في مدينة بروكسل
في مدينة بروكسل
في مطار بروكسل:
أقلعت الطائرة من مطار فينا عاصمة النمسا في موعدها المحدد: الساعة السادسة والنصف 18,30 إلى بروكسل عاصمة بلجيكا، وكانت متجهة إلى الغرب متابعة للشمس.
وهبطت بنا الطائرة النمساوية في مطار بروكسل في الساعة الثامنة مساء، فكانت مدة الطيران من فينا إلى بروكسل ساعة ونصف الساعة 1,30.
كنت أول خارج من الطائرة، وأول من ختم جوازه، وأول من أخذ حقائبه وخرجت من مبنى المطار ووقفت على الرصيف أتلفت لعلي أرى الشخص الذي كُلِّف استقبالي في المطار، فلم أر أحداً، وقفت قليلاً، ثم عزمت على أن أستأجر سيارة توصلني إلى أحد الفنادق، وأتصل بصاحبي من هناك.
ولكني التفت إلى قاعة المستقبلين في الداخل، فإذا أنا أرى رجلاً لابساً ثوباً عربياً، وعلى رأسه كوفية (طاقية)، وله لحية وبجانبه شخص آخر ملتح، وهما ينظران إلى الممر الذي يخرج منه الركاب، فقلت: إن الأثر يدل على المسير، فتركت الحقائب وأسرعت إليهما، وعندي ما يقرب من اليقين أنهما صاحباي، فلما رآني الشاب ذو اللباس العربي، وأنا مثله في اللباس، إلا أن رأسي مكشوف أسرع نحوي، سائلاً: أنت الدكتور عبد الله القادري؟ قلت: نعم، فقال: كيف سبقتنا بهذه السرعة؟ فلم نكن نظن أن أي راكب قد خرج من قاعة العفش، قلت: الحمد لله ربنا يسر وكنت أول خارج.
وأوصلني الأخوان، وهما مغربيان، أحدهما يسمى: عبد الكريم الداودي، وسيأتي التعريف به، أوصلاني إلى فندق في وسط المدينة يسمى: فندق بلس (PALACE HOTEL) وهو قريب من فندق شيراتون.
سطور مستعارة:
من عادتي أن أكتب عن البلد الذي أزوره بعض المعلومات المختصرة، وعن ما يتيسر من وثائق حول موقف البلد من الإسلام، ولم يتسن لي ذلك في بلجيكا لضيق الوقت واستغلاله في اللقاءات الدعوية، وهي أساس الرحلات والزيارات.
وقد فتشت في الشبكة العالمية (الإنترنت) فوجدت في الشبكة الإسلامية سطوراً استعرت منها ما يأتي:
بلجيكا مملكة تقع في الشمال الغربي من أوروبا مساحتها (513ر30) كيلو متراً مربعاً وعدد سكانها أكثر من عشرة ملايين نسمة.
وينتمي معظم الشعب البلجيكي إلى فئة الفلمنكيين الذين يشكلون حوالي 55% من سكان بلجيكا وهم من سلالة الفرانكيين وهي قبائل جرمانية احتلت ما يعرف ببلجيكا في القرن الخامس الميلادي ويتكلمون اللغة الهولندية.
والوالون حوالي 30%، ويرجع نسبهم إلى قبائل السلتية التي عاشت في المنطقة إبان الاجتياح الفرنكى، ويتكلمون اللغة الفرنسية.
ويعيش في بلجيكا حالياً زهاء نصف مليون مسلم حسب تقديرات المشرفين على المركز الإسلامي والثقافي في بلجيكا، معظمهم من المنتمين إلى الجالية الوافدة من البلاد الإسلامية وتحديداً من المملكة المغربية وتركيا وألبانيا بشكل رئيسي، إلى جانب مختلف الجنسيات الأخرى.
ويعد المركز الإسلامي والثقافي في بلجيكا أحد أهم المراكز الإسلامية في غرب أوروبا على الإطلاق وأحد المنارات المتقدمة للدين الإسلامي في أوروبا.
وقد أنشئ المركز عام 1936م في مبنى صغير مستأجر في أحد أحياء بروكسل المتواضعة.
وفي عام 1967م قام الملك البلجيكي الراحل بودوان الأول بإهداء الملك فيصل -يرحمه الله - جزءً من متحف الآثار الدائم لمدينة بروكسل الذي يقع في أحد أجمل مواقع العاصمة البلجيكية وعلى بعد أمتار معدودة من مقر المفوضية الأوروبية والمجلس الأوربي، ليكون بعد ذلك مسجداً ومقراً للمركز الإسلامي الثقافي.
واعترفت الحكومة البلجيكية إثر هذه المبادرة عام 1968م بالدين الإسلامي كدين رسمي في البلاد، مما يعد سابقة في تاريخ تعامل الحكومات والدول الأوروبية مع الحضور الإسلامي في أوروبا.
وصادقت الدولة البلجيكية عام 1975م بإدخال دروس التربية الإسلامية ضمن البرامج المدرسية لأبناء الجالية مما زاد من ثقل ومسؤوليات المركز الإسلامي والثقافي في بروكسل.
وفي عام 1978م افتتح الملك خالد - يرحمه الله - المركز الإسلامي الجديد، الذي بدأت رابطة العالم الإسلامي بالإشراف عليه اعتباراً من عام 1982م.
وشهدت بروكسل في نطاق تطوير نشاطات المركز افتتاح أول معهد إسلامي أوروبي عام 1983م.
وفي عام 1986م تم افتتاح أول مسجد في مطار العاصمة البلجيكية تحت إشراف المركز الإسلامي.
ويوجد في بلجيكا زهاء ثلاثمائة مسجد وبيت للعبادة موزعة في مختلف أنحاء البلاد. انتهى..
http://www.islamweb.net/ver2/Archive/readArt.php?lang=A&id=96469
في مسجد الموحدين:
ثم ذهبنا إلى مسجد الموحدين، وصلى بنا إمام المسجد المغرب، ويدعى محمد بن أحمد البرنوسي من مدينة تازا بالمغرب، وهو شاب وسيم يبدو عليه الوقار والصلاح، ذو لحية كثة.
ولد سنة 1959م ودرس العلوم الشرعية، ويحفظ القرآن الكريم، سألته: هل عنده أولاد؟ فقال: إنه على وشك الزواج من فتاة مغربية في بروكسل، وله في بروكسل سنتان.
أما الأخ عبد الكريم الداودي، فقد ولد سنة 1953م، ودرس كذلك العلوم الشرعية، ويحفظ كتاب الله، وهو في مدينة بروكسل منذ خمس سنوات، وهو شاب نشيط أثره واضح في كثير من العمال والطلاب الموجودين في بروكسل.
والشاب الآخر الذي كان معه في المطار هو محمد بن عبد السلام آشوي، ولد سنة 1960م وهو عامل وقد عزمنا هذه الليلة على طعام العشاء في منزله، فقدم لنا وجبة مغربية مشكلة.
واتفقت مع الأخ عبد الكريم أن نلتقي غداً، لترتيب زيارات المراكز والمساجد وبعض المسلمين من أهل البلد.
الاثنين: 2/12/1407هـ
كان الجو في هذا اليوم مغيماً، والمطر ينهمر بغزارة، ولم تظهر الشمس هذا اليوم في أغلب الوقت.
كانت السحابة وهي شديدة السواد تسير وهي غير بعيدة عن الأرض، فأنظر إلى ما يقابلها من الأرض فإذا هي تعصر ماءً ثجاجاً، وأظن أن الشوارع ستصبح بحيرات من الماء، ولكنها بسبب تصميمها الهندسي المحسوب لمثل هذه الأجواء الممطرة باستمرار لا يبقى فيها شيء، وهكذا كان السحاب. تمر السحابة فتعصر، ثم تتلوها أختها كذلك من وقت صلاة الفجر في الساعة الرابعة صباحاً - ولعله كان كذلك من الليل- إلى الساعة الحادية عشرة والنصف قبل الظهر، حيث خف المطر، وصحا الجو نسبياً، إذ كانت السحب في الغالب تحجب الشمس عن الرؤية.
في هذا الوقت جاء الأخ عبد الكريم الداودي وطلبت منه أن يحجز لي غرفة في فندق شيراتون، لأني لم أكن مرتاحاً في هذا الفندق، والفرق بين الفندقين في الأجرة قليل نسبياً، فانتقلت.
وكان الجو في هذا اليوم بارداً لم أستطع الاكتفاء بملابسي العادية: الثوب وحده أو لبس المعطف العادي فوقه، فاضطررت أن ألبس جبة شتوية ثقيلة وكان هذا أول يوم ألبسها في أوروبا، ولم ألبسها في الدول الأخرى. [حتى في الدول الاسكندنافية التي كنت أظن أن البرد فيها شديد وكان أقل بكثير مما كنت أتصور].
حوار مع الأخ المسلم الطبيب البلجيكي ياسين:
ياسين باينز، وهذا اسمه بالحروف اللاتينية (BEUENS DIDIER) (1).

اتصل به الأخ عبد الكريم، وأخبره أنني أريد أن أقابل بعض المسلمين من أهل بلجيكا، فسر بذلك ووعد بالمجيء إلى الفندق، فجاءني بعد صلاة العصر.
وهو شاب وسيم ملتح يبدو عليه الإخلاص والحب الشديد للإسلام، كما يبدو عليه الاستياء الشديد من تفكك المسلمين، وبعد كثير منهم عن الترابط والأخوة الإسلامية الصادقة.
ولو أحسن توجيهه هو وأمثاله من مسلمي البلدان الأوربية، لكان لهم أثر كبير في نشر الإسلام وتقوية العمل الإسلامي، لأنهم أهل البلد وأدرى بعقليات أبناء بلدانهم وشعوبهم.
أقول هذا قبل أن أكتب ما جرى بيني وبينه من الحوار، لأنني سمعت منه عندما بدأنا التعارف ما يدل على هذه المعاني.
ولد الأخ ياسين سنة 1960م.
ودرس في بروكسل الطب العام سبع سنوات في الكلية، وأمضى بعد ذلك سنتين في الدارسة العملية.
دينه قبل الإسلام النصرانية، ولكنه لم يكن ملتزماً.
سألته: متى سمع عن الإسلام في حياته؟
فقال: إنه سمع عنه في المدرسة وهو صغير، وكان الذي سمعه ذماً للإسلام، من ذلك أنه دين وحشي وأن المسلمين سلبيون، يكررون كلمة إن شاء الله بدون أن يفعلوا شيئاً، ولم يكن هو يهتم بالإسلام في ذلك الوقت.
سبب عدم تمسكه بدينه قبل الإسلام.
قلت له: ما سبب عدم التزامك بالنصرانية قبل الإسلام؟
قال: لأن رجال الكنيسة كانوا يدعون أن عندهم ديناً، وأنهم ملتزمون بدينهم، ولكنه كان يرى أنهم منافقون وهو لا يحب النفاق.
وقال الأخ ياسين: إنه لم يذهب إلى الكنيسة باختياره إلا مرة واحدة من أجل أن يعرف ماذا يجري في الكنيسة، ولم يجد فيها شيئاً يعجبه، ولكنه كان يذهب إجبارياً في النشاط المدرسي.
قلت له: أما كنت تحس أنك في حاجة إلى دين؟
فقال: إنه بقي بدون التمسك بأي دين، ولم يكن يحس بأنه في حاجة إلى دين من 15-20 سنة، ولكنه كان يسأل نفسه: من أين جاء هذا الكون؟ وكان عنده استعداد لمعرفة أي فكر، وكان ذلك من سنة 75-1980م، وسافر مع والديه في الإجازة إلى تونس، ووجد هناك شباباً مسلمين غير ملتزمين، والتقى معلم القرية، فقال له: لماذا لا تدخل الإسلام؟ فتعجب الأخ ياسين وسأل نفسه: لماذا هذا الرجل يدعوني لأدخل في الإسلام ويحاول أن يشرحه لي؟ ولم أكن أفكر في الدين ولكني كنت أتذكر دعوة ذلك الرجل. [فلو وجد غير المسلمين من يلفت نظرهم من المسلمين عندما يزورون بعض البلدان الإسلامية لكان حافزاً على التفكير في معرفة الإسلام...].
وقال الأخ ياسين: إنه بدأ يدرس اللغة العربية عن طريق الكتب، ودَرَسَ سنتين في المركز الإسلامي، وهو في العشرين من عمره، وبعد ذلك حاول أن يترجم معاني القرآن الكريم، وبدأ يفكر في أمور الدين، ولم يجد في الإسلام شيئاً ضد فكره، بل وجد الإسلام يجيب على أسئلته التي كانت تتردد على ذهنه: في الفكر وشؤون العائلة والمجتمع، والاقتصاد، ووجد أن الإسلام نظام شامل لحياة البشر، يشتمل على حاجة القلب والنفس والعقل.
وكان قبل أن يعرف الإسلام يرى أنه إذا كان لا بد من دين، فإن هذا الدين لا بد أن يكون شاملاً لكل تصرفات الإنسان في الحياة، وأنه لا يمكن أن يوجد دين صحيح لساعات قليلة من حياة الإنسان، [كما هو شأن الكنيسة] وإذا كان الله موجوداً فلا بد أن يمنح الإنسان هذا النظام الشامل.
وقال الأخ ياسين: إنه عندما قرأ القرآن الكريم بالترجمة، لم يحس بشيء يجذبه إليه كثيراً، ولكنه عندما قرأه باللغة العربية مباشرة أحس بشيء يهز قلبه هزاً، ويلح عليه في أن يستمر في قراءته ودراسة الإسلام بدون تفكير في عاقبة ذلك. [لا بد هنا من التنبيه على أمور: الأمر الأول: تقصير المسلمين الشديد في عدم دعوة غير المسلم إلى الإسلام سواء في بلدان المسلمين التي يوجد فيها آلاف من غير المسلمين لمدد طويلة دون أن يجدوا من يدعوهم من زملائهم المسلمين إلى الإسلام بأي أسلوب إلا ما شاء الله، وتأمل كيف أخذ يفكر الأخ ياسين ويتعجب من دعوة معلم القرية التونسي له أن يدخل في الإسلام ولعل لذلك أثر في بحثه عن الإسلام. الأمر الثاني: تقصير المسلمين الشديد في تعليم الناس اللغة العربية التي لو فهمها كثير من الناس لكانت وسيلة ناجعة في دخول كثير منهم الإسلام لأنهم سيفهمون معاني كتاب الله فهما مباشراً، وأثر ذلك لا يدانيه أي أثر للترجمات مهما كانت وتأمل ما قاله الأخ ياسين من الفرق بين أثر قراءته المترجمة للقرآن وقراءته المباشرة. الأمر الثالث: تقصير المسلمين الشديد في إيجاد تراجم لمعاني القرآن الكريم باللغات الحية ترجمات سليمة أدبية وجذابة، فأين المسلمون من قول الله تعالي: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني}].
وذات يوم قال لنفسه: لماذا لا أدخل في الإسلام، كيف أفهم شيئاً ولا أطبقه؟
ثم أسلم وبدأ يطبق الإسلام، وحاول أن يطبق الجهاد المعنوي (يعني جهاد النفس) بأن يكون خلقه حسناً ولا يسيء إلى أحد، وكان يعلم والديه بما عرف من الإسلام، وعندما علمت أمه بذلك كانت تقول: إن هذه أفكار شباب ستذهب، وعندما رأته يصلي ضحكت بصفة لطيفة، ولم يتصل بأحد يعلمه ذلك، وإنما كان يطبق بنفسه ما يتعلمه.
وذكر الأخ ياسين أنه وجد شاباً مغربياً قبل إسلامه، وكان هذا الشاب ملتزماً بدينه، يصلي ويقرأ القرآن الكريم، ويتخلق بالأخلاق الحسنة، ودهش الأخ ياسين لما يرى من قوة هذا الشاب في الالتزام بالدين والأخلاق الفاضلة، وسأل نفسه: من أين يجد هذا الشاب هذه القوة والصبر على هذه الأعمال والأخلاق؟ وحاول أن يتعلم اللغة العربية حتى يعرف ذلك السر. [انظر كيف تؤثر القدوة الحسنة في الناس وتجعلهم يتطلعون إلى العمل الصالح الذي يلتزم به المسلم].
واتصل بعد إسلامه بطلبة مسلمين وبموظفين في المركز الإسلامي، ليعرف الإسلام معرفة جيدة، ولكنه لم يجد شخصاً يعلمه الدين ويشرحه له شرحاً واضحاً صريحاً. [مع أن هذا المركز هو أكبر المراكز الإسلامية في بلجيكا].
وقال الأخ ياسين: إنه عرف أنه لا يستطيع أن يتقدم في فهم الإسلام إذا بقي يقرأ وحده، فبحث عن بعض المسلمين ليتعرف عليهم ويفهم أكثر، فذهب إلى مدرسة صغيرة فيها معلم مغربي، واتصل بتونسي فاقترح عليه أن يدرس في مدرسته.
وكان بعد أن يخرج من الجامعة يذهب إلى تلك المدرسة، وفيها حفظ القرآن الكريم، وتعلم اللغة العربية، وكان هذا قبل أربع سنوات، وكان عمره 23 سنة. [ذكر لي الإخوة أن للأخ ياسين أختاً عنيدة وهي متحللة وهو يتأذى منها، ولكنه لم يشْكُ منها عندما سألته، ولكن أسرته كلها بما فيها أخته يحترمون زوجته وهي فتاة صالحة متحجبة].
وسألته عن حاله قبل الإسلام وحاله بعده؟
فقال: إنني أخاف عندما أفكر في حالي قبل الإسلام، وأنا قد أصبحت شخصاً آخر، أرى الآن ما لم أكن أراه من قبل.
وقال: إن بعض أصدقائه قال له: إنما دخلت في الإسلام، لتحاول أن تطمئن ولا تخاف من الناس.
فقال له: أنا دخلت لأتوكل على الله، ولأخاف من يوم الحساب، ولأفوز بالجنة وأنجو من النار.
وسألته عن موقف والديه منه وأسرته؟
فقال: إنه مرتاح ولا يوجد إشكال مع والديه، لأنهم يرون أن خلقه طيب وهو ناجح في عمله، بخلاف أكثر الشباب فإنهم مصابون بالقلق، و قال: إن المسلم يجب أن يواجه امتحان الحياة بالصبر.
وقال: إن دخولي في الإسلام كان مبنياً على الفكر، قبل أن يكون روحياً، وعندما تقدمت في الدارسة أحسست بالحاجة إلى تنظيم حياتي على ما في ذلك الفكر حتى يجتمع لي الفكر والروح والقلب، وليتم الانسجام الكامل بتطبيق ما عرفت من الإسلام، والتطبيق صعب وبخاصة في بلد غير إسلامي.
وسألته عن موقف أصدقائه منه؟
فقال: إن بعضهم لم أرهم من زمن طويل، والذين أقابلهم يحترمونني، وبعضهم بدأ يتعرف على الإسلام ويحترمه، وقبل ذلك كانوا يظنون أنني أسلمت لهدف محدود، ولكن بمرور الوقت ورؤيتهم التزامي بالإسلام باستمرار احترموني، لأن السفر طويل وأنا لا أزال مسافراً ولم أتردد ولم أفكر في الرجوع عن ديني.
وسألته: ما الموضوعات الإسلامية التي يمكن أن تؤثر في الأوربي؟
فقال: الناس مختلفون، فكل واحد، يجذبه شيء لا يجذب الآخر.
فبعضهم يجذبه نظام الأسرة، وبعضهم يجذبه الإيمان، وبعضهم يجذبه النظام السياسي الإسلامي، والتحديد لكل الناس صعب، ولكن المسلم المخلص الذي يلتزم بدينه ويطبقه يمكنه أن يؤثر في الأوربيين. [هذا هو الجواب السليم على هذا السؤال، وهو أن الناس يختلفون فيما يتأثرون به، والإسلام زاخر بكل معنى مؤثر ويمكن للداعية أن يراعي أحوال الناس ويختار لهم ما يراه مناسباً، هذا مع العلم أن الأصل هو بيان أصول الإيمان والإسلام بالأسلوب المؤثر، والقدوة الحسنة ذات أثر فعال في التأثير كما قال الأخ ياسين].
قلت للأخ ياسين: ما صفات الداعية التي ترى أنها يمكن أن تؤثر في الأوربيين إذا توافرت فيه؟
فقال: الخلق الحسن، والذكاء، ليعرف كيف يتصرف، كما كان الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد كان يحبب إلى كل إنسان ما يناسبه من الإسلام، والعلم بالدين، والتواضع، وانتهاز الفرص المتاحة للدعوة.
وسألته عن أثر علماء المسلمين والجماعات الإسلامية في أوروبا؟
فقال: قليل.
قلت: أيهما أكثر تأثيراً في الدعوة إلى الإسلام: الطالب المسلم أم العامل؟
فقال: الطالب قد يكون صغيراً وقليل الخبرة وقد لا يكون متواضعاً، وأما العامل، فعادة يكون ملتزماً أحسن، ولكن التفاهم بينه وبين المسلم الأوربي صعب بسبب اختلاف الثقافات، وكثير من العمال جهال، فإذا جاء طلاب ملتزمون متواضعون عندهم علم بالدين يمكن أن يؤثروا.
قلت: أيهما أحسن: نقل الطالب الأوربي المسلم إلى الجامعات الإسلامية في بلاد المسلمين، أم فتح مدرسة له هنا في أوروبا لتعلم دينه؟
فقال: كلاهما جيد، ولكن ليس من السهل أن نفتح مدارس هنا حرة، لوجود مشاكل بين المسلمين ومراكزهم، وكذلك مشكلات مع الدولة، لأن كل فئة من المسلمين تريد أن تعمل على طريقتها، بدون نظر إلى الآخرين والتعاون معهم بأخوة صادقة.
قلت: لماذا لا يستمر المسلم الأوربي في دراسته للإسلام في البلدان الإسلامية؟
فقال: مشكلة اللغة. [بل هناك مشكلات أخرى سبق ذكر شئ منها وسيأتي ذلك في مكان آخر].
وسألته: لماذا يميل كثير من المسلمين الأوربيين إلى التصوف؟
فقال: لكرههم للحياة المادية التي يرونها في بلادهم، وكذلك ما يراه في بعض بلدان المسلمين مما يشبه الحياة المادية في أوروبا.
وقال الأخ ياسين: إن الأوربي عندما يسلم يشعر بالوحدة، لعدم الزوجة المسلمة ونفور الأصدقاء منه، ولا يستطيع أن يتحمل المشقة، وقد لا يجد المساعدة من الآخرين، فهو يترك أهله وأصدقاءه، فيصبح في حاجة إلى من يعاونه ويساعده.
ويخاف المسلم الأوربي من أن يستغله بعض المسلمين غير الأوربيين للتجارة ونحوها، وإذا احتاج هو إلى المساعدة لا يجد من ذلك المسلم مساعدة. [قال لي بعض الإخوة: أنه يشير إلى حالات معينة حاول بعض المسلمين غير الأوربيين فيها استغلال المسلم الأوربي].
وتذاكرنا معنى الحرية في كلام طويل، وقال الأخ ياسين: إن الأوربي يحب أن يعيش كما يريد، بدون أن يوجهه أحد، فالحرية عنده أن يتصرف كما يشاء، بخلاف المسلم فإن الحرية عنده مقيدة بالمسؤولية أمام الله، وعندما يخرج عن حدود الإسلام فليس ذلك في صالحه.
وسألته عن الإمكانات المتاحة للدعوة في بلجيكا؟
فقال: أهم مشكلة تعترض الدعوة عدم الأخوة الصحيحة بين المسلمين، وليست المشكلة بين المسلمين والدولة، والدول الأوربية تحترم الخلاف ما لم يؤد إلى هجوم وعنف.
وضرب لذلك مثلاً بالمظاهرة التي قام بها بعض المسلمين في بلجيكا، عندما هاجمت أمريكا ليبيا، وكانت المظاهرة عنيفة، فاغتنمت ذلك أجهزة الإعلام ونسبت كل السلبيات إلى الإسلام، بدلاً من نسبتها إلى المسلمين، وهذا ما يفعله المستشرقون من الخلط بين الإسلام وتصرفات المسلمين السيئة.
وقال: إن أهم شيء أن يتفق المسلمون على الحق، ويتآخوا فيما بينهم.
وقال: إن عدد المسلمين البلجيكيين ثلاثة آلاف، ولا توجد بينهم رابطة ولا تعارف كما ينبغي.
والمسلمون الموجودون في بلجيكا، لا يقومون بالدعوة إلى الإسلام كما ينبغي، ولكن الذين سيبقون في هذا البلد منهم سيفكرون في تربية أطفالهم، ونحن في حاجة إلى التلاقي مع الذين يعرفون الإسلام، حتى نتعاون على التفقه في الدين والعمل المستمر والأخوة، وهذه الأمور تحتاج إلى وقت طويل.
والمؤسف أن المسلمين يعملون فرادى.
ومن الكتب التي قرأها الأخ ياسين:كتاب شخصية المسلم للدكتور الهاشمي. والطريق إلى الإيمان للشيخ عبد المجيد الزنداني.
وقرأ بعض الكتب للأستاذين المودودي والبنا.
وقال الأخ ياسين: إنه تزوج فتاة سورية يتيمة، وهو مرتاح معها وينتظر أن تنجب له أول طفل بعد شهر من الآن.
وقال: إن عدد سكان بلجيكا عشرة ملايين. وعدد سكان بروكسل مليون. وعدد المسلمين في بلجيكا خمسمائة ألف مسلم. عددهم في بروكسل مائة ألف مسلم.
وأهم الصناعات في بلجيكا الحديد والصلب.
وعدد ولايات بلجيكا عشر. سكان الشمال لغتهم الفلمنكية.
وسكان الجنوب لغتهم الفرنسية.
الثلاثاء: 3/12/1407هـ
كنت في هذا اليوم مفلساً، لأنه لم ترتب لي شيء من الزيارات التي أرغب فيها، الأخ عبد الكريم الداودي ليس عنده سيارة، ومنزله فيه إصلاحات، والإخوة الآخرون مشغولون.
لذلك تذكرت الأخ السوري معتز الذي ما كان يدعني استقر في مدينة فينا، وكان نشيطاً منظماً في ترتيب المواعيد وتنفيذها.
وجاء الأخ عبد الكريم إلى في الفندق في الساعة الثانية إلا ربعاً، وخرجنا لمكتب الخطوط السعودية ثم رجعنا إلى منزله.
وشوارع بروكسل ليست نظيفة، توجد بها فضلات السجائر، وفضلات الكلاب، والأوراق، والمناديل، وقد توجد في بعض الشوارع زبالات على الأرصفة.
في برج بروكسل:
ثم ذهبنا إلى برج بروكسل المسمى: أوماتومي
(AUTOMIUM) وهو على هيئة (الذَّرَّة) (2) يشتمل على تسع قباب (كرات) كبيرة، بداخلها معلومات عن العلوم والشخصيات المهمة في بلجيكا مع الصور، وكذلك صور الأشخاص الذين نالوا جائزة نوبل، يصعد الناس إلى أعلى البرج بمصعد سريع، ويصعدون إلى الباقي بسلالم متحركة، وبها مطاعم وأسواق لبيع بعض التحف والصور، ثم رجعنا إلى الفندق.

أهم ما يتوقف عليه نجاح الدعوة:
وبعد صلاة المغرب زارني بعض الإخوة من المسلمين العرب وسألوا بعض الأسئلة المتعلقة بالدعوة وأساليبها، وعوامل نجاحها، وجرت بيننا مناقشة استمرت ما يقارب ساعة.
ويرى بعض الإخوة أن الذي ينقص العمل الإسلامي هو التحديث، يعني عدم وجود أساليب حديثة تكون مناسبة لمستوى العصر، فوافقتهم على أن ذلك مهم جداً، ولكن قلت لهم: إن الأساس في نجاح العمل الإسلامي، هو وجود الدعاة الذين يتصفون بالإخلاص لله والتجرد، والفقه في الدين، والحكمة، والصبر، واللين، والدأب على العمل والاستمرار فيه، وإعداد الشباب على ضوء ذلك.
في المركز الإسلامي في مدينة بروكسل:
الأربعاء: 4/12/1407هـ
كان مدير المركز، وهو موظف فيه من قبل رابطة العالم الإسلامي غائباً في المملكة العربية السعودية، اسمه عبد الله الأهدل.
وعندما زرنا المركز وجدنا به الأخ على رضا(3)، فأجريت المقابلة معه على حد قول ابن مالك في الألفية: (وقد ينوب عنه ما عليه دل).

ولد الأخ علي رضا سنة 1946م، وهو تركي، وله في بلجيكا خمس سنوات.
كانت دراسته في مدينة اسطنبول بتركيا، وهو يعمل في المركز داعية من قبل رابطة العالم الإسلامي، وهو مسؤول عن قسم الدعوة والدعاة.
سألته عن عدد الدعاة؟
فقال: يوجد أربعة دعاة من الرابطة، وأربعة من قبل الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.
أحد الدعاة التابعين للرابطة تركي، واثنان من يوغسلافيا، وواحد هندي، وهو إمام المركز وهو متخرج من الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة.
والأخ علي موظف إداري، ويلقي خطبة في المركز ويقوم بزيارة مساجد الأتراك في أيام الجمع وفي رمضان، ومناسبات أخرى.
واليوغسلافيان إمامان لمسجدين لليوغسلاف في مدينة بروكسل.
وسألته عن نشاط المركز؟
فقال: للمركز موسم ثقافي، تلقى فيه محاضرات للمدرسين ويحضر أربعمائة وخمسون مدرساً، وهم مدرسون في المدارس البلجيكية للثقافة الإسلامية واللغة العربية لأبناء المسلمين رسمياً.
وعدد الطلبة المسلمين في المدارس البلجيكية أربعون ألف طالب وطالبة.
وعدد المدرسين المسلمين لهؤلاء الطلاب أربعمائة مدرس، ويمكن أن يكون عددهم الآن قد زاد بأربعين مدرساً.
وعدد المساجد في بلجيكا مائتا مسجد، منها ستون مسجداً للأتراك، فيها ثلاثون إماماً رسمياً، وعندهم شهادات ليسانس في الشريعة، ومائة وأربعون مسجداً للعرب وأغلبهم مغاربة.
وعدد المسلمين يقال ثلاثمائة ألف، والظاهر أنهم مائتان وخمسون، عدد الأتراك خمسة وسبعون ألفاً.
وعدد المغاربة: مائة وثلاثون ألفاً.
وصلة المركز بأولاد المسلمين والأئمة طيبة، والأئمة يحضرون لأخذ دورات يقيمها لهم المركز، والمركز هو السلطة الرسمية التي تعترف بها الحكومة للمسلمين.
ويوجد مشروع للمركز، وهو إقامة المعهد الإسلامي لتكوين المدرسين وقد تأخر إنشاؤه لعدم وجود الإمكانات المادية.
الشروط التي يجب توافرها في المدرسين:
كانت بعثات المدرسين تأتي من قبل الحكومات في الشعوب الإسلامية، ولكن الحكومة البلجيكية رفضت ذلك، واشترطت أن يكون المدرس قد أقام في بلجيكا خمس سنوات على الأقل.
والآن يشترط المركز أن تكون عند المدرس شهادة بكالوريوس على الأقل، وأن ينجح في الامتحان، وأن تكون عنده شهادة بحسن السيرة والسلوك من إمام المسجد، وشهادة من سفارة حكومته، وعنده معلومات إسلامية، ويكون امتحانه في المواد الإسلامية واللغة الأجنبية.
وأكثر هؤلاء المدرسين لا يصلحون للتدريس، لأنهم لم يتخرجوا من كليات إسلامية، وأكثرهم شهاداتهم ليست دينية، بل إما مهنية، وإما ثانوية علمية، وإنما يقومون بالتدريس لعدم وجود غيرهم، وهو أخف الضررين، والرابطة على علم بذلك، وقد حاولت مع الحكومة البلجيكية أن تقبل أساتذة من الخارج ولكن الحكومة البلجيكية رفضت.
وتريد الحكومة أن تكون لغة التعليم الإسلامي هي الفرنسية أو النيرلندية (فلمنكية) وقال الأخ علي: إن الحل الجذري هو فتح المعهد الإسلامي لتكوين المدرسين، وقد وافق الأزهر على معادلة شهادته، وكذلك الجامعة، ولكن المعهد متوقف منذ سنتين.
واقترحتُ أن يبعث المدرسون على دفعات للدارسة في الجامعة الإسلامية، ثم يعودوا للتدريس فقال: إن هذا فيه صعوبة، لأن الحكومة البلجيكية إذا غاب ستة شهور تلغي إقامته.
صلة المركز بالمسلمين من أهل البلد:
قال: إن أكثر من مائة شخص مسلم بلجيكي يتعلمون اللغة العربية ويلقي أحد الأساتذة كل يوم سبت درساً للمسلمين البلجيكيين، وتوزع عليهم الكتب، ولكن الأمر ليس كما يرام، لأنه لا توجد متابعة لهم في خارج المركز والذي يعاني منهم صعوبة من أسرته، بسبب إسلامه لا يجد العون والمساعدة فالمركز لا يتابعهم، وإنما يتعاون مع من يحضر منهم في حدود.
ويحضر إلى المركز بعض البلجيكيين غير المسلمين، ويسألون عن الإسلام، وبعضهم يأتي إلى المركز ليشهر إسلامه، ويقال: إن عدد المسلمين البلجيكيين ثلاثة آلاف، ولا يوجد ترتيب معين لدعوة غير المسلمين في بلجيكا ما عدا النشرات.
ودعوة غير المسلمين تحتاج إلى دعاة مثقفين يتكلمون لغة أهل البلد.
والحكومة البلجيكية في ظاهر الأمر لا تمانع من السعي في تحسين التعليم الإسلامي (لاعترافها رسمياً بالإسلام) ولكن أكبر مشكلة تعترض تقوية العمل الإسلامي، هي أن المسلمين أنفسهم ليسوا على مستوى المسؤولية، فإن الخلافات الشديدة بينهم، ومستوى الثقافة عند أكثرهم هما عقبتان تقفان في سبيل تقوية العمل الإسلامي.
والجيل الجديد سينسى ثقافته الإسلامية وكذلك الأسر، ومشكلات الأتراك أقل من غيرهم، لأنه يوجد عندهم ثلاثون إماماً كلهم متعلمون الشريعة، وهم منظمون والمشكلة الكبيرة هي عند العرب الذين قلما يوجد منهم مثقف صالح.
ولا يوجد في المركز أحد من الدعاة يجيد لغة البلاد حتى يختلط بغير المسلمين هنا أو بالمسلمين البلجيكيين.
وأبدى الأخ علي أسفه لوجود تعاون وعمل ملموس بالنسبة لغير المسلمين، كالهلال الأحمر وغيره، و قال: أما نحن المسلمين فالدعاية الإعلامية المبالغ فيها هي الأساس مع ضعف العمل أو عدمه أحياناً، والكثير من المسؤولين عن الدعوة الإسلامية لا يفقهون هذا العصر ولا يجيدون تنظيم عملهم.
ولو وجدت العقلية المسلمة السليمة التي تتوافر فيها شروط الداعية، فإنها ستؤثر في المسلمين وغير المسلمين.
وغير المسلمين في هذه البلدان متفتحون للنقاش والإصغاء للحجج.
قلت له: ما شروط الداعية التي تريد توافرها فيه؟
فقال: إتقان اللغة التي يخاطب بها أهل البلد، ومعرفة عقلية الغربيين، وثقافة واسعة، وقوة في المنطق - يعني الإقناع بالحجة والبرهان - ويكون عنده إلمام بمقارنة الأديان، والعلوم الإنسانية.
وأهم من ذلك كله القدوة الحسنة.
وقال الأخ علي: إن الواقع في المراكز الإسلامية شيء، وما يقال عنها شيء آخر، وقال: إنه يفضل هو شخصياً أن يعود إلى بلاده، لأن مجال العمل له فيها أحسن.
وقال: إن كثيراً من المسلمين الذين يتصدرون للدعوة، لا يحترمون المبادئ والأنظمة.
مرافق المركز:
وسألت الأخ علياً عن المرافق التي يحتوي عليها المركز فقال:
1- المسجد ويتسع لألفين وخمسمائة مصل.
2- مسجد الصلوات الخمس، ويتسع لأربعين شخصاً.
3- المكتبة، وهي قسمان: قسم للكتب وفيه مراجع كثيرة، وقسم للمطالعة.
وعدد الكتب الموجودة ألفا كتاب، وتوجد مجلات مختلفة، وكان يرتادها عدد أكثر عندما كان المعهد الإسلامي مفتوحاً، وأما الآن فالعدد قليل.
4- مختبر اللغات وفيه 35 مقعداً لتعليم البلجيكيين اللغة العربية، وقد استفاد منه كثير من أهل البلد، مسلمون وغير مسلمين، ويؤخذ منهم أجر رمزي عند التسجيل.
5- قاعة محاضرات مجزأة، يمكن فتحها كلها ويمكن فتح بعضها، حسب الحاجة، وهي تتسع لأربعمائة شخص في الأعلى، ومثلهم في الأسفل، ويمكن أن تستغل لو رتب أمرها.
6- المدرسة الإسلامية وفيها 600 طالب وطالبة على مستوى الابتدائي ليومي الأربعاء والسبت، يعلم فيها الطلاب اللغة والمبادئ الإسلامية، وطلابها كلهم مسلمون، وعدد مدرسيها خمسة عشر، وهم من مدرسي المدارس البلجيكية.
وللمدرسة منهج معين، ويديرها عبد القادر تمسماني وهو مغربي.
7- وتوجد مطبعة، وفيها آلات حديثة تطبع بها بعض الكتب المدرسية الإسلامية للطلبة المسلمين الذين يدرسون في مدارس الحكومة، وتطبع بعض النشرات ومجلة النور، وتوزع لمن يحضر المركز ويطبع التقويم ويبعث به إلى المساجد.
8- يوجد نادٍ للشباب، ولا يستعمل فيما أنشئ من أجله إلا نادراً، وإنما يؤتي بالطلاب لزيارة المركز، ويفتح النادي لتلاميذ المدرسة الإسلامية.
9- وتوجد إذاعة في المركز تبث إلى مدينة بروكسل، على رقم (FM 108). وهي موجودة من أول ما بدأ المركز سنة 77-1987م ولكنها لا تستعمل إلا في شهر رمضان.
ويوجد خلاف إداري بين الحكومة البلجيكية والإذاعات الخاصة، فقد طلبت الحكومة من المسلمين أن يتفقوا على تنظيم الأوقات للبث، لأن المغاربة عندهم عدة إذاعات، ولم يتفق المركز والمغاربة على تنظيم أوقات البث، وهذا من أهم أسباب توقف إذاعة المركز.
وعند المغاربة ما يقارب أربع إذاعات، ولو أن المسلمين يستغلون المحطات الإذاعية التي سمح لهم بها لنشروا دينهم بصراحة، ولا تقف الحكومة البلجيكية ضدهم حسب القانون. [أدرت مساء هذا اليوم في الساعة السادسة مساء مؤشر الراديو على أرقام كثيرة من محطة (FM) فوجدت بها أغاني عربية مستمرة، ولم أسمع أي إذاعة منها تبث قراءة القرآن وموضوعات ثقافية إسلامية وهذا من المآسي التي نزلت بالمسلمين، حيث يضع الله في أيديهم الإمكانات النافعة لدينهم لو استغلوها له حتى في بلاد غير المسلمين فيستعملونها في معصية الله بدلاً من طاعته، والمؤسف أكثر أن يكون الفاسق أقدر على استعمال الإمكانات لفسقه من الذين نصبوا أنفسهم للدعوة وعندهم نفس الإمكانات فلا يستعملونها في طاعة الله بل تجمد إلا في حدود ضيقة موسمية سنوية. فلتقر بذلك أعين أعداء الإسلام الذين قد يضطرهم القانون إلى منح الإمكانات التي لا يجدها المسلمون في بلادهم فيستعملونها في الصد عن دين الله ليكفوا بذلك الكفار الذين يرتاحون لذلك أشد الارتياح!].
وقال الأخ علي: إن المشكلات الموجودة في العالم الإسلامي تنتقل مع الجاليات لهذه البلدان.
وتمنى أن يكون المسؤولون عن العمل الإسلامي يفقهون العصر والبيئة التي يعملون فيها، وأن يوجد الدعاة الذين تتوافر فيهم الشروط المطلوبة، وأن تكون الصلة قوية بين المسلمين من أبناء الجالية و المسلمين الجدد.
وقال الأخ علي: إن الجماعات التركية الموجودة في بلجيكا، أغلبهم لا ينتمون إلى أي حزب ولا يهتمون بالشؤون السياسية والمذهبية.
وتوجد جماعة ملي قرش، وهم من جماعة نجم الدين أربكان.
كما توجد جماعة قومية.
وتوجد بينهم خلافات في أوقات الأعياد وصيام رمضان، مما يجعل الغربيين يحتقرون ذلك.
وسألته عن الموضوعات الإسلامية التي يرى أنها تؤثر في الأوربي؟
فقال: الأوربيون يعتمدون على العقل الجاف، وليس عندهم عاطفة، ولذلك ينبغي الاهتمام بالروحانيات لتلطيف قلوبهم الجافة.
ويوجد برنامج تلفزيوني بعنوان: عالم المستقبل تعرض فيه المشكلات العالمية ويطلبون علاجها، فالنصارى يقدمون ذلك من وجهة نظرهم، ويجب أن يقدم المسلمون حلولاً لتلك المشكلات من جهة توجيهات الإسلام.
وينبغي أن تقدم بحوث قوية حول شؤون الطلاق في الإسلام، وتعدد الزوجات، والجهاد، وشرب الخمر، وأكل لحم الخنزير، وختان المرأة، لأن الأوربيين ينفرون من الإسلام سبب موقف الإسلام من هذه الأمور.
والثورة الإيرانية شوهت الإسلام بتصرفاتها، وأصبح الأوربي يكره الإسلام بسببها.
والوسائل التي يمكن نشر الإسلام بها في بلجيكا - وكثير من دول أوروبا - كثيرة، منها نشر الكتب، وتقديم برامج إذاعية وتلفزيونية، وإنشاء نواد رياضية وثقافية واجتماعية وصحف ومجلات، وهذا ما يفعله النصارى، فقد جاء شاب مغربي وهو يبكي ويقول: إنه جاء إلى مستشفي للعلاج وهو فقير، واتصل به رجال الكنيسة وأهدوا له هدايا، ووعدوه أن يساعدوه ويمنحوه معونة، على أساس أن يدخل في النصرانية، ويذهب داعية لهم، وفعل ذلك وأخذوا له صورة في الفيديو، وندم بعد ذلك وجاء تائباً، وأمثاله كثير.
النشاط الإسلامي في مسجد الموحدين:
وقال الأخ محمد بن أحمد البرنوس، وهو إمام مسجد الموحدين: إن هذا المسجد أنشئ في سنة 1981م وكان قبل ذلك في شقة قريبة من مقره الحالي.
ويدرس فيه أبناء المسلمين في يوم السبت ويوم الأحد ويوم الأربعاء، يزيد عددهم على ثلاثمائة طالب وطالبة، يدرسون القرآن الكريم والكتابة العربية ومبادئ الإسلام، وقليلاً من النحو والتجويد والحديث، وكلهم من المملكة المغربية ما عدا قليلاً من الجزائريين والتونسيين.
والمدرسون بعضهم يتبعون المركز الإسلامي، وهما اثنان، وخمسة يأخذون رواتب من الجالية، والأعضاء المسجلون في المسجد يقاربون مائتي عضو.
ويزور المسجد بعض البلجيكيين من غير المسلمين لرؤيته. [لأن المساجد عند الغربيين تسجل في قائمة المتاحف ولو وجدوا فيها من يوصل إليهم حقائق الإسلام بلغتهم ورأوا فيها تطبيقاً عملياً للإسلام لكان لها شأن آخر غير شأن المتاحف!].
وشكا بعض الإخوة من تصرفات بعض المسلمين مع غير المسلمين، عندما يدخلون المساجد حيث يطردونهم منها ويقولون: إنه لا يجوز للكفار دخول المساجد.
وسبب هذا الجهل، فإن دخول غير المسلم المسجد للحاجة جائز، والحاجة هنا اطلاع غير المسلم على مكان عبادة المسلمين، ورؤية صلاتهم، والمفروض أن نغتنم الفرصة لشرح مبادئ الإسلام لهم، وقد دخل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض الكفار من النصارى والمشركين للحاجة.
وقال الأخ محمد: إنه قد يحضر للصلاة في المسجد بعض المسلمين من البلجيكيين في فترات متقطعة.
ويقوم المسجد بتوعية إسلامية، مع تعليم الأبناء، ولكنها محدودة، إضافة إلى إقامة الصلوات وجمع التبرعات لمساعدة بعض الفقراء وذوي المشكلات، وكذلك للمجاهدين الأفغان.
أما التوجه بالدعوة إلى غير المسلمين فليس موجوداً، لقلة الإمكانات وضعف عقليات المشرفين على المسجد.
ولو توافرت الإمكانات وتفرغ الإمام للدعوة، فإن دعوة غير المسلمين ممكنة، ولا بد أن يكون الداعية لهم مجيداً للغتهم.
أوقات الصلاة.
كانت أوقات الصلاة في بروكسل هذه الأيام كما يأتي:
1-الفجر: الرابعة والنصف.
2-الظهر: الثانية.
3-العصر: السادسة والنصف.
4-المغرب: العاشرة إلا ربعا.
5-العشاء: الحادية عشرة والنصف.
حوار مع الأخت المسلمة البلجيكية مرتين هيكورن:
زرنا الأخ المغربي: فؤاد بن ميلودي بن أحمد البادي، في منزله، وأجرينا حواراً مع زوجته: مَرْتِيْنْ (MARTINE HUCORNE).
والأخ فؤاد ولد سنة 1953م في الدار البيضاء بالمغرب، وجاء إلى بلجيكا سنة 1975م ويعمل في شركة.
عنده ابن يسمى يوسف عمره سبعة شهور، وقد تزوج بالأخت "مرتين" المذكورة سنة 1979م، وكان الأخ فؤاد هو المترجم وساعده الأخ عبد الكريم الداودي.
وُلِدَتْ سنة 1959م، وعندها ليسانس في الترجمة باللغة الإنجليزية والفرنسية والإسبانية.
أول ما سمعت عن الإسلام كان عمرها عشر سنوات تقريباً، والذي سمعته هو السخرية من الإسلام، وكانوا إذا سمعوا الأذان في الفلم يضحكون استهزاء.
دينها قبل الإسلام هو الكاثوليكية، ولم تكن ملتزمة به، والسبب في عدم التزامها أن أسرتها لم تكن متدينة، وهي تفعل كما يفعلون.
وقالت: إنها كانت تؤمن بالله في الجملة أي أنها تؤمن بشيء، ولكنها لا تدري ما هو هذا الشيء؟
ولم تكن تستسيغ بعض الموضوعات التي تسمعها عن الدين المسيحي، إضافة إلى أن جل أخلاق الكاثوليك لا تتفق مع الدين.
ولم تكن أعمال المعلمين الرهبان والقساوسة مطابقة لتعاليمهم، ولذلك لم تكن ترغب في أعمالهم في الكنيسة.
وكانت تذهب مع زملائها الطلبة وهم صغار في النشاط المدرسي إلى الكنيسة، ويطلبون منهم أن يعترفوا بما عملوا من شر، لأجل أن يغفر لهم.
وسألتها: أما كنت تشعرين بحاجة إلى دين؟
فقالت: إنها بعد أن كبرت كانت تشعر أنها في حاجة إلى عقيدة ودين واضح، وكان ذلك في سن 13 سنة، وكانت تسأل نفسها: لماذا جئنا إلى هذه الحياة؟ وكانت ترى بعض أهل الأديان الأخرى كالبوذية.
وكانت تسمع كثيراً عن الإسلام من أجهزة الإعلام، وكانت تذهب مع زوجها إلى المغرب ولم تر الناس الذين يطبقون الإسلام، لأن زوجها لم يكن يطبق الإسلام ولا يختلط بالذين يطبقونه.
وقالت: إن امرأة بلجيكية ذهبت إلى الهند في حدود 81-1982م وأسلمت في الهند، والتقت المسلمين الصوفيين هناك، وهي صديقة لها، وحدثتها بعد رجوعها عن الإسلام، وسافرت إلى بريطانيا وتركت ترجمة معاني القرآن في منزل الأخت مرتين، وهي باللغة الفرنسية وقرأت مرتين هذه الترجمة، وأخذت تبحث عن الإسلام، وذهبت تدرس اللغة العربية في المركز الإسلامي سنة 1984م، وكانت قد دخلت في الإسلام قبل ذلك في المغرب، ولكنها لم تكن هي وزوجها يطبقان الإسلام.
وبعد أن قرأت عن الإسلام وفهمت بدأت تسأل زوجها بعض الأسئلة. وحصل بينهما نقاش، فكان لذلك أثر في نفس زوجها، جعله يعود إلى دينه، واتفق معها على تطبيق الإسلام.
ومن الأمور التي أثرت فيها إن أختاً بلجيكية كانت تتفقد قطط مرتين في منزلها، عندما تسافر هذه وزوجها إلى المغرب، وتركت تلك الأخت في منزل مرتين سجادتين ومصحفاً وعندما جاءت مرتين وزجها وجدا ذلك، فأثر فيهما جميعاً.
وسألتها ما الذي أثر فيك من موضوعات الإسلام حتى دخلت فيه؟
فقالت: إنها كانت عندها، وهي صغيرة، أسئلة ولم تجد لتلك الأسئلة أي جواب إلا في القرآن بعد أن درسته، ومن ذلك أن الإنسان في الإسلام يعبد ربه في كل وقت، أما الكاثوليكية ففي بعض الأوقات، وفي الإسلام يوجد تطبيق للدين في حياة الإنسان، أما في الكاثوليكية فلا يوجد ذلك.
وفي الإسلام يشعر المسلم أنه عندما يعبد الله يتقرب إليه مباشرة، أما الكاثوليكية فلا يمكن ذلك إلا بالواسطة.
وكانت تفكر في سبب تعدد الديانات قبل أن تسلم، وكانت تظن أن كل أهل دين لهم رب مستقل، ولما قرأت القرآن عرفت أنه لا يوجد إلا إله واحد فقط يستحق العبادة. [كل أهل دين يعتقدون أن لهم معبوداً هو الذي يستحق العبادة دون سواه، ولا يتضح للإنسان أنه لا يوجد إلا إله واحد فقط يستحق العبادة إلا بالوحي، هنا تأتي مشكلة وهي: من الذي عنده هذا المبدأ الثابت المؤيد بالوحي غير المسلمين؟ وإذا قصر المسلمون في بيان ذلك للعالم فمن الذي يبينه لهم؟ ألا ترى أن أغلب الذين يدخلون في الإسلام يهيئ الله لهم أسباباً لم تكن في حسبانهم ولم تأت من طريق دعاة المسلمين؟].
وقالت: إن العلم يتناقض مع الإنجيل بخلاف القرآن.
وسألتها عن الفرق بين حياتها قبل الإسلام وحياتها بعده؟
فقالت: الحياة بعد الإسلام فيها سعادة وراحة نفسية، وقد حصل تغيير في نفسها وظهر في سلوكها، وأصبحت نفسها لا تتعلق بالدنيا وملذاتها، وإنما أصبح هدفها الحياة في محيط الإسلام، وأصبحت المشكلات التي كانت موجودة عندها قبل الإسلام غير موجودة الآن.
قالت: وكنا قبل الإسلام نختلط بالناس الذين أخلاقهم سيئة من البلجيكيين والمغاربة، وبعد الإسلام انعزلنا عن أولئك وابتعدوا هم عنا، لأنا اختلفنا في السلوك والتصور.
وسألتها عن أسرتها كيف كان موقفها من إسلامها؟
فقالت: لم تقبل أسرتي إسلامي وبخاصة أمي، ولكن الآن أصبحوا طيبين معي، وأشعر أنهم أصبحوا يثقون في ويحبون تصرفاتي.
وقالت: إن أباها مسرور بما عندها من إيمان، وحاولت أن تشرح لأسرتها الإسلام، وأبوها يحب الإسلام، ولكن لم يدخل في عقله موضوع القدر، وقد يدخل في الإسلام إذا فهم ذلك، وهو يقرأ ترجمة معاني القرآن الكريم بالفرنسية.
وقد فارق أبوها أمها بالطلاق، وزوجة أبيها قالت لها: كان عندنا عن الإسلام معلومات سيئة جداً حتى أسلمتِ وفهمنا أن الإسلام طيب.
ومات أخوها بحادث اصطدام، وصدمت أمه ولم تطق الصبر، وبدأت تسأل لماذا يموت ابنها؟ وفسرت لها مرتين معنى الأجل فقبلت ذلك وهدأت، مع أنها لم تسلم.
وسألتُها عن نسبة الفراق بين الرجل والمرأة؟
فقالت: كثير جداً، والأكثر لا يتم بينهم زواج، وإنما يتفقون على أن يعيشوا كحياة الزوجين ثم يفترقون، وكانت ترى ذلك قبل الإسلام.
والسبب في ذلك الاستجابة للشهوة الحيوانية، لأنهم لم يعرفوا الطريق الحق وثماره ليلتزموا به، بخلاف الزواج في الإسلام فإنه ليس للدنيا فقط.
ومثلت بفشل زواج أبويها.
وسألتها عن السبب في كثر تربية الغربيين للكلاب؟ [أكثر من الأولاد].
فقالت إن المسؤولية عن الأولاد ثقيلة، بخلاف الكلاب فإن المسؤولية عنها أخف.
ويخاف الرجل والمرأة أن يحصل بينهما فراق فيصبح أولادهما في ضياع، والطاعنون في السن لا يزورهم أولادهم وأقاربهم فيربون الكلاب ليتصبروا بها ويستأنسوا، وهي موضة عصرية، وبعض الناس يأخذون الكلاب من باب العطف والشفقة. [راجع ما نشرته جريدة الشرق الأوسط في عددها الصادر بتاريخ:8/5/1410هـ – 6/12/1989م الحيوانات الأليفة تقوم مقام الأبناء في الغرب].
وسألتها عن الإجهاض؟
فقالت: إنه كثير جداً.
قلت: ما أهم المشكلات الاجتماعية في الغرب؟
قالت: المشكلات كثيرة، ومنها الطلاق الذي لا يمكن للزوج والزوجة الحصول عليه عند الحاجة إليه، إلا إذا افترقا وابتعد بعضهما عن بعض خمس سنوات، والإسلام يحل ذلك عند الحاجة بدون تعقيد. [تأمل كيف يكون ما ينكره أعداء الإسلام من أحكام الإسلام هو الحل الصحيح لمشكلات أولئك المنكرين لو فهموه كما فهمته هذه المسلمة وغيرها من المسلمين الغربيين].
ومن المشكلات فقد المحبة بين الناس.
ويوجد النفاق بين الناس باسم الديمقراطية والعدالة، وكلها شعارات وظواهر.
ويوجد ضمان اجتماعي، ولكنه مادي بدون رحمة وحنان، والخلاصة هي الأثرة المسيطرة على المجتمع.
والتربية الإسلامية هي تربية اجتماعية خلقية، بخلاف التربية في الغرب فإنها سيئة تربي الشخص على الفردية والتمرد.
وكل مشكلة يمكن أن تحل عن طريق الإسلام لمن أراد ذلك.
قلت: كيف حال الأسر في اجتماعهم في منازلهم؟
قالت: لا تلتقي الأسر إلا في الليل، يجتمعون على الطعام بسرعة ويشاهدون التلفزيون.
والكاثوليك المتشددون قد يجتمعون أكثر من غيرهم للمذاكرة، ولا توجد محبة مستمرة بين الآباء والأولاد.
قلت لها: ما معنى الحرية عند الغربيين وكيف تفهمينها أنت بصفتك مسلمة؟
قالت: الحرية عند الغربي أن يتصرف كما يشاء في السياسة والاقتصاد، ويذهب أينما يريد، ويتناول ما يريد، ويرفض ما يريد، ويتحدى كل شيء لا يرغب فيه، ولذلك ترى الشباب يتناول المسكرات والمخدرات، والمرأة تلبس ما تشاء مما لا يستر عورتها.
وهذه الحرية التي يظن أهل الغرب أنها حرية، هي في الحقيقة ذل والحرية الصحيحة هي حرية المسلم الذي لا يعبد إلا الله.
وسألتها عن صفات الداعية المؤثر في الغرب؟
فقالت: أن يكون متسامحاً.
وأن يكون فاهماً لعقلية الناس ومجتمعهم، واسع الذهن والفكر.
وأن يكون قدوة حسنة، أخلاقه حسنة مع الناس.
وأن يكون كلامه مع الذين لا يؤمنون بالله في إثبات الإيمان بالحجة والبرهان، ثم إذا ثبت الإيمان يتكلم بعد ذلك في أمور الإسلام الأخرى، ولا يتكلم عن تلك الأمور مع من لم يعترف بالإيمان.
وأن يكون عنده علم بالشبهات المثارة ضد الإسلام والرد عليها، (وضربت مثلاً فقالت): فرق بعيد بين الدعوة لإفريقي – مثلاً - والدعوة لأوروبي، وقالت: إن مسائل القضاء والقدر مهمة جداً عند الأوربي.
وسألتها عن الوسائل النافعة للدعوة في أوروبا؟
فقالت: من أهم الوسائل لنشر الدعوة الراديو والتلفزيون، ولكن ذلك صعب لعدم وجود من يقوم بذلك قياماً جيداً، ثم الكتب، والمشكلة أن الناس يسألون عن الإسلام فلا يجدون من يجيب عن أسئلتهم، ولا توجد كتب كافية باللغة الفرنسية، فلا بد من إلقاء دروس ومحاضرات. والدعاة يجب أن يكون عندهم علم ولغة يستطيعون أن يوصلوا بها المعاني الإسلامية إلى الناس.
ومن الوسائل المهمة إنشاء جامعة إسلامية في بلجيكا تعلم الناس دين الإسلام.
قلت لها: هل اختلطتِ بالطلبة المسلمين؟
قالت: لم يكونوا يتحدثون معي عن الإسلام قبل أن أدخل فيه، وبعد الإسلام تحدثت أنا معهم للمذاكرة.
قلت: بلجيكا اعترفت بالإسلام رسمياً، ماذا يستفيد المسلمون من هذا الاعتراف؟
قالت: إذا وجدت حركة إسلامية، عندها مقدرة على جمع كلمة المسلمين، واستطاعوا أن يستغلوا الحرية الدينية التي منحهم إياها هذا الاعتراف، ويدافعوا عن حقوقهم ويثبتوا وجودهم، فإن ذلك سينفع المسلمين كثيراً، ولكن المشكلة هي تفرق المسلمين وعدم اتحادهم.
واليهود عددهم قليل، لكنهم يقومون بأعمال جعلتهم يسيطرون على البلد، ولهم مدارس خاصة، وكذلك لهم دور كبير في أجهزة الإعلام، وفي الاقتصاد والشؤون السياسية وغير ذلك.
وقالت: إن الواجب على المسلمين أن يكونوا أمة واحدة، وليسوا دويلات متفرقة، وهم الآن يكشفون عيوبهم لغيرهم، بسبب تفرقهم وسوء تصرفاتهم.
ويجب أن يدرسوا إسلامهم جيداً ويطبقوه ويربوا أبناءهم عليه.
فإذا فعلوا ذلك كانوا مثالاً وقدوة حسنة لغيرهم، وبخاصة الأوربيين عندما يرون تطبيق الإسلام.
وقد كان المسلمون في القرون الوسطى [وهي القرون التي كان الأوربيون فيها في غاية التأخر المعنوي والمادي معاً وكان المسلمون في قمة التقدم والحضارة بقسميها المعنوي والمادي، ومع ذلك تجد بعض المنافقين من المنتسبين إلى الإسلام يتهمون الإسلام في تلك القرون بالرجعية والتأخر!] قدوة حسنة، وكان الأوربيون جهالاً، فأخذوا العلم منهم، ولكن الأوربيين الآن أصبحوا أقوياء في المادة وأصبح المسلمون يقلدونهم. [المؤسف أن الأوروبيين استفادوا من المسلمين في أصول التقدم المادي ونبذوا أساس السعادة في الدنيا والآخرة وهو الدين الإسلامي وإن كانوا أخذوا بعض الأخلاق الإسلامية والقوانين الفقهية من بعض الجوانب، ولكن المسلمين الذين بيدهم مقاليد الأمور أخذوا من الغربيين مساويهم الأخلاقية والاجتماعية، بل أخذ كثير من المسلمين عقائدهم المنابذة للدين ولم ينهجوا نهجهم في التقدم المادي بل ظلوا عالة عليهم في كل شئ].
وكان زوج الأخت مريم فؤاد، يحاول أن يترجم لي كلامها بلهجته المغربية العامية التي كنت أتعب في فهم بعض عباراتها، وكانت هي تحاول أن تفهمني باللغة العربية بعض الجمل فأفهم منها أكثر، وكان الأخ عبد الكريم الداودي يساعدني في فهم بعض العبارات العامية التي كان ينطق بها الأخ فؤاد.
وقد أظهرت الأخت مرتين غاية السعادة بإسلامها.
وذكر لي الأخ عبد الكريم الداودي أن أخوات زوجها في المغرب لم يكنَّ ملتزمات بالصلاة ولا بالحجاب وأنها أثرت فيهن عندما زارت المغرب.
وأهل الغرب إذا دخل أحدهم في الإسلام وفهمه، التزم به التزاماً مبنياً على البرهان، ويحصل عنده رد فعل ضد عادات الغرب وسلوكه.
قصص محزنة:
ثم ذهبنا إلى منزل أحد الإخوة العمال من المغاربة، تلبية لدعوته لنا لتناول طعام العشاء واسم هذا الأخ أحمد بن محمد الشلج، وقد دعا بعض أصدقائه، ومنهم إمام مسجد الموحدين، وحصلت مذاكرة في شؤون الدعوة وتربية أبناء المسلمين في هذه البلدان.
وذكر لي الإخوة قصصاً محزنة لأبناء المسلمين الذين يذوب كثير منهم في المجتمع الغربي.
ومن ذلك أن أحد المغاربة أراد أن يذهب بأسرته إلى المغرب ليزوج ابنته هناك، وينقذها من أتون الدمار الأخلاقي في أوروبا، بعد أن أحس بالخطر عليها، وعمرها ثمانية عشر عاماً.
وعندما أعد حقائبه للسفر ولم يبق إلا الخروج قالت له ابنته: أريد أن آخذ شيئاً من الدكان وأعود بسرعة، فذهبت وانتظرها فلم تعد إلى الآن، ولا يدري أين هي؟ والسبب أن الولد ذكراً كان أو أنثى إذا بلغ هذه السن صار له الحق في ترك أسرته والمعيشة أينما يريد، والحكومة توجِد له عملاً أو تنفق عليه حتى يجد العمل، وليس لأسرته الاعتراض عليه أو إكراهه على العودة إلى منزل الأسرة وكثير من أولاد المسلمين يفعلون كما يفعل أولاد أهل البلد من الانطلاق الكامل.
فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. [وهذا يبين لنا السر في وجوب هجرة المسلمين من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام].
مع الأخ: عبد الكريم الداودي:
الخميس: 5/12/1407هـ
هذا اليوم هو يوم سفري من بروكسل إلى مدينة أمستردام عاصمة هولندا، ولم أكن قد تمكنت من أخذ بعض المعلومات من الأخ عبد الكريم الداودي، وهو الذي رافقني في الأيام الثلاثة التي قضيتها في بروكسل، فقد كنا مشغولين بالتنقل من مكان إلى آخر.
ولهذا اغتنمت الفرصة عندما جاءني إلى الفندق، وأخذت منه المعلومات المختصرة الآتية:
قال الأخ عبد الكريم الداودي:
يوجد في بلجيكا اتحاد الطلبة المسلمين، ولكنه غير قوي وعدد الطلبة ثلاثون طالباً في بروكسل، وكلهم عرب، وقد يوجد طلاب ملتزمون بالإسلام ولكنهم غير داخلين في هذا الاتحاد.
يقومون كلهم بدروس في المساجد، ويشرفون على تعليم أبناء المسلمين في بلجيكا بصفة عامة.
ولهم اجتماع عام في السبت الأخير من كل شهر يتذاكرون شؤونهم. ولهم نشرة شبيهة بمجلة تصدر شهرياً، وتسمى: العودة، وعندهم حلقات أسبوعية يتدارسون فيها القرآن الكريم حفظاً وتجويداً وتفسيراً، ويختارون موضوعات يناقشونها كما يدرسون موضوعات في السيرة النبوية.
وهؤلاء الطلبة من المغرب وتونس وسوريا والجزائر ولبنان، ولا يوجد بينهم خلاف، بل يسود بينهم التعاون.
وبعضهم لهم أسر في بلجيكا وهم في الجامعات ويحضرون الاجتماعات في الاتحاد، ولكنهم لم ينضموا إلى الاتحاد رسمياً إلى الآن.
وأكثر الطلبة الذين هم من الجالية المستقرة غير ملتزمين بالإسلام، وقليل ممن ولدوا في بلجيكا من يتحدث اللغة العربية، وكبار السن من الجالية المغربية والتركية أكثر التزاماً، ويعتزم الطلبة الملتزمون بالإسلام أن يضعوا خطة عمل لاستيعاب الطلبة المسلمين غير الملتزمين والمحافظة على أسر الجالية.
وتوجد بعض المشكلات المادية.
والطلبة في حاجة إلى داعية متفرغ ذكي متفتح ليستفيدوا منه.
قلت للأخ عبد الكريم: هل تضع الحكومة البلجيكية عقبات في طريق الدعوة.
فقال: الحكومة البلجيكية لا تتعرض لأحد يعمل للإسلام، إلا إذا كان يتعاون مع بعض الجهات التي تستعمل العنف والتخريب وسيلة لها، في أوروبا ولهذا فإن الفرص متاحة.
والمشكلة الخطيرة تأتي من بعض الحكومات في الشعوب الإسلامية، حيث تتابع الدعاة إلى الإسلام في أوروبا وتحاول أن تؤذيهم وتحد من نشاطهم.
ومن نشاط الطلاب أنهم يقومون بزيارة بعض المدن الأخرى ويتفقدون المسلمين فيها بين فترة وأخرى.
وقد أقيم أول مخيم طلابي منذ أسبوعين في 11/7/1987م، حضره كل أعضاء الاتحاد.
ويوجد طلاب في الجامعات البلجيكية عندهم أفكار مضادة للعمل الإسلامي، وعندهم تنظيم ولكن إقبال الشباب على الإسلام أكثر.
والاتجاه العام في بلجيكا يسير نحو الإسلام، وإن كان بعض المنتسبين للإسلام لا يحبونه، ولكنهم يشعرون بأن المسلمين في الغالب لا يتعاطفون مع من يدعو إلى أفكار تخالف الإسلام.
أما صلة الطلبة بغير المسلمين، فهي نادرة ولا يوجد أثر ملموس لذلك، ولم توضع خطة عمل في صفوف غير المسلمين والاحتكاك بهم. [إذا كان الطلاب المسلمون في الجامعات صلتهم نادرة بغير المسلمين ولا يوجد لهم أثر ملموس بهم ولم يضعوا خطة لدعوتهم والطلاب أقدر من غيرهم في هذا المجال وفرص الاحتكاك متاحة لهم فما بالنا بغير الطلاب؟].
ويوجد اتصال بين الطلبة المسلمين في بلجيكا، وبعض اتحادات الطلاب المسلمين في كل من هولندا وفرنسا والسويد، وتحصل زيارات ومشاركات في النشاط في بعض الأحيان.
والأعداد البشرية من المسلمين الموجودين في بلجيكا يمكن التحرك في أوساطهم بالدعوة، ولكن الطلبة في بلجيكا في حاجة إلى بعض الدعاة يزورونهم ويوجهونهم ويدربونهم على العمل الإسلامي، حتى يكتسبوا خبرة في ذلك.
والحاجة ماسة إلى مدهم بالكتب الإسلامية، المؤلفة ابتداء، أو المترجمة، في المسائل المهمة بالنسبة للأوروبيين، تتعلق بالعقيدة والرد على الشبهات، وكذلك أشرطة الفيديو العلمية تساعد على جذب الأوربيين.
ومن نشاط الطلبة معرض الكتاب السنوي في بروكسل، يقوم به الاتحاد وتباع فيه الكتب الإسلامية المتنوعة، ويشتري بعض البلجيكيين سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين بعض هذه الكتب.
وازداد إقبال البلجيكيين على شراء الكتاب الإسلامي بعد المظاهرة التي قام بها بعض المسلمين ضد أمريكا عندما هاجمت ليبيا، حيث بدأ البلجيكيون يتساءلون عن الإسلام، ويلتمسون الكتب الإسلامية التي تتحدث عن الإسلام، وبخاصة ترجمة معاني القرآن الكريم باللغة لفرنسية.
السفر إلى هولندا و هرولة شديدة في مطار بروكسل:
ثم ذهبنا إلى مطار بروكسل، حيث وصلنا في الساعة الثانية عشرة والثلث ظهراً.
وعندما ناولتُ الموظف التذكرة خرج مسرعاً وقال: الطائرة ستقلع الآن، ثم أخذ حقيبتي الكبيرة وقال لي: اتبعني، فكان يجري وأنا أجري وراءه، وعندما وصل إلى موظف الجوازات أخذ جوازي وطلب منه أن يسرع بختمه، وكان يقف أمامه صف طويل، فلما ختم الجواز تابع صاحبي الهرولة وأنا أهرول وراءه، وعند بوابة الخروج رقم 56 سلم التذكرة للموظفة فأعطتني بطاقة دخول الطائرة وسلم آخَرَ الحقيبة الكبيرة ليوصلها إلى الطائرة وودعني مبتسماً فشكرته على ذلك. [نعم سخر الله لي هذا الشاب لمساعدتي، ولكن ما قام به يدل على أدب وحسن معاملة قلما تجدها عند موظفي الخطوط في كثير من بلدان المسلمين].
وصعدت إلى الطائرة ورأيت حقيبتي وهي تخزن في الطائرة، وفور استقراري في مقعدي، أقفل باب الطائرة وتحركت مقلعة في الساعة الثانية عشرة والنصف ـ يعني بعد عشر دقائق فقط من وصولي إلى المطار وكانت تلك العشر دقائق جرياً إلى الطائرة.
انتهيت من مراجعة هذا الكتاب في الساعة السادسة والنصف مساء
من ليلة السبت 16/11/1426هـ ـ 17/12/2005م
وسبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك