3- في مدينة لاهاي
3- في مدينة لاهاي
في مبنى البرلمان:
وقد زرنا في مدينة لاهاي مبنى البرلمان والوزارات وهذا المبنى يحيط بقاعة تسمى: قاعة الفرسان، وهي التي تلقي فيها الملكة خطاب العرش وخطاب سياسة الحكم.
والباب مفتوح للزوار، كأن تلك المباني متاحف وليست مباني مجالس تشريعية وتنفيذية ومقر مُلْك، ولا يوجد بها حراس، والباحة الكبيرة التي تحيط بالمباني مزحومة بالزوار، وكنت أظن أنه يوجد حراس سريون فسألت الأخ عبد الغني: ألا يوجد حراس مختفون في بعض الممرات؟
فقال: لا يوجد أحد مع العلم أن وزارات مهمة توجد في المنطقة، منها وزارة الدفاع.
ومررنا بمحكمة العدل الدولية التي أسست بعد عصبة الأمم.
ومدينتا لاهاي وليدن نظيفتان، وليستا كمدينة أمستردام.
زيارة المركز الإسلامي للإعلام في هولندا:
مقر هذا المركز في مدينة لاهاي.
والمسؤول عنه الأخ عبد الواحد فانبوميل وهو هولندي(6).

ولد الأخ عبد الواحد سنة 1944م في أمستردام.
دينه قبل الإسلام: النصرانية (هيروفورمد).
وكان يعتقد ذلك الدين عندما كان في المدرسة، وعندما بلغ عمره سبع عشرة سنة أصبح ضد الاعتقاد الإيماني.
وسألته عن الأسباب التي جعلته يقف ضد دينه؟
فقال: الأسباب كثيرة، ولكن أهمها ما يأتي:
1- سبب اجتماعي، وهو أن حياة النصارى الاجتماعية مفككة والناس يحبون الفردية والأنانية والأثرة، ولا تقارب بين الجيران، ولا يتعرف أحد على أحد، ولخص ذلك في الجملة الآتية: "عدم التكافل الاجتماعي".
2- سبب ديني وهو التثليث، لم يستسغه عقله وفطرته، وإذا سأل عن ذلك يريد جواباً مقنعاً لا يجد الجواب، وكل مسؤول في كنيسة يجيب بغير ما يجيب به مسؤول كنيسة آخر، ووصف عيسى عليه السلام في الكنيسة غامض غير معروف.
3- وسبب فكري، وهو أن الشاب يحتاج إلى أن يجاب عن بعض الأسئلة التي تتوارد على ذهنه، مثل: لماذا جاء الإنسان إلى الحياة الدنيا وإلى أين مصيره؟ فلا يجد في المسيحية تلك الأجوبة، ولهذا كثير من الشباب يلجئون إلى الأديان الشرقية ليأخذوا منها أصول فكرهم، لعدم وجود ما يقنعهم، ومن تلك الأديان التي يلجئون إليها: اليوجا.
قلت للأخ عبد الواحد: عندما تركت دينك، هل كنت تشعر بالحاجة إلى دين أو لا؟
فقال: نعم كنت أشعر أنه لا بد لي من إيمان، وكنت ألتمس من يخبرني عن إله حق وبحثت سنوات فلم أجد.
قلت له: ومتى سمعت عن الإسلام؟
قال: سمعت عنه وأنا صغير في المدرسة، وكانوا يسخرون من الإسلام ويشوهونه ويستهزئون بالصلاة وغطاء الرأس.
وكان له صديق في المدرسة الثانوية ويسمى نطيف نور من ماليزيا سمع منه بعض المعلومات عن الإسلام، ولم يكن داعية، وإنما سمع منه بعض الكلام عن النظافة وعن الطهارة.
واجتمع مع بعض الباكستانيين وعمره 18 سنة في أمستردام، وفي هذا الاجتماع سمع كلاماً عن الإسلام وتأثر به، وكانت هذه المرة الأولى التي يتأثر فيها.
وبين هذه الفترة ودخوله الإسلام خمس سنوات، فقد دخل الإسلام وعمره ثلاث وعشرون سنة عن طريق بعض المسلمين الإندونيسيين.
وفي تلك الفترة درس الفلسفة ومن ضمنها الإسلام، وكان قبل الإسلام يحب الموسيقى.
وله صديق تزوج فتاة إندونيسية وحضر هو عقد زواجه، ورأى كيف يصلي المسلمون ويطبقون بعض عباداتهم، وكان ذلك في قرية بلك في شمال هولندا، وصديقه مسلم جديد من سورينام، واسمه إبراهيم وهو يتعلم في جامعة أم القرى بمكة المكرمة في معهد تعليم اللغة العربية.
وكانت لديه أسئلة تتعلق بالدين، فسأل الإندونيسيين الموجودين وبقي عندهم ضيفاً لمدة ثلاثة شهور من أجل أن يسألهم عن الإسلام ويرى تطبيقهم له، وتعجب من قبولهم بقاءه عندهم هذه المدة الطويلة. [وحق له أن يتعجب فكثير من الأوربيين يصعب عليهم ان يزور بعضهم بعضاً زيارات خاطفة!].
وقال: إن الإندونيسيين مشهورون بإكرام الضيف.
ووجد جواب أسئلته عندهم.
وكان يمشي خارج البيت وحده ويفكر ماذا يعمل؟ ثم هداه الله، فدخل في الإسلام سنة 1967م.
قلت له: بماذا تشبه نفسك قبل الإسلام وبعده؟
قال: قبل الإسلام كنت عبد نفسي، وبعد الإسلام أنا عبد الله، وغير المسلم حيوان، والمسلم إنسان.
قلت له: ما الموضوعات الإسلامية التي ترى أنها تؤثر في الأوربي؟
قال: الأوربيون لا يشعرون بالراحة والاطمئنان، بل إن قلوبهم قلقة مضطربة [شهد عليها شاهد من أهلها] بسبب أنهم يأخذون معلومات كثيرة وكلها غير مريحة، مثل العناوين التي تصدر في الجرائد، أكثر من ستين عنواناً عن الديانات المختلفة: مثل البوذية واليوجا والهندوسية، وهركشنة وغيرها، وهذا يدل على أن الناس في هولندا وبخاصة الشباب من سن 16 إلى سن 30 يرغبون في معرفة معلومات عن الحياة تريح قلوبهم.
فإذا بينا لهم الصلاة والوضوء على حقيقتهما وقراءة القرآن والذكر فإن ذلك ينفع. [الأولى البدء بالإيمان].
وعندنا تجربة، وهي أن كثيراً من الناس يلجئون إلى المخدرات والخمور وغيرها، بسبب عدم وجود الروحانية، وذلك يوجد عندهم شتاتاً نفسياً، بحيث أن الشخص يشعر بشيء ويتكلم بخلافة، لنقص الإيمان والتوحيد.
قلت له: ما صفات الداعية المسلم الذي ترى أنه يقدر على التأثير في أهل أوروبا في الدعوة إلى الإسلام؟
فقال: المؤهلات كثيرة، ومن أهمها ما يأتي:
1-أن يكون شخصية علمية، قوي الحجة والبرهان، وكثير من المسلمين عاطفيون يغضبون بسرعة، فلا بد أن يكون قوي الصبر.
2-أن يكون عنده إلمام بالأديان المقارنة.
3-أن يعرف الثقافة الأوربية التي يدعو أهلها وعقليات الناس.
4-أن يكون روحانياً علماً وعملاً.
5-أن لا يكون عنده حب الرئاسة، بل يكون متجرداً مخلصاً، ولا يتلوث بأمراض الإدارة، حتى يكون مرتاح القلب.
6-ولا بد أن يجيد لغة أهل البلد، وفائدة الذي لا يجيد لغة أهل البلد تكون قاصرة، لأنه ينقل المعاني بواسطة غيره.
قلت له: هل تظن أن المؤسسات الإسلامية والجهات القادرة في البلدان الإسلامية قامت بواجب تبليغ الإسلام إلى الناس في أوروبا؟
فقال: الذين يقومون بشيء من الدعوة إلى الإسلام لم يستفرغوا جهدهم، وأكثر المسلمين القادرين لم يقوموا بواجب التبليغ، كل حسب قدرتهم.
وقال الأخ عبد الواحد: لا ينفع الهولندي أن يبعث لتعلم الدين في البلدان الإسلامية، وإنما ينبغي أن يدرس الدين في بلده، ولا بد أن يكون المدرس ملماً إلماماً كاملاً بالبلد التي تراد الدعوة فيها، ويجب أن ينشأ معهد إسلامي في الدول الأوربية.
والدعاة الذين يبعثون من البلدان الإسلامية، تعودوا على حب الرئاسة والزعامة والإدارة، والواجب أن يكونوا دعاة فعلاً عاملين مع الناس في كل شؤونهم النافعة للدعوة، وأن يختلطوا بغيرهم.
وسألته عن الوسائل الناجحة في نشر الدعوة الإسلامية؟
فقال: الوسائل أيضا كثيرة، ومنها:
1-القدوة الحسنة.
2- الكتب المؤلفة أو المترجمة بلغة أهل البلد، لأن الناس هنا يحبون القراءة المنفردة في بيوتهم، بخلاف الشرقيين فإنهم يحبون أن يسمعوا أكثر مما يقرءون، ويجب أن تكون هذه الكتب كثيرة وسليمة تحرك فكر الأوربيين.
3-كتابة مقالات في الجرائد.
4-التلفاز.
5-الراديو.
6-وأهم من ذلك كله: إنشاء مدارس خاصة بأولاد المسلمين.
والعيب الكبير عند المسلمين عدم وجود هذه المدارس، لأن أولاد المسلمين يضيعون، ويتربون بعيدين عن التربية الإسلامية والإمكانات التي يمكن أن تنشئ هذه المدارس غير موجودة.
وليس صعباً من الناحية القانونية أن يكون للمسلمين مدارس وإذاعة وقناة تلفزيونية وصحف، ولكن المشكلة هي في الخلافات بين المسلمين في هولندا. [وفي كل بلدان العالم الإسلامي وغير الإسلامي].
فإذا تكلمنا عن إنشاء مدرسة فإن الأتراك يريدون مدرسة تركية، والمغاربة يريدون مدرسة مغربية، وهكذا... وهذا من أهم الأسباب التي تحول بين المسلمين والاستفادة من الإمكانات المتاحة لهم في هذا البلد.
والآباء والأمهات في الأسر الإسلامية، فكرهم مرتبط ببلدانهم، فالأتراك يريدون ثقافة تركية، والمغاربة يريدون ثقافة مغربية...
ولا توجد الآن الإمكانات البشرية والمادية، ولا توجد المادة التي يجب أن تدرس في المدرسة، ولا بد من تهيئة ذلك بالممارسة والتجربة.
والمدرسة إذا أنشئت يجب أن تساوي المدارس الهولندية، فلا بد من مدرسين هولنديين يدرسون المواد الهولندية، ومدرسين مسلمين يدرسون الإسلام، فوجود مؤهلين ضروري قبل إنشاء المدرسة، وهذا واجب المسلمين.
أما الحكومة فهي تسمح لأهل كل ديانة أن تنشئ مدارس تابعة لها، وهي تمول تلك المدارس تمويلاً قد يصل إلى مائة بالمائة.
قلت له: هل يقبل الأوربي الحوار في أمور الإسلام؟
قال: عند الأوربي نظرة سلبية عن الإسلام، والذي يريد أن يتحدث عن الإسلام، يجب أن يكون قادراً على إزاحة الشبهات التي علقت بذهن الأوربي عن الإسلام بالبراهين والحجج، والأوربي من عادته أن يقبل الحوار عن أي شئ، ومن ذلك الإسلام.
قلت له: أيهما أنفع لنشر الإسلام في أوروبا الطلاب أم الجالية؟
قال: الحكومة الهولندية تتجاوب مع الجالية بسبب كثرتها، بخلاف الطلاب، أما الشعب فيسمع للطلاب أكثر لأنهم متعلمون، بخلاف الجالية.
قلت له: هل تسمع بلغتك من وسائل الإعلام في البلدان الإسلامية اهتماماً بنشر الإسلام والدعوة إليه.
قال: لا.
قلت: هل تظن أن الحجة قد قامت على الأوربي في الدعوة إلى الإسلام؟
قال: لا.
قلت: ما سبب الإكثار من اقتناء الكلاب ومحاولة التقليل من الأولاد؟
قال: يعود ذلك إلى الناحية الاقتصادية، الأولاد يكلفون أكثر، وكذلك من ناحية المسؤولية، لأن تربية الولد أصعب من تربية الكلب، هذه هي نظرة الأوربي.
قلت: كيف صلة الجار بالجار؟
قال: ضعيفة جداً، وهي في القرى أفضل!
وكان الأخ عبد الواحد يتحدث باللغة العربية، ويحتاج – أحياناً - إلى أن تترجم له بعض الكلمات.
حوار مع الأخ المسلم الهولندي يونس انجلنبورج:
YUNUS ENGELENBURG))
ثم انتقلنا إلى منزل الأخ يونس في مدينة لاهاي(7).

ولد سنة 1954م، في 26 فبراير.
والداه لم يكن لهما أي دين يعتقدانه، ونشأ هو مثلهما.
قلت له: أما كنت تشعر أنك في حاجة إلى دين؟
قال: بلى، كنت أشعر بذلك، لأني كنت أحس بفراغ في قلبي.
قلت: متى أول مرة سمعت فيها عن الإسلام؟
قال: أول ما سمع عن الإسلام في المدرسة وهو صغير، والذي سمعه عن الإسلام كان سيئاً، ولكنه لم يكن في ذلك الوقت يفهم شيئاً واضحاً.
وعندما قارب سن العشرين سمع شيئاً طيباً عن الإسلام.
جاء إليه بعض المسلمين، ورآهم يختلفون عنه في التفكير وسلوكهم، وكان مهتما بهم وبسلوكهم.
وبعد ذلك بحث عن الإسلام وقرأ ترجمة معاني القرآن الكريم باللغة الهولندية، والذين ترجموا ذلك هم الأحمدية. [هكذا تجد الفرق الخارجة عن الإسلام المنتسبة إليه تجتهد في نشر أفكارها باسم الإسلام، بل عن طريق ترجمة معاني القرآن الكريم، وأهل الحق نائمون!].
وقرأ مقدمة هذا الكتاب، ثم هداه الله فأسلم سنة 1975م.
قلت له: ما الذي جذبك إلى الإسلام أكثر؟
قال: التوحيد.
قلت: ما الفرق بين حياتك قبل الإسلام وحياتك بعده؟
قال: قبل الإسلام كنت أشعر بفقد شيء ما في حياتي، وما كنت أعرف لنفسي هدفاً في الحياة، بل كنت ضائعاً ولا أدري ماذا أفعل؟ أما بعد الإسلام فإني تيقنت أنني وجدت الذي كنت أفقده، ووجدت لنفسي هدفاً وهو رضا الله تعالى، وأشار إلى الحديث القدسي الذي قال الله فيه لأهل الجنة: "أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا".
قلت: ما الموضوعات التي ترى أنها تؤثر في الأوربي؟
قال: الأخلاق والأخوة وحب الجار للجار والتوحيد، وإظهار بساطة الإسلام وسهولته، والمقارنة بينه وبين غيره.
قلت: ما صفات الداعية التي ترى أنها لو توافرت في شخص، لأثر في الأوربي؟
قال: الأوربي يحتاج في أول الأمر إلى الجانب التطبيقي من الإسلام، وليس الجانب النظري، فالسلوك الإسلامي والقدوة الحسنة تؤثر أكثر من الحجج والبراهين، فإذا كان الداعية ملتزماً بالدين بحيث يراه الناس واضحاً في تصرفه فإنه سيؤثر فيهم.
ويجب أن يكون الداعية إلى الإسلام مؤمناً إيماناً راسخاً لا يتزعزع، بحيث يقدم للناس الإسلام على حقيقته، ولا ينظر إلى ميول الأوربيين، ولو أغضبهم ذلك.
وقال: إنه يرى في أسلوب محمد قطب في كتابه شبهات حول الإسلام ضعفاً في عرض الإسلام ـ وطلبت منه هنا أن يبين لي سبب الضعف من وجهة نظره؟
فقال ـ: أضرب مثالاً واحدا يحضرني الآن، وهو أن محمد قطب عندما تكلم عن المرأة، قال: إنه في إمكانها أن تحصل على الطلاق من زوجها، والحقيقة أن حصول المرأة على الطلاق من زوجها فيه صعوبة في الإسلام ولم يذكر محمد قطب هذه الصعوبة، وقد يفهم الأوربي أن حصول المرأة على الطلاق سهل في الإسلام، وعلى كل حال لا يجوز للداعية أن يتنازل عن شيء من أمور الإسلام.
وسألته عن الفئات التي يكون قبولها للإسلام أكثر من غيرها؟
فقال: أقرب هذه الفئات الشباب، وبخاصة ذوي المستوى العلمي. وسألته: من هم الذين لا يقبلون الإسلام؟ فقال: الله أعلم. ولكن ربما الناس الذين لا يهتمون بإصلاح المجتمع، وكثير منهم غير متعلم.
والمتعلم كبير السن يصعب قبوله للإسلام.
والمرأة أكثر قبولاً من الرجل.
وقال: إن الرجل الأجنبي المسلم يسهل اتصاله بالمرأة الهولندية غير المسلمة، ويجوز أن تدخل في الإسلام أولا للزواج بالمسلم، ولكن لا يمكن أن يستمر الزواج بينهما إذا كان المسلم ملتزماً إلا إذا كانت هي مقتنعة بالإسلام، أما إذا كانت غير مقتنعة، فإنها لا تلتزم بالإسلام فيكون الفراق بينهما هو النهاية.
ويصعب أن يتصل الهولندي غير المسلم بالمرأة المسلمة.
قلت للأخ يونس: هل ترى أن الدعاة فئات أيضاً كما أن المدعوين فئات؟
قال: نعم الدعاة فئات ومستويات، بعضهم أكثر تأهيلاً من بعض، وكذلك تختلف نوعياتهم باختلاف تخصصاتهم، واختلاف فئات المدعوين، فكل فئة من المدعوين تحتاج إلى فئة تؤثر فيها أكثر من غيرها.
وأفضل الدعاة في هولندا هو المسلم الملتزم بدينه الذي عنده قدرة على الاختلاط بالناس، وعلى شرح الإسلام شرحاً سهلاً غير معقد.
قلت له: كيف كنت تفهم الحرية قبل الإسلام، وكيف تفهمها بعد الإسلام؟
فقال: الحرية قبل الإسلام ليس لها هدف ولا ثمرة، أما بعد الإسلام فلها هدف وثمرة.
الحرية هي أن يتخلص الإنسان من استعباد هواه له وأن يطيع الله.
قلت له: ذكرت أنك قرأت ترجمة معاني القرآن الكريم التي كتبها بعض القاديانيين، ألا تخشى أن تكون تأثرت بشيء من عقائدهم وقد اعتبرهم المسلمون أقلية غير إسلامية؟
فقال: أنا قرأت مقدمة الترجمة، وكانت سبباً لاطلاعي على فكرة التوحيد وكانت سبب هدايتي، والأفكار الأخرى لم أتأثر بها، وأما الترجمة فقرأت منها قليلاً ولم تؤثر فيَّ.
وقال: إنه ذهب إلى الأحمدية في مسجدهم في مدينة لاهاي، وكان يوجد عندهم هولندي مسلم، فاتفق معه أن يسألهم بعض الأسئلة ويناقشهم، وكانوا يقتصرون في إجابتهم على أسئلته فقط ولم يحاولوا أن يؤثروا عليه بمذهبهم، ولهذا لم يتأثر بفكرهم.
وقال: إنه وجد في سلوك بعض القاديانيين، أنماطا لم يستسغهاً كالكبر وسوء المعاملة، بخلاف جماعة التبليغ، فإنه رافقهم في بلجيكا فوجدهم متواضعين عندهم الأخوة والأخلاق الحسنة، وقد أثر ذلك فيه لما فيه من تطبيق لبعض معاني الإسلام.
وقال الأخ يونس: إن المسلم الذي يهديه الله للإسلام في بلاد الغرب مثل الطفل، يحتاج إلى عناية ومتابعة لإعطائه تصورات إسلامية صحيحة، بدلاً من تصوراته الجاهلية القديمة، فلا بد له من مرشد يعنى به.
قلت له: هل يعني هذا أن المسلمين في هولندا لا يهتمون بالمسلم الجديد.
فقال: يوجد شيء من الاهتمام، ولكنه قليل، ويجب أن يهتموا بالمسلم الجديد أكثر، وهذا فيه صعوبة، ولكن لا بد من الصبر والمصابرة.
والمسلم الجديد يفقد أسرته وأصدقاءه، ويصبح وحيداً في وحشة فمن يؤنسه غير المسلمين.
وسألت الأخ يونس: هل ترى أن المسلمين أولوا الدعوة إلى الإسلام اهتمامهم ـ أعني المؤسسات الإسلامية وغيرها في بلدان المسلمين؟
فقال: لم أرهم قاموا بواجبهم، بل إنهم مقصرون بالنسبة للأوربيين المسلمين وغير المسلمين، بل إنهم مقصرون حتى في بلادهم لم يقوموا بما يجب عليهم في الدعوة إلى الله.
والحكومات في الشعوب الإسلامية لم تقم بالمحافظة على الجاليات الإسلامية في أوروبا، بإعانتها بدعاة ومعلمين ومدارس لأولادها، بل على العكس تحاول كثير من تلك الحكومات عرقلة انتشار الإسلام في أوروبا، عن طريق رعاياها.
وشكا الأخ يونس من عدم وجود أئمة وخطباء للجاليات الإسلامية، عندهم مؤهلات تمكنهم من معالجة الأمور والحث على ما فيه نفع عام للمسلمين، سواء كانوا من الجالية أو من أهل البلد.
وقال: إنني لم أجد في خطب الجمعة توجيهاً للجاليات الإسلامية في كيفية الاختلاط بالهولنديين والنقاش معهم، وخطب الجمعة لا تعالج مقتضيات العيش في أوروبا، بل كأنها مفروضة على الجاليات من حكوماتهم.
والجيل الجديد من الجالية، يكاد يفقد إسلامه، فلا يحافظون عليه ولا يربونه التربية السليمة، وأكثر الأئمة لا يهتمون بذلك.
وسألت الأخ يونس: هل الجالية الإسلامية أكثر ربحاً أو خسارة من الناحية الإسلامية في هولندا؟
فقال: الحقيقة أن وجود الجالية هنا يفيدهم، لأنهم عندما جاءوا إلى هنا أصبحوا يعيشون بوعي أكثر لإسلامهم، ولهذا اضطروا هنا أن يتعرفوا على الإسلام أكثر، هذا بالنسبة للذين وفدوا من الخارج، أما الأولاد فالخسارة فيهم أكثر، لأن الجيل القديم لم يهتم بأولاده في التربية، فإذا استطعنا تربية الجيل الجديد فإن وجودهم سيكون إيجابيا. [أغلب الذين سألتهم هذا السؤال أجابوا أن الخسارة أكثر في الكبار والصغار من حيث الجملة في الغرب كله].
ثم ختم الأخ يونس حديثه بنصيحة للمسلمين، فقال: على الذين يريدون الدعوة إلى الله أن يقدموا الإسلام على حقيقته، بدون أي تنازلات، لأن عرض الإسلام على حقيقته واجب، ويدل على إيمان الداعي بما يدعوا إليه، وفي هذا قوة يراها الآخرون، بخلاف العكس.
ويجب أن يكون الداعية واضحاً في التزامه بالدين، والأفضل أن يكون من أهل البلد إن أمكن، لأن تأثيره يكون أقوى إذا ما كان قدوة حسنة.
ومن أهم الوسائل التي تثبت الإسلام وتنشره: التعليم الإسلامي في هذا المجتمع، وبخاصة المغاربة والأتراك الموجودين هنا، لأن ذلك يعود بالخير عليهم وعلى أهل البلد.
والأخ يونس شاب معتز بهذا الدين واثق فيه، يرى أن المؤمن الحق الذي يريد الدعوة إلى الإسلام، هو الذي يلتزم به ويصارح الناس بحقائقه بدون مجاملة ولا تنازلات، ليشعر الناس بقوة هذا الدين وليس بضعفه.
وكان يتكلم اللغة العربية ويسمع كلامي باللغة العربية، وما كان يحتاج إلى الترجمة إلا قليلاً، وكان الأخ عبد الغني يساعدنا في الترجمة إذا حصلت حاجة.
والأخ يونس يحضر الماجستير في الجامعة [نسيت أن أكتب تخصصه] ويرغب في أخذ فترة يتعلم فيها اللغة العربية ومبادئ الإسلام، ليزداد فهماً للإسلام حتى يستطيع بيانه للناس.
وقد بقينا مع الأخ يونس ساعة ونصف الساعة.
زيارة المسجد الأقصى:
ذهبنا إلى جامع كبير تتبعه مرافق مناسبة، وكان في الأصل كنيسة اشتراها بعض المسلمين الأتراك وحولوها إلى مسجد، وسموه بالمسجد الأقصى، تسلية لأنفسهم به عن المسجد الأقصى الذي احتله اليهود ويحيط به مئات الملايين من العرب الذين أصروا على جعل قضيته قضية عربية [قلت: وإن عرضوا ذلك على منظمة المؤتمر الإسلامي فإنما هو من باب محاولة الغريق إنقاذ نفسه بما تقع عليه يده مضطراً لما يسمى بالدعم السياسي لقضية عربية]. بل في حقيقة الأمر فلسطينية، بل إن الذين يتحملون الاهتمام الصادق به هم المقاومون للاحتلال بجهاد العدو من الفلسطينيين، وحرموا ملايين من المسلمين من شرف إقامة الجهاد في فلسطين، ليحرروها من اليهود الذين زرعهم إخوانهم الصليبيون في هذا الجزء الغالي من بلاد المسلمين، وتآمر معهم من نصبوا أنفسهم حماة للشعوب الإسلامية فسلموا فلسطين لقمة سائغة لأذل خلق الله(8).


ضحينا بالحيوان فأين التضحية بالنفوس؟!
ثم زرنا مسجداً آخر أصغر منه، وصلينا فيه المغرب، وأغلب المصلين فيه من الأتراك، وإمامه يبلغ عمره ستين سنة تقريباً، وكان يلقي درساً قبل المغرب في موضوع الأضاحي، ويقارن للمسلمين بين التضحية بالذبائح والتضحية بالنفوس للجهاد في سبيل الله.
فهمت ذلك من النصوص التي كان يوردها في كلامه، والمصطلحات الفقهية التي ينطقها باللغة العربية، وكان حديثه باللغة التركية.
معلومات أخرى أدلى بها عبد الغني:
ثم ذهب بنا الأخ عبد الغني جزاه الله خيراً، وهو رجل فاضل ذو أخلاق عالية ومحب للدعوة والدعاة، ذهب بنا في سيارته إلى مدينة أمستردام، وكان ملازماً لنا من الظهر، وذكر لي في طريقنا إلى أمستردام بعض المعلومات سجلت منها ما تذكرته في الفندق:
من ذلك أنه أثنى على شاب سعودي درس الطب في جامعة ليدن بأنه كان ملتزماً بدينه جاداً في عمله، وهو الدكتور سعيد يوسف عابد الذي كان مديراً لمستشفى الطائف، وهو الآن في المحجر الصحي بجدة، تخرج سنة 74-1975م.
ومما ذكره لي: مواقف المستشرق الحاقد: بروخ مان الهولندي من الإسلام، و يعتبر آخر المستشرقين الذين أعدوا المعجم المفهرس لألفاظ الحديث، وما زال حياً، وهو في مدينة ليدن في الجامعة وسيحال إلى التقاعد قريباً.
وهو يتجنى على الإسلام وينسب إليه ما ليس منه متعمداً، وذكر الأخ عبد الغني قصة اتضح فيها خبثه ووقوفه ضد الإسلام:
قال: ذهبت فتيات مسلمات من الأتراك والمغاربة، إلى المدرسة وهن مغطيات رؤوسهن، فوقف المسؤولون في المدرسة ضد ذلك الزي، بحجة أنه لا ينبغي التفريق بين الطالبات في الزي المدرسي، وأصر أولياء أمور البنات على أن يرتدين ذلك الزي، فوصل الأمر إلى البلدية في المدينة، وأصدرت البلدية قراراً بمنع المسلمات من ارتداء ذلك الزي، لأنه زي وطني لا يلزم التمسك به في بلد غير البلد الذي من عادته ارتداء ذلك الزي.
فذهب أولياء أمور الطالبات إلى البلدية، محتجين بأن ارتداء ذلك الزي أمر الله به في القرآن ولا بد من التمسك به ديناً، فبعثت مسئولو البلدية إلى المستشرق المذكور، بصفته متخصصاً في الشؤون الإسلامية، يطلبون منه إخبارهم بما ادعاه أولياء أمور الطالبات، من أن ارتداء هذا الزي موجود في القرآن، فأجابهم بأن ذلك عادة من عادات العرب، وليس مأموراً به في الإسلام ولا موجوداً في القرآن.
وعندما علم المسلمون ذلك، دعوا إلى اجتماع أئمة مساجدهم في هولندا، وحضر الاجتماع بعض المسلمين الهولنديين، منهم الأخ عبد الأحد الذي سبق ذكره، وقد كان درس الإسلام في تركيا، فقرروا أن يدعوا المستشرق المذكور لمناقشته في الأمر، وكتبوا إلى البلدية رقم الآية التي ذكر فيها الخِمار، وذكروا أنه يجب في فهم الإسلام الرجوع إلى علماء المسلمين، وليس إلى أعداء الإسلام والمسلمين، وبعثت البلدية بذلك إلى المستشرق وقالوا له: إن أحد المسلمين الهولنديين ذكر أن ذلك موجود في القرآن وذكروا له رقم الآية الدالة على ذلك.
فغضب الحاقد وبدأ يحتال، ويقول: إن الذي لم يذكر في القرآن هو النقاب، وأما الخمار فقد ذكر، فاضطر أن يعترف بحقيقة الأمر الذي ذكره المسلمون.
وقررت البلدية إلغاء قرارها السابق وأذنت للفتيات المسلمات بارتداء الزي الإسلامي ما دام يلزمهن به دينهن!
فهل من مدكر؟!
دولة كافرة مسيحية علمانية، يكثر بها اليهود ويسيطرون على أجهزة إعلامها وتعليمها، تعترض هذه الدولة على زي المسلمات وهن أقلية، وتصدر قراراً بمنع ذلك الزي، ولكنها تسمح للمسلمين وهم أقلية أن يحتجوا ويبدوا رأيهم ويستدلوا على احتجاجهم بقرآنهم وتحاول أن تتيقن من دعوى المسلمين أن ذلك الزي موجود في القرآن وتطلب من المختص في بلادها – المستشرق - أن يرشدها إلى صحة دعوى المسلمين أو عدم صحتها فيخون عدو الله أمانته ويكتم الحق ويظهر الباطل ويكذب الصادقين فينكر ما ادعاه المسلمون ظناً منه أنه وحده فارس الميدان، ولكن أئمة المسلمين ومنهم بعض المسلمين الهولنديين يفضحون خيانة الرجل ويثبتون للدولة كذبه في ذلك باعترافه هو بنفسه، ثم تلغي الدولة الكافرة المسيحية العلمانية القرار الظالم الذي يخالف دين الأقلية المسلمة وتمنح تلك الأقلية الحرية في تطبيق ما أمر به كتابها!
ولكن حكاماً للشعوب الإسلامية التي توجد بها أقليات غير مسلمة يعترضون على احتشام المسلمة في بلادها في مدارسها وجامعاتها التي تحيط بها المساجد وترتفع من مآذنها أصوات الحق وآيات القرآن الكريم، وتجند حكومات تلك الشعوب عساكرها ومنافقيها من المخابرات والموظفين ضد الفتاة المسلمة وحشمتها في بلادها، وإذا أصرت منعت من دخول المدرسة والجامعة وإذا احتج ولي أمرها بالقرآن اتهم بالرجعية والتطرف وأوذي بالسجن والطرد؟
وهكذا تنعكس الأمور فيظهر عدو الإسلام الكافر منصفاً للإسلام تطبيقاً لقوانينه واحتراماً لديانة الأقلية الأجنبية في بلاده، ويستأسد المنتسب للإسلام من حكام المسلمين على دينه وعلى بني وطنه الذين هم الكثرة الغالبة إذا ما تمسكوا بالإسلام، فإلى متى يكون اختلال الموازين هو الأساس في بلاد المسلمين؟!
وصلنا إلى الفندق في الساعة الحادية عشرة والنصف ليلاً وودعنا الأخ عبد الغني ورجع إلى منزله في مدينة ليدن.
حنين القلب إلى المشاعر يوم التروية:
الأحد: 8/12/1407هـ
هذا اليوم هو يوم التروية: اليوم الذي تتحرك فيه جموع حجيج المسلمين من مكة إلى منى ملبية محرمة خاشعة داعية متذللة، وقد كنت شاركت في سنوات كثيرة هذه الجموع، فتصورت هذا اليوم وتلك الحركة وذلك المنظر الذي لا يفكر فيه صانعوه كما يفكر فيه من فقده وقد اشترك فيه، فأطرقت وأنا وحدي في الفندق وسال الدمع بعد أن اهتاجت المشاعر وتحرك القلب وازداد الحنين، وتناولت القلم وسجلت هذه المشاعر على عجل:
وبعد قليل من كتابة هذه الأبيات جاءني الأخ محمد جمعة الذي كنت على موعد معه لمقابلة امرأة هولندية غير مسلمة وهي صديقة لزوجته، وكانا يطمعان في تفهمها الإسلام واقترابها منه ثم لعلها تهتدي فتدخل فيه.
ولكنها كانت أصعب إنسان غير مسلم قابلته في بلاد أوروبا وأشد شراسة، وأعظم حيدة عن الإجابات البدهية، وقد صبرت عليها كثيراً على الرغم من إساءتها الأدب في المناقشة. [كان صبري عليها لعلمي بالصراع النفسي الذي يعتمل في نفسها مع الحقائق الدامغة التي كانت تسمعها، فقد كان النقاش كما سيتضح من قراءته يتعلق بإثبات وجود الخالق الإله، وكانت تحاول بشتى الوسائل أن أترك النقاش في هذا الموضوع لعلمها بأنها إذا اعترفت به لزمها الاعتراف بالوحي والدين والرسالة وهي لا تريد شيئاً من ذلك، لأنه كما فهم من كلامها يقيد حريتها التي لا تريد شيئاً يقيدها. وقد فهمت فيما بعد أنها تعاني من مشكلة اجتماعية تقلقها، كما فهمت أن والدها عندما علم أنها ستقابل مسلماً سعودياً شدد عليها خوفاً من أن تتأثر بالإسلام فتسلم. وقال الأخ محمد بعد أن انتهت المقابلة وذهبت: أن زوجته سألتها لماذا وقفت هذا الموقف في المناقشة مع هذا الرجل؟ فقالت: لقد تعمدت إثارته لأختبر صبره وقوة تحمله وهو مسلم يدعو إلى الإسلام فأعجبني موقفه!].
وكان المترجم الأخ محمد بن جمعة وكان اللقاء في منزله.
الحوار مع المرأة الهولندية غير المسلمة نيلي ( NILLY ).
ولدت NILLY في 4 فبراير سنة 1954م.
دينها - في الأصل - الكاثوليكية، وهي لا تؤمن بدين.
قالت: لقد قررت نسيان معنى الدين تماماً، لأن الأديان فيها اضطراب، بسبب الخلافات ودعوى كل فرقة أن الحق معها.
ولكن من الناحية العملية والتطبيق تكتشف هي وأمثالها أن هناك أشياء طيبة من الثقافات الإنسانية.
أمها كاثوليكية، وأبوها يسخر من الدين وهو مادي.
كانت تتلقى التعليم في المدارس وهي طفلة، وترى الحكايات التي تقال عن المسيح مسلية، وتخيلت مرة وهي تفكر في تلك الحكايات أنها رأت السيدة مريم من خلال السحاب وبدأت تصلي، وكانت الطقوس الكاثوليكية تجذبها، وهي الآن تصلي لإله لا تعرفه، وتضع قواعد لنفسها تسير عليها.
وهي لا تعرف السبب الذي جعلها تؤمن بإله لا تعرفه. [هي تحاول أن تلحد ولكنها لم تستطع لضغط فطرتها التي تحاول التخلص منها، عليها].
تخصصها العلمي: الإنسانيات، وهي تحضر في الحياة اليومية للفقيرات والعائلات الفقيرة في مصر.
قلت لها: هل تؤمنين أن لهذا الكون خالقاً؟
قالت: لا أدري!
قلت: هل يمكن أن توجد المصنوعات من غير صانع؟
رفضت أن تجيب على هذا السؤال، وقالت: هذا لسنا في حاجة إلى التفكير فيه مطلقاً، نحن نستعمل المصنوعات وننتفع بها بدون حاجة إلى التفكير في صانعها.
ثم قالت - وقد اشتد غضبها من هذا السؤال -: كلما كانت الأسئلة سهلة غير معقدة كان ذلك داعياً لعدم التفاهم معك، وكلما كانت قوية مركزة كان ذلك داعياً إلى التفاهم والاستمرار في المناقشة، لأن الأسئلة السهلة فيها إهانة لها - كما زعمتْ - وذلك يقتضي ثلاثة أمور:
أما أن تكذب في جوابها، وأما أن تهاجم وأما أن تنسحب، وتغير وجهها واحمرت عيناها، وكانت تتكلم بغضب، وأنا لا أزيد على التبسم ومحاولة إقناعها بأن الأسئلة عقلية ومهمة في حياة الإنسان.
وحاولت أن أوهمها أني تركت النقاش في هذا الأمر بإيراد أسئلة أخرى، فقلت لها: متى سمعت عن الإسلام في حياتك؟
قالت: أول ما سمعت عن الإسلام بوعي عندما ذهبت إلى مصر منذ ثمان سنوات، وقبل ذلك سمعت شيئاً مفرقاً عن الإسلام وعن محمد [صلى الله عليه وسلم] ومكة وكون المرأة مهضومة في الإسلام، وكلما سمعت عن الإسلام يعتبر سلبيات.
فقلت لها: ما الإيجابيات وما السلبيات التي رأتها في الإسلام؟
قالت: من الإيجابيات أن الإسلام يقول: إن الإنسان يولد على الفطرة، بخلاف المسيحية فإنها ترى أن الإنسان يولد نجساً بسبب الخطيئة، والإسلام يرى أن التقاء الرجل بالمرأة شيء طبيعي لإشباع الغريزة والمحبة وإيجاد النسل بخلاف المسيحية فإنها ترى في التقاء الرجل بالمرأة قذارة ولا يمارس ذلك إلا من أجل النسل فقط، ومن الإيجابيات أن الرجل والمرأة لا يجوز لهما اللقاء إلا بالطريقة الشرعية.
ومن الإيجابيات الزكاة في الإسلام وما فيها من تكافل، ومن ذلك الحج فيه اجتماع عظيم يتعارف فيه الناس وتضيع الفروق بينهم.
ومن الإيجابيات الصلاة، ولكن كونها تؤدى في اليوم خمس مرات فيه صعوبة وقد يكون الإنسان مشغولاً جداً، فإما أن يصليها الإنسان كلها في وقت واحد أو أن تكون اختيارية وليست فرضاً.
ومن الإيجابيات آداب الطعام، وكذلك النظافة وكون الفرد عضواً في مجتمع، وعلاقات المسلمين الاجتماعية طيبة لأن بعضهم يحمل هموم بعض وكذلك المساواة بين الرجل والمرأة، مع اعتبار الفروق الطبيعية بينهما.
وكذلك أمر الإسلام المرأة بأن لا تغري الرجل وأمره لها بالتستر.
أما السلبيات - في رأيها - فهي:
كون الزواج عند المسلمين يتم بدون معرفة كاملة بين الرجل والمرأة، فإن معرفة كل واحد منهما الآخر نفسياً وطبياً أمر لا بد منه، ويتم الزواج بين المسلمين بغير حب في الغالب ومن السلبيات تعدد الزوجات.
وكون الرجل يجوز له أن يضرب زوجته، والمرأة لا يجوز لها أن تضرب زوجها، والذي تراه أنه لا يجوز لكل منهما ضرب صاحبه.
ومن السلبيات اشتراط النطق بالشهادتين لمن يريد أن يدخل في الإسلام، لماذا لا يكتفي بالإيمان بدون نطق.
ومن السلبيات اعتبار الكلب قذراً.
ومن السلبيات عقوبة الزنا، وإن كان الزنا قبيحاً ولكن جريمة المرأة على نفسها وليس على المجتمع.
ومن السلبيات استعمال الإرهاب في حفظ الكيان الاجتماعي، لعقوبات السرقة وشرب الخمر والزنا، ومن ذلك منع المرأة من كشف شعر رأسها.
وقالت: أنا لا أفهم الفرق بين شعر المرأة وشعر الرجل. [لم أر داعياً لمناقشتها في هذه الأمور، وإنما كنت مهتماً بمناقشتها في أصل الإيمان بالله، لأن الدخول معها في فرعيات غير مجد، وكانت هي حريصة جداً أن ندخل في مناقشات فرعية ـ ولكني قلت لها عندي أجوبة عن كل سلبية ذكرتها ولكن أحب أن يكون نقاشي فيما هو أهم في نظري!].
قلت لها: أيهما أقرب إلى العقل أن يكون الإله واحداً أم ثلاثة؟
قالت: لا تستطيع الجواب، لأنها لا تعرف معنى التثليث.
قلت: هل تعترفين بوجود خالق؟
قالت: لا تعرف الجواب بالتحديد، وانزعجت مرة أخرى و قالت: هل هذا يحتاج إلى خيال واسع؟ هذا سؤال سخيف لا يستحق أن يطرح ولا أن يفكر في الجواب عنه ونحن سنموت ولا داعي للتفكير فيه ما دمنا سنموت، و قالت: وسبب سخافة السؤال أن الإنسان صنع كل شئ، فإذا سألناه من صنع هذه الأرض يكون السؤال سخيفاً.
وأردت أن أبين لها أن عقلها سخيف ولكن بطريقة غير مباشرة فقلت لها: هذه الأسئلة التي ألقيها إليك حيرت عقول الفلاسفة في قديم الزمان وحديثه، وهي إذا أجيب عنها سبب في السعادة، وإذا لم يجب عنها سبب في التعاسة والشقاء، فالتفتت إلي التفاتة غضب وسكتت!
ثم قالت: يمكن أن الذي خلق الكون هو الحب.
قلت: هل الحب أمر قائم بنفسه قادر على أن يخلق غيره عنده صفات تمكنه من ذلك كالعلم والحكمة وغيرهما؟
قالت: الإله ليس إنساناً حتى تكون فيه هذه الصفات؟ [انظر كيف تهرب من الإجابة على السؤال؟].
قلت: أنت لم تجيبي على سؤالي، ومع ذلك أقول لك: إن الخالق لا بد أن يتصف بهذه الصفات، ولكن صفات الخالق ليست كصفات المخلوق وإن اتفقت في اللفظ الذي لا نستطيع أن نعبر بغيره.
قالت: إذا كان هو قادراً على كل شئ فلماذا لم يجعلني مؤمنة؟
قلت: بعض الأمور التي يعلم أنك لا طاقة لك بفعلها تولى هو أمرها، وبعض الأمور التي يرى أنك قادرة على فعلها وَكَلَ أمرها إليك في أمور جسمك وصحتك بصرف النظر عن الإيمان ولو أنه تولى كل شؤونك بدون أن يكون لك فيها اختيار وفعل لكان الحيوان خيراً منك.
قالت: مثل ماذا؟
قلت: صيانة جسمك من الداخل، كنبض القلب الذي يضخ الدماء إلى خلايا جسمك وحركة رئتيك التي تستنشقين بها الهواء من الخارج وتطردين بها ثاني أكسيد الكربون ومعدتك التي تهضم الطعام والأوردة والشرايين التي عن طريقها يذهب الدم ويجيء وغير ذلك مما لا يأتي عليه الحصر، الله يعلم أنك غير قادرة على فعل شئ منه فتولاه، ولكن نظافة جسمك من الخارج والتماس الرزق وتناول الطعام وأكله وهضمه عندك على كل ذلك قدرة فوكل إليك أمره، فإذا حصل تفريط فيه فأنت مسؤولة عنه.
وكذلك الإيمان خلق الله لك عقلاً تفكرين به وتعلمين به الأمور وتزنين الصحيح وغير الصحيح وخلق فيك فطرة يمكنك بها أن تعرفي ما يقبل وما لا يقبل، وخلق من المخلوقات في هذا الكون ما يدلك على الخالق لو تأملت فيها، وكرمك بأن جعلك تختارين سبيلك بنفسك بعد أن زودك بأربعة أمور: العقل، والفطرة، والكون، والرسل، الذين جاءوا بالوحي لهداية البشر، ولو أكرهك على الإيمان إكراهاً لما كان لك فضل في الإيمان وعدمه فهل يجوز لك وقد جعل الله لك هذه الكرامة أن تحتجي على الله؟!
فهدأت أعصابها وتهلل وجهها و قالت: هذا جواب طيب جداً و قالت: إذاً الإسلام يعترف بكرامة الإنسان؟
قلت: جداً بل أستطيع أن أقول لك: إن الإنسان لا كرامة له إلا في الإسلام.
قالت: لماذا يوجد عند المسلمين أمور تدل على عدم اعتزازهم بالإسلام.
قلت: لا تخلطي بين المنهج وتصرفات المسلمين السيئة المخالفة له.
قالت: أعرف أن الإسلام شيء وتصرفات المسلمين شئ آخر ولكني أردت الإثارة.
قلت لها: ما معنى الحرية عند أهل الغرب؟ [على معنى هذه الكلمة تترتب تصرفات وتوضح مناهج للحياة تثمر السعادة أو الشقاء!].
قالت: الحرية التي تسمح بها الجماعة هي الحرية، أما الحرية المطلقة فليست موجودة، ويفعل الإنسان ما يشاء في حدود ما لا يضر المجموع، ولكن الفرد إذا تصرف في نفسه تصرفاً لا يضر المجتمع كأن يقتل نفسه فله ذلك لأنه حر في نفسه.
قلت: هنا يكمن الخطر وتتعاظم المشكلة، إن الفرد يظن أن كثيراً من تصرفاته الفردية قد لا تضر المجتمع، مع أن الضرر موجود وقد يكون مباشراً وقد يكون غير مباشر، والإنسان هو ملك لله وليس له الحق أن يتصرف في نفسه بدون إذن مالكه.
قالت - مقاطعة لي -: أنا لست مملوكة لأحد أنا لست شوكلاتة.
قلت: نعم لست مملوكة لمخلوق ولكن أنت مملوكة لله، فهل سألت نفسك لماذا خلقت في الأرض؟ [كنت أحاول أن أعود بها إلى النقاش في الأمور التي قررت مناقشتها فيها لأنها أساس، ولكن لشدة غضبها منها كنت أسألها أسئلة يظهر لها أنا ليست من ذلك الباب حتى أجد المناسبة فأعود بها إلى ما قررت].
قالت: للحب، والحب هو القوة التي يحفظ الإنسان بها نفسه، والناس وينفع بها نفسه والناس وهو شعائر وطقوس، ولهذا ثار أهل الغرب من أجل إباحة هذه العلاقات والإسلام يمنعها.
قلت: الإسلام لا يمنع شيئاً يفيد البشر ولكنه ينظمه والحب في الإسلام له أبواب تتعلق بالخالق والمخلوق والفرد والأسرة والمجتمع، وإذا خرج عن تنظيمه صار شقاء وليس حباً، ألا ترين أن الذي خلق الإنسان يجب أن يقدم له ما يسعده؟
قالت: نعم الناس يحبون السعادة، أما الخلق والخالق فهذا ليس عندنا فيه تفكير وليس عندنا إلا الحياة والموت، وبدأت تغضب ويشتد غضبها، و قالت: الذي يفكر فيما بعد الموت يتعس نفسه بخلاف من عاش بدون تفكير.
قلت لها: هل أسعدت الحرية والحب بمعناها عندكم الإنسان؟
وهل إباحة كل شئ للإنسان، ولو فرض أنه لا يضر به غيره أسعد الإنسان في الغرب؟
قالت: لا يوجد حب كاف وإلا لما وجدت هذه المآسي.
قلت: لو قلت: لم يؤمن الناس بدين صحيح، وإلا لما وجدت هذه المآسي كان كلامك صواباً.
فغضبت وهددت بالانسحاب إن لم أدع هذه الأسئلة.
وواصلنا النقاش فترة طويلة بدون أن أكتب منه شيئاً، لأن كثيراً من كلامها أصبح هذراً وثرثرة، ولكنها في آخر الأمر أظهرت الهدوء وزال ما بها من غضب، وسألتني: لماذا أنت لا تغضب؟
فقلت لها: إشفاقاً عليك، لأن عندي مفتاح قفل حياتك الذي هو الإيمان، وواجبي أن أحاول بكل ما أستطيع أن أوصل إليك ما عندي، والله قد أمرنا بالصبر ولا دعوة بدون صبر، ثم إن الذي عندي حق لا ينال منه الهجوم شيئاً، والذي يغضب هو الذي يشعر بأن موقفه ضعيف، وأنا موقفي ليس كذلك، فما زادت أن قالت: كل واحد يفكر من وجهة نظره وختمنا اللقاء.
وآمل أن يؤثر هذا المشوار الطويل بما اشتمل عليه من معان في هذه المرأة التي لا أشك أن الحجة قد قامت عليها في هذا اللقاء، بل إن معلوماتها عن الإسلام قد تكون كافية لإقامة الحجة عليها قبل هذا اللقاء.
ولقد شعرتُ بالإرهاق بعد هذا النقاش الطويل المثير، ولكن ما إن انتهى اللقاء مع نيللي هذه حتى جاءت الأختان المسلمتان: جميلة الهولندية، ومريم!
فبدأنا معهما المقابلة بعد نيللي مباشرة.
مقابلة مع الأختين المسلمتين: جميلة ومريم.
جميلة يامزن الهولندية الأصل ومريم المغربية الأصل:
جميلة ولدت سنة 1965م. [هكذا وجدت في الدفتر الذي كنت أسجل فيه المعلومات وعندما كنت أبيض تلك المعلومات في هذا الدفتر شككت في هذا الرقم، فهي أكبر سناً من ذلك، ويغلب على ظني أنه في سنة 1955م].
ديانتها في الأصل الكاثوليكية.
ووظيفتها ممرضة.
وكانت تعتقد في دينها حتى قابلت شاباً مسلماً غير أنه لم يلزمها بدينه، وأول ما سمعت عن الإسلام في حياتها عندما تزوجت بهذا الشاب قبل خمس سنوات.
وقالت: إنه بعد أن تزوجها كان يغلق على نفسه الباب وتسمع منه كلاماً وتظن أنه يتحدث في الهاتف، وسألته مَن تكلم عندما تكون في الغرفة؟
قال: أنا أصلي خمس مرات في اليوم، فقالت له: ولماذا تغلق على نفسك؟ أنا مسيحية ولكني أحترم دينك.
قلت لها: ما الذي دفعك إلى الإسلام؟
قالت: إنها تعلمت الإسلام من زوجها وشعرت أن الإسلام حق، فأسلمت قبل سنة ونصف، وكان لزوجها صديق مسلم تعلمت منه، واسم زوجها حسن.
وأهم ما جذبها إلى الإسلام معرفتها أن لها خالقاً وهي مخلوقة له ويجب أن تعبده.
وسألتها عن موقف أسرتها منها؟
فقالت: إن عائلتها تفهمت أمرها، وأمها يمكن أن تسلم قريباً وأختها قالت لها: هذا أمر سخيف، ولكن ما دمت سعيدة في حياتك فلا بأس، وبعض أهلها يسخرون منها، ولكن لم تواجه من الجميع مشكلات.
وسألتها: كيف حياتك قبل الإسلام وحياتك بعده؟
قالت: إنها كانت تشعر قبل الإسلام أنها تفقد شيئاً، ولكنها بعد الإسلام وجدت هذا الشيء.
وسألتها: هل يهتم المسلمون من الجالية بالمسلمين الهولنديين؟
قالت: نعم.
قلت: وهل يهتمون بغير المسلمين فيدعونهم؟
قالت: نعم.
قلت لها: ما صفات الداعية الناجح؟
قالت: أن يكون قادراً أن يوضح للناس أنه توجد أشياء أجمل وأخلد من متع الحياة الدنيا.
وأن يستخدم الوسائل وضرب الأمثال من الأشياء التي تحيط بغير المسلم، للفت نظره إليها.
وكانت جميلة في غاية من الفرح والسرور والابتهاج بهذا الدين وأبدت سرورها بهذا الزائر الذي يزور المسلمين من أهل أوروبا. [وبعد أن انتهينا من الحديث معها ذهبت إلى زوجة الأخ محمد في غرفتها وفتحت حقيبتها وأرادت أن تبعث لي بنقود لتكرمني بها، فقالت لها: هو لم يأت ليأخذ نقوداً وإنما أتى فقط للدعوة وتفقد أحوال المسلمين فازداد سرورها!].
أما الأخت مريم:
فقد ولدت في 25 نوفمبر سنة 1968م.
وهنا جاءت القصة التي لم أكن أعلم عنها شيئاً.
الأخت مريم عمرها قارب العشرين وكانت لابسة لباساً أكثر حشمة من كل النساء اللاتي قابلتهن - أعني المسلمات وإن كن كلهن محتشمات - وكنت أظن أنها هولندية الأصل وأنها أسلمت حديثاً، ولكن ملامحها تدل على أنها عربية ولكني سألتها كما أسأل غيرها من الهولنديات المسلمات.
متى سمعت عن الإسلام؟
فقالت: أبي مسلم وأمي هولندية!
قلت: أبوك مسلم؟ قالت: نعم.
قلت: من أين؟ قالت: من المغرب.
قلت لها: إذا أنت مسلمة أساساً ولم تسلمي حديثاً.
قالت: أنا أريد أن أسلم ولكني لم أعلن إسلامي إلى الآن ولم أقم بأعمال الإسلام.
قلت: كيف وأبوك مسلم؟
قالت: نعم، أبي طلق أمي وأنا صغيرة، وبقيت معها لا أعرف شيئاً مطلقاً عن الإسلام، وكان أبي يزورني بين حين وآخر ولم يقل لي شيئاً عن الإسلام.
قلت: متى تعرفت على الإسلام؟
قالت: ذهبت مرة مع جميلة إلى مركز النساء في حفل زواجها وإعلان شهادتها قبل ستة أشهر، وتكلم الأخ عبد الواحد في الحفل عن الإسلام، وأثر فيها كلامه ولكنها لم تذكر ما الذي أثر فيها بالضبط.
وكانت قبل ذلك تؤمن بشيء في نفسها ولكنها لا تدري ما هو، حتى اختلطت في مركز النساء بالمسلمات فأسلمت في نفسها ولكنها لم تعلن إسلامها، لأن بعض المسلمين الألمان قالوا لها لا يصح الإسلام إلا بإعلان الشهادة على يد شيخ، والشيخ عندهم عبد الواحد.
قلت لها: أنت الآن مسلمة، وما قالوه لك من أنه لا يصح الإسلام إلا بإعلان الشهادة عند الشيخ غير صحيح فانطقي بالشهادة الآن ففعلت.
ونصحتها أن تبدأ بتعلم أركان الإسلام والطهارة وصفة الصلاة وتبدأ في تطبيق الإسلام، وشرحت لها أركان الإسلام باختصار، ووعدت أن تتعلم من جميلة وتطبق ما تعلمته.
وسألتها: هل كان أبوك ملتزماً بالإسلام؟
قالت: إنه طلق أمي وعمري ثمان سنوات، وكان يصوم أحياناً، ولا أدري أكان يصلي أم لا، وكان يشرب الخمر، والسبب في طلاقه لأمها كثرة شرب الخمر فقد سبب ذلك مشكلات بينهما.
قلت لها: ماذا كنت تسمعين عن الإسلام؟
قالت: كنت أسمع أن الإسلام يأمر المرأة أن تغطي رأسها وأن ذلك جنون! وكذلك ينسب إلى الإسلام الاعتداء كما يحصل بين إيران والعراق.
وانتهت المقابلة والتفت إلى الأخ محمد الذي تولى الترجمة مع الجميع، فقلت له: ما هذه المأساة التي وقعت فيها هذه البنت؟
فقال: إن أمثال هذه الفتاة من أولاد المسلمين كثيرون، أما أن يبقوا بلا دين، وأما أن يدخلوا في دين النصرانية.
وقال: إن البابا عندما زار هولندا قال في خطابه للهولنديين لا يهمكم موضوع الإسلام و المسلمين في هذا البلد، فإذا طلب منكم المسلمون مسجداً واحداً فأعطوهم مسجدين! فإن المهم هو أولادهم الصغار وهم تحت أيديكم وفي مدارسكم، تستطيعون أن توجهوهم كما تريدون، وأما آباؤهم فسينقرضون. [فهل يعي هذا المسلمون الذين استوطنوا أوروبا وأنجبوا ولا زالوا ينجبون أولاداً لتكون عاقبتهم تكثير سواد الكفار بهم، بسبب ضياعهم وعدم التربية الإسلامية اللازمة لهم إما عجزاً وإما إهمالاً؟ وهل يعي ذلك المسلمون الذين عندهم القدرة على إنقاذ هذا الشباب من الكفر بالدعوة والتعليم أو المال، وهذا واجبهم الذي سيحاسبهم الله عليه؟!].
لقاء مع المستشرق الهولندي الدكتور فان كونكز فيلد:
الاثنين: 9/12/1407هـ ـ يوم عرفات.
مدرس التاريخ الإسلامي في كلية علوم الدين جامعة ليدن.
كنت طلبت من الأخ عبد الغني بن عباس الفطاطري أن يضرب لي موعداً مع أحد المستشرقين في جامعة ليدن لآخذ منه بعض المعلومات عن الإسلام والمسلمين في هولندا بحسب وجهة نظرهم، وأسمع بعض ما عندهم حول الإسلام وأحاول جهدي التعليق على بعض ما أراه يحتاج إلى تعليق.
فضرب لي موعداً مع المستشرق المذكور.
وذهبنا أنا و الأخ محمد بن جمعة في القطار من مدينة أمستردام إلى ليدن ووصلنا إلى الجامعة في الموعد المحدد: الساعة الواحدة ظهراً.
وقد استمرت المقابلة معه ما يقارب ساعتين.
والدكتور بيتر يتحدث باللغة العربية ويفهم الحديث بها، إذا كان باللغة العربية الفصحى، وقد يصعب عليه أحياناً أن يعبر عما في نفسه بها بطلاقة، فيستعين بالذي يترجم له، وكان الدكتور قاسم السامرائي حاضراً النقاش وهو يعمل في نفس القسم مع الدكتور بيتر، وكان يعمل في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض وقبل أن يعمل في جامعة الإمام كان هنا في القسم فترة من الزمن.
ولد الدكتور بيتر سنة 1944م أي أن عمره الآن 44 سنة.
وقال الدكتور: إنه زار المملكة العربية السعودية مرتين مرة في سنة 1984م ومرة في سنة 1985م.
وألقى بعض المحاضرات في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، واشترك في تجهيز معرض المخطوطات العربية، وألف كتاباً في الخط العربي، من خلال المخطوطات العربية، وهو منشور باللغة العربية واللغة الإنجليزية، وهو بعنوان المعرض.
وعمل في تدريس التاريخ الإسلامي والعقيدة الإسلامية والشريعة الإسلامية، لتلاميذ جامعة ليدن وخاصة كلية العلوم الدينية.
وقال: أولاً أُدَرِّس تمهيداً لتاريخ الإسلام والعقيدة والشريعة الإسلامية، وعدد ساعات هذه المواد 26 في السنة.
ويختار الطلاب بعد ذلك جزءاً معيناً للتخصص فيه، ويختار الطالب اللغة التي يكتب بها الموضوع الخاص، مثلاً إذا اختار التاريخ الإسلامي في تركيا فإنه يدرس اللغة التركية، وإن كان في إندونيسيا درس اللغة الإندونيسية.
دين الدكتور: نشأ في عائلة نصرانية، وقال: والآن كبقية الهولنديين لا يتمسك بديانة خاصة.
التخصص: التاريخ الإسلامي في الأندلس في القرون الوسطى، والتاريخ المغربي وتاريخ الاستشراق ونشر في هذين المجالين مقالات كثيرة، وبعض الكتب بلغات مختلفة، منها ما هو باللغة العربية.
وله كتاب يترجم من الهولندية إلى الإندونيسية سينشر في جاكرتا، وهو في تاريخ الاستشراق الهولندي.
وله مقالات عربية نشرت في مجلة عالم الكتب وهي تصدر في الرياض وقد أثنى على هذه المجلة.
وسألته: متى سمعت عن الإسلام في حياتك؟
قال: في طفولتي.
قلت: في المدرسة؟
قال: لا، في العائلة، لأن أبي كانت له علاقات كثيرة مع مراكز إندونيسية وشخصيات، وكانوا يزوروننا ويتحدثون عن الإسلام والمجتمع الإندونيسي، وبدأ عنده الاهتمام بأمر الإسلام.
قلت: ومتى أدركت معاني الإسلام إدراك متعلم؟
قال: بعد أن ذهبت إلى الجامعة، وقبل ذلك تعلمت بعض المعلومات في المدرسة الثانوية، وتعلمنا فيها سبع لغات: اللاتينية واليونانية وغيرهما من اللغات القديمة واللغات الحديثة، ومنهجها يهتم بالموضوعات التاريخية واللغوية.
و قال: إنه تعلم في هذه المدرسة بعض الأشياء وليست كثيرة، إلى أن ذهب إلى الجامعة، فاختار كلية الآداب وتخصص في دراسة اللغات السامية: العبرية القديمة التي كتبت بها التوراة، والعربية، وكان في أول الأمر اهتمامه أكبر بالدراسات اليهودية والعبرية إلى السنة الثانية، وحول دراسته واهتمامه من المجال العبري إلى المجال العربي، وكان ذلك سنة 1969م-1970م، وكان هذا تحولاً مهماً في حياته، لأن اختيار اللغات السامية كان نادراً في هولندا، وخاصة في هذا الزمان، ولكن التخصص في اللغة العربية والتاريخ الإسلامي كان أندر.
قال: تعلمنا دراسة القرآن والحديث و الغزالي والبيضاوي، ولم نتعلم المحادثة - يعني باللغة العربية - حتى إن أستاذنا لم يكن يتلكم باللغة العربية، بل كان يقرأ بها، وله علم جيد في قراءة المتون العربية، ولكن لا يستطيع التحدث بها.
قلت له: وأنت كيف وصلت إلى المحادثة؟
قال: بمساعدة كثير من المسلمين كانوا يتحدثون معي.
قلت: هل عرفتم من قراءتكم أو من أستاذكم أول وقت دخل فيه الإسلام إلى هولندا، أو أول رجل مسلم دخل هولندا؟
قال: أول رجل، هذا صعب، ولكن كانت هناك مناقشة في أول مسجد بني في هولندا، ويعتقد ناس كثيرون أن أول مسجد كان في شمال هولندا، حيث كان هناك إندونيسيون، ولكن في الحقيقة أول مسجد في هولندا كان في: " بْريدا BREDA" وهذا في جنوب هولندا في معهد الدراسات العسكرية الملكي في الثلاثينات، والذي في الشمال كان بعد الحرب العالمية الثانية.
والمسجد الذي في الجنوب كان غرفة صغيرة ولكنه كان مسجداً، أنشئ لبعض التلاميذ الإندونيسيين، إذ كان أبناء القبائل والشخصيات الكبيرة في إندونيسيا يرسلون أبناءهم للحصول على الدراسات العسكرية، رتب الضباط، ويعودون مرة أخرى في الجيش الهولندي في إندونيسيا، فأنشئ المسجد من أجلهم.
أما أول شخص أسلم في هولندا أو دخل إلى هولندا من المسلمين، فكان هناك مسلمون كثيرون في القرن السابع عشر دخلوا إلى هولندا، سفراء أو تجاراً من جهة السلطان المغربي، وكانت توجد علاقات دبلوماسية بين هولندا ومملكة المغرب.
قلت: قبل هذا الزمن لا يعلم شيء عن الإسلام في هولندا؟
قال: قبل هذا أنشأت هولندا علاقات مع إندونيسيا في أول القرن السادس عشر وجاء بعض الناس، ولكن هولنديون أسلموا هذا شيء آخر.
قلت: أقدم من عرفتم ممن أسلم من الهولنديين؟
قال: هناك بعض المستشرقين، واسمه: (سنوك) ولكن أظن أن إسلامه كان سياسياً وليس عن اعتقاد، فلا نعتبر إسلامه صحيحاً، وكان في مكة سنة 1885م أي قبل قرن.
وهناك أشخاص آخرون من الهولنديين، أسلموا في إندونيسيا في وقت الاستعمار وبقوا في إندونيسيا.
والإسلام ليس له جذور قديمة في هولندا، فالهولندي لا يسلم بسهولة لأن المجتمع الهولندي نصراني من الجهة الدينية، ولكن الآن الأحوال تغيرت.
قلت: متى بدأ الإقبال إلى الإسلام في هولندا، وبدأ بعض الهولنديين يدخلون في الإسلام؟
قال: ذهب بعض الهولنديين إلى العالم الإسلامي مثل عبد الواحد فان بوميل، هل عرفته؟ قلت: نعم، وتزوج بعض المسلمين بهولنديات فأسلمن، وإلى الآن لا يوجد في هولندا شخصيات علمية كبيرة أسلمت مثل جارودي في فرنسا.
قلت: ولماذا؟
قال: طبيعة الهولندي.
قلت: ما أسباب اتجاهك إلى دراسة الاستشراق؟
قال: أسباب كثيرة.
أولاً: المعلومات التي سمعتها في طفولتي جعلتني أفهم أنه يوجد عالم آخر يختلف عن عالمنا، فأردت أن أتعرف عليه.
ثانياً: السبب الأهم دراستي في الثانوية العبرية في السنة الخامسة والسادسة، وكانت اختيارية، وأنا اخترت هذا المادة لأجل التفوق في النتائج، وبعد ذلك قرأت التوراة بالعبرية، وأردت أن أدرس هذه الدراسات في الجامعة.
في البداية كانت دراستي في اللغة العبرية وتاريخ الدين اليهودي أكثر من دراسة العربية، ولكن رأيت أن مجال الدراسات العربية والإسلامية أوسع وأهم من مجال الدراسات اليهودية والعبرية، ففضلت اللغة العربية والإسلام دون أن أنسى اللغة العبرية واليهودية.
قلت له: ما أصناف المستشرقين بالنسبة لموقفهم من الإسلام؟
تنهد الرجل، و قال: هذا سؤال مهم.
أولا: بعضهم لهم ديانة خاصة "قُسُس" ولهم نظرات خاصة، وهم متأثرون باللاهوت وهدفهم التبشير والإرسال.
وهناك مجموعة أخرى من المستشرقين عندهم اهتمام علمي، يدرسون الأصول الإسلامية لاهتمامهم العلمي في تاريخ الإسلام، وليس عندهم تلك الأهداف.
قلت: ما هدفهم أيضاً؟
قال: العلم.
قلت: العلم وسيلة لتحقيق شيء.
قال: في الماضي كانت الدراسات الاستشراقية مرتبطة الوظائف الاستعمارية كما تعرف جيداً، كانت الحكومة الهولندية مثل الحكومة الإنجليزية والفرنسية، تحتاج إلى موظفين علماء بالشؤون الإسلامية والشؤون الداخلية والأهلية في البلدان المستعمرة، كان هذا هو الهدف الأساسي.
فكانوا يحتاجون إلى معرفة كثير من الشؤون التي تحتاج إليها الحكومات المستعمرة، ولكن عدداً من المستشرقين كانوا يدرسون للعلم.
فنشروا تاريخ الطبري، وفهرس الحديث النبوي، ومنه المعجم المفهرس لألفاظ الحديث.
قلت له: ما أثر الاستشراق على أوروبا؟
فتنهد الرجل وسكت قليلاً، ثم قال: هذه أسئلة غريبة جدا!
قلت: لماذا؟ أنت أوروبي هولندي، مستشرق، لماذا لا تعرف أثر المستشرقين الأوروبيين في أوروبا؟
قال: أما الآن فإنه يوجد في هولندا أكثر من مائتي ألف مسلم ـ قال: له الأخ عبدالغني: أربعمائة ألف. وقال هو: يجب على المستشرقين فرضاً عليهم أن يحاولوا أن تكون العلاقات بين المسلمين والأوربيين تسير بدون صدام، بل يتعايشون في سلام، لأن في أوروبا أحزاباً سياسية لها آراء خطيرة.
قلت: من الأوروبيين أو من المسلمين؟
قال: من الأوروبيين، ويعملون ضد الإسلام وضد المسلمين، وهذا خطر في نظري، وهي أحزاب دينية متطرفة تروج وتحرض الأوروبيين ضد المسلمين، ونحن نريد المسلمين والأوروبيين يعيشون في سلام.
قلت له: لا زلت أنتظر الجواب على سؤالي: ألا يوجد تأثير للاستشراق على الأوربيين؟
سكت، ثم قال: على الأوروبيين؟
قلت: نعم على الأوربيين.
قال: لو كان هناك أي تأثير من جهة الاستشراق وأنا لا أعرف هذا التأثير، قد يكون من جهة الدراسات الاستشراقية اللاهوتية الدينية، لأن القسس لهم تأثير، وليس لي أي تأثير! لكن لهم تأثير يخطبون كل يوم أحد في الكنائس وأحياناً يتحدثون مع جماعاتهم عن الإسلام.
قلت: أنا أردت أن الاستشراق قد يكون له أثر إيجابي مع الأثر السلبي، فعندما يقرأ الأوروبي ما ينقله المستشرق عن الإسلام وتاريخ الإسلام قد يتأثر به أيضاً، كما إذا صحح المفهوم الذي نشره المستشرق المبشر؟
قال: ربما يكون ذلك موجوداً في كتابات المستشرقين في الجرائد أو في أحاديثهم في الراديو.
قلت: وما أثر الاستشراق على المسلمين خارج أوروبا؟
وحاول أن أحيل السؤال إلى الدكتور قاسم السامرائي، فقلت له: أنا أسال الأوروبي.
فقال: أظن أن لهم تأثيراً عميقاً، لأن بعض الكتب المنشورة في العالم الإسلامي رأينا فيها ردود فعل كثيرة وانتقادات من المسلمين للمستشرقين، فهناك مسلمون كثيرون يقرءون كتب المستشرقين، ونقرأ في بعض الكتب العربية اقتباسات من الكتب الاستشراقية، وهذا شيء واضح، ويوجد نشاط كبير لنتائج المستشرقين في العالم الإسلامي، حتى في الأدب العربي، هناك مؤلفون من العرب درسوا وتعلموا في الغرب، وحصلوا على درجات في أوروبا، وبعد أن رجعوا إلى العالم العربي كتبوا ضد المستشرقين.
قلت: هذا أثر سلبي أم إيجابي؟
قال: كلاهما.
قال الدكتور قاسم السامرائي: إيجابي وسلبي، لأنه زعزع كثيراً من أصحاب الآراء السطحية، وأثر على أصحاب الآراء الجيدة، فحفزهم للكتابة ضد المستشرقين.
قلت: ما مثال الأثر الأول؟
قال: الدكتور قاسم: كثير من العرب و المسلمين الذين درسوا في أوروبا، تأثروا بآراء المستشرقين وتبنوها، وهذا موجود في كثير من البلاد العربية، وجعلوها هي المثل الأعلى، وقسم آخر حصل عنده رد فعل فرجع إلى الأصل من تراثه القديم، فدرس بإمعان وحصل عنده أصالة فنبذ آراء المستشرقين وتبنى الآراء الأصيلة، فهذا أثر إيجابي.
قلت للدكتور بيتر: هل توافقه على هذا؟
قال: نعم، نعم.
قلت له: ما أثر الجاليات الإسلامية في أوروبا؟
قال: كانوا سببا في إسلام بعض الأوربيين، هناك بعض الأوروبيات أسلمن بسبب زواجهن ببعض المسلمين ولهم تأثير سياسي، مثلاً الأقليات في هولندا في الإدارة البلدية، وسوف يشتركون في الانتخابات الوطنية، ولكن حتى الآن أكثرهم من الطبقة السفلى، ليس لهم في الحقيقة تأثير كبير في المجتمع الهولندي. [يحاول أن يقلل من شأن تأثير الإسلام فيذكر النساء اللاتي تزوجن بمسلمين وأنهن أسلمن لغرض الزواج وليس اقتناعاً بالإسلام].
قلت: لكن في أوروبا؟
قال الدكتور قاسم: إلا في إنجلترا.
فقال الدكتور بيتر: لماذا في إنجلترا.
قال الدكتور قاسم: لأنه يوجد كثير من المثقفين المسلمين:
قال بيتر: مثلاً.
قال قاسم: باكستانيون ومن العرب، والثقافة الإسلامية أوسع في إنجلترا.
قال بيتر: سيظهر التأثير الثقافي للمسلمين عندما يتم إنتاج للأقليات كالموسيقى والأدب. [توجيه ماكر للمسلمين أن أثرهم إنما يكون في هذا المجال لا مجال العقيدة والخلق].
قلت: أيهما أكثر تأثيراً الجالية الإسلامية، أم الطلاب في الجامعات؟
قال: الطلاب في الجامعات.
قلت: لماذا؟
قال: لأن عندهم معرفة وثقافة.
[وقد أجاب بهذا الجواب المسلمون الذين اجتمعت بهم سواء كانوا من أهل البلد الأوروبيين أو من الوافدين].
قلت: هل ترون في بعض الموضوعات الإسلامية ما يمكن أن يؤثر أو يلائم العقلية الأوروبية، أو يمكن أن تحل بعض المشاكل الأوروبية؟
فأبدى دهشته لهذا السؤال، وضحك، ثم قال: سؤالكم هذا صعب جداً.
قلت: أنا لست سياسياً، وكنت في الأصل من سكان البادية، ولذلك تجد أسئلتي صريحة.
قال: صريحة ولكنها صعبة جداً. [يتهرب من الإجابة التي يرى أن فيها شيئاً إيجابياً للإسلام، ويخشى أن يكون جوابه سلبياً ولكنه ينتقد عليه].
قلت: أنا سمعت أن أوروبا فيها حرية كاملة بالنسبة للمناقشة.
قال: في المناقشة نعم.
قلت: وأن المستشرقين كثير منهم محايدون، وليسوا منحازين ضد الإسلام.
قال الدكتور قاسم: من قال لك هذه الفكرة الجيدة؟ وكان سؤاله سؤال اعتراض.
قلت: سمعت.
قال: بَدِّل هذه الفكرة.
قلت للدكتور بيتر: هذا سؤالي، فإن أحببت أن تجيب فأجب.
فقال: هناك فرق كبير بين النظام الاجتماعي الأوربي والأحوال الموجودة في العالم الإسلامي، والفرق الأكبر العلاقة بين الدين والسياسة وأكثر المقالات المتعلقة بالعالم الإسلامي الموجودة في الجرائد الهولندية ينصب على هذه النقطة الدين والدولة، وهذا فرق كبير.
قلت: سؤالي ليس هذا، بل أريد أنك باطلاعك على الإسلام بشؤونه السياسية والاجتماعية والإيمانية وغيرها، ربما تكون قد اطلعت على أن في هذه الموضوعات توجد حلول لبعض المشكلات الأوروبية.
قال: يمكن أن نجد شيئاً من هذا، وهذا في رأيي الشخصي يمكن أن نجد شيئاً منه في كل الديانات: النصرانية واليهودية والبوذية وغيرها، توجد في هذه الديانات أشياء نفيسة، وخاصة من الجهة الأخلاقية وهذه النقاط النفيسة توجد في كل الديانات.
قلت له: بالتفصيل في شؤون الأسرة وغيرها؟
قال: هناك فرق ولكن في النقاط النفيسة لا يوجد فرق.
فضحكت ونظرت إليه متعجباً، لأشعره بالتحيز وعدم الحياد في المناقشة وقلت: على كل حال، فأخذ يردد هذه الكلمة: على كل حال، وهو يبتسم، وفهم ما أريد.
وقال: لو سألتني عن أي جانب من الإسلام يمكن أن يجد تعاطفاً عند الأوربيين لأجبته.
قلت: وليكن.
فقال: الإسلام الذي تمثله الحكومات، وبالذات السفارات هو الذي لا يجد عند الأوربيين تعاطفاً، أما الإسلام الذي يمثله التصوف النقي فهذا الذي يمكن أن يجد تعاطفاً. [يريد بذلك استبعاد الدين عن الحكم، مع أن ذكره للدين الذي تمثله السفارات غريب، فإن أكثر الحكومات في الشعوب الإسلامية، هي علمانية تستبعد الدين استبعاداً شبه كامل "عدا الأحوال الشخصية" والظاهر أنه مهد للكلام عن الجماعات المتطرفة في زعمه كما يأتي].
والأمر الذي تقوم به الجماعات الإسلامية المتطرفة، هذا شيء مرفوض، أما التصوف نتجاوب معه، والسبب أنه موجود عندنا، أما تطبيق الشريعة الإسلامية في حدودها وقوانينها، فهذا شيء ليس مقبولاً، وذكر كلمة: "الأصوليين".
قلت له: ماذا تعنون بكلمة الأصوليين؟
قال: في رأيي أن الأصوليين تعني الذين يريدون التطبيق الكامل للشريعة الإسلامية فعلاً على الدولة كلها، هذا الشيء لا يخاطب العقول الأوروبية، ولا يتعاطفون معه، هذا ما أفهمه - من كلمة الأصوليين. [قلت: وهذا يدل على أنه لا فرق بين المستشرقين وغيرهم من الأوربيين الذين يحاربون شريعة الإسلام وبين الحكام العلمانيين الذين تسلطوا على الشعوب الإسلامية، بل إن هؤلاء الحكام ينفذون أفكار أولئك الأوروبيين].
قلت: ألا تعتقد أن الغربيين هم السبب في كل المشكلات التي تدور الآن في العالم الإسلامي؟
فسكت برهة ثم قال: لماذا؟
فقلت: أنا أسأل، أولاً قل لي: نعم، أو لا، ثم أجيبك.
فسكت، ثم قال: لا، والحكومات الإسلامية على رغم الاستعمار فهم الذين بدلوا النظام الحقوقي بأنفسهم وليس الغربيين، مثلاً: جمال عبد الناصر والحكومة العراقية والحكومة السورية والحكومة التركية.
هل كان أتاتورك غربياً أم شرقياً، هل كان هولندياً؟
قال له الدكتور قاسم: كان ماسونياً.
فقلت له: يا دكتور! إنكم أنتم وحكام الشعوب الإسلامية العلمانيين تخرج أفكاركم من مشكاة واحدة، وأنتم السابقون في هذه الأفكار، فأنتم أساتذة أولئك الحكام.
الشعوب الإسلامية ابتعدت كثيراً عن الإسلام وتفرقت وتمزقت، لكن لو بقيتْ فترة طويلة على هذا البعد عن الإسلام، ثم وجد فيها علماء ومفكرون من داخلها وعلموها، لرجعت إلى أصول دينها، ولما وجدت فيها هذه الصراعات والصدامات بين الشعوب والحكام.
ولكن عندما جاء الغربيون بصفة عامة وربوهم على هذه الفكرة، وهي الفصل بين الدين والدولة، أصبح عندنا فئة مثقفة، دربها الغرب في المدارس الغربية أو في البلدان الإسلامية وسلمها الحكم، وهي الآن تضرب الشعوب وتجبرها جبراً على الفصل بين الدين والدولة. فالشعوب الإسلامية تريد الإسلام فعلاً، والحكام العلمانيون المنفذون لأفكار الغربيين لا يريدون ذلك ولا يمكن أن تستقر الأمور في بلاد المسلمين إلا بتطبيق الإسلام في العقيدة والسلوك والسياسة والاجتماع والاقتصاد والحرب وغيرها، فسبب الصراع هو هذا، وهذا إنما جاء من الغربيين.
وهذا بخلاف الأوربيين فإنهم يمكن أن تستقر أمورهم في الجملة بدون أن يحكمهم دين، لأن دينهم ليس لديه ما يحكم به حياتهم.
فقال: بالعكس، كانت في تركيا انتخابات، فانتخبوا برلماناً من أحزاب مختلفة، فأين توجد الشريعة الإسلامية في تركيا ـ يعني بذلك أن الشعب التركي لا يريد الشريعة الإسلامية، ولو أرادها لطبقها وقد انتخب هو من يحكمه ـ.
قلت له: لو وجدت انتخابات حرة كما توجد عندكم على الأقل، لما وصل إلى الحكم إلى فاسق، وإنما يصل إلى الحكم الصالحون فقط، وهم الذين لا يحكمون إلا بالشريعة الإسلامية، بلادكم فيها حرية، وأما بلاد المسلمين فالانتخابات يسيرها السلاح والتزوير والسجون والمعتقلات والذبح، فهذه المقارنة التي ذكرت ليست سليمة.
قال: حتى في تركيا؟
قلت: في كل مكان، لا توجد حرية الانتخابات.
قال: ولكن ليس هذا فعل الغربيين وغلطهم.
قلت: بل فعلهم وغلطهم، لأنهم مكنوا للديمقراطية في بلادهم ومكنوا للاستبداد (الدكتاتورية) في بلاد المسلمين، لأن الديمقراطية في الغرب متمكنة، مع ما عليها من ملاحظات، ولا يريد الغربيون لهذه الديمقراطية أن تتمكن في بلاد المسلمين، لأنها لو تمكنت في بلاد المسلمين وإن كانت ليست من الإسلام ـ فستكون ثمرتها أن يحكم المسلمون وليس العلمانية.
قال: كون الغربيين لا يريدون ذلك، هذا غير مهم.
قلت: ولكنهم قد فعلوه بالقهر الاستعماري، أولاً، وباستعمار العقول ثانياً، وهذا أخطر من الأول.
قال: وهل يريد المسلمون الانتخابات الحرة؟
قلت: من تريد الشعوب؟
قال: نعم.
قلت: نعم تريد الشعوب ذلك بفارغ الصبر، وستصل إن شاء الله إلى تقرير مصيرها والتمتع بحكم الله الذي هو فرض عليها، وستعرف أوروبا عندئذ السعادة المفقودة بسبب فقد الحكم بالشريعة، لأن الأوربي لا يفهم الآن من الإسلام إلا ما يطبقه بعض الحكام، ولهذا أول ما يسأل عنه الأوربيون: لماذا تتحاربون وأنتم مسلمون...؟ لا يفرقون بين الإسلام الذي جاء به القرآن والسنة، والتطبيق العملي من الصحابة، وبين عمل بعض المسلمين الذين أبعدوا الإسلام عن حياة الناس أو أساءوا تطبيقه.
ثم سألته: هل عندك وقت للاستمرار في المناقشة؟
فقال: نعم!
قلت له: لك مع الإسلام رحلة طويلة، أما بدأت تفكر فيه، أو أما رأيته أنه أقرب إلى العقل والفطرة من غيره؟
فقال: أظن أن الإسلام ليس بأبعد من العقل، وليس بأقرب من العقل، مثل النصرانية.
قلت: أي عقل: عقل الإنسان العادي، أو عقل الذي عنده أفكار معينة؟
قال: أي عقل كان هذا لا يهم.
قال الدكتور قاسم موجها حديثه إليَّ: أنصحك! لقد صار لي معه اثنتا عشر سنة أريد منه أن يسلم فلم يفعل.
قلت: أنا أسأل مجرد أسئلة والهداية بيد الله.
قال: الدكتور بيتر: الإسلام والمسيحية واليهودية والبوذية كلها ديانات، وأسسها اعتقادات، أنت تريد مني أن أعتقد شيئاً لا أراه؟
قلت: القرآن الكريم توجد فيه براهين تدل على صحته وصدقه، ولا توجد تلك البراهين لغيره.
قال: لماذا؟
قلت: أولاً: الإعجاز فيه.
فقال: الإعجاز!.
قلت: وليس إعجازاً لفظياً فقط، بل إن العلم الحديث أَقَرَّ أن في القرآن حقائق لم يتوصل العلماء إليها إلا بعد ألف وأربعمائة سنة، بعد دراسات ومشقات وأجهزة حديثة.
قال: هذا يعتمد على تفسيرات.
قلت: لا، بل على نصوص القرآن والسنة، وضربت له مثالين:
المثال الأول: بما في خلق الجنين من أطوار ومصطلحات وردت في القرآن والسنة في وقت يستحيل فيه على البشر أن يعرف ذلك، وقد تحقق ذلك في هذا العصر عن طريق التقدم العلمي.
والمثال الثاني: إخبار الرسول صلى الله عليه وسلم بأن المسلمين سيقاتلون الترك وقد حصل.
فقال عن الأول: كان للأعراب القدماء معرفة وفهم عميق بكل ما يتعلق بالطبيعة ويعرفون الجنين.
قلت: بهذه التطورات؟
قال: كانوا يفتحون بطن جملهم - يعني ناقتهم - [انظر إلى أين يصل الحسد والهوى بالإنسان، المختصون في علم الأجنة يعترفون باستحالة معرفة ما ذكره القرآن في وقت نزوله بالنسبة للبشر ويعترفون أن القرآن من عند الله بسبب اشتماله على ما لم يمكن للبشر أن يعرفه في ذلك الوقت والدكتور بيتر يقول أن الأعراب كانوا يفهمون ذلك فهماً عميقاً؟!].
قلت: وقت النطفة؟
قال: ولكن هل يجب على الإنسان أن يعرف معنى النطفة؟
قلت: المراد أن الله ذكر ذلك قبل ألف وأربعمائة سنة، ولم يعرف معنى ما ذكره الله في القرآن في ذلك الزمان إلا في هذا العصر، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ((نحن أمة أمية لا نقرأ ولا نكتب)) وهذا المعنى لا بد أن يكون من عند الله.
فقال: أرسطاليس قد فتح رحم الأم قبل الإسلام.
قلت: وعرف النطفة والعلقة والمضغة وتطورات الجنين في بطن أمه؟
سكت.
قلت: وقصة قتال الترك؟
قال: هل الحديث صحيح؟
قلت: نعم.
قال: هذا يحتاج إلى دراسة تاريخ الحديث.
قلت له: ادرسه.
قلت: ماذا ترى عن مستقبل العالم الإسلامي، مع هذه المشكلات التي تنتشر فيه وفي غيره؟
سكت كعادته، ثم قال: هذا سؤال صعب جداً.
قال الدكتور قاسم: أنا سألت مستشرقاً مشهوراً في بريطانيا، قلت له: ماذا تظن عن مستقبل الإسلام في إنجلترا؟ فقال: أظن أن إنجلترا ستتحول إلى الإسلام.
فقال الدكتور بيتر: في رأيي ستتحول الأحوال في العالم الإسلامي إلى أحوال تشبه الأحوال في أوروبا أكثر من أحوال أخرى.
قلت: من أي ناحية؟
قال: ستكون الشريعة الإسلامية أضعف في المجتمع الإسلامي من الوقت الحاضر. [يحاول بشتى الوسائل أن يدخل اليأس في قلوب المسلمين من تطبيق الشريعة الإسلامية وبدلاً من أن تقترب أوروبا إلى الإسلام يرى اقتراب المسلمين في نهج أوروبا في فصل الدين عن الدولة].
قلت: ولماذا تظن هذا الظن؟
قال: لما أراه في الدول الإسلامية في كل مكان، وقد سأل الحسن الثاني - يعني طلب - أن يكون عضوا في دول السوق الأوروبية المشتركة.

قلت له: أنت تعرف في علم الاجتماع أن الأضعف يقلد الأقوى؟
قال: ممكن.
قلت: هذا الذي نص عليه ابن خلدون في المقدمة.
قال: كل المشكلات في العالم الإسلامي سببها محاولة تطبيق الشريعة الإسلامية.
قلت له: أنا أوافقك أن محور المشكلات في العالم الإسلامي يتعلق بتطبيق الشريعة الإسلامية، لأن الشعوب الإسلامية تريد تطبيقها وأكثر الحكام لا يريدون ذلك، وعدم تطبيق الشريعة الإسلامية هو سبب كل المشكلات، والدليل على إرادة الشعوب الإسلامية تطبيق الشريعة كثرة الشباب الذي يطالب بها مع ما يلاقيه من اضطهاد ومطاردة واعتقال، وقتل، ولم يترك الحكام المناوئين لتطبيق الشريعة يهدءون، وسوف لا يتركهم مهما كانت التضحيات حتى تطبق الشريعة الإسلامية.
قال: حتى العمال؟
قلت: حتى العمال، بل كثير من أهل الفسق الذين لا يحافظون على الصلاة، لو سألتهم ماذا تريدون قالوا الإسلام.
قال: ولكن أي إسلام؟
قلت: الإسلام الذي جاء به القرآن والسنة، نحن ليس عندنا إسلام غير القرآن والسنة، وكل شيء يأتي من خارج القرآن والسنة، وهو يخالفهما فليس من الإسلام.
قال: بحدودها؟ يعني تطبيق الحدود.
قلت: نعم، في كل شيء، وهذه الحدود التي تخافون منها لا تحصل إلا نادراً، لأنه إذا طبق الإسلام سوف لا يوجد سراق كثيرون ولا زناة كثيرون، لأن الإسلام يحل المشكلات من جذورها، يبدأ الإسلام بالحل من تربية الفرد والأسرة والمجتمع، وكلها مبنية على إيمان ونظام حياة.
أنتم الآن ترون الناس جائعين فيسرقون، وترونهم فساقاً فيزنون، وترون بينهم وبين الحكام مشكلات تنتهي إلى الانقلابات أو السجون والمعتقلات والقتل، وهذه الأمور الموجودة ستختفي أو تقل كثيراً، إذا طبق الإسلام، لكن أنتم تظنون أنه إذا طبق الإسلام ستبقى موجودة على ما هي عليه الآن وسيصبح المجتمع كله قتلاً وقطعاً ورجماً.
وليس الأمر كذلك، ولو راجعت الفترة التي كانت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهد خلفائه رضي الله عنهم لوجدت عدد الذين ارتكبوا ما يوجب تطبيق الحدود قليلاً جداً.
فالشيء الذي في أدمغتكم عن الإسلام ليس هو الإسلام بل هو شيء آخر تماماً.
قال: ولكن عندي رأي آخر.
قلت: لا بأس، لأن لك تاريخاً طويلاً في تكوين هذا الرأي، لا يمكن أن تتنازل عنه في هذه اللحظات، بل تحتاج إلى مراجعة طويلة حتى تصل إلى نتيجة صحيحة.
قال: ولكن ما أرى في العالم الإسلامي يقوي ما أرى، وهل الحوادث الموجودة في كل مكان سببها العالم الغربي.
قلت له: أضرب لك مثالاً: عبد الناصر ذبح الإخوان المسلمين وسجنهم - قال الدكتور: ذبحاً كاملاً.
قلت: وأصبح الناس يظنون أن الإسلام انتهى في مصر، وبعد موته بسنة واحدة فقط [وقبل أن أكمل قال الدكتور بيتر: ازدهر الإسلام] قلت: ازدهر مثل النبات الذي ينتشر بسرعة هائلة.
قال: نعم.
قلت: لماذا؟ إن القوة قد تسلطت على الشعوب، ولو تركت الشعوب لتختار ما تريد لما رضيت غير الإسلام بديلاً.
ولهذا فرأيك غير صحيح.
قال: ولكن هناك اختلافات كثيرة بين المسلمين، ويبدو أنه ستصعب عليهم الوحدة، وتوجد بينهم اختلافات حتى في أوروبا، فهل السبب هو العالم الغربي؟
قلت: العالم الغربي وتلاميذه من أبناء المسلمين.
قال: وهل السبب في حروب القرون الأولى هو العالم الغربي؟
قلت: سببه بعد المسلمين عن الإسلام. [ومع ذلك فقد كان لليهود دور كبير في المشكلات التي حصلت بين المسلمين من عهد الصحابة رضي الله عنهم، كالحال في عبد الله بن سبأ].
وذكرت له مثالاً، لو أن أحد الأحزاب تعلم الديكتاتورية وخرج على الديمقراطية، هل تعتبرونه خارجاً عن الديمقراطية؟
قال: نعم.
قلت: كذلك الذي يترك الإسلام ولا يطبق أصوله، يعتبر خارجاً عن أمر الله.
قال: كم في المائة خرج عن العالم الإسلامي؟
قلت: هذا صعب ولكن كثيراً من المسلمين الذين تربعوا على كراسي الحكم في الشعوب الإسلامية، خرجوا عن تعاليم الإسلام وحاربوا تطبيق شريعته وضربت له أمثلة بالملحدين والعلمانيين الذين يرفضون حكم الإسلام، ولا يرونه صالحاً للعصر، وهؤلاء لو كنت قادراً عليهم لحكمت عليهم بحكم المرتد.
قال: لماذا؟
قلت: لأنه أنكر الإسلام ورأى أن تطبيقيه رجعية لا يصلح لهذا الزمان.
قال: ولكن على الرغم من كل ما ذكرت، أعتقد أن العالم الإسلامي يتغير إلى جهة أوروبية.
قلت: بالقوة أم بالاختيار، قال: بالقوة أو بالاختيار.
قلت: نحن نعتقد إن شاء الله أن أوروبا ستستفيد من الإسلام.
ضحك وقال: يمكن ولكن من الجهة الروحية.
قلت: من الإسلام سواء من الجهة الروحية أو غيرها، ونحن الآن ليس عندنا إمكانات، ونعتبر ضعفاء، ولكن ديننا قوي ومتى رجعنا إليه منحنا الله القوة، والفرق بيننا وبينكم أنكم أقوياء بالديمقراطية - وإن كان أهم أسسها، وهو العلمانية، ليس من الإسلام - وعندكم احترام للنظام ولا توجد حروب بين شعوبكم، واقتصادكم قوي، والحرية عندكم موجودة في الجملة، وبسبب ما عندكم من قوة تنظرون إلينا ونحن ضعفاء، ولكن ليس عندكم أساس ثابت في الإيمان ونظام الحياة الرباني، أما نحن فعندنا هذا الأساس الذي يمنح الإنسان بقلبه وعقله وروحه وجسمه قوة، فإذا استقرت أمورنا على هذا الأساس القوي فسيكون العالم الإسلامي أقوى من غيره وعندئذ ستنظرون إلينا نظرة أخرى.
قال: هل توجد حرية في مجتمع يسيطر عليه الإسلام؟
قلت: الأصل أن لا توجد الحرية الصحيحة في غير الإسلام، أتدري لماذا؟
قال: قد قلت: إن هولندا بها حرية كاملة!
قلت: حرية في الجملة.
قال: هل هذه الحرية في الجملة ستكون موجودة في العالم الإسلامي؟
قلت: ستكون الحرية في العالم الإسلامي أحسن من أي حرية أخرى وهي في حدود الإسلام.
قال: هذه الحرية ستختلف عما هو موجود في أوروبا، لأن الحرية في أوروبا مبنية على نظام فصل الدين عن الدولة.
قلت: إن سبب فصل الدين عن الدولة في أوروبا معقول، لأن الدين الذي كان موجوداً يزعم أهله أنه من عند الله ويجبرون الناس على قبوله من أفكارهم، وكانوا يقفون ضد العلم والحقائق العلمية ويقولون: إنها تخالف الدين الذي جاء من عند الله، ويحرمون على الناس ما لم يحرمه الله، وليس في ذلك الدين نظام يمكنه أن يسير حياة البشر تسييراً سعيداً، فكان لأهل أوروبا الحق في الخروج على هذا الدين، ولكن دين الإسلام ليس كذلك، بل إن دين الإسلام يلائم العقل والفطرة، وهو يدعو إلى الاعتبار واستعمال العقل، ولا يمكن أن يتعارض مع أي حقيقة علمية.
وكان الواجب على أهل أوروبا أن يبحثوا في هذا الدين فسيجدونه ديناً صحيحاً يسعدون به، ولكنهم فعلوا كما يفعل شخص احترق بيته، فذهب هائما في الصحراء وأبى أن يسكن البيوت، خشية من أن تحترق كلها كما احترق بيته الأول، أي إن الأوربي عندما اضطر أن يفصل ديناً غير قادر أن يكون منهج حياة، بل يعارض مصالحه التي يراها توافق العقل وتجلب له الخير، اضطر أن يفصل هذا الدين عن السياسة، وظن أن كل دين يجب فصله عن السياسة، ولو كان دينا آتياً فعلاً من عند الله وعنده منهج للبشر يوجه نشاطهم كله إلى ما فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة.
قال: لا تظن من فصل الدين عن الدولة في أوروبا أن الكنيسة لا تأثير لها في حياة الناس، بل لها تأثير كبير، هناك أحزاب دينية والحزب المسيحي في هولندا هو أكبر الأحزاب فيها.
قلت: ولكنه علماني، وليس عنده إلا الاسم والأسلوب الذي يحكم به في هولندا يحكم به أي حزب غيره.
قال: لا يمكن أن نقول بسهولة، إنه يوجد فصل تام بين الدين والدولة في أوروبا، فهناك مجالات يمنع الدين من التدخل فيها، وهناك مجالات يمكن للدين أن يكون فيها.
مثلاً: المدارس مفتوحة لتدريس الدين، المدارس الأولية والثانوية وحتى الجامعات.
قلت له: لم تفهم ماذا أريد إلى الآن، أنا أقول احترق بيت أوروبا فحرمت على نفسها أن تسكن في بيتٍ غيره، فصلت دينها عن دولتها بسبب عدم قدرته على منحها منهجاً لحياتها يتناسب مع مصالحها، وبسبب معارضته للعقل، وظنت أن كل الأديان كذلك فعممت الحكم على الإسلام، فلا سمع ولا طاعة في الحكم لأي دين آخر، أليس كذلك؟
قال: بلى.
قلت: أما بالنسبة لديننا، فإنه يدعونا إلى التفكير بالعقل، ويدعونا إلى التقدم العلمي، ويدعونا إلى المناقشات الحرة، ويدعونا إلى كل شيء فيه صلاح ديننا ودنيانا.
قال: لا، لا.
قلت: أنا إذا قلت ديننا فأريد به القرآن والسنة، فلا تخلط بين المنهج وبين ما يفعله بعض المنتسبين إلى الإسلام.
قال: دينكم يقدم العلم إلى حد ما، لو عمل العلم بنوع ضد الدين فهذا ممنوع.
قلت له: لا يستطيع العلم أن يثبت حقيقة علمية واحدة ثابتة تخالف الدين سواء كانت تتعلق بالطب أو الكون، لكن عند المسيحيين تخالف كثير من حقائق العلم ما جاء في الكتب المحرفة.
قال: وما رأيك في علم الاستشراق؟
قلت: العلوم الإنسانية أمر آخر، يحصل فيها خلاف حتى بين المسلمين، وأنا أتكلم عن الحقائق العلمية التجريبية أو الحسية المشاهدة. قال: حتى علوم الطب، مثل إسقاط الجنين.
قلت: هذه ليست حقيقة علمية، بل هو حدث يحتاج إلى حكم بالإباحة أو المنع.
قال: ولكن مجال العلم أوسع.
قلت: الإسلام أوسع.
قال: أما أنا فأحب هذه الحرية التي أعيش تحتها ولا أريد أن أفقدها، ويبدو لي أنه لا يمكن أن توجد هذه الحرية في مجتمع إسلامي تسيطر عليه الشريعة الإسلامية.
قلت: هل تعني الحرية الموجودة عندكم بكل ما فيها؟
قال: نعم.
قلت: صحيح إذا طبقت الشريعة الإسلامية، سوف لا توجد هذه الحرية لأنها -بكل ما فيها - تعتبر فوضى وخروجاً على دين الله، ولا يمكن أن يقرها الإسلام، ولكن عندي سؤال عن معنى الحرية ما هي؟
قال: حرية الإنسان، أولاً الحقوق الإنسانية، وأول حق إنساني هو حرية الضمير، وهذا يدل أن لكل إنسان حرية دينية وأخلاقية وفلسفية!
قلت: أخلاقية أيضاً؟
قال: إلى حد ما، طالما عاش في بيته أو في مجتمعه، فله حرية الضمير، سواء كان نصرانياً أو يهودياً أو مسلماً أو ملحداً، يعتقد ما يريد، هل توجد هذه الحرية في ذلك المجتمع الإسلامي؟
قلت: الجزء الذي يحقق الحياة السعيدة للإنسان موجود.
قال: هل يمكن في هذا المجتمع أن يتكلم الناس بكل حرية ينتقدون الرئيس؟
قلت: نعم تنتقد الرعية ولي أمرها في الإسلام، سواء كان المنتقد فرداً: رجلاً، أو امرأة، أو جماعة، وعندنا في الإسلام باب كبير يسمى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدين النصيحة.
قال: هذا ليس عملياً الآن.
قلت: نعم لأن الشريعة لم تطبق، وقلت لك يجب أن تفصل بين تصرف سيئ من بعض المسلمين وبين منهج الإسلام.
قال: الأوربي ينظر إلى العالم الإسلامي من الناحية العملية، فهو لا يدرس الكتب القديمة، إنما يرى الحقيقة.
قلت: قل الواقع.
قال: الواقع.
قلت: أنت تدرس الحقيقة.
قال: الكتب القديمة جزء من الواقع.
قلت: حقيقة الإسلام قد يوافقها الواقع وقد يخالفها، ويبقى الإسلام هو الحقيقة سواء طابقه الواقع أو لا.
قلت: أنا أفهم أن الحرية الصحيحة أن لا يكون الإنسان عبداً إلا لله فقط، ولا يكون حراً من ترك العبودية لله.
قال: هذا رأيكم.
قلت: نعم، هذا رأيي.
قال: هناك آخرون لهم آراء.
قلت: نعم، بعضهم يرى أن من الحرية شرب الخمر والزنا وعمل ما يريد في الحياة.
قال: لا، لا، نحن نتحدث في الحقوق الإنسانية، وقلت لك: أول حق إنساني هو حق حرية الضمير.
قلت: تعني حرية الدين؟
قال: هل يمكن في مجتمعكم في المستقبل حرية المعتقدين بالبوذية؟
قلت: وجد في عهد الصحابة.
قال: نعم في عهد الرسول (صلى الله عليه وسلم) ولكن الآن وفي المستقبل؟
قلت: إذا طبق الإسلام بمعناه الحقيقي، سيكون أهل الأديان يعبدون حسب دينهم الذي يقرهم عليه المسلمون.
وكثير من العلماء يرى أن الجزية تؤخذ من غير أهل الكتاب، كما تؤخذ منهم أما قرأت عن الجزية؟
قال: ليس للمسلمين الحق في أخذ الجزية.
قلت: المسلمون يأخذون الزكاة من المسلمين ويلزمونهم بالجهاد في سبيل الله حسب الحاجة، ويأخذون الجزية من غير المسلمين ولا يلزمونهم بالقتال في صفوفهم.
قال: الآن لا يأخذون الزكاة و لا الجزية.
قلت: نعم، لأن الإسلام غير مطبق إلا في بعض البلدان مع تقصير في التطبيق.
قال: إذا أردت أن تتكلم مع الأوروبي من فضلك تكلم عن الواقع ولا تتكلم عن المستقبل أو عن الماضي قبل 14 قرناً.
قلت: أنا لا أتكلم عن الإسلام إلا من طريق القرآن والسنة فقط، ولا أتكلم عن إسلام متوهم يخالفهما، قلت لك: إن المبدأ الأساسي عند المسلم هو هذا، وأنا إذا تكلمت عن الإسلام إنما أتكلم عنه من هذا المنطلق.
قال: حتى في هذا المجتمع لكم الحق ولكم الحرية باعتقاد القرآن والسنة.
قلت: والتطبيق؟
قال: التطبيق شيء آخر.
قلت له: العقيدة بدون تطبيق شبيهة بالعدم.
وإلى هنا انتهى الحوار مع المستشرق الهولندي الدكتور بيتر في جامعة ليدن.
رجعنا بعد انتهاء تلك المقابلة مع المستشرق الهولندي الدكتور بيتر إلى مدينة أمستردام، حيث تركني الأخ محمد جمعة في الفندق لكتابة ما سجلته من الحوار السابق من شريط (الكاسيت).
ثم جاءني بعد المغرب فنقلني إلى منزله لتناول طعام العشاء، وإكمال بعض الأسئلة مع زوجته، وهذه الأسئلة تتعلق بالشؤون الاجتماعية. [وقد أضفت تكملة الحوار الذي تم معها هذه الليلة، إلى ما سبق من الحوار معها].
صلاة عيد النحر في الجامع الكبير في مدينة أمستردام:
الثلاثاء: 10/12/1407هـ
جاءني الأخ محمد جمعة إلى الفندق صباحاً وذهبنا إلى مسجد المغاربة، الجامع الكبير الذي هو أحد جوامع صلوات العيدين والجمعة.
أقيمت الصلاة في الساعة الثامنة إلا ربعاً، وكانت خطبة الإمام في فضل عيد الأضحى وفوائده للحجاج وغيرهم، وحكم الأضاحي، وما يشرع فيها، وعن التآخي والتزاور والمحافظة على هذا الدين، وعدم الخروج عن آداب الإسلام في العيد، تجنباً للتشبه بأهل الأديان الأخرى أو من ينسبون إلى الإسلام ويدعون الوطنية فيخالفون الإسلام في أعيادهم.
السفر إلى الدنمارك:
ثم رافقني الأخ محمد جزاه الله خيراً بعد الصلاة إلى مطار أمستردام، ليودعني إلى مدينة كوبنهاغن عاصمة الدنمارك، وقد كنت متضايقاً من بقائه معي وترك زوجته في يوم عيد، وخاصة أنها هولندية خشيت أن يضايقها ذلك، ولكن يبدو أنها قد ألفت الصبر على تكرر خروج الأخ محمد من البيت أو البقاء فيه مع ضيوفه فترات طويلة، فهو رجل اجتماعي محب للدعوة إلى الله والاختلاط بمن يراهم محتاجين إليه فيها.
وحاولت - بعد أن أخذت بطاقة صعود الطائرة - أن يعود الأخ محمد إلى منزله فلم يرض إلا بالبقاء معي إلى أن أدخل الطائرة حرصاً منه على عدم اعتراض أي مشكلة لي.
وقد أقلعت الطائرة من مطار أمستردام في الساعة الثانية والدقيقة العاشرة. ونظرت من النافذة فرأيت كثرة الخلجان والقنوات التي تكاد تكون في كثرتها مثل الشوارع.
وهنا أحب أن أوصي كل من عنده قدرة على مساعدة الإخوة العاملين في هولندا، وبخاصة اتحاد الطلبة المسلمين الذي يقوم بجهود طيبة، وهم في أمس الحاجة إلى المساعدة والتشجيع.
وهبطت في مطار كوبنهاغن في الساعة الثالثة والدقيقة العاشرة مساء، فكانت مدة الطيران من أمستردام إلى كوبنهاغن ساعة واحدة.
وعندما جالت الطائرة فوق مدينة كوبنهاغن بدت شوارعها جميلة وحاراتها على شكل دوائر وأنصاف دوائر، وعلى شكل مربعات أو مستطيلات والخلجان البحرية تحتضن كثيراً من الحارات.
روابط لها علاقة بالإسلام في هولندا:
الرابط الأول من مفكرة الإسلام:
http://www.islammemo.cc/KASHAFL/one_news.asp?IDnews=722
الرابط الثاني من إسلام أون لاين:
http://www.islamonline.net/arabic/economics/2002/05/article08.shtml
الرابط الثالث:
http://www.islamonline.net/arabic/economics/2002/05/article08a.shtml
الرابط الرابع:
http://www.islamonline.net/Arabic/news/2001-11/29/Article02.shtml
ملحق من مجلس الإفتاء الأوربي:
هولندا ..بلد المليون مسلم
شروق برس : محمد عزام 14/6/2005
"بلد المليون مسلم" سمة مميزة يعتز بها مسلمو هولندا، إلى جانب مكانتهم المتقدمة بين أقرانهم في غرب أوروبا من حيث كثافة التواجد الإسلامي عبر شبكة راقية تبدأ من المنظمات والمراكز والمساجد والمدارس وجامعة إسلامية وتنتهي بالأسواق الخيرية.
الحقيقة المثيرة في «بلد المليون مسلم» تتمثل في كون الطائفة المسلمة هي الأكبر والأكثر انتشاراً وارتباطاً بالتعاليم الدينية من جميع الطوائف الأخرى مجتمعة إذ تبلغ نسبة المتدينين المسلمين نحو 30% من إجمالي المتدينين في هولندا، على الرغم مما تشير إليه البيانات الرسمية بأن نسبة المسلمين تصل إلى نحو 5 % فقط من إجمالي عدد السكان تضعهم في المرتبة الرابعة خلف الطائفة المسيحية للبروتستانت 23 % وطائفة الروم الكاثوليك 32 % والطوائف التي ليس لها انتماء عقائدي 38%
أوضاع المسلمين :
ويقول موقع جريدة الجزيرة السعودية على شبكة الانترنت أنه كان يسكن في هولندا عدد قليل من المسلمين حتى الستينات إلا أن الإسلام كان معروفاً داخل حدود المملكة الهولندية، فكانت هذه الحدود تتضمن إندونيسيا حتى عام 1949م وسورينام حتى عام 1975م، مع العلم بان إندونيسيا تعتبر كلها دولة إسلامية، كما ويوجد في سورينام أقلية مسلمة لا بأس بها. وتشير البيانات الرسمية الصادرة عن الحكومة الهولندية إلى أن بداية عقد الخمسينات شهد مطلع قدوم المسلمون الأوائل إلى هولندا، وفق البيانات الرسمية، وفي عام 1955م وصل تعداد المسلمين في هولندا إلى حوالي 570 ألف مسلم، وفي الوقت الحاضر أصبح من المعتاد تواجد محال لبيع مواد غذائية إسلامية وجمعيات ومدارس إسلامية وأيضاً مساجد .
قصة روادها إندونيسيون:
كان الإندونيسيون أصحاب الجنسية الهولندية هم أوائل المسلمين الذين استقروا في هولندا بمجموعات كبيرة حيث أتوا إليها في مطلع عام 1951م بعد أن نالت إندونيسيا استقلالها من هولندا. ولما نشأ في الستينات نقص في الأيدي العاملة بسبب الازدهار الاقتصادي السائد آنذاك بدأت الحكومة الهولندية في البحث عن توفير الأيدي العاملة بصفة مؤقتة من خارج البلاد، وبدأ جلب هذه العمالة التي أطلق عليها «العمالة المستضيفة» من منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط خاصة من تركيا والمغرب وهما في واقع الأمر دولتان إسلاميتان، ومع بداية الثمانينات تم إيقاف استقدام الأيدي العاملة إلا أن هذا لم يعنِي إيقاف تيار الهجرة إذ إن كثيراً من العمال الأجانب الذين أتوا إلى هولندا في ذلك الوقت ظلوا مقيمين بها واستقدموا عائلاتهم.
ويذكر أن مجموعة كبيرة من مسلمي سورينام فضلوا الانتقال إلى هولندا قبل استقلال بلادهم عام 1975م، وتصل نسبة المسلمين حالياً إلى 5 % تقريباً من إجمالي سكان هولندا البالغ تعدادها حوالي 16 مليون نسمة «وفق هذه الأرقام الرسمية يتبين أن عدد المسلمين يصل لنحو 900 ألف نسمة »
وتعتبر الجالية التركية هي أكبر الجاليات المسلمة في هولندا إذ يبلغ تعدادها نحو 310 آلاف نسمة، تليها الجالية المغربية «277 ألف نسمة»، ثم سورينام «60 ألف نسمة» فيما يقدر المسلمون من أصل هولندي ببضعة آلاف نسمة. وتوافدت على هولندا أقليات مهاجرة من المسلمين من العراق 35 ألف نسمة ، الصومال «30 ألف نسمة»، «إيران 25 ألف نسمة»، أفغانستان «25 ألف نسمة» البوسنة والهرسك وكوسوفو «25 ألف نسمة»، الباكستان «17 ألف نسمة» مصر «14 ألف نسمة»، سوريا «5 آلاف نسمة»، إثيوبيا «3 آلاف نسمة»، نيجيريا «2500 نسمة» وغالبية هؤلاء المسلمين من فئة السنة.
الحريات الدينية:
يتم تطبيق حرية ممارسة الشعائر الدينية والعقائدية في هولندا ضمن الإطار الاجتماعي والقانوني، ويسمح للفرد بممارسة عقيدته الدينية سواء بشكل فردي أو جماعي من دون القيام بأية أفعال تزعج الآخرين أو تشكل خطراً على الصحة العامة أو الإخلال بالنظام العام .
وبالنسبة للعادات والتقاليد الإسلامية فقد تم قبولها رسمياً وأصبحت من الأمور المعتادة مثل إقامة الصلوات وصيام شهر رمضان والذبح الحلال و طهارة الأطفال.
الشعائر الإسلامية:
ويجد المسلمون في هولندا تفهماً واحتراماً من المجالس الرسمية المحلية للمدن التي تسمح لهم بالآذان للصلاة باستعمال المكبرات الصوتية وذلك لمرة واحدة في الأسبوع.
كما قامت هذه المجالس المحلية بمنح نحو 500 محل من الأماكن المخصصة لذبح اللحوم تصاريح دائمة للقيام بالذبح وفقاً للشريعة الإسلامية وخاصة في موسم عيد الأضحى المبارك.
وتبدي الشركات الهولندية التي يعمل بها المسلمون تقديرها واستعدادها لتلبية رغباتهم بتعديل مواعيد العمل لتتوافق مع مواعيد أداء الصلوات وصيام شهر رمضان والعطلات الخاصة بعيدي الفطر والأضحى المباركين، وتوفير أماكن للصلاة ومراعاة تقاليد المأكولات الإسلامية .
التعليم الإسلامي:
يتضمن الهيكل التعليمي الإلزامي في هولندا نوعين رئيسين هما التعليم العام والتعليم الخاص. وهذا الأخير يشمل جانب التعليم الديني الذي تتولى الإشراف عليه منذ القدم المدارس المسيحية الكاثوليكية والبروتستانتية بالإضافة إلى العشرات من المدارس الإسلامية الحديثة. ويتضمن التعليم العام في مرحلتيه الثانوية والجامعية تدريس حضارات العالم الإسلامي . وإلى جانب المدارس الخاصة الإسلامية هناك جامعة إسلامية فتية هي الأولى في غرب أوروبا وهي جامعة روتردام الإسلامية.
المنظمات الدينية:
يعتمد النظام الأساسي في هولندا على فصل الدين عن الدولة حيث تقوم المنظمات الدينية والهيئات العقائدية بشعائرها وأعمالها بحرية وهدوء، وهذا يعني أن الحكومة لا تتدخل في شؤون المنظمات والهيئات كما أن هذه الأخيرة لا تتدخل من جانبها في شؤون الدولة. وهناك العديد من المنظمات الدينية التي تشرف على المساجد وأماكن إقامة الصلاة المنتشرة في مختلف المدن الهولندية والتي بلغ عددها حالياً نحو 400 مسجد ومركز لإقامة الصلاة، من بينها 200 مسجد للجالية التركية، 130 مسجداً للجالية المغربية، 30 مسجداً للجالية السورينامية.
http://www.e-cfr.org/ara/index.php?module=announce&ANN_user_op=view&ANN_id=155
سلسلة في المشارق والمغارب
الدنمارك
الدكتور
عبد الله بن أحمد قادري الأهدل
الطبعة الأولى
1427هـ ـ 2006م