1- في مدينة كوبنهاغن
1- في مدينة كوبنهاغن
وجدت في المطار الأخوين الكريمين علي إسماعيل، وهو مصري الأصل، وأحمد أبو لبن في انتظاري، وكان المطر ينهمر بغزارة ولكنه كف بعد عشر دقائق تقريباً.
تعس عبد الدخان!
عندما كان الناس يسيرون بسياراتهم من المطار إلى المدينة، كان أمام سياراتهم شاب طويل عمره فوق العشرين بقليل يقود سيارته، وكان إذا وقف السير أمام الإشارة الحمراء، يترجل من سيارته و يكلم أحد السائقين ثم يدعه ويذهب إلى سائق آخر، فإذا أضاءت الإشارة الخضراء أسرع يقود سيارته وتكرر ذلك، حتى إنه كلم أخانا علي بن إسماعيل مرتين بتلك الحالة، وفي إحدى المرات أخذ الأخ علي آلة إشعال الدخان من سيارته وناول ذلك الشاب، فأشعل حبة دخان بها ورجع إلى سيارته، قلت للأخ علي: ما بال هذا الشاب يكلم الناس فقال: إنه كما ترى أراد أن يحصل على كبريت ليدخن، وأنا كنت نسيت عندي في السيارة آلة لإشعال النار وتذكرتها الآن وأعطيته فأشعل سيجارته وارتاح.
قلت: سبحان الله! هذه الوقفات كلها وهذه المحاولات في الشارع مع زحمة السيارات ونزول المطر، لم يستطع الصبر إلى أن يصل إلى منزله أو إلى مكان الذي يمكنه فيه التدخين، لقد أصبح عبداً للتدخين!
في منزل الأخ أحمد أبي لبن:
أصر الأخ أحمد بن سامي أبو لبن الفلسطيني على أن أبيت في منزله، لأن زوجته وأولادها كانوا في الأردن، فبت عنده.
ولد الأخ أحمد أبو لبن في مدينة يافا سنة 1946م، وهاجرت عائلته إلى مصر، وأنهى دراسة الهندسة في جامعة عين شمس، ونشأ نشأة إسلامية، لأن أسرته كانت متدينة، كان أبوه سكرتيراً للحاج أمين الحسيني.
عمل في الكويت ثماني سنوات في مجال النفط، وتتلمذ على فضيلة الشيخ حسن أيوب، وشاركه في نشاطه من سنة 70 ـ 1978م.
وانتقل إلى الإمارات في أبي ظبي، وبدأ نشاطاً مستقلاً واعظاً وخطيب جمعة، وكان يعمل في شركة البترول لمدة أربع سنوات.
وفي أول سنة 1982م ذهب إلى نيجيريا للعمل مع شركة يملكها عرب، وهي شركة مقاولات إسلامية في ولاية البرنو، والذي يملك الشركة خال زوجته عارف زبادنة، وهو مقيم في بريطانيا، كان أبوه قد هاجر إلى نيجيريا سنة 1939م، وأولاده لهم صلة قوية بالحاج أبي بكر غومي.
ثم جاء الأخ أحمد إلى الدنمارك ـ كوبنهاغن ـ سنة 1984م متعاقداً مع وزارة الأوقاف الكويتية، ويمتد نشاطه إلى بقية الدول الإسكندنافية.
نشاطه في الجانب الاجتماعي، وهو يأخذ نصف وقته مع عائلات مسلمة جاهلة في البيئة الأوربية.
ونشاطه في الجانب الثقافي: يلقي دروساً في حلقات دورية في كتب منهجية في الفقه ـ فقه السنة ـ والتفسير الواضح للشيخ حجازي، لشباب الجاليات الإسلامية باللغة العربية، والعقيدة في كتاب تعريف عام بدين الإسلام للشيخ علي الطنطاوي، وأغلب هؤلاء الشباب في مستوى المتوسط، والتدريس يكون في يوم السبت.
ويخطب الجمعة في مسجد النور الذي أنشأته المجموعة العربية الموجودة في الدنمارك.
ويتجول في المدن المختلفة لتحميس الناس بالالتزام بالإسلام.
شارك في تطوير المدرسة العربية والإسلامية، ويحاول الاتصال بمدرسي المدرسة ومدارس البلدية الحكومية من الذين يدرسون اللغة العربية والدين، لإعطائهم معلومات، وإشعارهم بجدية العمل والشعور بالمسؤولية.
ويدعى لإلقاء محاضرات في المدارس والمعاهد والجامعات، بعد اتصاله بالمسؤولين فيها وتفاهمه معهم.
وزوجته تدرِّس المسلمات الدنماركيات الدين واللغة العربية، يومي الأحد والثلاثاء، وتعقد حلقات في البيوت للنساء العربيات.
وينسق مع التجمعات والمنظمات الإسلامية والمراكز في القضايا التي تهم المسلمين، مثل اللحم الحلال وتوحيد صيام رمضان وصلاة العيدين.
ويشارك في لقاءات ثانوية أخرى.
في فندق شيراتون:
الأربعاء: 11/12/1407هـ.
طلبت من الأخ أبي لبن أن أنتقل إلى أحد الفنادق، على الرغم من إصراره على بقائي في شقته، وقد علمت أن أسرته ستصل في هذه الأيام من عمَّان، فانتقلنا إلى فندق شيراتون.
جولة عامة في المدينة وضواحيها:
ثم تجول بنا الأخ أحمد فزرنا مقر إذاعة الفاتحة في مبنى رابطة العالم الإسلامي، وهي إذاعة محلية سيأتي الحديث عنها، وتحت تصرف المسلمين(9).

ولم نجد في مكتب الإذاعة إلا الأخ التنزاني محمد عيسى سلطان الذي تخرج في جامعة أم القرى في مكة المكرمة، قسم الدعوة سنة 1983م، ولم نجد عنده معلومات وافية عن الإذاعة، ويبدوا أنه غير مستقر من الناحية الرسمية في الدنمارك.
وأخذنا جولة في بعض نواحي المدينة، فمررنا بمسجد القاديانية في الضاحية الجنوبية، وهو على هيئة قبة، ولم يكن مفتوحا آنئذ، لأن هذه الأيام أيام عيد، وخرجنا إلى ساحل البحر، ورجعنا بعد ذلك فأوصلني الأخ أحمد إلى الفندق وذهب.
لقاء مع الأخ خميس بن محمود على عبد اللطيف، المصري:
تخرج الأخ خميس في كلية الدعوة وأصول الدين في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة سنة 1402هـ، وهو مبعوث من قبل الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، من سنة 1402هـ وكان في فرنسا.
ثم انتقل إلى الدنمارك ـ كوبنهاغن ـ في سنة 1405هـ وهو باق فيها إلى الآن، وهو إمام في المركز الإسلامي، ويعمل في راديو الفاتحة، وقد زارني الأخ خميس في الفندق في الساعة الثالثة والنصف مساء بعد أن علم بوجودي.
معلومات عن راديو الفاتحة:
قال الأخ خميس: إن هذا الراديو أنشئ من سنة 1985م على موجة محلية وهي (FM على رقم 88,2).
أخذتْ التصريح لذلك رابطة العالم الإسلامي، عن طريق مدير مكتبها: محمد الدمنجي التركي، ولم يُستفد من الراديو في حينه، فأخذه المسلمون الدنماركيون الذين يطلق عليهم جمعية الإسلام في الشمال.
وقاموا بإدارته والإنفاق عليه إلى عام 1986م.
ثم أخذته جماعة التنظيم الإسلامي، وهم باكستانيون يتبعون الجماعة الإسلامية في باكستان، وهم من أفضل الجماعات في كوبنهاغن، فكراً وعملاً وتنظيماً.
وقبل ثلاثة شهور انتقل الراديو إلى مقره الجديد في مكتب رابطة العالم الإسلامي، وكونت له لجنة إدارية من المسلمين العاملين في الراديو وهم أربع جماعات:
1 ـ العرب.
2 ـ الباكستانيون، وهم جماعتان.
3 ـ الأتراك.
4 ـ الدنماركيون.
وفيه قسم إنجليزي وقسم سواحلي، وهذا القسم كبير.
أهداف الراديو والمسئولون عنه.
من أهم أهداف الراديو تقديم خدمات للجالية الإسلامية بلغاتها.
وكل قسم يقدم برامجه بلغته، وهم هيئة مستقلة.
وبرامجه ثقافية وتربوية وإخبارية، وتتخلل هذه البرامج الدعوة إلى الله.
والقسم العربي يعمل فيه أربعة من العرب، وهم الذين يديرون القسم، وهم الدكتور أبو العلا، مستشار البنك الإسلامي في كوبنهاغن، وهو المسؤول عن القسم، والشيخ خميس عبد اللطيف، والأخت يسرية سلام، وهي مصرية مقيمة في كوبنهاغن من زمن قديم، وعبد الرحمن المارودي، وهذا سافر.

والبرنامج الذي يقدمه الأخ خميس يشتمل على ما يأتي:
1 ـ الأدب في الإسلام، يقدم في كل مناسبة ما يتعلق بها، وهو أسبوعي يقدم كل يوم جمعة في الغالب، ومدته نصف ساعة.
2 ـ طفولة العظماء، ويقدم من خلاله الشخصيات الإسلامية، وهو تربوي، وأصل البرنامج في أشرطة كاسيت جاءت من الكويت، ويعدل فيه ويعلق عليه.
3 ـ قضايا المسلمين، وهو يتعلق بأحوال المسلمين في الدنمارك، وبعض القضايا الإسلامية في البلدان الإسلامية، كقضية أفغانستان.
4 ـ يوجد برنامج آخر، وهو الاقتصاد في الإسلام، وكان يقدمه الدكتور حسن أبو العلا، ولكنه توقف.
5 ـ برنامج العلم والإيمان، كان يقدمه الأخ عبد الرحمن المارودي وتوقف.
6 ـ برنامج المرأة المسلمة والمجتمع، كانت تقدمه الأخت يسرية، وقد توقف.
7 ـ والبرامج الدنماركية، كان يقدمها مسلمان دنماركيان ولكنها غير منظمة.
مسافة البث كيلوان فقط.
ومدة البث ست وعشرون ساعة في الأسبوع.
والبرنامج العربي ساعة واحدة يومياً، من الخامسة إلى السادسة بعد الظهر، ما عدا الخميس والسبت والأحد، وفي يوم الاثنين من العاشرة صباحاً إلى الثانية ظهراً.
سألت الأخ خميساً عن أثر البرنامج العربي على المستمعين؟
فقال: برنامج طفولة العظماء له أثر طيب في الأطفال والأسر، والمستمعون يثنون عليه، وقد انتهت حلقاته.
أما برنامج المرأة المسلمة فتوجد فيه مواد ثقافية مفيدة، ولكن تذاع فيه بعض الأغاني.
وقال الأخ خميس: إن الدعوة إلى الله لا يمكن أن تنجح إلا بالأسلوب العلمي، وهو ـ كما يقول ـ غير موجود في الدول الإسكندنافية.
وسألته: ما المراد بالأسلوب العلمي؟
فقال: وجود جماعة منظمة تفكر في تقديم الخدمات النافعة للمسلمين، وأما أسلوب التنفيذ فيترك بحسب الحال.
وسبب عدم وجود الأسلوب العلمي أن معظم المسلمين الموجودين هنا عمال، وهدفهم محدود بمصالحهم المادية الخاصة، ولا توجد بعثات طلابية مستقرة، لأن الجامعات مغلقة في وجوه الأجانب، ومن هنا كانت نقطة الضعف.
وقال: إنه يوجد فقر في ترجمة الكتب الإسلامية المفيدة في هذه الدول، وبخاصة ترجمة معاني القرآن الكريم، وأمهات الكتب الإسلامية وكتب الفكر.
وتوجد نسخة واحدة لترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة الدنماركية، ومترجمها قادياني، وهذا من أخطر الكتب المنسوبة إلى الإسلام. والقاديانية في هذه الدول قديمة ومنظمة وغنية ولذلك استطاعت أن تقوم بهذه الترجمة وبنشاطات أخرى.
فرص سانحة يضيعها المسلمون في الغرب:
إن الزائر لأي دولة من دول أوروبا الغربية، لا يمر بأي بلد منها إلا وجد فيه فرصاً لنشر الإسلام من الناحية القانونية، ومن ناحية العادات، فهناك مجالات متعددة يمكن أن يعمل فيها المسلمون وينشروا دينهم عن طريقها:
1 ـ مجال التعليم الديني واللغة في المدارس الحكومية الرسمية التي اعترفت بالدين الإسلامي، كالنمسا، وبلجيكا [وأخيراً اعترفت بريطانيا بالمدارس الإسلامية، وقد كانت ترفض ذلك مدة طويلة] كما أن هناك فرصاً لإنشاء مدارس خاصة في أغلب البلدان الأوربية الغربية، تجمع بين المنهج الإسلامي ومنهج الدولة الرسمي، وتعترف الحكومات بتلك المدارس، بل تساعد في تكلفتها بمقدار 85% وقد تصل مساعدتها إلى 100% إذا توافرت فيها شروط معينة.
ويدخل في مجال التعليم قيام بعض المسلمين بإلقاء كلمات في الصباح عن الإسلام لأبنائهم، في المدارس الحكومية قبل دخول التلاميذ قاعات الدرس، وذلك مسموح به في غير الدول المعترفة بالإسلام، ويدخل فيه كذلك شرح مبادئ الإسلام لتلاميذ المدارس والجامعات الذين يقومون بزيارات لمساجد المسلمين ومراكزهم، في نشاط مدرسي للتعرف على الإسلام.
2 ـ مجال الإعلام: يمكن أن يقوم المسلمون بتقديم بعض الأحاديث، ولو كانت قصيرة في أوقات محدودة، في الإذاعة والتلفزيون في البلدان التي لم تعترف بالإسلام، ويمكن أن يكون ذلك أوسع في البلدان المعترفة بالإسلام، بل يمكن أن يمنح المسلمون إذاعات محلية في البلدان المعترفة بالإسلام وغيرها، كما هو الحال في بلجيكا والدنمارك.
ويمكن أن يصدروا صحفاً ومجلات وأشرطة (كاسيت) وأشرطة فيديو، ونشرات وكتيبات، والمجال في هذه مفتوح في كل دول الغرب.
3 ـ مجال الثقافة: يمكن أن ينشئ المسلمون نوادي ثقافية، تجمع الشباب المسلم من أبناء الجالية، وأبناء البلدان الأوربية، ويمكن أن يتلقوا مساعدة من الحكومات نفسها.
4 ـ المجال الاجتماعي: يمكن أن ينشئوا مؤسسات اجتماعية، لخدمة أبناء الجاليات الإسلامية وتساعد الحكومات أيضا في تكلفتها.
5 ـ المجال الرياضي: يمكن أن ينشئ المسلمون نوادي وملاعب رياضية وتساعد الحكومات في تكاليفها.
وكل هذه المجالات يمكن أن يوضع لها برامج تؤدي إلى نشر الوعي الإسلامي والتنشئة الإسلامية.
6 ـ المجال السياسي: الباب مفتوح لتكوين أحزاب سياسية بشروط معينة، قد تتوافر في المسلمين في بعض البلدان الأوربية، وإذا لم تتوافر في تكوين أحزاب سياسية، أمكن للمسلمين أن يتفاوضوا مع بعض الأحزاب السياسية المحلية، للتعاون معهم في الانتخابات، بشرط أن تتكفل تلك الأحزاب بحماية حقوق المسلمين، وكثير من الأحزاب تتودد للمسلمين في هذا المجال، وقد لا يفون بكل وعودهم، ولكن الحصول على شيء خير من لا شيء.
7 ـ المجال الاقتصادي: يستطيع المسلمون الذين عندهم رؤوس أموال من الجاليات الإسلامية في أوروبا، أو منهم ومن المسلمين ذوي الثراء من البلدان الإسلامية أن يستثمروا أموالهم ويكونوا جبهة اقتصادية قوية نوعاً ما، تستغل أرباحها في مصالح تعود إلى الإسلام والمسلمين في أوروبا بالخير في مجالات مختلفة، تشمل كل المجالات المذكورة هنا.
هذه المجالات كلها لا يستغل منها الحد الأدنى الذي يعتبر ضرورة من ضرورات المحافظة على أبناء المسلمين في بلدان أوروبا، والتقصير حاصل من الجاليات المسلمة القاطنة في تلك البلدان، ومن المؤسسات الإسلامية المنصوبة للدعوة إلى الله، ومن أغنياء المسلمين القادرين على تمويل كثير من المشروعات الإسلامية، ومن حكام الشعوب الإسلامية الذين يمكنهم أن يعملوا ما لم يقدر عليه سواهم، لما مكنهم الله من المال والجاه والسلطان، واستقطاب الكفاءات التي تستطيع تحمل المسؤولية في الدعوة إلى الله.
ولو أرادت هذه الفئات المذكورة: الجاليات المسلمة، والمؤسسات الإسلامية، وأغنياء المسلمين، وحكام الشعوب الإسلامية أن يعملوا شيئاً بجد، لاجتهدوا في التنسيق فيما بينهم، وتحمل كل صنف ما يقدر عليه ونشروا دين الله في كل مكان.!!
ويكفي أن ننظر إلى راديو الفاتحة الذي ينتقل من فئة إلى أخرى دون أن ينال نجاحاً في إدارته ولا نشاطه، بسبب عدم وجود الإمكانات المادية والبشرية ذات الكفاءة المثمرة.
وبهذا تظهر خسارة المسلمين بتضييع فرص كثيرة كان يمكنهم استغلالها للمحافظة على أنفسهم وعلى أولادهم، ولنشر هذا الدين بين أهل تلك البلدان التي استوطنوها.
مراقبة شروق الشمس وغروبها:
عندما تنظر إلى الشمس وقت شروقها تراها أمامك، وكلما ارتفعت إلى السماء تراها تبتعد نحو الجنوب، وعند الغروب تراها أمامك إذا مالت نحو الغرب، وهي لا تزال مرتفعة، تقابل الجهة التي رأيتها تشرق منها صباحاً، ولكنها لا تغيب في نفس الجهة التي تراها في سمتها، بل تراها تميل في سيرها نحو الشمال، لذلك يبدأ الأفق في جهة الجنوب الغربي يسودُّ، ولكن الضوء أمامك في جهة الغرب لا زال واضحاً، غير أنه أقل من الضوء الذي يرى في الشمال الغربي، فإذا اشتد الظلام في الجنوب الغربي بدأ الضوء يختفي شيئاً فشيئاً في الغرب، ولكن الضوء في جهة الشمال يكون واضحاً، حتى يظن الرائي أن الشمس ستشرق من تلك الجهة.
وفي الساعة العاشرة مساء، كان الشفق الأحمر لا زال في غاية الوضوح في الغرب، ولا زال الضوء واضحاً في الشمال، إلى الساعة الحادية عشرة، وكنت أراقب ذلك من نافذة الفندق (شيراتون من الجهة الغربية).
وهذا الوقت كان النهار قد بدأ يقصر في تلك المناطق.
زيارة المركز الإسلامي في كوبنهاغن:
الخميس: 12/12/1407هـ.
جاءني الأخ خميس في صباح هذا اليوم وزرنا إدارة المجزرة الإسلامية ولم نجد المسؤول عنها.
ثم ذهبنا لزيارة المركز الإسلامي الكبير، واجتمعنا بالأخ إمام المسجد الشيخ محمد إدريس شريف الله. وأخذنا منه بعض المعلومات وحصلت مناقشات حول الدعوة وأساليبها.
ولد الأخ محمد سنة 1944م في 2 يناير في مدينة بيشاور في باكستان، كانت دراسته في بيشاور إلى أن نال شهادة الماجستير من جامعة بيشاور، والجامعة الإسلامية في بيشاور، وقام بالتدريس في وزارة التعليم ومعهد المعلمين، وكلية التربية الحكومية في بيشاور سنة 1974م.
ثم درس في معهد اللغة العربية في جامعة الرياض (جامعة الملك سعود حاليا) سنة 1978م ـ 1979م ثم عاد إلى باكستان.
وانتخب إماماً للمركز الثقافي الإسلامي في كوبنهاغن في تاريخ 1/1/1981م ولا زالت خدماته الرسمية في باكستان.
عنده أحد عشر ولداً من زوجتين.
قال الأخ محمد: إن نشاط المسلمين في الدنمارك بدأ في أول السبعينات، وكان القاديانيون أسبق إلى ذلك من غيرهم في هذه البلد، وبدأ المسلمون نشاطهم في مسجد صغير سنة 1973م وأخذ نشاطهم يتسع.
وفي سنة 1974م أنشئ هذا المركز، أنشأته جمعية الدعوة في ليبيا.
وكان إمامه الأول صبغة الله مجددي الذي هو الآن زعيم الجبهة الوطنية لإنقاذ أفغانستان [أصبح رئيساً لجمهورية أفغانستان بعد أن دحر المجاهدون الغزاة الروس، ثم عزل بسبب التنازع المستمر على السلطة بين القادة الأفغان، ولا زالوا يتقاتلون إلى هذه اللحظة(6 من شهر رمضان لعام:1419هـ وقد سيطرت حركة طالبان على 9% من مناطق أفغانستان ثم اختطفت أمريكا أفغانستان من الجميع)] بقي في المركز خمس سنوات، ثم جاء إمام آخر أردني واسمه إبراهيم قيسي سنة: 1979م.
نشاط المركز:
1 ـ خطبة الجمعة بثلاث لغات: العربية، والإنجليزية، والأردية.
2 ـ خطبة العيدين، بخمس لغات: الثلاث المذكورة، والفارسية والأفغانية، والأخ محمد يجيد هذه اللغات الخمس.
3 ـ دروس يوم السبت باللغة الإنجليزية للسيدات، وباللغة العربية للعرب بمساعدة الشيخ خميس، ودرس يوم الأحد باللغة الأردية للباكستانيين.
4 ـ وكان لديهم فصول تدريس للغة العربية لغير الناطقين بها من الرجال والنساء.
5 ـ يزور المسجد غير المسلمين من الرهبان والطلاب لأخذ بعض المعلومات عن الإسلام.
6 ـ يراقبون تصدير اللحوم إلى البلدان الإسلامية غير السعودية.
7 ـ عندهم أربع مدارس: مدرسة للبنات، ومدرسة للأطفال الباكستانيين، ومدرسة للعرب، ومدرسة لتحفيظ القرآن وتجويده.
8 ـ يقوم المركز بحل قضايا المسلمين في الأحوال الشخصية والفتاوى، وإلقاء الدروس في مساجد المسلمين في الدنمارك.
9 ـ تصدر مجلة إسلامية بأربع لغات بعنوان أخبار المسلمين، توقفت وسيعاد صدورها قريباً، ويمول المسجد من قبل ليبيا ومن دخل الإشراف على الذبح الحلال.
10 ـ وقد أشهر عدد من الدنماركيين إسلامهم، بلغ عددهم إلى الآن 350 شخصاً، وعناوينهم موجودة في المركز.
11 ـ يقوم المركز بمحاضرات خاصة لغير المسلمين وتحصل مناقشات معهم.
وسألت الأخ الإمام هل تظن أن الإسلام قد بلغ أغلب الناس هنا؟
فقال: لا، هم لا يعلمون من خلقهم.
لقاء مع الدكتور حسن بن عباس أبي العلا:
في هذا اليوم زارني الأخ حسن أبو العلا مستشار البنك الإسلامي في كوبنهاغن، في الفندق(10).

1 ـ ولد في مصر سنة 1933م.
2 ـ درس الاقتصاد والعلوم السياسية في النمسا سنة 1968م.
3 ـ عمل في إحدى الشركات الألمانية وفي أحد البنوك.
4 ـ وهو يعمل في البنك الإسلامي في كوبنهاغن من سنة 1983م.
5 ـ وقد استقر في أوروبا من سنة 1958م وله طفلان.
وسألته: هل تظن أن الإسلام قد بلغ أهل أوروبا وقامت عليهم الحجة؟
فقال: نعم، لأن الإعلام الإسلامي بمجلاته وكتبه وصل إلى الناس، ويرى أن الناس ـ وإن كان بلغهم الإسلام مشوهاً ـ قد تكون بلغتهم بعض الحقائق، وعليهم أن يبحثوا، ولكن الباحثين عن الإسلام قلة، وأجهزة الإعلام الغربية تذكر عن الإسلام الحسن والسيئ، إلا أن الفكرة السيئة أكثر في أذهانهم ولهذا تجدهم ينفرون من الإسلام.
وقال: إن الثورة الإيرانية عندما قامت انتشر الكلام عن الإسلام، وكان كثير مما يقال عنه صحيحاً، وبعضه في غاية الروعة، وأخاف ذلك الكنيسة، وبدأ المسؤولون فيها يلقون محاضرات ضد الإسلام وحضر الأخ حسن والأخ علي المحجري بعض تلك المحاضرات للرد عليهم.
وكان المسيحيون يحاولون السماع منهما، وطلبوا أن تلقى محاضرات عن الإسلام، ولكن الثورة الإيرانية بعد ذلك شوهت الإسلام في أذهان الأوربيين.
وقال: إن كثيراً من أهل أوروبا يعلمون أن محمداً صلى الله عليه وسلم جاء بعد المسيح عليه السلام، ولكن القرآن هو من تأليفه.
ويعلمون بعض الأشياء عن الإسلام، كالزواج بأربع وتحريم أكل لحم الخنزير وشرب الخمر، وقضية فلسطين.
وسألته عن صفات الداعية المسلم المؤثر في أوروبا؟
فقال:
1 ـ العلم بعادات الأوربيين.
2 ـ إتقان لغاتهم التي يتخاطبون بها.
3 ـ الانفتاح والإلمام بالثقافات المعاصرة.
إضافة إلى الصفات التي وردت في القرآن والسنة...
قلت: ما الموضوعات الإسلامية التي يمكن أن تؤثر في الأوربي؟
قال: هي الموضوعات المتصلة بالحياة الاجتماعية، كالتكافل الاجتماعي، والبنوك الإسلامية، وجمع الزكاة وتوزيعها، والأوربي يريد شيئاً ملموساً، ولهذا لو تمسكت الأسرة المسلمة بالإسلام واختلطت بالأوربيين الذين يحبون أن يعرفوا الإسلام ووجدوا فيها القدوة الحسنة، لأثرت فيهم.
قلت له: هل قامت الجماعات الإسلامية والمراكز بواجب الدعوة إلى الله؟
فقال: لم تقم بواجبها كما ينبغي، وكثير من الذين يبعثون للدعوة ليسوا مؤهلين عملياً، وإن كان بعضهم يحملون شهادات في الدراسات الإسلامية.
قلت: ما الوسائل الممكنة لنشر الإسلام؟
قال: أرى أن تكون لجان من المسلمين الصادقين من أهل كل بلد أوربي، وتلقى عليهم المحاضرات، ويقوى إيمانهم، ويمدون بالمال بتنسيق، والأولى أن تكون المساعدات المالية على صفة وقف يصرف بنظام، لأن المساعدات بدون دراسة قد تقع في أيدي أناس غير أمناء على الدعوة.
لقاء مع الأخ علي إسماعيل بن إبراهيم:
ولد الأخ علي في القاهرة سنة 1946م.
درس في جامعة كوبنهاغن قسم الدراسات العربية والإسلامية ـ ثم جامعة ستوكهولم، وأكمل الماجستير في عام 1985م، تحت إشراف الدكتور عطية عامر الذي جاء إلى ستوكهولم من سنة 1959م واستقر بها.
جاء الأخ علي إلى الدنمارك سنة 1970م بعد أن مكث في فرنسا ثلاثة شهور، وكانت الدنمرك تستقبل الأجانب إلى عام 1973م ثم أغلقت الباب أمامهم، وكان عدد المسلمين في ذلك الوقت لا يزيد عن خمسة عشر ألفاً، ثم زاد العدد حتى وصل إلى أربعين ألفاً.
معلومات عن الدنمارك:
المساحة والحدود:
الدنمارك أصغر دولة اسكندنافية، وتقع بين بحر البلطيق وبحر الشمال، ما عدا الجزء الجنوبي منها فيتصل بألمانيا الغربية بحدود طولها 68كيلو مترا.
وجارتها الشرقية السويد، وتقع النرويج في شمالها، وتتبع مملكةَ الدنمارك جزيرتان، كانتا مستعمرتين، إحداهما استقلت واسمها: (جرينلاند) وبقيت الجزيرة الثانية تحت إشراف الدنمارك وتسمى: (فارو).
نظام الحكم في الدنمارك:
نظام الحكم في الدنمارك اشتراكي ديمقراطي.
ولها برلمان يعتبر مجلس الشعب، ويضم الأحزاب الموجودة في البلد وعددها تسعة.
والبرلمان سلطة تشريعية، والسلطة التنفيذية لمجلس الوزراء.
والملكة الحالية بنت الملك السابق: فريدريك الذي توفي سنة 1973م، وهي متواضعة جداً متزوجة برجل فرنسي من عائلة كبيرة، وليس لها سلطة وإنما هي مثل ملكة بريطانيا.
انضمت الدنمارك إلى السوق الأوربية المشتركة في سنة 1972م.
والعملة تسمى: كرونة، وهي مائة (أور).
السكان:
شعب الدنمرك، معظمه من دول إسكندنافيا، ما عداً عدداً قليلاً من الألمان.
عدد السكان: خمسة ملايين، وهم ينقصون ولا يزيدون.
وديانة الكنيسة: هي: اللوثرية.
المناخ: بارد معتدل، متوسط درجة الحرارة فيها 62 فهرنهايت17 سنتجريد في يونيو.
وأشد الشهور برودة هو شهر فبراير.
ومعظم السكان يؤثرون أن يسكنوا في إحدى المدن الثلاث: كوبنهاغن وأرغوس والبورج.
في مدينة أرغوس: (245.900) نسمة.
وفي مدينة ألبورج: (154.600) نسمة.
وفي مدينة كوبنهاغن (مليون وثلاثمائة وثمانون ألف) نسمة.
وتوجد جزيرة جين، وهي مدينة رئيسية، ذاع صيتها باعتبارها الموطن الذي ولد فيه هانس كريستيان أندرسون الكاتب القصصي المعروف بصاحب المكتبة الخضراء التي ترجمت إلى اللغة العربية.
وعدد الجامعات في الدنمارك خمس: جامعة كوبنهاغن، وجامعة روسكدة، وجامعة أرغوس، وجامعة أودونسا، وجامعة ألبورج.
وشعب الدنمرك شعب مرح منظم.
الصناعات:
هي الدولة الأولى في إنتاج الألبان ومشتقاتها، وعندهم مهارات عالية في مختلف فنون الصناعة، مثل محركات الديزل، وبناء السفن، والموانئ والكباري.
تصدر 60% من منتجاتها إلى الخارج.
توجد عدة أنهار في الدنمارك أطولها نهر (غودينا)، ويبلغ طوله 158كيلومتر.
المسلمون في الدنمارك:
عدد المسلمين: أربعون ألف نسمة، حسب الإحصائية الأخيرة من وزارة الشؤون الاجتماعية سنة 1987م.
وهم من الأتراك والباكستانيين، والعرب، وأكثرهم المغاربة، وأقلهم الجزائريون، ويوجد عدد من كل الدول العربية تقريباً.
عدد المساجد: خمسة عشر مسجداً، أغلبها زوايا وهي متقاربة في العاصمة.
و المركز الإسلامي الثقافي يمثل المظلة الإسلامية، وفيه يصلي المسلمون العيد، أنشئ سنة 1973 ـ 1974م.
ويوجد مركز في مدينة أورغوس، تابع للمركز في كوبنهاغن.
أول مدرسة عربية أنشئت سنة 1978م أنشأها بعض الإخوة، وفي مقدمتهم:الأخ إسماعيل والأخ محمد عطية اللذان بدآ النشاط الإسلامي في الدنمارك.
وأول شقة استؤجرت لتكون مسجداً في كوبنهاغن سنة 71 ـ 1972م، وكان عدد المصلين فيها أربعة، وكان معهم القائم بأعمال السفارة الليبية الشاب المسلم أحمد إبراهيم حواس الذي اجتهد في دعم العمل الإسلامي.
وأنشئت مكتبة إسلامية، وهي المكتبة الأولى في الدول الإسكندنافية كلها.
كما أنشأت أول مجزرة إسلامية في الدنمارك بناء على ترخيص سابق لليهود، وهي أول مجزرة في الدول الإسكندنافية تقوم بالذبح الحلال.
والذي تولى هذه المجزرة هو الشيخ محمد خياط المغربي.
وبقي الأخ أحمد إبراهيم الحواس في الدنمارك إلى عام 1974م، وهو رجل متواضع نشيط في تحركاته، حريص على حضور حلقات العلم ومتابعتها والإنفاق عليها من ماله الخاص.
نقل إلى عدن سنة 1974م، ونقل من عدن إلى إندونيسيا، ومن إندونيسيا إلى غيانا في أمريكا الجنوبية سنة 1977م، ثم عاد إلى ألمانيا للزيارة، وكان في هذه الوقت سفيراً، وساءت العلاقة بينه وبين القذافي وأراد ترك العمل، ثم استمر فيه، وطلب من بعض الإخوة أن ينتقلوا معه إلى غيانا، لمساعدته في النشاط الإسلامي الذي كان دؤوباً فيه، وكان ذلك سنة 1979م.
واستشهد سنة 1983م، ولا زالت زوجته في القاهرة.
وتتكون غيانا من ثلاثة أنواع من الناس:
1 ـ الزنوج.
2 ـ الهنود والباكستانيون.
3 ـ الهنود الحمر وهم أصل سكان البلاد وقد انقرضوا. [الصحيح أنهم لم ينقرضوا].
وقد ركز الأخ أحمد الحواس على الشباب في التربية.
وفي غيانا ما يقارب 125.000 ألف مسلم.
والمساجد ليست تابعة للدولة، بل هي أهلية، وقد أقام الأخ أحمد حلقات للشباب في تلك المساجد، ومن الشباب الغياني النشيط شاب يسمى فضيل فيروز وهو مسؤول عن المجلس الإسلامي في غيانا، وهو رجل ضخم طيب الأخلاق، وينفق في سبيل الإسلام بسخاء، وعنده صيدلية في وسط البلد وكانت حلقات تعقد على سطح بيته.
واقترح الأخ أحمد الحواس إنشاء معهد إسلامي ومكتبة، وقد أنشئا سنة 79 ـ 1980م.
وكان ربح المكتبة ينفق على المعهد، كما أُنشئ وقف إسلامي بجانب المكتبة. [ترى لو أن أغلب سفراء الشعوب الإسلامية كانوا مثل أحمد الحواس في الإخلاص لله والدعوة إلى الإسلام بنفسه وماله ماذا ستكون النتائج في العالم بالنسبة لمستقبل الإسلام؟: مدارس إسلامية، مساجد حلقات علم، مكتبات إسلامية، أوقاف إسلامية، إنه نشر للإسلام من أوسع أبواب العمل الإسلامي نسأل الله أن يهيئ للإسلام والمسلمين من ينهج ذلك النهج القويم].
والغيانيون أقرب إلى الفطرة.
ثم عاد الأخ علي إسماعيل ليكمل المعلومات عن الدنمارك:
الضرائب التي تأخذها الدولة في الدنمارك: 50 % من الدخل المالي مقابل الخدمات التي تقدمها الدولة، وهي الصحة والتعليم وكل ما يتعلق بالضمان الاجتماعي.
ومعاملة أهل الدنمارك جميلة جداً، ولكنهم لا يبادرون إلى الاختلاط بغيرهم، وإذا بادرهم غيرهم بالاختلاط يقبلون ذلك، إلا أن المشكلة التي تعترض من يريد الاختلاط بهم من أجل التمهيد لدعوتهم، العادات السيئة التي تعتبر عندهم طبيعية وهي اختلاط الرجال بالنساء.
وكان الشعب قبل مائة سنة محافظاً.
ومعاملة الدولة للشعب والأجانب مبنية على الثقة، وكذلك معاملة أفراد الشعب بعضهم مع بعض.
والمعاملات تنتهي في وقتها بدون تأخير، ما لم يكن هناك سبب مقبول.
وقوانينهم تتغير بحسب حاجات الناس.
ومن أمثلة ذلك الدخول في السوق الأوربية المشتركة، فقد صوت بعض الشعب ضد الاشتراك، وصوتت الأغلبية في صالحه، ثم بعد فترة طالب بعض الشعب بإعادة التصويت فأعيد التصويت، وكان التصويت في جانب الاشتراك!
وكذلك معاملات الأفراد إذا تضرر أحدهم وتقدم بشكوى، فإنهم ينظرون في أمره، فإذا ثبت تضرره يعامل بما يزيل ذلك الضرر، ولو خالف القانون ويعدل القانون بحسب خدمة المتضرر. والدولة هنا إنما تعمل لمصلحة الشعب، وليس لوزرائها امتيازات عن الناس.
مثلاً: مجموعة من حي من الأحياء يرغبون في التخفيف عن أنفسهم من قانون معين، فإنهم يتقدمون إلى الجهة المسؤولة، فتساعدهم في الغالب إذا ثبت أن في ذلك ضرراً على المتقدمين.
المدارس الإسلامية في الدنمارك:
المدارس الإسلامية في الدنمرك: خمس، وهي:
الأولى: أنشئت سنة 1978م، وهي باكورة المدارس الإسلامية.
الثانية: مدرسة الأقصى، أنشئت سنة 1980م.
الثالثة: مدرسة الصامد، أنشئت سنة 1982م.
الرابعة: المدرسة العربية، أنشئت سنة 81 ـ 1982م.
الخامسة: مدرسة الصفوة، أنشئت سنة 1983م.
وفي هذا العام أنشئت المدرسة العراقية وأغلقت وفتحت مدرسة الفيصل الإسلامية عن طريق رابطة العالم الإسلامي، فتحها محمد الدمنجي سنة 1985م وأغلقت بسبب أوضاع مالية وحسابات.
المدارس في الدنمارك نوعان:
النوع الأول: المدارس العامة التي تشرف عليها الحكومة إشرافاً كاملاً، وهي من الصف الأول إلى الصف التاسع :المرحلة الإعدادية. ثم ينتقل الطالب إلى الثانوية فالجامعة أو المعاهد العلمية أو الصناعية.
النوع الثاني: المدارس الخاصة وهي التي ينشئها آباء التلاميذ الذين يرغبون في تدريس أولادهم بأسلوبهم الخاص، فإنه إذا جاءت مجموعة من الآباء إلى الحكومة يرغبون في إنشاء مدرسة خاصة بديانة معينة أو حرفة خاصة، فإن الحكومة تمنحهم هذا الحق، إذا توافرت الشروط المطلوبة مادياً ومنهجياً وإدارياً، وتعتمد الدولة تلك المدرسة، وتدفع من تكاليفها: 85%.
قال الأخ علي: ومدارسنا من هذا النوع.
وإدارة المدرسة هي التي تضع المنهج، والمدير هو الذي يُعتمد عند الدولة إذا عرفت صلاحيته، ولا تتدخل الدولة في المناهج.
منهج المدرسة الإسلامية:
ومنهج المدرسة الإسلامية قسمان:
القسم الأول: تربوي، يهدف إلى إيجاد المسلم القادر على التحدث بلغة البلد واللغة العربية بشكل صحيح، ويكون عنده توازن في فهم الإسلام، بأن يعيش في ظل الإسلام بفهم صحيح للعقيدة والتربية الإسلامية، ويربى عليها، بحيث يمارسها عملياً في المدرسة.
وهذا يقتضي وجود مدرسين من نوع خاص، بحيث يكون المدرس قدوة حسنة للتلميذ، ويكون ملماً بمشكلات المجتمع الذي يحيط به وعاداته.
هذه هي المدرسة الأولى (المدرسة العربية الإسلامية).
وعدد تلاميذها: 180.
وعدد أساتذتها: 20 معلماً من العرب والباكستانيين.
وتتبع في منهجها منهج الكويت من الصف الأول إلى التاسع.
القسم الثاني: العلمي. وهو منهج الدنمارك، يحذف منه ما يخالف العقيدة الإسلامية والسلوك الإسلامي، وهذا يعود إلى مدير المدرسة، ولا تعترض الحكومة على ما يراه، وإنما الذي يهم الحكومة أن يكون الطالب ناجحاً بمستوى طيب يمكنه من مواصلة الدراسة الثانوية.
والأستاذ الذي لا يعرف البيئة، لا يستطيع أن يوجه الطلاب ويبين لهم ما يحيط بهم، ويحدد لهم ما ينبغي فعله.
والهدف من إنشاء هذه المدارس، حماية أبناء المسلمين من الذوبان في المجتمع الأوربي، بتوسيع المدارس في البلدان الأوربية، ولكن وقفت عقبات متعددة ضد ذلك، لأن المسؤولين عن هذه المدارس ليسوا مثقفين وينقصهم الوعي، وبسبب بعض الاتجاهات المختلفة.
وقد تخرج من المدرسة العربية الإسلامية أول فوج وعدده ثلاثة.
ويوجد في المدرسة 90% من البنات.
إمكانات متاحة ومآس محزنة!
هل تدري ماذا جرى لهذه المدرسة؟!
في الأيام التي كنت نازلاً فيها بمدينة كوبنهاغن، سمعت ما يحزن النفس ويدمع العين ويدمي القلب.
مدرسة عربية إسلامية، أذنت بها دولة مسيحية علمانية للمسلمين، يدرسون فيها أبناءهم منهج الإسلام واللغة العربية ومنهج البلد ولغته، واعترفت الحكومة بالمدرسة وشهادتها، وساعدت في تكاليفها بمبلغ 85% وقد استمرت المدرسة تسع سنوات.
وفي أيام الإجازة غاب مديرها، وبعض موظفيها، فجاءت فئة أخرى من المسلمين الذين نصبوا أنفسهم للدعوة، وجمعت هذه الفئة بعض أولياء أمور الطلاب ودعوا إلى إقالة المدير الأول، وإجراء انتخابات جديدة لمجلس إدارة جديد ومدير جديد، ونفذوا تلك الفكرة، وغيروا مفاتيح الإدارة، وعندما رجع المدير القديم، وجد تلك الفئة قد قامت بانقلاب ضده وضد من كانوا متعاونين معه.
وانقسم أولياء الأمور قسمين:
القسم الأول: يؤيد المدير القديم، الذي ترون أنه كفء لإدارة المدرسة، لما عنده من قدرة على التحدث بلغة أهل البلد، ولما له من خبرة بقوانين البلد ومعرفة بالمسؤولين، وخبرة إدارية ومعرفة بالبيئة والمحيط، لأنه له ما يقارب عشرين سنة في هذه البلدان.
والقسم الثاني: يؤيد المدير الجديد، وعندها ما تسوغ به هذا التأييد وعندها من القدح ما يكفي لتنحية المدير القديم.
ولا يمكن أن يتنازل من يزعم أنه فاعل خير عن رأيه الذي يرى أن فيه إنقاذاً لمرفق مهم ومؤسسة نادرة من مؤسسات المسلمين، فلا بد أن يصابر كلُّ قسم القسمَ الأخر مصابرة العدو لعدوه، مع أن دعواهما واحدة، وهدفهما واحد، ووسائلهما متقاربة حسب دعوى كل منهما، ويبلغ الصراع ذروته ويصل إلى درجة الاستنجاد بالحكومة التي تفضلت وهي غير مسلمة، فمنحت المسلمين تلك المؤسسة التي قد لا يحصلون عليها في بعض البلدان الإسلامية، فتضطر الشرطة أن تتدخل لتفك الخناق، وتضطر محاكم الدولة الكافرة أن تستقبل مرافعات المسلمين المختلفين المتصارعين على الزعامات استجابة للأهواء، وأبناء المسلمين الصغار ينظرون إلى تخاصم آبائهم وتصارعهم، ويرون الشرطة وهي تقتحم مدرستهم لتحل النزاع بين آبائهم، ويرون زملاءهم من أبناء البلد وهم آمنون في مدارسهم مطمئنون فيها، لا صراع ولا خناق ولا شرطة ولا محاكم.
ما عاقبة هؤلاء الأطفال الذين قد تقفل مدرستهم، بسبب ذلك النزاع، فيتحولون إلى مدارس الدولة ويحرمون من التربية الإسلامية، ويبقون يتلقون توجيهاتهم من غير المسلمين، في العلم والدين والسلوك، ويختلطون بزملائهم في ألعابهم ودراساتهم بنين وبنات، ويمارسون عادات أهل البلد أياً كان نوعها، وقد يرون ذلك خيراً لهم مما يعقد نفوسهم من الخصومات والصراعات بين آبائهم، في مدرسة يدعي أهلها أنهم يريدون حماية الأبناء من الأخلاق السيئة، وأي خلق أسوأ من جعل معقل العلم محلاً للصراع والنزاع والاستنجاد بالشرطة؟!
وفي نفس البلد يوجد سفراء لبعض حكام الشعوب الإسلامية، يرون ذلك الموقف السيئ، دون أن يتدخلوا للصلح، ولا يهتموا بالدعوة إلى الله ولا بما يصيبها من كوارث لإنقاذها منها.
وكيف ينتظر من سفراء ينتسبون إلى الإسلام لا يحضرون جمعة ولا جماعة؟! بل ويعرف عن بعضهم أنهم يحضرون حفلات الخمر والرقص و يحتسي الخمر كما يحتسيها غير المسلمين.
ثم ماذا يجري لغير المسلمين عندما يرون هذه المآسي بين المسلمين وهم أقلية، ويعطون فرصاً لحماية أنفسهم وأولادهم ويمنحون حقوقاً لا يجدونها في بلدانهم، ثم يتناحرون فيما بينهم ويشغلون شرطة الدولة ومحاكمها بمشكلاتهم، وهم يدعون أنهم أهل دين يجب على كل البشر أن يدخلوا فيه؟ ألا يكون ذلك فتنة لغير المسلمين أن ينفروا من هذا الدين الذي هذا شأن أهله؟!
هذه يا أخي حالة المسلمين المثقفين الذين نصبوا أنفسهم دعاة إلى الله، فما بالك بجهلتهم الذين لا يوجد عندهم علم بالدين ولا سلوك حسن، هل يصلح أولئك وهؤلاء أن يكونوا قدوة حسنة للأوربي، حتى يدخل في الإسلام.؟!
نعم ليس كل المسلمين كذلك، ولكن هاتان ظاهرتان بارزتان في كل البلدان.!
المدارس الخاصة في الدنمارك:
هذا وزاد الأخ علي بن إسماعيل ما يتعلق بالمدارس الخاصة في الدنمارك بياناً فقال:
المدارس الخاصة في الدنمارك يتقدم بطلب إنشائها الآباء لهدف معين أو رغبة في تعليم أبناءهم بشكل خاص، فإذا اتفقت مجموعة من الأسر على أن ينشئوا أولادهم تنشئة خاصة على الإسلام، فإنها توضح في طلبها هذا الهدف، ويكتب في نظام المدرسة أن الهدف الأساسي هو التعليم الإسلامي والتربية الإسلامية، ويكتب في النظام الأساسي كل ما يرغب فيه المتقدمون من أهداف ووسائل وشروط.
والدولة تعتمد هذا النظام، إذا توافرت فيه الشروط اللازمة لإنشاء المدرسة، من مبنى ومحاسب ومنهج ومدير وغيرها.
ويجوز لجماعة المدرسة، إذا لم يوجد في داخل الدنمارك الخبرات المطلوبة، أن تستقدمها من الخارج، بعقد مدته سنة، يتم تجديده حسب رغبة الطرفين، بشرط أن يكون التخصص غير متوافر في البلد.
وتسير المدرسة لمدة ستة شهور، إما بضمان بنكي وتدفع الدولة فوراً 85% وإما أن يقوم الآباء بتسييرها دون أن يطلبوا مساعدة مالية من الدولة خلال الستة أشهر، وبعد ذلك تنظر الدولة في استكمال المدرسة للشروط اللازمة، فإذا كانت كاملة، دفعت النسبة المطلوبة من التكلفة 85% بأمر رجعي.
وهذا النظام فريد من نوعه في الدول الأوربية، إذ لا يوجد مثله في دولة أخرى، ولا توجد مدارس خاصة في الدول الإسكندنافية وغيرها من دول أوروبا بهذا التسهيل.
ولكل مدرسة مجلس إدارة يتكون من خمسة أعضاء، أو أكثر أو أقل حسب النظام الأساسي، ويعين مجلس الإدارة مديراً للمدرسة، ويعين مجلسَ الإدارة الآباءُ، ويعين المعلمون بالمشاورة بين المدير ومجلس الإدارة، وكذلك إنهاء العقود، وبقية العاملين في المدارس يعينهم المدير.
ولا بد من إكمال مائتي يوم دراسي في السنة كلها، وهذه الأيام هي التي تغطيها الدولة بالنسبة التي عليها أن تدفعها.
وتشترط وزارة التربية وجود محاسب قانوني، يعتمد حسابات المدرسة ويراجعها.
والدولة تطلب من المسلمين أن يحلوا مشكلاتهم ويعينوا لهم جهازاً أمامها تتعاون معه في حل تلك المشكلات، وتمنح الدولة هذا الجهاز صفة رسمية معينة.
ولكن المسلمين ليس لديهم هذا الاستعداد لهذا الاجتماع، لأن تفرقهم المبني على الأهواء يحول بينهم وبين ذلك.
الجماعات الإسلامية في الدول الإسكندنافية:
[وكذلك غيرها من الدول الأوربية].
1 ـ المتأثرون بفكر الأخوان، ويشترك في هذا جنسيات مختلفة من العرب والأتراك والباكستانيين.
2 ـ المتأثرون بأسلوب جماعة التبليغ، وأكثرهم من باكستان ويوجد معهم قليل من العرب.
3 ـ المتأثرون بالفكر الصوفي، وأكثرهم من مسلمي الدنمارك، وسبب إقبالهم على الطرق الصوفية، رد الفعل للحياة المادية التي يعيشون فيها، ويرون أن التصوف هو سبيل التخلص من آثار تلك الحياة، ويشترك معهم بعض المغاربة. [ويحبذ ذلك للأوربيين المستشرقون والقسس، حيث يرون أن في التمسك بالإسلام الشامل الخالي من البدع خطراً على أوروبا ويرون الأوربيين يميلون إلى معرفة الإسلام فيحبذون لهم التصوف بطريق مباشر أو غير مباشر والغالب أن يدلوهم على فكر ابن عربي وأمثاله من الغلاة في هذا الباب].
4 ـ ويوجد أنصار للإيرانيين، وهم منظمون وتجمعاتهم قوية، وأكثرهم في السويد، ولهم لقاءات دورية، ونشاط ومنشورات ويشترك معهم جنسيات مختلفة، وليس معهم أحد من أهل الدول الإسكندنافية.
5 ـ ويوجد عدد قليل جداً من حزب التحرير، من ضمن اللاجئين الذين دخلوا الدنمارك.
6 ـ أما القاديانيون فيوجد منهم ثلاثون شخصاً، ولهم مسجد مستقل وحلقة يعقدونها لمسلمي الدنمارك ويشترك فيها الرجال والنساء، وهم في كوبنهاغن من سنة 1954م، وتمولهم إنجلترا كما هو معروف ولهم إمام، وهذه الجماعة هي التي كانت تشرف على الذبح الحلال الذي يصدَّر للدول الإسلامية من الدنمارك، ولكن الآن عُدِّل هذا الوضع، ويوجد لبعض الدول مندوبون هنا للإشراف على الذبح.
مراحل العمل الإسلامي في الدول الإسكندنافية:
مر العمل الإسلامي بمرحلتين:
المرحلة الأولى: مرحلة التأسيس والتجميع.
المرحلة الثانية: مرحلة الخلافات والزعامات، وخاصة من سنة 1975م، عندما بدأت المعونات المالية تأتي من بعض حكومات الشعوب الإسلامية، وهذه الصورة موجودة في الدول الإسكندنافية، وإن كانت في الدنمارك أكثر.
والسبب في هذا هو عدم وجود قاعدة تربوية تفرز الكفاءات الإسلامية السليمة.
فما تبدأ جماعة في العمل إلا وجدت من يشق العصا، بدون سبب إلا حب الزعامات، ولا دخل لحكومة الدنمارك في هذه الخلافات.
وإذا جاء إلى الدنمارك مدرس مسلم أو موظف في مدرسة من الخارج، فإنه يستطيع أن يواصل الدراسة الجامعية في الدنمارك، وذلك يمكنه من الاختلاط بالطلبة والمدرسين من أبناء الدنمارك، وفي الدنمارك خمس جامعات كما مضى.
وضاعت تذاكر السفر!
الجمعة: 13/12/1407 هـ.
كان الأخ خميس عبد اللطيف قد ذهب إلى مكتب خطوط الدول الإسكندنافية التي يطلق عليها اختصاراً: ساس (SAS)، ليغير تذكرة السفر من كوبنهاغن إلى ستوكهولم، لتكون من: مالمو إلى ستوكهولم، وكنت أنا في الفندق أسجل ما مضى من المعلومات بقلمي عن الأخ إسماعيل، وتأخر الأخ خميس تأخراً غير عادي، ثم جاء منزعجاً، وخرج من فوره عجلاً وقال: سأعود بعد قليل، وطال غيابه، ثم رجع وطلب مني الذهاب معه بسرعة! قلت: ماذا جرى؟ فقال: إن تذاكر السفر قد سقطت كلها.
وكانت تذاكر السفر الباقية على خط السير الآتي: كوبنهاغن، ستوكهولم ـ مالمو ـ هلسنكي ـ أوسلو ـ لندن ـ باريس ـ جدة ـ المدينة. وكانت التذاكر في غلاف من ورق الخطوط الجوية التي جرت العادة أن تضع فيها التذاكر، ويبدو أن الأخ خميساً عندما كان يسير في الشارع انسلت التذاكر من الغلاف الذي كان في يده.
فذهبنا إلى مكتب الخطوط السعودية، وبلغناهم بما جرى، وكان من حسن الحظ الذي قدره الله أن عندي صورة طبق الأصل القديم الذي غيرت خط سيره في مدينة فرانكفورت.
فقال مدير الخطوط، وهو من الدنمارك: لا بد من الاتصال بالخطوط السعودية في المدينة المنورة التي أصدرت التذاكر، للتحقق من صحة الإصدار، وهذا نظام لا نستطيع تجاوزه، وسنبعث برسالة عن طريق التلكس إلى المدينة، ولكن اليوم هو الجمعة وهو إجازة في السعودية، وغداً السبت وبعده الأحد، وهما يوما إجازة عندنا هنا، فلا ينتظر الرد من السعودية إلا من يوم الاثنين فما بعد، فسلمنا أمرنا لله وذهبنا، وستأتي نتيجة هذه الحادث في وقتها.
مقابلة إذاعية:
كنت على موعد مع الأخ خميس، لإجراء حوار ومقابلة في إذاعة الفاتحة بعد عصر هذا اليوم، وكان الأخ خميس منزعجاً جداً، بسبب فقد التذاكر، وكنت أحاول أن أهدئه وأظهر له سهولة الأمر، وأن في الإمكان رد الجواب من المدينة بسرعة، ولعله كان يظن أني قد تكدر خاطري، فلا أستطيع أن أحضر معه إلى محطة الإذاعة، فقال لي بلطف: ما رأيك في الإذاعة؟ فقلت: نحن على موعدنا، وأرجو أن تهون على نفسك في شأن التذاكر.
وذهبنا إلى الإذاعة وأجريت المقابلة التي استغرقت ساعة تقريباً، وكانت تتعلق بالتعريف بالجامعة الإسلامية ونشاطها، والفوائد العائدة إلى المسلمين منها، وحث المسلمين من الجاليات في أوروبا على الحرص على التمسك بدينهم، وحفظ أولادهم من الذوبان بتعليمهم دينهم، وأن يكونوا قدوة حسنة لهم، وبعث أولادهم إلى الجامعات الإسلامية ليتفقهوا في الدين وينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم.
وتطرق الأخ خميس لموضوع الزواج بغير المسلمات في أوروبا، وأجبته باختصار بالشروط الواجبة للزواج بالكتابية. [وقد ألفت رسالة خاصة بهذه المسألة، بعنوان: حكم الزواج بالكتابية في دار الكفر، طبعتها مكتبة دار حافظ في جدة].
حوار مع بعض المسلمين في منزل الأخ خميس:
ثم ذهبنا إلى منزل الأخ خميس لتناول طعام ذبيحة العيد.
واجتمعنا بعدد من المسلمين من المغرب وباكستان وبعض مسلمي الدنمارك.
الأخ عبد السلام:
وعدد هؤلاء ثلاثة، وكان عند أحدهم وهو أصغرهم كلمات قليلة باللغة العربية، وهو شاب مرح كثير النكات وتأخر طعام الأخ فمسك على بطنه وقال: أنا جوعان وعمره خمس وعشرون سنة. واسمه عبد السلام. فسألته عن سبب إسلامه؟
فقال: كنت أشعر بأني في حاجة إلى معرفة دينٍ مّا، فبحثت في الأديان المختلفة: اليهودية والنصرانية والبوذية والإسلام، فوجدت الحقيقة في الإسلام، ورأيت أنه يجب على أن أتمسك بهذه الحقيقة وأسلمت قبل ست سنوات.
الأخ عبد الرحمن:
وقال الأخ عبد الرحمن، وهو أكبر الثلاثة سناً: إن السؤال الصحيح ـ كما يراه هو ـ أن يقال لمن لم يسلم: لماذا لم تدخل في الإسلام، ما السبب الذي يؤخرك عن الدخول في هذا الدين؟ أما الذي يسلم فقد فعل الأصل الذي لا يسأل عن سببه. وقال الأخ عبد الرحمن: إنه مسلم من يوم ولد، لأنه ولد على الفطرة، ولكن لما كان في الدنمارك لم يتمكن من معرفة الإسلام الذي هو دين الفطرة، لأن أسرته وجيرانه ومجتمعه كله كان بعيداً عن الإسلام.
وعندما بلغ من العمر سبعاً وعشرين سنة وكان في كينيا، تعرف على الإسلام ووجد فيه ضالته فأسلم. [قلت: فكان ذلك سبباً في إسلامه!] وينتقد الأخ عبد الرحمن المسلمين الموجودين في أوروبا، بأنهم يتجمعون تجمعات وطنية، فتجد المغربي مع المغربي، والتركي مع التركي، والباكستاني مع الباكستاني، والمصري مع المصري، فإذا دخل الإنسان المسجد في أوقات متعددة يجد الأصدقاء من تلك الشعوب يتجمعون مع بعضهم ولا يلتقون مع سواهم، والمفروض أن يحتكوا بالمسلمين من أهل البلد، وغير المسلمين أيضاً ويصادقوهم ويحدثوهم عن الإسلام، سواء أسلموا أم لم يسلموا، وسألت الإخوة العرب والباكستانيين الموجودين عن رأيهم في كلام الأخ عبدالرحمن فأيدوه فيما قال. [هذه الشكوى الصادرة من المسلمين من أهل أوروبا تكررت وأيدها الإخوان المسؤولون عن الدعوة وتنبه كثير منهم لذلك فلعل الدعاة وغيرهم من المسلمين يغيرون مواقفهم ويحتكون بالمسلمين الجدد، ولا يمنع ذلك من تجمع أهل كل بلد على حدة عندما يحتاجون إلى ذلك لمصالح تخص بلدهم، أو للتحدث بلغتهم الخاصة التي لا يجيدها غيرهم].
أمير السكارى!
وبعد أن تناولنا طعام العشاء وتفرق الإخوة، ذهب معي الأخ خميس ليوصلني إلى الفندق في القطار، وعندما صعدنا إلى القطار وجدنا مجموعة من الشباب في إحدى غرف القطار، وأحدهم يصيح بأعلى صوته ويرغي ويزبد ويحيي كل من دخل القطار من هذه الجهة، أو من يلتفت إليه بلغة الدنمارك أو الإنجليزية، والشباب الذين معه يضحكون بأصوات مرتفعة وعيونهم محمرة، وأميرهم يقوم ويقعد ويفتح النافذة وينظر إلى الواقفين على الأرصفة ويحييهم ويتحدث إليهم، ثم يغلقها ويقعد وينظر إلى من حوله ويحيى ويتحدث، ونظر إليَّ فحياني بلغته، فلم أبتسم له ولم أرد عليه فحياني باللغة الإنجليزية، فلم أزل ساكتاً وكأني لم أره، فأخذ يرقص ويهذي وجماعته يضحكون حتى يميل بعضهم على بعض، وكانوا كلهم قد أذهبت أم الخبائث عقولهم، وقد اعتادوا في مثل هذه الليلة، وهي ليلة إجازة وكذلك الليلة التالية أن يملئوا بطونهم ببحيرات من الخمر ويسهروا سهراً طويلاً.
ويبدو أن أفضل السهرات المغيبة للعقول، هي السهرات الجماعية التي تحظى فيها الجماعة بأمير مهذار قادر على إضحاكهم مدة طويلة، في تلك الليالي الساهرة!
الرجوع من مالمو إلى كوبنهاغن:
السبت: 14/12/1407هـ
وفي الساعة السادسة مساء ودعنا الإخوة في المخيم، وذهبنا إلى الميناء بمدينة مالمو السويدية، وعدنا في الباخرة إلى مدينة كوبنهاغن مرة أخرى، ولم نجد عند خروجنا من السويد ولا عند دخولنا الدنمارك موظفي جوازات ولا جمارك، وكأنك خرجت من حارة في مدينتك إلى حارة أخرى!
في كوبنهاغن مرة أخرى:
الاثنين: 16/12/1407هـ.
اتصل بي الأخ خميس عبد اللطيف في الساعة التاسعة صباحاً، وقال لي: إني آت إليك لنذهب إلى مكتب الخطوط السعودية لمعرفة ماذا جرى فيما يتعلق بتذاكر السفر المفقودة، وقلت له: ستجدني في قاعة الاستقبال في الأسفل إن شاء الله.
عقبات في طريق البلاغ المبين:
وتأخر الأخ خميس قليلاً، وكنت أفكر في بعض الأمور التي سمعتها من المسلمين، من أهل البلدان الأوربية، أو الوافدين إليها، أو فهمتها من خلال مناقشاتي مع غير المسلمين، وهي تتعلق بالإمكانات التي إذا تيسرت كانت سبباً في نشر الإسلام، أو المشكلات التي تعترض طريق نشر هذا الدين، فأخرجت قلمي وفتحت دفتري وكتبت ما استحضرت من العقبات:
1 ـ عدم اهتمام كثير من حكام الشعوب الإسلامية بالدعوة الإسلامية، بل أدهى من ذلك محاربتهم للإسلام بعدم حكمهم به، وتربية شعوبهم على البعد عنه، تعليماً وإعلاماً وسياسةً واقتصاداً وقضاءً وغير ذلك.
2 ـ قلة تفقه كثير من زعماء الحركات الإسلامية في الدين، تفقهاً يميزون به بين المصالح والمفاسد عند الموازنة والاختيار.
3 ـ اختلاف الجماعات الإسلامية وتربية أعضائها على التحزب لها في الغالب، وكراهة الجماعات العاملة الأخرى في نفس ميدانها.
4 ـ وجود زعامات تدعي العلم والحرص على الدعوة إلى الله، بطرق تباين في جوهرها نصوص القرآن والسنة وقواعد الإسلام العامة.
5 ـ اتباع كثير من الذين ينصبون أنفسهم للدعوة، أهواءهم وسعيهم في تفريق صفوف الجماعات الإسلامية لأغراض شخصية مادية.
6 ـ عدم إجادة كثير من الدعاة إلى الإسلام لغات أهل البلد الذي يقومون بالدعوة لهم.
7 ـ عدم اهتمام المؤسسات الإسلامية بترجمة معاني القرآن الكريم ترجمات صحيحة، وكذلك الكتب الضرورية التي تمكن المسلم وغير المسلم في البلدان الأجنبية من التعرف على الإسلام، وإذا وجد من عنده القدرة على الترجمة، لم يجد من يعينه على تكاليف العمل والطبع والنشر.
8 ـ عدم الاهتمام بتخريج الدعاة الأكفاء، علماً وعملاً وفقهاً لنفسيات الشعوب وعاداتهم وبيئاتهم.
9 ـ بخل كثير من أغنياء المسلمين، بالإعانات المالية لبعض المؤسسات والجمعيات الإسلامية التي تحاول أن تقوم ببعض الواجب في هذه البلدان، وخير ما يمكن أن تعان به تلك المؤسسات، هو الوقف الإسلامي الدائم الذي يمكنها من الاستمرار في نشر الإسلام، بكل السبل الممكنة.
10 ـ بعد كثير من المسلمين الذين يسكنون في هذه البلدان عن دينهم، وظهورهم بمظاهر تسيء إلى الإسلام، وكذلك تصرفات بعض المسلمين في الشعوب الإسلامية المنفرة من الإسلام.
11 ـ عدم اهتمام كثير من المراكز الإسلامية بمن دخل في الإسلام من أهل هذه البلدان، مما يجعلهم في عزلة ومشقة، لأنهم عندما يدخلون في الإسلام تنبذهم أسرهم ومجتمعاتهم، ولا يجدون من يحتضنهم من المسلمين ويسليهم، وقد يرتد بعضهم عن الإسلام، وبعضهم تحتضنهم الفرق الضالة كالقاديانية والصوفية المتطرفة.
ولو أحسن توجيههم واهتمت بهم المراكز الإسلامية، لكانوا أكبر عون على دعوة أبناء وطنهم، بدلاً من أن تكون حالتهم التي يعيشون فيها الآن فتنة لهم ولمن يفكر في أن يدخل في الإسلام.
12 ـ عدم وضع المسؤولين عن المراكز الإسلامية خططاً ثابتة، لدعوة غير المسلمين، كما يفعلون بالنسبة للمسلمين، واكتفاؤهم بإجابة من جاء يسألهم عن الإسلام بنفسه، أو جاء ليشهر إسلامه بعد أن بحث هو عن حقيقته، وهذا يخالف سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم في الدعوة، حيث كان يغشى بها الناس في أماكنهم ويصبر على أذاهم.
13 ـ عدم وضع الكفاءات القادرة على الدعوة في أماكنهم التي يمكن أن يفيدوا فيها، بفكرهم أو أعمالهم.
14 ـ عدم التنسيق بين المؤسسات الإسلامية، في الدعوة وما يتعلق بها.
وهذه واحدة!
حينما كنت أكتب ما مضى كان يحيط بي أربع عجائز، وكانت إحداهن على يميني، فكانت تصوب نظرها إلى كتابتي وتلتفت لزميلاتها، فأخذن كلهن ينظرن، وحاولت التي على يميني أن تفهم مني شيئاً، فسألتني سؤالاً لم أفهمه، وكررت السؤال، وذَكَرَتْ اسمَ الله باللغة الإنجليزية، ولم أستطع أن أرد عليها لأني لا أفهم اللغة الإنجليزية، وأسفت أسفاً شديداً لذلك، إذ لو كنت أجيد اللغة لكانت فرصة لدعوتهن، وقد أشرفن على الرحيل من هذه الدار.
وكان يظهر على وجوههن الإعجاب بهذا الفن الجميل الذي تبدأ كتابته من اليمين إلى اليسار، والله أعلم أهذا هو السبب أم لا؟ قلت: وهذه واحدة من العقبات التي تعترض الدعوة إلى الله، وهي عدم إجادة اللغة التي يمكن أن يخاطب بها المدعوون.!
وعلى كل حال فقد قالت تلك العجوز: ذلك جيد وابتسمن وذهبن.
يا ليتهم مسلمون، ويا ليتنا نعتبر بهم!
وجاء الأخ خميس فذهبنا أولاً إلى شركة الخطوط الإسكندنافية (SAS) قبل أن نذهب إلى مكتب الخطوط السعودية، لنسألهم إن كان أحد جاءهم بالتذاكر المفقودة، وكانوا قد اهتموا بالأمر من قبل، حيث اتصلوا بمكتب السعودية في كوبنهاغن، وأخذوا صورة من التذاكر المصورة واتصلوا بمكاتبهم في المطار، لإبلاغهم بالأمر، وسؤالهم وعندما جئنا أبدوا أسفهم لعدم العثور على التذاكر.
ثم ذهبنا إلى مكتب الخطوط السعودية، وعندما رأتنا الموظفة داخلين قالت وهي تبتسم: أوكي (طيب) وناولتنا التذاكر جاهزة.
وطلبت منها أن تبلغ المدير بأني أريد أن أراه وهو من أهل الدنمارك، فجاء وشكرته على اهتمامه، وسألته: هل جاء الجواب من المدينة، أو وجد الأخ مدير مكتب السعودية في فرانكفورت أحمد مصطفى؟ فقال: لم يأتني جواب من المدينة، ولا وجدت أحمد مصطفى، وإنما توليت أمرها تيسيراً عليك، وثقة بصدقك، واستئناساً بالصورة التي معك، فكررت شكري له وودعناه وخرجنا. [وقد وعدته ببعث بعض الكتب الإسلامية المترجمة].
واهتمام هذا الرجل الطيب ومعاملته الحسنة، ومحاولته قضاء حاجة صاحب الحاجة بأقصى سرعة، هو القاعدة في هذه البلدان من كل عامل وموظف، مع كل مراجع صاحب حق.
والإخوة المسلمون الذين يسكنون في تلك البلدان، يشهدون بذلك ما دام الأمر في حدود القانون، والموظفون يعاملون الناس على أساس أنهم يخدمونهم، لا على أساس الغطرسة والكبرياء الكاذبة، المبنية في كثير من الأحيان على الجهل والنقص في الخبرة والإدارة وكيفية سير العمل.
لذلك تجد الموظف في كثير من البلدان الإسلامية يهمل معاملات الناس إلا إذا كانت لأصدقائه أو توسط لصاحبها أحد أصدقائه، وقد يصل إهماله لها إلى ضياعها، مهما كانت الأضرار الناتجة عن الإهمال أو الضياع، فتتراكم بسبب ذلك المعاملات ويكثر المراجعون، ويحصل الزحام وتضيع الأوقات العامة والخاصة ويتذمر الناس، والموظف لا يبالي بشيء من ذلك تجده ـ إن كان موجوداً على مكتبه ـ كالقرد، يفتح عينيه ويغمضها ويضع رجلاً على أخرى غير ملتفت للناس، فإذا سأله أحد عن معاملته قال له: ما جاد به لسانه دون تفكير: تعال بكرة، أو يوم السبت أو بعد أسبوع، وقد قال لي كثير من الإخوة الساكنين في الغرب: إن أكثر المعاملات تنجز عن طريق البريد أو الهاتف، ولا يحضر صاحب المعاملة إلا إذا كان الأمر يقتضي حضوره شخصياً!
قلت: يا ليت المسلمين، وهم أولى بحسن الخلق من غيرهم وقضاء حاجات الناس وأداء حقوقهم، يا ليتهم يأخذون من ذلك عبرة ويعودون إلى أنفسهم ليقنعوها بأنهم في وظائفهم أجراء ليخدموا الناس، لا ليتكبروا عليهم ويضيعوا حقوقهم!
ويا ليت أولئك الكفار الذين يعاملون الناس بتلك المعاملة الحسنة، ويؤدون إليهم حقوقهم في أسرع وقت، يا ليتهم يكونون مسلمين، فإنهم لو أسلموا مع وجود تلك الطباع الطيبة سيعمرون الأرض حق عمارتها!
والله وحده المستعان!
ثم ذهبنا إلى منزل الأخ خميس الذي يطلق عليه الشيخ أبو بكر الجزائري: الجيش لأن الخميس في اللغة يطلق على الجيش، وتناولنا طعام الغداء.
لعب ولهو!
قال لنا الأخ علي إسماعيل قبل يومين: لو زرتم مدينة الملاهي لتطلعوا على العجائب التي تحويها. ولم يكن عندنا في هذا اليوم مواعيد فذهبنا إليها.
فيها ملاعب للأطفال من كل نوع، على مستوياتهم المختلفة، وبها ملاعب للشباب كذلك من كل نوع على مستوياتهم المختلفة، وبها ملاعب للعجزة، وأغلبها تتعلق بالحظ ـ القمار ـ وقد تجد في بعض ملاعب الأطفال شباباً أو عجائز أو العكس، ولكن الغالب أن لكل صنف من الملاهي، فئة من البشر، وبها مطاعم ومتاحف ومقاهي.
وللعجائز آلات يضعون في ثقوبها قروشاً، ويضغطون على أزرار معينة ليجد كل واحد حظه بعد أن تبلع تلك الآلات قروشه التي وضعها، فينزل في الرف الذي أمامه من الآلة شيء من القروش، أقل أو أكثر من قروشه أو قروش ليست ذات قيمة، بعضها فيه ثقوب تمنع من الاستفادة منه.
والغالب أن يخسر هؤلاء ولا يربحوا، فيعود غالبهم خالي الوفاض، ولكنك ترى أولئك العجائز مصرين على الاستمرار في رمي قروشهم في الآلة لأمرين:
الأمر الأول: طمعهم في الربح الموهوم من هذه المقامرة.
والأمر الثاني: أن تلك الآلات مغرية لأولئك العجائز بالتلهي والاشتغال عن الفراغ القاتل والوحشة المقلقة، فهم إذا رجعوا إلى منازلهم لا يجدون سوى جدران غرفهم تحيط بهم، أو الكلاب التي يفرغون حنانهم في قبلاتها واحتضانها، أما هذه الآلات فإنهم إضافة إلى لعبهم يجدون أنفسهم بين أعداد هائلة من أمثالهم.
ومن ملاعب الأطفال والشباب: القطارات السريعة التي تعلو وتسفل على قضبانها بسرعة هائلة وغيرها.
وكل تلك الألعاب كما سماها أهلها: ملاهي، وهي في الحقيقة تظهر للمسلم معنى قول الله تعالى: {إنما الحياة الدنيا لعب ولهو} وقد انتقلت إلى بلدان المسلمين فبالغوا فيها، والمقصود بالحياة الدنيا: كل عمل يلهي عن عبادة الله الشاملة التي تكون بها عمارة الأرض عمارة مبنية على ما شرعه لعباده، محققة مصالحهم المعتبرة في دينه.
وإذا قارنا بين ما أراده الله من عمارة الأرض على ضوء ما شرع، وبين ما يصنعه غالب العالم اليوم، ولو بلغ ما بلغ من عمارة الأرض المادية على غير هدى الله، تبين لنا أن ذلك كله لعب ولهو. وأن الجد في العمل، إنما هو العمل المفيد للبشرية، وهو من حيث المادة يحصل من المسلم وغيره، ولكن كثيراً من غير المسلمين تفوقوا في الجد، وغالب المسلمين تفوقوا في اللعب والتأخر عما يكسبه القوة، مع أن عمل المسلم الجاد يؤجر عليه ولو كان مباح الأصل ما دام يريد به رضا الله.
وقد استغرق مرورنا على تلك العجائب ما يقارب الساعتين، ولم نكن نتوقف في مكان إلا لننطلق إلى آخر، لكبر تلك المدينة!
ذهبت الأيام هذه الأخيرة في الدنمارك بدون فائدة تذكر، ولهذا تجد مذكراتها فقيرة.
إيش فيك أنت؟.
الثلاثاء: 17/12/1407 هـ.
جاء إليَّ الأخ خميس في الفندق، والتقى في المصعد برجل أوربي، فقال له الرجل بالإنجليزية: مساء الخير، فرد عليه الأخ خميس مثلها، وظهر على الرجل شيء من المرح، وشم الأخ خميس رائحة تنبعث منه، اتضح له منها أنه كان شارباً، فقال له: هل شربت؟ فانفعل الرجل وقال له باللغة العربية: إيش فيك أنت؟! وكان الأخ خميس لابساً زياً عربياً.
قلت للأخ خميس عندما جاء يخبرني بذلك: لعل الرجل عربي، فقال: لا، شكله واضح بأنه أوربي، ولكن ربما أقام مدة في بعض البلدان العربية في شركة أو غير ذلك.
قلت: جائز، ولعل الرجل عندما سكر أوحى إليه شيطان الخمر بهذه الكلمة! كما يقال عن بعض المحترفين للشعوذة: إن الذي يصاب بالمس الشيطاني يتكلم بغير لغته لأن الجن تتكلم بتلك اللغة!
هذه النكتة هي حصيلة هذا اليوم الذي لم أغادر فيه الغرفة.
الأربعاء: 18/12/1407 هـ.
ذهبنا اليوم إلى أحد موانئ مدينة كوبنهاغن وتجولنا في الشاطئ على البحر قليلاً ثم رجعنا فأخذنا الحقائب، وقد حاسبنا أهل الفندق، وذهبنا إلى المطار، وبعد أن سلمنا الحقائب لموظفي الخطوط، وأخذت بطاقة صعود الطائرة ودعني الأخ خميس وذهب.
هم قادمون، وأنا مسافر!
ودخلت أنا ألتمس الباب المؤدي إلى دخول الطائرة، وعندما وصلت إلى الباب، لم أجد أحداً من الركاب ولا من الموظفين، ولم أجد أحدا يختم الجواز، أو موظفاً يأخذ قسيمة بطاقة صعود الطائرة، وكان قد بقي من الوقت ما يقارب نصف ساعة، فخشيت أن يكون الناس قد دخلوا، والباب المؤدي إلى الممر مفتوح لا يوجد به أي حاجز، لا ثابت ولا متحرك!
فدخلت إلى أن وصلت إلى الباب المؤدي إلى موقف الطائرة، فوجدته مغلقاً، وبقربه بعض الموظفين، فالتفتوا إلي وسكتوا، فقلت لهم: أنا أريد السفر إلى ستوكهولم، وظننت أن الركاب قد صعدوا وأن الباب قد أغلق، فقال لي أحدهم: ارجع وذكر لي دقائق، فظننت أنه يقول لي: إن الوقت قد انتهى، وأن الطائرة قد أقلعت من كذا دقيقة، فألححت عليهم قائلاً: إنني أريد أن أدخل وأسافر، ففهم أحدهم أني لا أجيد التحدث باللغة الإنجليزية ولا أفهم بها، فقال لي: بكلمات بطيئة وفصيحة شبيهة بنطق التجويد عندنا: ارجع وبعد ربع ساعة عُد، فإذا بالباب يفتح، والركاب ينزلون من الطائرة، ففهمت أن الطائرة التي سأسافر عليها، وصلت الآن برحلة، وأن ركابها قادمون، وليسوا مسافرين، فعرفت الحقيقة الناس قادمون وأنا مسافر! ورجعت، فجلست.
وقد تعجبت مما رأيت في هذا المطار: لا موظف جوازات، ولا رجال أمن، ولا موظف خطوط في ممر الدخول إلى الطائرة. يدخل الراكب الذي لا يدري مثلي إلى باب الطائرة دون أن يجد من يقول له: ارجع، فقلت:"سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين و إنا إلى ربنا لمنقلبون".
السفر إلى مدينة ستوكهولم:
وبدأ زملاء رحلتي يفدون، وبعد ربع ساعة أعلن عن دخول الطائرة. فصعدنا في الساعة الرابعة والدقيقة العشرين، وأقلعت في الساعة الرابعة والدقيقة الرابعة والخمسين، من مطار كوبنهاغن الذي يقع في جنوب شرق المدينة، والبحر يحيط بهذه المدينة من الشرق إحاطة كاملة، أما من الجهات الأخرى فإن خلجانه تتخللها. ويفصل الخليج بينها وبين ضواح مجاورة لها، في شرقه وتقع بغرب المدينة جزيرة صغيرة جداً على يسار الطائرة المتجهة إلى ستوكهولم، تشبه تلك الجزيرة قارة استراليا في الشكل.
وكانت الطائرة متجهة إلى الشمال مع الميل إلى الشرق وأراضي السويد التي مررنا فوقها، في غاية الروعة والجمال مكسوة بالخضرة: جبالها وسهولها ووديانها، وتكثر بها البحيرات والأنهار الصغيرة، وتنتشر القرى الصغيرة المتباعدة، ويبدو أنها من أجمل بلدان العالم. وكان الجو صحواً والشمس ساطعة مما جعلني أتمكن من الرؤية والتمتع بذلك الجمال الأخاذ.
فرغت من تصحيح هذه الأوراق المتعلقة بمملكة الدنمارك
في الساعة الواحدة بعد ظهر يوم الأحد
الموافق 18 من شهر ذي القعدة لعام 1426هـ ـ 19/12/2005م
في منزلي بالمدينة المنورة، والحمد لله رب العالمين.
وسبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.
ملحقات عن المسلمين في الدنمارك من بعض المواقع في الشبكة العالمية:
الملحق الأول:
http://news.filbalad.com/News.asp?NewsID=9132
الملحق الثاني:
http://www.saaid.net/Doat/shaya/1.htm
الملحق الثالث:
http://www.islamonline.net/Arabic/news/2005 ـ 11/19/article02.shtml
الملحق الرابع:
http://www.islamonline.net/Arabic/news/2005 ـ 12/04/article03.shtml
الملحق الخامس:
http://www.saaid.net/Doat/shaya/1.htm
الملحق السادس:
http://www.islamonline.net/Arabic/news/2005 ـ 12/10/article10.shtml
الملحق السابع:
http://www.islamonline.net/Arabic/news/2005 ـ 12/10/article10a.shtml
الملحق الثامن:
http://islamtoday.net/islam/articles/show_articles_content.cfm?id=102&catid=105&artid=2155
(1) انظر صورة رقم (1) في ملحق صور بلجيكا.
(2) انظر الصورة رقم (2).
(3) انظر الصورة رقم (4). 3
(4) انظر الصورة رقم (1) في ملحق صور هولندا.. 4
(5) صورة رقم (2) في جامعة ليدن. 5
(6) انظر الصورة رقم (3) مع عبد الواحد فانبوميل. 6
(7) انظر الصورة رقم (4) المسلم الهولندي يونس. 7
(8) انظر الصورتين رقم (5) ورقم (6) في ملحق صور هولندا.. 8-9
(9) انظر الصورة رقم (2) في الملحق. 10
(10) انظر الصورة رقم (1) في ملحق صور الدنمارك. 11
??
= ــــــــــــــــ
=
??
??
63