاً لكلمة التوحيد والرسالة والتسليم المطلق لله، ومعنى الحرية، ووجوب وقاية المسلم نفسه من الذوبان في بلاد الكفر، وتربية الأولاد والاستمرار في الدعوة إلى الله والتفقه في الدين. وكان أغلب النساء الحاضرات نرويجيات، وكان المترجم الأخ أبو يوسف.