رحلات السويد وفنلندا والنرويج

الرحلات | سلسلة في المشارق والمغارب | 10 صفحة
صفحة 7 من 10 2- في مدينة تامبري TAMPERE

2- في مدينة تامبري TAMPERE

2- في مدينة تامبري TAMPERE

ووصلنا إلى مدينة تامبري في الساعة السابعة والربع مساء، وكان عندنا هاتف الأخ المسلم أسد بن لطف الله، فاتصلنا به من محطة القطار لنخبره بوصولنا وحاجتنا إلى الاجتماع به، فأجابت إحدى النساء في منزله، وقالت: إنه يمكن أن يكون في المركز، ووصفت لنا العنوان فكتبه الأخ فهد وأخذنا سيارة أجرة أوصلنا سائقها إلى المركز.

السُّكْرُ والدخان ‍!

عندما وصلنا إلى المكان لم نجد أحداً، فشككنا في الوصف وأخذنا نتجول في الشارع، وننظر إلى أرقام العمارات المكتوبة على الجدران، أو الأبواب وكان رجل كبير السن واقفاً على الرصيف وبيده حبة دخان وكان كلما مر به شخص مد إليه يده يناوله السيجارة، ويضحك والناس يمرون به ساكتين.
وكان الأخ فهد يمشي أمامي وعندما اقتربت من الرجل، أراد أن يفعل معي كما يفعل مع الآخرين، فقطبت وجهي ومشيت نحوه وجمعت أصابعي كأنني أريد أن ألكمه، فقفز هارباً في الشارع، والمطر ينزل ولم يلتفت إليَّ إلا بعد أن تجاوز الشارع ووقف على الرصيف الآخر، قال الأخ فهد: لقد أرهبته.

الاجتماع بالأخ الحاج أسد الله بن لطف الله بابيلات:

جاء الأخ أسد، فوجدنا في الشارع نتلفت فعرفنا، لأن أهله اخبروه أنا اتصلنا نسأل عنه، فصعدنا معه إلى إدارة المركز، والعمارة من أوقاف المركز، وبها الإدارة والمسجد(15).

الكاتب والحاج أسد في مدينة تامبري بالمسجد 25/12/1407هـ ـ 19/8/1987م
الكاتب والحاج أسد في مدينة تامبري بالمسجد 25/12/1407هـ ـ 19/8/1987م

وكان الأخ أسد قد أدى هذه السنة فريضة الحج، هو وزوجته، فهو حديث عهد بمكة المكرمة، وكان متأثراً من التعب وعنده زكام وكحة، جلسنا مع الرجل وأخذنا منه المعلومات المتيسرة:
ولد سنة 1925م أي أن عمره 62 سنة.
وكان جده المسمى جمال الدين بابيلات، من أوائل العائلات المسلمة التي استقرت في فنلندا قبل الحرب العالمية الأولى سنة 1915م.
ووالدا الحاج أسد ما زالا حيين يرزقان، وعمر كل منهما 85 سنة، وعند الحاج أسد ثلاث بنات غير متزوجات عمر كبراهن 32 سنة تدرس الاقتصاد.
و قال: إن المسلمين التتر قبل الحرب كانوا يأتون إلى فنلندا ويذهبون، ولم يستقروا إلا في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي.
وعدد المسلمين في منطقة تامبري مائة وخمسون.
ووالده يؤم الناس يوم الجمعة، وفي صلاة التراويح في رمضان.
وقال: إن وقت الإفطار في هذا العام في رمضان كان يحين في الساعة الحادية عشرة مساء، ويبدءون صلاة التراويح من الساعة الحادية عشرة والنصف، لقصر الليل ويصلون خمس عشرة ركعة.
وسألته هل يوجد مسلمون غير الأتراك؟
فقال: قليل جداً.
وسألته عن مسلم تتري ذكره لي الدكتور زكي علي المصري الذي زرته في منزله بمدينة جنيف في 6/11/1407هـ، ولم يحفظ من اسمه إلا كلمة إحسان، فقال: اسمه زينة الله عماد الدين إحسان، وكان تاجراً وإماماً ورجل أعمال، وكان عنده دكان في مركز المدينة وقد توفي سنة 1946م أو 1947م، وله أربعة أولاد ذكور مات منهم ثلاثة، والآخر يعيش في هولندا، وله أيضا بنتان، واحدة تعيش في تركيا، وواحدة تعيش هنا في تامبري وعمرها 65 سنة أو تزيد قليلاً.
وسألته عن نشاط المركز واسم الجمعية؟
فقال: تسمى الجمعية: الجمعية الإسلامية في تامبري.
وأما النشاط فهم يقيمون صلاة الجمعة والتراويح في رمضان ويلتقي المسلمون في بعض الأوقات.
قلت: هل يوجد مسلمون فنلنديون هنا؟
قال: لا أعرف إلا امرأة مسلمة واحدة فنلندية، تسكن في شمال فنلندا، وتأتي إلى تامبري لزيارة والديها، ولا أعرف غيرها من الفنلنديين هنا.
وسألته: ألا يأتيكم أحد من الدعاة لزيارتكم؟
قال: يأتينا إمام من هلسنكي مرة في الشهر، وأحياناً تقام دورات في الصيف.
وسألته عن المسلمين هل هم متمسكون بدينهم وبخاصة الشباب؟
فقال: بعضهم يصلون، وبعضهم يختلطون كثيراً بالفنلنديين ويتزوجون من النساء الفنلنديات. [مع العلم أن عندهم بنات مسلمات لم يتزوجن والأخ أسد عنده بنات عمر كبراهن 32سنة، كما أن المسلمين الذين يتزوجون من الفنلنديات لا أثر لهم عليهن بدليل أنه لا توجد مسلمة واحدة في تامبري ما عدا واحدة ساكنة الشمال، ومعنى هذا أن الفنلنديات يؤثرن على أزواجهن المسلمين، وليس العكس].
وبعض الشابات المسلمات يتزوجن بفنلنديين غير مسلمين.
قلت له: هل عندكم أولاد يرغبون في دراسة مبادئ الإسلام في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة؟
فقال: لا أظن أن أحداً يستجيب لذلك.
قلت له: كيف حالة المسلمين المادية؟
قال: أنا أعمل نائب مدير في مصنع للبلديات، وأغلب المسلمين حالتهم المادية طيبة هنا.

من هو عمر صالح؟

وتوجد صورة كبيرة لرجل مسلم تتري على جدار المركز.
سألته: من هذا؟
فقال: هذا رجل مسلم يسمى: عمر صالح توفي قبل خمس وثلاثين سنة.
وكان ينفق أمواله لمصالح المسلمين، وعندما مات وقف ثلاث عمارات ومنح المسلمين مبالغ مالية للنشاط الإسلامي، ولا زالت تلك الأوقاف موجودة، وقد اشتروا من ريعها أماكن أخرى موقوفة، كما ينفق على المركز والمسجد من ريعها.
والأخ أسد يتكلم الفنلندية بطلاقة، ويتكلم الإنجليزية ببطء شديد.
وهو ذو أخلاق حسنة، طلق الوجه إذا تحدث إليك يتحدث وهو يبتسم، وإذا تحدثت إليه أقبل إليك إقبالاً يشعرك بالاهتمام بحديثك.
وفهمنا أنا قد لا نستطيع الاجتماع بالمسلمين لتفرقهم في السكن واشتغالهم بأعمالهم.
وسألت الحاج أسداً عن الحج وانطباعاته عنه؟
فقال: الطرق كانت ممتازة بين المناسك، ولكن الزحمة شديدة، ولذلك كان الحج صعباً بالنسبة له، ولولا أن الأمور كانت منظمة لما استطاع الناس أداء مناسكهم بسهولة، وقال: إنه يوم النحر طاف بالطابق الثاني، وكان يرغب في زيارة المدينة، ولكنه أحس بأنه متعب بعد الحج فلم يتمكن من الزيارة، ويتمنى أن يأتي بعمرة ويزور المسجد النبوي.
ثم استأذنا من الحاج أسد الذي رأيناه في حاجة إلى الراحة، وذهبنا إلى فندق ممتاز قرب محطة القطار يسمى: (ILVES) لنأخذ راحتنا ونستعد للسفر غداً مبكرين بالقطار إلى مدينة توركو التي تمخر منها السفن في بحر البلطيق إلى مدينة ستوكهولم.

هذه إحدى مآسي المسلمين في بلدان الكفر:

هؤلاء الأتراك في مدينة تامبري إذا لم يحصل اهتمام بهم، ببعث داعية صالح مؤهل يجيد اللغة التركية أو الفنلندية، ليبقى معهم ويحاول جمعهم وتعليمهم مبادئ دينهم، وتحذيرهم مما هم فيه الآن، فإنهم سينقرضون وستبقى أسماء إسلامية، وهم غير مسلمين، كما حصل لغيرهم من المسلمين في بلدان أخرى، كحالة المسلمين الأفغان في أستراليا... [كما ذكرت قصتهم في المجلد السابع من هذه السلسلة]. والدليل على ذلك أن لهم أكثر من مائة سنة، ولم يوجد مسلم واحد من الفنلنديين في منطقتهم، والدليل كون بناتهم يتزوجن بغير المسلمين والشباب منهم يتزوجون فنلنديات لم تسلم منهن امرأة واحدة !. [وأنا لا أملك من الأمر إلا شيئاً واحداً، وهو نقل هذه الحالة وما يشبهها إلى بعض المؤسسات الإسلامية التي عندها مقدرة على المساعدة ببعث الدعاة وقد فعلت، اللهم فاشهد].

مدينة تامبري:

أسست مدينة تامبري في أول شهر أكتوبر سنة 1779م.
ومساحتها الكلية 682 كيلو متر مربع.
وعدد سكانها 168 ألف نسمة.
بها برج يشرف على المدينة، ومنتزه ومتحف فني وحديقة حيوانات للأطفال. [من نشرة وجدناها في الفندق الذي بتنا فيه].

يصيح ويترنح ويهرول ليدرك القطار !

الخميس: 26/12/1407هـ.
خرجنا بعد الساعة السادسة صباحاً من الفندق مشياً على الأقدام، لأن المحطة قريبة ومررنا ونحن نهرول كما يهرول الناس، لندرك القطار، فإذا رجل يصيح، ويترنح يكاد يسقط في الشارع، ويهرول إلى القطار كما يهرول الناس، ولا أدري ماذا كان يقول، ولكنه يمشي في نفس اتجاهنا.
وعندما صعدنا إلى مقاعدنا في المقطورة الأولى من القطار جاء ذلك الرجل بعد قليل، وقعد في الغرفة التي أمامنا، وكان بجانبه شاب وشابة، وهو يهذي ويصيح ويخاطبهما وهما يضحكان.
تحرك بنا القطار من مدينة تامبري في الساعة السابعة والدقيقة الخامسة صباحا، إلى مدينة توركو التي تقع على شاطئ البحر في الجنوب الغربي من فنلندا، والسير إليها من تامبري من الشمال إلى الجنوب، مع ميل يسير جداً إلى الغرب، كما أن السير من هلسنكي إلى تامبري، من الجنوب إلى الشمال مع ميل قليل إلى الغرب.
وكان الجو ممطراً مغيماً، حتى كان بسبب نزول المطر وتراكم السحب وكثافة الغابات وكثرة البحيرات والأنهار، شبيهاً بوقت الصبح في الغلس وكانت المناظر في غاية الروعة والجمال.
وأغلب القطارات والمحطات في فنلندا، كتب عليها إعلانات بالخط العريض الأحمر للتحذير من مرض الإيدز، مع صور مشوهة من صور المصابين به، ويبدو أن ذلك دليل على كثرة انتشاره والرعب الشديد منه.
ووقف بنا القطار في إحدى محطاته قبل أن نصل إلى محطته الأخيرة في ميناء توركو.

هيا انزلا قبل أن يذهب القطار!

واشتد صياح الرجل المهذار، وقال للشابين: هيا انزلا قبل أن يذهب القطار، ويبدو أن الشابين ليسوا من أهل البلد وأراد أن ينزلا، ولكن أحدهما سأل بعض الركاب، هل هذه محطة القطار الأخيرة؟.
فقال له: لا، فبقيا وبقينا نحن حتى وصلنا إلى آخر محطة، والظاهر أن الرجل كان قد تناول كحولاً قوية أو كثيرة، لأنه كان يتقيأ كثيراً، وهو يهذي بما لا يدري.
وكان وصولنا إلى مدينة توركو في الساعة التاسعة والثلث، أي أن مدة سير القطار بين مدينة تامبري و توركو ساعتين وعشر دقائق.

العودة إلى مدينة ستوكهولم في سفينة "سْفِيا" (SVEA).

وجدنا السفينة تتأهب للتحرك إلى ستوكهولم، فركبنا، وتحركت بنا في الساعة العاشرة صباحاً.

معلومات عن السفينة (سفيا):

السفينة سويدية فنلندية.
اسمها: سفيا (SVEA).
طولها: 168متر.
عرضها: 27.6 مترا.
عمقها: 6.7 مترا.
السرعة: 22عقدة.
الحمولة بالكامل: 35 ألف طن.
قوة المحرك: 36 ألف حصان.
عدد الركاب: 2000 ألفان.
عدد الغرف: 566.
عدد الأَسِرَّة: 1633.
فيها غرفة خاصة بالمعوقين، وأخرى لمن عندهم حساسية شديدة، تتسع لأربعمائة سيارة صغيرة أو ستين شاحنة.
وبها خمسة حمامات بخارية (SAUNA) وبركة سباحة للكبار، وأخرى للأطفال.
إضافة إلى المطاعم والأسواق المختلفة، وأماكن اللهو والفسوق، وبها تلفونات عالمية.
وقاعة مؤتمر تتسع لأربعمائة وأربعين شخصاً.
هذه المعلومات كانت في نشرة خاصة في غرف السفينة وعند مقاعدها.
هذا، وقد أخلدنا إلى النوم في غرفتنا بالطابق السادس من السفينة، ولم نصح إلا بعد مرور ثلاث ساعات.
وصلينا الظهر والعصر، وكان الجو قد أصبح صحواً، فصعدنا إلى أحد المطاعم وتناولنا طعام الغداء، وتجولنا في أجنحة السفينة ما يقارب ثلاث ساعات، ولا يشعر الإنسان بالوقت وهو يمضي، لأن المناظر ممتعة، ببحرها الهادئ، وجزرها الكثيرة التي غرست في غاباتها المنازل الصغيرة الجميلة، وقواربها الصغيرة المتنوعة الأحجام والألوان جارية وراسية. وكان الأفق الغربي في هذا الوقت مزيناً بأشعة الشمس التي تخترق السحب الداكنة السوداء، فترى تلك الأشعة على هيئة خطوط بيضاء وصفائح تميل إلى اللون الأحمر، فتكونت بذلك كله عجائب من المناظر الخلابة.
ورست السفينة في أحد موانئ ستوكهولم، في الساعة الثامنة بتوقيت السويد، التاسعة بتوقيت فنلندا، فكانت مدة سيرها من مدينة توركو الفنلندية إلى مدينة ستوكهولم السويدية إحدى عشرة ساعة كاملة، لأن خروجنا من مدينة توركو كان في الساعة العاشرة بتوقيت فنلندا ـ صباحاً ـ هذا ولم نجد موظفي جوازات عند خروجنا من فنلندا، ولا عند دخولنا السويد مرة أخرى، لأن دول اسكندنافيا تعتبر كأنها دولة واحدة ـ في المعاملة.
وذهبنا إلى فندق: (O. HENRYS) الذي كنت نزلت فيه قبل السفر إلى فنلندا، واتصلنا بمكتب الخطوط الجوية (SAS) وتم الحجز لسفري غداً الجمعة 27/12/1407هـ. إلى مدينة أوسلو عاصمة النرويج، كما تم الاتصال بالأخ فيصل بيك وأخبرناه بموعد وصول الطائرة إلى أوسلو.

انتهت مراجعتي وتصحيحي لهذا الكتاب الذي جمعت فيه بين بلدين
هما الدنمارك، وفنلندا بسبب صغر حجم كل واحدة منهما
في الساعة العاشرة والربع من مساء يوم الاثنين 18 من شهر ذي القعدة سنة 1426هـ
في منزلي بالمدينة المنورة، والحمد لله رب العالمين.
وسبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك
وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلِّم

سلسلة في المشارق والمغارب

رحلة النرويج

الدكتور
عبد الله بن أحمد قادري الأهدل

الطبعة الأولى
1427 هـ ـ 2006م