في مدينة لوس إنجلوس
في مدينة لوس إنجلوس
ذكر المدينة النبوية هزَّ قلوب المسلمين..!
وعند خروجنا من ممر العبور الذي يصل بين الطائرة وقاعة المطار مباشرة، قابلنا الأخ الشيخ تاج الدين شعيب الغاني الذي تخرج في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، من كلية الدعوة وأصول الدين قبل ثلاث سنوات، وهو مبعوث من قبل الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، وكان من الطلبة الذين تلقوا تعليمهم على يدي في المعهدين: المتوسط والثانوي في الجامعة في العقيدة والتفسير والفقه والنحو، كما كان من طلبة القسم الداخلي الذين أشرفت عليهم عندما كنت مسؤولاً عن شؤون الطلاب في الجامعة، وهو من الطلبة النشيطين في دراستهم في الجامعة.
وكان في الأصل يعمل مع البلاليين في مركزهم الرئيس في شيكاغو، ولكن زعيمهم طلب منه أن ينتقل إلى مركزهم في لوس إنجلوس ففعل. وكان معه في استقبالنا بعض أعضاء البلاليين ومعهم نساء وأطفال اشتاقوا للقائنا عندما علموا أننا من مدينة الرسول ((صلى الله عليه وسلم))، وللمدينة في نفوس المسلمين شأن كبير وعواطفهم نحوها جياشة، فعلى أهل المدينة أن يؤدوا واجبهم في استغلال تلك العواطف للسير بها إلى الله، قدوة وتعليما ودعوة، عندما يزورها الحجاج والمؤتمرون من كل أنحاء العالم.
مفاتيح الفندق أرقام سرية!
وكان الأخ تاج الدين قد حجز لنا في فندق في أنظف منطقة وأقذرها كذلك، أنظف منطقة من حيث الشوارع والهدوء وغيرها، وأقذر منطقة لأنها في هوليود الشهيرة التي تضم الممثلين والممثلات الذين يصدرون من هنا أسوأ التمثيليات وأقذرها، ولقد رأينا ذلك في التلفزيون وفي الصور المعلنة في الشوارع عن الأفلام السينمائية التي تعرض.
وصلنا إلى الفندق وبعد الإجراءات اللازمة وهي سهلة وسريعة، طلب منا مدير الفندق أن نختار رقما سريا نفتح به باب حجرتنا، عوضا عن مفاتيح اليد العادية فاخترت رقماً وسجله في الخازن الآلي [كمبيوتر] وعندما صعدنا إلى الغرفة وجدنا بها أرقاما سرية شبيهة بأرقام الحقائب اليدوية، ففتحنا الباب بالرقم السري المتفق عليه. [كان هذا من العجائب المدهشة عندنا في تلك الأيام!].
وذهب الأخ تاج الدين إلى منزله ليعود إلينا صباح غد الثلاثاء ومعه السيارة التي تم استئجارها لنا من بعض الشركات.
ضجة حول فن قبيح نسب إلى الإسلام..!
الثلاثاء الموافق 13/8/1398هـ.
جاء إلينا الأخ تاج الدين مبكراً للقيام بجولة في المدينة، وكنا سمعنا ضجة حول طالب من بعض البلدان الإسلامية من ذوي الثراء، اشترى مقصورة كبيرة في أغنى أحياء المدينة بثلاثة ملايين دولار، وأن على جدار حائط المقصورة تماثيل ذكور وإناث، وأن الطالب المذكور أبرم عقداً مع بعض الفنيين للقيام بتجميل التماثيل المذكورة بالدهون، وأسوأ ما عمله هو تجسيم أعضاء الذكورة والأنوثة، وأنه عقدت معه مقابلة في التلفزيون وسئل عن ذلك فقال إنه فن إسلامي وفي الإسلام فن كغيره!! وأن المسيحيين استنكروا ذلك، وأخذ اليهود ينشرون ذلك في جميع أنواع أجهزة الإعلام التي يسيطرون عليها.
سألنا الأخ تاج الدين شعيب عن ذلك فقال: نعم ذلك ما حصل وإذا شئتم أن تروا بأنفسكم العمارة فلنذهب الآن، فذهبنا ونزلنا عند المقصورة فرأينا لوحة على بابها الرئيس كتب عليها اسم المشتري باللغة العربية وكتب الآية الكريمة { ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ} [الحجر: 46]. وأخذنا نتجول حول الحائط الخارجي، فوجدنا بعض الناس وهم يصورون العمارة والتماثيل، والتماثيل نصبت على جدار داخلي غير الجدار الخارجي وهي كما ذكر.
ولقد أفزعنا ذلك المنظر الذي جعل الناس يفدون ليروه ويصوروه وينشروه، وأخذت أجهزة الإعلام كذلك تكرره على أسماع الناس وأبصارهم وتعلق عليه، مما جعل المسلمين ولا سيما العرب منهم يطأطئون رؤوسهم خجلاً مما حصل، وعندنا رقم المقصورة واسم صاحبها، ولو كان الأمر مستوراً لما أشرت إليه أصلاً، ولكنه معروف مشهور ويعتبر حديث الناس، ومعروف أن التماثيل محرمة في الدين الإسلامي الحنيف، فكيف إذا كانت هذه التماثيل تحمل مناظر خلقية سيئة؟!
أليس كان الأجدر بطلبة الشعوب الإسلامية أن يكونوا قدوة للناس، يدعونهم إلى الإسلام بسلوكهم بدلا من تنفيرهم بالسلوك السيئ؟ أليس الأجدر بهؤلاء أن ينفقوا أموالهم الفائضة على بعض المراكز والمدارس الإسلامية التي تضطر إلى الإعانات المالية لنشر الإسلام فلا تجدها؟
ألا فليتق الله كل مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر، وليربأ بنفسه عن سلوك ينفر الناس من الإسلام، وليراقب المسؤولون عن الشعوب الإسلامية أبناء شعوبهم في الداخل والخارج فالرسول ((صلى الله عليه وسلم)) يقول: ((كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)).
وعمل الفرد في بلاد الغرب لا ينسب إليه وحده، ولا إلى شعبه وحده ولا إلى جنسه وحده، وإنما ينسب أول ما ينسب إلى دينه، وكم كان فرح اليهود وسرورهم بهذا الأمر؟ وكم عملوا له من تمثيليات؟ ولم يبق فرد يقرأ ويسمع الإذاعة أو يشاهد جهاز التلفزيون إلا عرف ذلك..!
شكوى الدعاة من قلة الرواتب وتأخرها.
ولقد شكا الأخ تاج الدين من تأخر الرواتب من جهة، ومن قلة الراتب بالنسبة للحالة الاقتصادية في البلاد من جهة أخرى.
فالراتب ثمانمائة دولار تشمل أجرة المنزل وتكاليف الكهرباء والهاتف والنقل والملابس، وهناك لا بد من التأمين الصحي، وإلا فإن الفرد لا يقدر على تحمل مصاريف الاستشفاء إذا أصيب بمرض، وإني لأهيب بالمؤسسات الإسلامية المعنية بالدعوة أن تنظر في هذا الأمر وأن تراعي الحالة المعيشية في بلاد الغرب وفي اليابان أيضا، وتحدد للداعية إلى الله راتبا يكفيه ولا تجعله يظهر أمام من يدعوهم محتاجا إليهم، فإن ذلك يقلل من شأنه عندهم. وبعد جولة في المدينة عدنا إلى الفندق وعاد الأخ تاج الدين إلى منزله.
على ساحل المحيط الهادي الشرقي.
الأربعاء 14/8/1398هـ
وفي صباح هذا اليوم جاء الأخ تاج الدين مبكرا حسب طلبنا، إذ رغبنا أن نذهب لنقف على ساحل المحيط الهادي الشرقي في غرب مدينة لوس إنجلوس، ولهذا المحيط في نفسي اشتياق لأراه من الضفتين الشرقية في غرب أمريكا والغربية في شرق اليابان، ولأحلق فوقه بالطائرة أو أخوضه بالباخرة.
ذهبنا إلى المحيط الهادي ووقفنا على جانبه الشرقي، ورأينا أمواجه الهادرة التي تثب كل واحدة على أختها بتتابع عجيب، وكان اشتياقي لهذا المحيط وإعجابي به قديما منذ الصغر عندما كنت طالباً في معهد صامطة العلمي قبل ما يزيد عن ثلاث وعشرين سنة [سنة 1376هـ] في دروس الجغرافيا التي لم تكفني الخريطة العالمية المسطحة، بل ذهبت إلى أستاذ الجغرافيا في منزله، ليطلعني على صورة الكرة الأرضية التي لم يكن في ذلك الوقت يجرؤ على إحضارها في الفصل، خشية من بعض المتشددين من الطلبة الذين لم يكونوا يرضون أن توصف الأرض بأنها كروية، فضلا عن كونها تدور..!
وعندما رأيت الكرة وتأملت في موقع المحيط الهادي منها، قلت للأستاذ: إن المحيط يقع في أسفل الأرض وكيف يبقى هكذا دون أن ينكفئ؟ فضحك الأستاذ وقال: لو ذهبت إلى المحيط الهادي لرأيته فوق سطح الأرض وظننت أن موقعنا نحن في أسفل الأرض، فالعلو والسفل أمر نسبي، وفهمت هذا المعنى بعد ذلك من الرسالة العرشية لشيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله.
إذًا للمحيط الهادي ذكريات خيالية قديمة في نفسي، وأراد الله أن يحقق ذلك فعلاً، فله الحمد والمنة، وسيأتي الحوار الذي جرى بيني وبين هذا المحيط شعرا.
حقوق الإنسان والمناظر الثلاثة..!
وبعد تأمل طويل في أمواج المحيط وفي سعته التي نراها وتخيلٍ لسعته الحقيقية، رأينا ثلاثة مناظر كل منظر منها جعلني أتساءل عن حقوق الإنسان التي ينادي بها رئيس الولايات المتحدة الأمريكية ومجلس الأمن وكثير من دول العالم، وأتذكر كيف طبقها الولاة المسلمون فعلا في جميع المجالات.
المنظر الأول:
نظرت عن يساري فوجدت شخصين نائمين تحت مظلة مراقبة على جانب البحر يفترشان الرمل، وثيابهما ممزقة متسخة وحالتهما سيئة، فقلت للأخوين الزميل وتاج الدين شعيب، لنبعد عن هذين النائمين خشية إزعاجهما من جهة، وخشية أن يكونا سكرانين أو لصين فيعتديان علينا من جهة أخرى فابتعدنا عنهما.
المنظر الثاني:
نظرنا إلى اليسار فرأينا شيخا كبيرا وامرأة كبيرة أيضا لا يقل عمرهما عن سبعين سنة، وهما يتحسسان بجانب البحر في الأرض، كل منهما في يده عصا وفي أسفلها آلة، وفي أذن كل منهما سماعة مرتبطة بالآلة وهما جادان في البحث، يتحسس أحدهما ثم يأخذ يبحث في الأرض فيأخذ شيئا ويضعه في جيبه، وكان الرجل أنشط من المرأة فقلت: ماذا يفعل هذان؟ فقال زميلي الدكتور: لا ندري ولكن يمكن أن نقترب من الرجل ونسأله فاقترب الدكتور والأخ تاج الدين منه وسألاه: ماذا يفعل؟ فوقف وأجابهما بهدوء: إننا نبحث عن النقود المعدنية التي يرميها البحر ونذهب بها إلى البنك لنأخذ قيمتها ونقتات بها، ولنا مدة طويلة ونحن نفعل ذلك، واتضح أن في أسفل العصا آلة تشير إلى وجود الحديد.
المنظر الثالث:
رأينا شابا أسود لا يزيد عمره عن عشرين سنة، وهو يحمل فراشه تحت إبطه ويمر بأوعية القمامة التي يرمي الناس فيها فضلات أكلهم أو علب شرابهم، وكان يضع فراشه عند كل وعاء ويدخل يده ويحرك ما في داخل الوعاء، ويأخذ منه أشياء ويضعها في كيس معه، ورأيناه يرفع يده أيضا إلى فيه، والظاهر أنه كان يضع بعض الفضلات في كيسه وبعضها في فمه يفطر بها.
والظاهر أنه يفعل ذلك يومياً، ينام على جانب المحيط ليلاً، وإذا أصبح ذهب يلتمس رزقه من القمامة، لأن سيره كان عادياً جداً ووقوفه عند كل وعاء عادي كذلك، وكيفية تفتيشه في القمامة.
وقصة الزوجين العجوزين بالذات ذكرتني قصة اليهودي العجوز الذي رآه عمر بن الخطاب ((رضي الله عنه)) يتكفف لينفق على نفسه فأمر بإجراء رزقه، وقال: أخذنا منه الجزية في حال قوته وتركناه في حال ضعفه! فلو كانت حقوق الإنسان المنادى بها في تلك البلاد مطبقة لأمن رزقهما، إما من بيت مال الدولة دون مقابل عمل لضعفهما، وإما بإيجاد عمل خفيف يناسب شيخوختهما.
وذلك الشاب الزنجي القادر على العمل دون شك، كان يجب أن يعنى به في بعض مراكز التدريب المهني حتى يؤهل للعمل ويوظف في العمل المناسب، كما فعل الرسول ((صلى الله عليه وسلم)) للرجل الذي سأله وهو قوي، إذ أمره أن يحتطب ويبيع ففعل واكتفى عن المسألة.
ولكن الذي يرى الزنوج في حي هارلم وفي بعض المدن الأمريكية لا يدهشه ذلك، بل يعده أمرا طبيعيا عند قوم ربيت نفوسهم على الأنانية الرأسمالية الجشعة والأثرة الفردية المسماة بالحرية التي حطمت الصلات الإنسانية العادلة، ثم أخذنا جولة طويلة في المدينة.
ولا أنكر وجود مثل تلك الحال البائسة في بلدان المسلمين، بل إن عناية الدول غير الإسلامية برعاياها أكثر من كثير من حكومات الشعوب الإسلامية برعاياها.
في معهد الدراسات الإسلامية:
عدنا بعد تلك الجولة إلى زيارة معهد الدراسات الإسلامية الذي تم إنشاؤه عام 1976م وهو يتكون الآن من مدرستين:
1 ـ مدرسة قرطبة وهي تعنى بتعليم أولاد المسلمين هناك المواد الإسلامية، وبجانبها المواد التي تعتبر رسمية في المدارس الأخرى، ليكون الطالب مؤهلا لدخول الجامعات الأمريكية. وهي تشمل الروضة والابتدائي والإعدادي.
2 ـ ثم مركز تعليم اللغة الإنجليزية الذي يعنى بتعليم الطالبات المسلمات الوافدات اللغة الإنجليزية، مع الحفاظ على سلوكهن الإسلامي، وتدير المركز امرأة مسلمة، كما أن المعلمات مسلمات أيضا.
ولمدرسة قرطبة مبنى مستقل، وللمركز مبنى مستقل كذلك، وهما ضيقان لا يتسعان للطلاب والطالبات، ولكنهم مضطرون للبقاء فيهما لعدم الإمكانات المادية، ويظهر من التعريف الرسمي بالمعهد أن المركز ذو شعبتين شعبة للإناث وشعبة للذكور.
ويشارك في التدريس بمدرسة قرطبة بعض الطلبة المسلمين حيث يلقون بعض الدروس في أوقات فراغهم.
وقد اجتمعنا بأعضاء المعهد وعلى رأسهم رئيس مجلس الإدارة الأستاذ سعد الدين العزاوي وهو عراقي الجنسية، وهو شاب صالح يتوقد حماسا للدعوة حريص على هداية الناس كما بدا لنا.
وقد صلينا في المدرسة الظهر مع المدرسين والطلبة، وبعد ذلك شرح لنا حال المعهد والصعوبات التي تواجهه، فهو قائم على تبرعات المحسنين من خارج أمريكا ومن داخلها ويسهم في المساعدة اتحاد الطلبة المسلمين.
وأهم ما يعترضهم عدم اتساع المباني للطلبة والمكاتب الإدارية، لذلك حاولوا شراء مبنى كبير يتسع للمشروعات التي ينوون إقامتها وهي حسب المخطط: إعدادي، ابتدائي، مدارس صيفية، رياض أطفال، معهد للغة الإنجليزية، والكلية الإسلامية وهي ذات شعبتين: الدراسات الإسلامية، الدراسات العربية.
وقد وجدوا مبنى كبيرا جدا وأصله كنيسة كسدت بضاعتها، فاضطر المسؤولون عنها إلى بيعها، وإنها لفرصة في وسط المدينة يرفع فيها ذكر الله الحق بالتعليم الحق والأذان، وقيمة المبنى زهيدة جدا-إذا روعي فيها استبدال الذي هو أعلى بالذي هو أدنى ـ إنها ثلاثة ملايين دولار فقط، وهم الآن في مساومة مع أصحاب المبنى وقد وعدوا ببعض المساعدات ولكن إلى الآن لم يتلقوا شيئا يذكر.
ولقد سرنا ما يقومون به من تعليم أبناء المسلمين علما وعملا في جو كفر مظلم، ومثل هذه المشاريع جديرة بالمساعدة لأنها ثابتة ونفعها واضح، وقد وعدوا بمساعدة من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية وغيرها، وسمحت لهم وزارة الداخلية في المملكة العربية السعودية بجمع التبرعات، ونرى أن هذا المعهد من المؤسسات التي تتحقق بها بعض أهداف الجامعة الإسلامية ومثيلاتها، فمساعدة الجامعة له أمر مطلوب، وتركهم بدون مساعدة قد يقضي على نشاطهم، وهم على ضآلة إمكانياتهم جادون في التعليم بكل الوسائل عن طريق التدريس في الفصل والكتاب المبسط والشريط المسجل وغير ذلك.
وقد ضم إلى التقرير المقدم إلى الجامعة الإسلامية بعض الوثائق المتعلقة بهذا المعهد ومشاريعه.
وعلى من يريد أن يضع ماله في سبيل الله أن يسهم في مساعدة هذا المعهد وأمثاله، وعلى من يريد أن يسهم في رفع لا إله إلا الله محمد رسول الله، بدلا من ألوهية المسيح والتثليث، أن يسهم في شراء ذلك المبنى ليتحول إلى بيت من بيوت الله في تلك البلاد الكافرة. [لم يتمكنوا من شرائه، ولكنهم تمكنوا من شراء أرض وبناء مدرسة كاملة أعدت مناهجها وكتبها ووسائل تعليمها الحديثة وقد زرناها في رحلتنا الأخيرة آخر عام 1405هـ أنا وفضيلة الشيخ عمر محمد فلاتة الأمين العام السابق للجامعة الإسلامية، ورئيس مجلس شؤون الدعوة بالجامعة].
زيارة المركز الإسلامي.
وقد زرنا المركز الإسلامي في لوس إنجلوس، ووجدنا بعض المسؤولين في المركز من الجزائر ومصر وغيرها، وهو يتكون من مسجد ومكتبة ومكاتب إدارية، فاستقبلنا أحد موظفي المكتب وهو جزائري، وبمجرد وصولنا وضع يديه على جانبي رأسه يشكو بشدة من شدة التعب الذي يعانيه من خدمة الإسلام والمسلمين..!
فصَّل تلك الخدمة ببعض الأمور، وأهمها دفن الموتى المسلمين ومتابعة إجراءاتهم، وكثرة اتصال المسلمين به للسؤال عن مواعيد الصلاة، وتعيين أول شهر رمضان وكل من عيد الفطر وعيد الأضحى وليلة النصف من شعبان والسابع والعشرين من شهر رجب..!
واتضح لنا أن المقصود من ذلك تهويل العمل الذي يقوم به، وإشعار الزائرين من الشرق أن المركز جاد في عمله للإسلام، لينقل ذلك إلى الجهات المسؤولة من المؤسسات الإسلامية، أو حكام الشعوب الإسلامية للحصول على المساعدات المالية.
وبعد الخروج من المركز المذكور، بين لنا بعض الإخوة الذين نثق فيهم أن بعض أعضاء هذا المركز يعملون مع المنظمة الماسونية علناً دون خجل، وأنه في الاحتفالات التي تقام في مسجد المركز، يختلط الشبان بالشابات وهن شبه عرايا، وأن المسجد المذكور يعتبر من أماكن اللقاءات السيئة، كما ذكروا أن رئيس المركز السابق كان يفتي علنا بأنه ما دام الشاب بعيدا عن أهله ووطنه ولا يقدر على الزواج، فلا ضير عليه في الإسلام أن يصادق شابة في بلاد الغربة..!
لذلك حَمَّلنا الإخوة المسؤولية في التحذير من هذا المركز وعدم مد يد العون له، لأن إعانته تعتبر إعانة لقوم يهدمون الإسلام باسم الإسلام. [لكنه الآن أفضل من قبل لتغير المسؤولين عنه].
في القبة السماوية.
الخميس 1/8/1398هـ
زرنا القبة السماوية التي تحتوي على أفلام عن الكواكب السماوية والأرض، وعلى مكبرات النظر المباشر إلى ما يمكن رؤيته بوضوح من الكواكب.
وكان الفلم الذي عرض في تلك الليلة عن نظريات بعض كتاب الغرب عن الحياة، مثل نظرية داورن وغيرها، كما احتوى على عرض لبعض الصور للنجوم والكواكب، وكان الشارح يعلق على كل نظرية، وأن كثيرا منها مجرد تكهنات قابلة للبحث، هكذا ترجم لي الأخ تاج الدين شعيب.
وكان تعليقي على الموضوع بما يلي: نحن المسلمين لسنا في حاجة إلى من يشرح لنا معنى الحياة ولا كيف نشأت، فقد وصلنا إليها بسهولة، ومن مصدر لا يوجد مصدر يوثق به سواه مطلقا في هذا الباب.
فقد علمنا أن الله هو الخالق سبحانه فهو خالق كل شيء ولا خالق سواه، وعلمنا أنه إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون، وأنه خلق أبانا آدم من تراب، وخلق منه زوجه حواء وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، والكون كله خَلْقُه وملكه، خلقه بإحكام لا خلل فيه.
ومصدرنا في ذلك هو الوحي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، بلغناه رسل الله عليهم الصلاة والسلام من نوح إلى محمد ((صلى الله عليه وسلم))، ولا زال غيرنا ممن لا يؤمن بالوحي يتخبطون في ظلام دامس كلما أظهروا للناس نظرية أبطلوها بنظرية تالية. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، وقد أعجبني موقف المذيع الذي كان يشرح للناس تلك النظريات ويذكر أنها ليست نهائية، وإنما هي قابلة للبحث وهو لا يحكي وجهة نظره، وإنما يحكي وجهة نظر علماء الغرب في هذه الأيام، فهم يذكرون نظرياتهم ولكنهم يتواضعون ـ نسبيا ـ فلا يجزمون بأنها علمية نهائية غير قابلة للبحث.
ومع ذلك فإن أذيال أولئك الغربيين من أنصاف المتعلمين من أبناء المسلمين وأرباعهم، يعلمون أبناء المسلمين في مدارسنا أن تلك النظريات علمية غير قابلة للبحث، ولا زالت نظرية دارون تسود بها صفحات بعض الكتب المقررة في بعض البلدان الإسلامية إلى الآن.
وهذا يذكرني بقول الشاعر الصوفي:
فقد تحمس أرباع المتعلمين لنظريات أسيادهم أكثر من أولئك السادة.
في مسجد البلاليين:
وبعد الانتهاء من مشاهدة الفلم المذكور ذهبنا إلى مسجد البلاليين الذي يعمل به الأخ تاج الدين شعيب، وكنا على موعد معهم لإلقاء حديث فيهم ثم الإجابة عن أسئلتهم. وكان اجتماعهم قبل صلاة المغرب بساعة تقريبا، تم فيه تعريف تاج الدين بنا للحاضرين. أعقب ذلك تعريف الدكتور محمد بيلو الحاضرين بمهمتنا ومشاعرنا نحو المسلمين في البلدان التي زرناها.
معنى الإسلام العام ومعناه الخاص.
ثم أعقب ذلك إلقاء المحاضرة التي تضمنت شرح معنى الإسلام العام، وأنه دين الأنبياء والرسل من لدن آدم ((عليه السلام)) إلى نبينا محمد ((صلى الله عليه وسلم))، وبيان معنى الخلافة التي خلق الله البشر من أجلها، وكيف تم تحقيقها في الأرض في تاريخ البشرية الطويل.
تم إيضاح معنى الإسلام بمعناه الخاص، وهو دين الله الأخير بتفاصيله التي جاء بها محمد ((صلى الله عليه وسلم)) في آخر كتاب نزل مهيمنا على كل ما عداه، وانقسام الناس حول هذا الدين وواجب الأمة الإسلامية التي أخرجها الله للناس لتهديهم إلى صراط الله المستقيم، وأن فهم هذا الدين لا يكون إلا عن طريق العلم به من كتاب الله وسنة رسوله، وعلى أيدي علماء متخصصين فيه بذلوا جهدهم في تحصيله، وليس كل من ادعى فهم هذا الدين بصادق في دعواه ما لم يأخذه عن طريق أهله.
وأن أقرب الناس إلى فهمه هم الذين أخذوه كذلك باللغة العربية التي هي المفتاح الأساسي لفهم الوحيين العربيين، وأن الاكتفاء بنتف الترجمة ليس هو السبيل للفهم الصحيح للإسلام، وحان موعد صلاة المغرب فقطع الحديث وأقيمت الصلاة، كما شرح لهم بعد ذلك أن الناس سواسية، كلهم لآدم لا فضل لعربي على عجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى { إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ }. [الحجرات: 13].
وضربت لهم أمثلة موضحة لذلك، بأن الإنسان لم يختر أباه ولا أمه، ولم يختر الأرض التي ولد عليها، ولا اللون الذي خلق عليه، ولذلك لا فضل له في شيء من ذلك حتى يفتخر به على سواه من بني البشر، وإنما اختار العقيدة التي آمن بها والسلوك الذي صار عليه، فهو الذي يجدر به أن يعتز به لا بسواه، { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ }. [الحجرات: 13]. وغير ذلك من المعاني التي اقتضاها المقام ويسرها الله سبحانه، ومنها الحث على مولاة المؤمنين ومعاداة الكافرين، والحذر من كيد أهل الكتاب وطوائف الكفر كالقاديانية وغيرها.
ثم فتح باب الأسئلة الذي استغرق وقتا أخرت من أجله صلاة العشاء عن الوقت المعتاد، وكان الأخ تاج الدين شعيب هو الذي يترجم هذه الأحاديث جزاه الله خيراً.
أذن بعد ذلك للصلاة وأقيمت صلاة العشاء وبعد الصلاة ودعنا الحاضرون بعاطفة أخوية وأظهروا تلهفهم لسماع مثل هذه الأحاديث ومحبة زيارة علماء المسلمين لهم.
نحن من المسجد وهم من المسرح..!
ذهبنا بعد ذلك نلتمس بعض المطاعم لتناول طعام العشاء، وكان الوقت متأخراً فوجدنا أكثر المطاعم التي يعرفها الأخ تاج مقفلة، ولكن هناك مطاعم تفتح أبوابها للناس ليلاً ونهاراً، فذهبنا إلى أحدها وطلب منا الأخ تاج الدين أن نبقى في السيارة ريثما يحجز لنا مقاعد تناسبنا، لأن دخول هذا المطعم وأمثاله يكون بحسب ترتيب زمن القاصدين، لعدم اتساعه لكل الناس لكثرتهم.
وبعد أن حجز لنا مقاعدنا في مكان يحظر فيه التدخين، دخلنا إلى هذا المطعم ورأينا كثرة الناس في هذا الوقت المتأخر من الليل، فسألت الأخ تاج الدين: هل هؤلاء كلهم زوار مثلنا؟ فقال: بل هؤلاء من أهل هذه المدينة بالذات، وهكذا هم دائما أسرا وأفرادا، إنهم يخرجون في هذا الوقت من المسارح والمراقص ودور السينما والبارات.
الحضارة الغربية وتكافل الأسر!
ويذهبون مثلنا يلتمسون طعام العشاء، وكثير من الأسر الأمريكية لا يأكلون في بيوتهم، بل بعض الأسر وبعض الأفراد لا منازل لهم، فمنهم من يأوي إلى الفنادق، ومنهم من ينام في سيارته التي تعتبر منزله ووسيلة نقله، وأكثرهم مرهقون بالديون للبنوك التي تسيطر على مصادر رزقهم وتعطيهم بطاقات يعيشون بها، وهم مهددون بسحبها في كل وقت إذا لم يدفعوا للبنك الأقساط المشروطة عليهم.
وأضاف الأخ تاج الدين قائلا: إن الزوج وزوجه ليقعدان على طاولة الطعام في المطعم ويطلب كل منهما ما يناسبه، ويدفع الحساب من جيبه عن نفسه ولا يدفع أحد الزوجين عن الآخر، وكذلك الآباء والأبناء والأمهات والإخوان والأخوات.
بل كثير ممن تراهم وتظن أنهم أسرة واحدة تجدهم من ذوي العلاقات غير الشرعية.
قلت عندئذٍ: الله أكبر، إن أكبر دولة مادية في العالم لفي طريقها إلى الانهيار وفقد المعاني الإنسانية بين الأقرباء فضلا عمن سواهم!
وذكَّرت الأخوين تاج الدين وزميلي الدكتور بما هو معروف من تماسك الأسرة في الشرق على الرغم من الفساد الذي بدأ يدب فيها، وذكرت لهم ما علمته من أحد الطلبة الأفارقة السنغاليين الذين تخرجوا في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، حيث ذكر لي أن عدد أفراد أسرتهـما بين جد وجدة وأب وأم وخال وخالة وعم وعمة وأخ وبنت ـ يبلغ مائة وعشرين ـ صغاراً وكباراً ـ وأنهم كلهم يجتمعون على مائدة طعام واحدة في كل الوجبات الغذائية اليومية وأن لذلك أمثلة أخرى، متشابهة ..
وعلقت على ذلك أيضا، فقلت: إن ما تراه من الأمور الطيبة من تيسير المعاملات وبعض مظاهر العدالة والتقدم الإداري والتقدم الصناعي، تعتبر مثل بالون الأطفال الذي ينفخ فيكبر ويعجبهم منظره ثم ينفجر في أيديهم، فإذا هو مِزَقٌ ترمى في القمامة وهكذا حضارة هؤلاء القوم!
ولولا أن من سنن الله الكونية أن يجعل أزمة أمور الدنيا في أيدي من يبذلون الأسباب لأخذها، لما أبقى هؤلاء الناس لحظة واحدة، ولكن لا بد من أمة أخرى تتسلم قيادة البشرية أكثر تعميرا للأرض وأكثر نشاطا في استغلالها وأقل فسادا، فإذا وجدت هذه الأمة فستنتهي سيئات الحضارة المادية الغربية العفنة، وإني لأرجو أن تكون هي الأمة الإسلامية التي لا يخاف أهل الغرب غيرها من الأمم كما يخافونها، وهذا المعنى هو مضمون رسالة الأستاذ المودودي المسماة: الصلاح والفساد.
خطيب الجمعة في مسجد البلاليين!
الجمعة الموافق 16/8/1398هـ
أخذنا الأخ تاج الدين إلى مسجد البلاليين لأداء صلاة الجمعة فيه. وبعد الأذان تقدم شاب في الثلاثين من عمره تقريبا، وهو طبيب وبيده أوراق فيها ترجمة بعض المعاني لسور قصيرة من القرآن الكريم، وأخذ يقرأ وينفعل والناس ينفعلون معه، ويتكلمون بعض الكلمات التي كنت أفسرها بأنها للتعجب حيث يكبرون في بعض الأوقات.
وتارة يضحكون، وبعد الصلاة ذكرت للأخ تاج الدين أن ذلك مما يجب التنبيه عليه، لأنه يجب السكوت في خطبة الجمعة، فوعد أنه سينبه على ذلك في أقرب فرصة.
ولقد كان الإمام لا يقدر على إخراج الحروف من مخارجها، بل إنه اختصر سورة الفلق في قراءته لعدم تمكنه من حفظها، و ساءنا ذلك وكلمت الأخ تاج الدين وقلت له: الأفضل أن تتولى أنت خطبة الجمعة والإمامة حتى تعلم من يجيد ذلك ويصلح للخطابة والإمامة.
فأجاب بما مضمونه أن القوم يرغبون أن يتولوا ذلك بأنفسهم وإن كانوا مقصرين.
ولقد ظهر لي هذا الأمر في بعض المسلمين هناك، وهو أنهم لا يحبون أن يعترفوا بالنقص في العلم، وإذا أخذوا العلم عن غيرهم فإنما يأخذونه اضطرارا مع عدم إظهار الحاجة، على عكس ما هو موجود من الأدب في بلاد الشرق لا سيما الهند وباكستان وإندونيسيا وغيرها، وهذا داء يجب أن يعالج.
وعلى من يريد أن يعلم القوم هناك أن يعرف هذا المعنى ويدخل عليهم من الباب الحكيم الذي يراه مناسبا.
مع طلابنا المبتعثين.
وبعد صلاة الجمعة التقينا الأخ أحمد داود المزجاجي أحد الطلبة السعوديين المبتعثين من جامعة الملك عبد العزيز بجدة، وهو يحضر الدكتوراه في الإدارة، وهو من الشباب الصالح في تلك البلاد [ولا أزكي على الله أحداً].
ولقد قابلنا بحرارة، وكانت كلمته التي افتتح بها كلامه بعد السلام: أتلبس هذا اللباس ونحن هنا نلبس لباس الإفرنج؟ ثم طلب منا زيارته في منزله، وعندما حاولنا أن نجلس معه في المسجد أو يذهب معنا إلى الفندق أصر على زيارته، فذهبنا معه إلى شقته الصغيرة التي وجدنا فيها أثاثه قد ربط، استعداداً للسفر إلى بلاده في إجازته التي توافق آخر شهر شعبان وشهر رمضان المبارك.
وكانت علامة سروره بالعودة إلى بلاده بادية على وجهه، وكان معه بعض الطلبة من زملائه من بعض البلدان العربية وهم مثله صالحون ـ فيما بدا لنا ـ وأخذنا نتبادل الحديث عن الشرق والغرب، وكان الحديث يدور حول البلاء الذي انتشر في بلاد المسلمين بسبب الأفكار الهدامة الغريبة على الأمة الإسلامية في العقيدة والسلوك والتشريع والسياسة والاجتماع وغير ذلك، وأن قسطا كبيرا من هذا البلاء يحمله المبعوثون إلى الدول الغربية الذين يعودون إلى بلدانهم بأدمغة تحمل عفن التفكير الغربي في المجالات المذكورة، مع الجهل بكثير من العلوم النافعة المفيدة التي توجد في الغرب والتي ابتعثوا ـ أصلاً ـ من أجلها.
والسبب في ذلك أن أساتذة الغرب يسعون جادين في غسل مخ هؤلاء المبتعثين من كل فكر يمت إلى الإسلام بصلة، ثم ملء هذه الأدمغة بالأفكار المضادة، كما أنهم يزينون لهم سبل الفساد والشر فينطلقون في إشباع شهواتهم انطلاقا لا حدود له، ومع عدم خشية الله في نفوسهم لا يوجد رقيب من البشر، ولذلك يعود كثير من الطلاب ممسوخا في تخصصه حاملا أقذار الفكر الغربي وسوء سلوك الغربيين، وذكر الإخوة أن أعدادا هائلة من هذا الشباب يوجدون الآن في أمريكا يرتبطون بأحزاب سياسية يسارية ويمينية، هدفها الأساسي تحطيم ما بقي في البلدان الإسلامية من دعائم لتطبيق الشريعة الإسلامية، إضافة إلى الفوضى الخلقية التي يكتسبونها من المجتمع الأمريكي الوبيء.
وذكر الأخ أحمد داود أن أعدادا كبيرة توجد في الجامعات لا يصلي منهم إلا النزر اليسير، وبعض الذين يصلون في الأوقات العادية يتركون الصلاة لحضور بعض الحفلات التي تقام في وقت الصلاة.
كما أرانا لافتات عملها للدعوة إلى الإسلام في الجامعة، وعندما رآه المسؤولون في الجامعة سألوه عن ذلك فأخبرهم أنه يدعو إلى الإسلام.
والنشاط في الجامعات يسمح به للجمعيات، فطلبوا منه أن يسجل جمعية ليأخذ إذناً بذلك، فحاول مع الطلبة المسلمين الموجودين في الجامعة ليكونوا جمعية، فلم يستجب له أحد، فاضطر إلى أخذ لافتاته ووضعها في منزله، مع أن كثيرا من هؤلاء الطلبة الذين لم يرضوا بالانضمام إليه في تسجيل أسمائهم مرتبطون بجماعات مشبوهة ـ كما قال ـ ويدعونه هو نفسه للانضمام إليهم بإلحاح، وأغلبهم من العرب ذوي الميول المسماة اليسارية، ومع ذلك توجد جماعات إسلامية صالحة. [تبين لي أن هناك جمعيتين: جمعية تضم الطلبة العرب المنحلين الذين يقفون موقف العداء السافر من الإسلام. وأغلب هؤلاء شيوعيون والجمعية الثانية تسمى: رابطة الطالب المسلم العربي، وهؤلاء شباب فيهم خير وصلاح وعلى وعي بالإسلام. ومثل هؤلاء لا أرى أن تحول التسمية بينهم وبين الصالحين من الشباب في تلك البلاد الكافرة، وسيأتي في الجزء الرابع من هذه السلسلة مزيد بيان عن هذه الرابطة. ولهذا لا أرى داعيا لإقامة جمعية جديدة ما دامت هذه الجمعية موجودة، كما أن اتحاد الطلبة المسلمين له نشاط في أغلب المدن الأمريكية والتعاون معه خير من إيجاد جمعيات متفرقة، جمع الله الكلمة وحقق الإخاء فيه].
وأرانا الأخ أحمد كذلك صورة خطاب بعث به إلى معالي وزير التعليم العالي في المملكة العربية السعودية يصف له حالة المبتعثين، ويطلب فيه العمل على تلافي الأمر والحد من الابتعاث، والحلول التي يراها للإشراف على المبتعثين، وذكر أنه بعث بصور هذا الخطاب إلى مديري الجامعات بالمملكة العربية السعودية.
الواقع أيد أصوات الإنذار..!
بعد ذلك قلت للإخوة الحاضرين: لقد ارتفعت أصوات المنذرين من العلماء والكتاب من زمن طويل، وعند المسؤولين علم بذلك، وهناك محاولات للحد من الابتعاث في المملكة العربية السعودية إلا لضرورة، ولكن الأمر يحتاج إلى سرعة البت فيه واتخاذ الوسائل اللازمة.
ولقد شاركت في الإنذار قبل عشر سنوات عندما كتبت بحثاً تحت عنوان المسؤولية في الإسلام، [رتب هذا البحث وأعد للطبع في أواخر هذا العام 1399هـ وقد طبع مرتين]. كان محوره الحديث الشريف كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، في مسؤولية الأب عن أبنائه ومسؤولية وزراء التربية والتعليم، وقد نشر البحث تباعا في مجلة الجامعة الإسلامية، والذي يتعلق بموضوع الابتعاث نشر في العدد الرابع من أعداد السنة الثالثة لعام 1391هـ والعدد الرابع من أعداد السنة الرابعة لعام 1391هـ. أيضا وذكرت المضار التي تحصل من جراء الابتعاث، كما ذكرت وجهة نظري في الحل. ولقد كانت تلك الأضرار واضحة في الشعوب الإسلامية، ولكنها تجسمت الآن أكثر وظهرت أضرار أخرى غيرها. وإذا استمرت الحال على ما هي عليه الآن، فإن الخطر المتوقع لا يعلم مداه إلا الله سبحانه.
وما حوادث الانقلابات الدموية المتوالية في بعض الشعوب الإسلامية، وما التقلبات السياسية السريعة، وما الفوضى وعدم الاستقرار واختلال الأمن، وما المناهج التعليمية المشوهة، وما البرامج الإعلامية السيئة، إذاعية أو تلفازية أو صحفية أو سينمائية، وما كل بلاء وشر غير ذلك مما لا يدخل تحت الحصر، إلا ثمار طبيعية لبعض هذه الجيوش الزاحفة إلى كراسي الحكم والإدارة والتوجيه الذين أغلبهم من المبتعثين إلى البلدان الأجنبية: [والعجيب في الأمر أن الفوضى التي يصدرها لنا الغرب ـ وبخاصة الفوضى السياسية والعسكرية ـ بذلت كل المحاولات في الغرب للوقاية منها وعدم تمكنها في شعوبهم... ؟!].
فهل يدّكر قومي ويفيقون قبل أن يندموا ولات ساعة مندم؟ أو سيبقى الأمر كما هو ويأتي الله بما يشاء؟ أرجو أن تكون الأولى والله المستعان.
الوسائل المنحطة للنهوض بالكنيسة وإخفاقها!
وانتقل الحديث مع الإخوة إلى وضع المسيحية في الغرب وحالة الكنائس، فذكر الإخوة أن الكنيسة أفلست، وأن كثيرا من الكنائس أغلقت وخسرت، وأن كثيرا منها معروض للبيع، ومن ضمن ذلك كنيسة كبيرة في مدينة لوس إنجلوس، وهي غير الكنيسة التي أراد شراءها المسؤولون عن معهد الدارسات الإسلامية، وقد مضى الحديث عنها.
قال الأخ أحمد داود: إنه كتب للرابطة وغيرها يقترح شراء هذه الكنيسة، لتكون مركزا ومسجدا للشباب الصالحين يصلون فيها جماعة ويقومون بنشاط الدعوة إلى الله فيها، ويمكن أن تنشأ فيها مدرسة لتعليم أبناء المسلمين ولكن لم يحصل شيء من ذلك.
كما ذكر الإخوة أن أسلوبا جديدا سيئا جدا ظهر للحفاظ على الكنيسة، فقد أنشأت كنيسة باسم الكنيسة اللوطية، وأن أعضاءها ـ فعلاً ـ هم من أهل الخلق السيئ، وأن ذلك لم يُجْدِ شيئاً، فكسدت هذه الكنيسة أيضاً وهي معروضة للبيع.
الكلب أكرم من الإنسان في بلاد حقوق الإنسان.
ومن الشكاوى المرة التي ذكرها الإخوة، أنه لا يوجد للمسلمين مقابر مميزة، بل يدفنون في مقابر المسيحيين، وأن كثيراً من شعائر المسيحيين تطبق على الموتى المسلمين، مع أن الكلاب في أمريكا لها مقابر خاصة، والكلام عن الكلاب طويل، فلها مستشفيات خاصة، وبعض الناس يموت فلا يجد العلاج، وتوقف على الكلاب الملايين من الدولارات، وبعض الناس لا يجد قيمة الملبس ولا المأكل، وللكلاب أَسِرَّةٌ خاصة مفروشة، وبعض الناس بلا مأوى، وللكلاب أطعمة خاصة ـ رأينا الإعلان عنها في التلفاز ـ وبعض الناس يتمنى لقمة مما تأكل فلا يجد.
والكلب عند كثير من النساء الغربيات أحب إليهن من الزوج والولد، وكم رأينا بين الرجل والمرأة في السيارة كلباً مثل أحدهما في الضخامة أو أكبر بدلاً عن الولد.
نكتة يهودية..!
انتقل الحديث بعد ذلك إلى الأمور الإيجابية في الغرب والتي تمنينا جميعا أن تطبق في بلادنا الشرقية، كأنظمة المرور الخاصة بتنظيم الشوارع التي تسهل السير على الرغم من كثرة السيارات والقطارات، والاستفادة من تخطيطها، وكذلك سرعة إنجاز المعاملة في الإدارات، ووجود الأجهزة المفيدة في ذلك مثل الكمبيوتر، ونظافة الشوارع والممرات وتعاون المواطنين مع الأجهزة الإدارية في ذلك كله إلى غير ذلك.
وبمناسبة الكلام عن النظافة وعدم إلقاء الناس القاذورات في الشوارع والممرات ذكر أحد الحاضرين، وهو عراقي الأصل أمريكي الجنسية يجيد مع اللغة العربية، والكردية والإنجليزية واليونانية والعبرية و السنسكريتية، يكنى بـ"أبي الفداء" ذكر نكتة يهودية زعم أنها واقعية، قال: إن أحد اليهود خرج مع بعض أصدقائه في سيارة للنزهة، وكانا يقعدان في إحدى الحدائق يتحدثان، ثم إن اليهودي شعر بالحاجة إلى قضاء حاجته، ولكنه لا يوجد بجانبه بيت خلاء، ورأى أن الجندي قريب منهما في الشارع وهو مضطر لقضاء حاجته، فقال لصاحبه سائق السيارة: اذهب إلى مكان أشار إليه وقف لي هناك، فإذا جئتك فأسرع بقيادة السيارة.
ثم حفر حفرة صغيرة وقعد فقضى حاجته، واستراب الجندي من حالته، وتحرك يمشي إليه، فأسرع هو وأخذ طاقيته الصغيرة السوداء ووضعها على فضيحته وانحنى عليها ماسكا بأطراف الطاقية ضاغطا عليها، ولما جاء الجندي سأله: ماذا تفعل؟ فقال: إن طائرا لي تحت الطاقية هذه أخشى إن رفعتها أن يطير، وأنا في حاجة إلى الوصول إلى زميلي وراء تلك الأشجار وأعود لآخذ الطير، فقال له الجندي: كم مدة يستغرق ذهابك؟ فقال: أقل من عشر دقائق، فقال: دعه أنا أمسك لك الطاقية حتى تعود، فانحنى الجندي ضاغطا على الطاقية وذهب اليهودي، فركب مع صاحبه ووقفا في مكان يرون منه الجندي وهو لا يراهم [مثل الشيطان وقبيله الذي يرى الناس من حيث لا يرونه] وكان الرجل يتلفت هنا وهناك يظن أن الرائحة من جهة أخرى، وبعد أن يئس من رجوع اليهودي وشك في الأمر وقبض الطاقية وما تحتها وجد الفضيحة اليهودية، وذهب ليغسل أثار العدوان اليهودي، كما كان ذلك شعار بعض العرب في حرب67، وعلق أبو الفداء على القصة بقوله: إنهم يهود، قلت: أي والله إنهم يهود، وهذه النكتة، صحت أو لم تصح، يطبقها اليهود على كل المستويات، تطبقها قمتهم على القمم، وتطبقها قاعدتهم على القواعد، ويعلم هذا كل مهتم بمكر القوم وخداعهم.
فتوى مضحكة مبكية..!
السبت الموافق 17/8/1398هـ
كنا نتناول طعام الغداء في أحد المطاعم، وكان أحد الخدم في المطعم شاباً إيرانياً يدرس في إحدى الجامعات، والطلبة هناك يقومون ببعض الأعمال من أجل الحصول على بعض المال للإنفاق على أنفسهم إذا لم تكن لهم منح، أو لهم منح لا تكفيهم، وغالب الطلبة ـ المسلمون وغيرهم ـ هناك محتاجون للعمل فعلاً.
ويمتاز الطلبة الخليجيون عن غيرهم بأن مكافآتهم تكفيهم وزيادة، وهذه نعمة يجب أن يشكروها وأن يضعوها في مكانها.
جاء إلينا الطالب المذكور ونحن نتناول الطعام، وكنت طلبت سمكاً، فقال لي: أنت مسلم؟ قلت: نعم، فقال هذا الذي تأكله حرام! ففزعت وتوقفت عن الأكل وقلت للأخ تاج الدين سله: ماذا يعني؟ فقال: هذا حيوان البحر وهو حرام. قلت له: لعله يريد أن السمك مقلي بزيت خنزير أو اختلط به شيء من ذلك؟ فكرر عليه السؤال فأصر أن السمك نفسه حرام في الإسلام.
فقلت له: أنت مسلم؟ فقال: نعم، قلت: من أين لك هذا التحريم؟ فقال: هذا معروف والعلماء يقولون به.
عند ذلك قلت: إذًا يمد أبو حنيفة رجله ولا يبالي! ونصحت الشاب ألا يستمر في هذا الاعتقاد، ولا يقوله للناس، وأخبرته بحكم حيوان البحر حياً أو ميتاً، ولكنه، وإن لم يصرح يظهر أنه لم يقتنع بذلك، وهكذا وجدنا من يفتي بتحريم السمك على المسلمين من الطلبة المسلمين الوافدين من بلدان إسلامية. [سمعت بعد ذلك أن بعض الإيرانيين يحظرون أكل سمك بعض الأنهار، ولا أدري ما سبب ذلك إن صح؟].
مع جماعة مسجد المؤمن:
وفي مساء هذا اليوم كنا على موعد مع جماعة مسجد المؤمن، وهم من المسلمين السود الذين تركوا جماعة أليجا محمد بسبب أفكاره الخارجة عن الإسلام، وهم كذلك يعتقدون أن ابنه ولس الدين لا زال يعتقد ما كان يعتقده أبوه، إلا أنه يدلس على الناس، هكذا يعتقدون فيه.
وكان إمام المسجد غائباً، ونائبه موجوداً، ومسجدهم شبيه بغرفة واسعة نسبياً، وهم متحمسون للإسلام حريصون على تطبيق ما يعلمون في واقع حياتهم.
يلبس غالبهم الثوب العربي وعمامة سوداء، وبعضهم يلبس الطاقية بدل العمامة.
ورأيتهم في صلاتهم يحاولون تطبيق صفة صلاة النبي ((صلى الله عليه وسلم))، وقد بلغني أنهم ساخطون على المجتمعات الإسلامية، وعندهم فكرة التكفير المعروفة – أصلاً - عند الخوارج وأنهم مصممون على تطبيق أحكام الحدود والقصاص على أعضائهم وأنهم طبقوا ـ فعلاً ـ حد الشرب على أحدهم وأنه ارتد عن الإسلام بسبب ذلك.
صلينا معهم المغرب، وصلى بنا نائب الإمام، وكانت قراءته غير مستقيمة مع شدة حرصه وتكلفه لتكون مستقيمة، وهذه ظاهرة وجدناها في بعض المسلمين هناك يحرص الإنسان أن يؤم الناس ولو كان في المصلين من هو أفضل منه، بل ولو كانت قراءته غير مستقيمة، وكان من بين المصلين بعض الطلبة العرب وهم يجيدون التلاوة، ولكن الرجل الذي نصب على الإمامة والإمرة، لا يقدم غيره حرصاً على الإمرة والإمامة.
وبعد أداء الصلاة طلبنا من الإمام إجراء التعارف، وخيرناه بين أن يستمع الحاضرون حديثا منا وبين أن يفتح المجال للأسئلة والمناقشة، فاختار الثاني ولم يجر التعارف المطلوب، وشعرنا بشيء من الجفوة في الجماعة إذ لم يصافحنا إلا الإمام لقربه منا، ولا أذكر إن كان هو الذي مد يده أولا أو نحن؟
وبدأ الرجل الحديث فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر أن الواجب هو اتباع محمد ((صلى الله عليه وسلم)) دون غيره، وأن العلماء يجب أن يبينوا الحق للناس دون لبس، وفتح الكتاب الذي فيه ترجمة بعض معاني القرآن الكريم واستدل على قوله ببعض المعاني المترجمة، ثم قال للحاضرين: من عنده سؤال فليتقدم به.
إعداد سابق!
فبدأ الجميع يتحفزون، وظهر لنا أن بعضهم كانوا قد أعدوا أسئلة في أوراق، وكانوا ينظرون في الورق ويسألون، ولذلك كان سؤال الواحد منهم عبارة عن رأي سابق يصوغه في حديث ثم يسأل عن الرأي فيه، وكانوا إذا شعروا بأن سؤال أحدهم غير كامل أو كانت الإجابة مقنعة للسائل، انبرى آخر لشرح وجهة نظر السائل ليشكك السائل والحاضرين بأن الإجابة غير كافية.
وكانوا يظهرون الاعتداد بأنفسهم واقتناعهم بما عندهم ويحاولون تيئيسنا من إقناعهم بغير ما عندهم، وأن ما توصلوا إليه من أفكار يعتبر نهائيا، فليسوا في حاجة إلى غير ما علموه، وهكذا شعرنا من مناقشاتهم وضايقنا ذلك كثيرا، وكانوا يقاطعوننا في الحديث.
ثلاثة أمور لا بد منها:
وعندما شعرت بأن الفوضى تخيم على الاجتماع، والرأي عندهم جاهز وهم إنما يستعدون لمساعدة بعضهم بعضا، لتثبيت هذا الرأي الجاهز، طلبت من الإمام، ثلاثة أمور:
الأمر الأول: ضبط الاجتماع إداريا بحيث لا يتكلم أحد إلا بعد أن يستأذن منه.
الأمر الثاني: هو ألا يقطع أحد حديث أخيه امتثالا للأدب النبوي.
الأمر الثالث: ألا نخرج من نقطة النقاش إلى غيرها حتى تنتهي مناقشتها.
وبدأت المناقشة بعد ذلك تدور بنظام أحسن من ذي قبل، وكأني بالقارئ يتطلع إلى موضوعات النقاش التي حصل فيها هذا الصراع وأقول: عد إلى مطلع الحديث عن جماعة المؤمن فالموضوعات هي التي ذكرت أنها بلغتني عنهم قبل أن أجتمع بهم.
موضوعات الحوار:
وخلاصة ما دار حوله النقاش ما يلي:
سألونا عن رأينا في البلاليين: أهم مسلمون أم كفار؟ وأخذوا يذكرون هم الأدلة على كفرهم..!
فكان الجواب أننا لم نختلط بهم كثيراً، وعلمنا عن أليجا محمد أنه تبنى أفكارا يكفر معتقدها، وبخاصة إذا قامت عليه الحجة، أما ابنه فبلغنا أنه بدأ بتصحيح أفكار أبيه لأتباعه ونرجو أن يستمر في هذا التصحيح، وقد صارحناه بذلك عندما اجتمعنا به.
أما أتباعه فلا يحكم عليهم دون معرفة ما عندهم ومناقشتهم و تفهيمهم الحق، فلم يرق لهم الجواب وأخذوا يتعاونون في ذكر مساوي إمام البلاليين وبعض أفكاره التي لا تزال موجودة إلى الآن.
فقلت لهم: نحن يجب أن نجمع المعلومات عنهم من مصادرها، ولا نحكم عليهم إلا بعد علم ما عندهم، وذكرنا لهم الآية الكريمة: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً}.[الإسراء: 36].
كما ذكرنا لهم أن اقتناعهم هم بأمر لوجود أدلة كافية عندهم، لا يقتضي اقتناعنا نحن إلا بعد تمحيص، وأخذنا في هذا الموضوع مدة طويلة، وهم يحاولون إقناعي بأنه لا يلزم البحث والتفصيل لهذا الحكم، بل يكفي ما سمعناه منهم عن البلاليين، فناقشناهم حتى ظننا أنهم فهموا رأينا، وطلبنا أن ننتقل إلى موضوع آخر، ولكنهم لم يرضوا بترك هذا الموضوع وقصدهم أن يفهمونا أنه لا يجوز الاغترار بما نقل من أن ولس الدين صحح أفكار والده فعلا، وأن نقنع من وراءنا في المملكة وغيرها بأن لا يغتروا بهذا الرجل، فأخبرتهم أننا لسنا مغترين، ولكنا نريد التثبت في الحكم على الناس.
نصيحة وسخط!
ثم قدمت لهم نصيحة تتضمن أمرين:
الأمر الأول: أن يجتهدوا في تلقي العلم ممن يوثق بهم من العلماء، وأن يتعلموا اللغة العربية بجد، حتى يفهموا كتاب الله وسنة رسوله عن طريقها، لا عن طريق الترجمة التي تكثر أخطاؤها ولا تفي بترجمة معاني كتاب الله، وألا يظنوا أن ما قد حصلوا عليه من علم كاف في عبادة الله أو الدعوة إلى الله، لأن العبادة والدعوة إلى الله لا بد أن تكون على علم وبصيرة.
الأمر الثاني: أن يطبقوا ما علموه في أعمالهم وفي أعضائهم، وأن يصححوا الأفكار المخالفة بالعلم مع الهدوء، ولا يجعلوا همهم الوحيد هو محاربة فئة معينة، لأن ذلك سيأخذ وقتهم في الخصام والنزاع و يصرفهم عن التعلم الذي هم في حاجة إليه.
وهنا ثارت ثائرتهم فأخذ كل واحد منهم يتحفز، فتكلموا وكان كلامهم يدور حول إشعارنا بأنهم ليسوا جهالاً، وأن الذي يقدرون عليه قد علموه ولا زالوا يتعلمون، ولكنهم لا يقولون شيئا إلا وهم على علم به، وأن لهم الحق أن يحاربوا جماعة ضالة تدعي الإسلام.
وهنا بدأ بعض النساء يشاركن في النقاش، فقد استأذنت امرأة من وراء ستارة أن تتكلم، فأذنوا لها وكان خلاصة كلامها أن الذي يدعي الإسلام ويضل الناس أولى بالجهاد من غيره وسألتْ: ألا يجب علينا أن نترك العمل ونتفرغ للعبادة والجهاد؟
وأجبتها بأن الجهاد واجب، ولكن قبل جهاد الناس نجاهد أنفسنا في التعليم والعمل، ثم لا بد من اتخاذ أسلوب نافع في الدعوة إلى الله.
أما ترك العمل فهذا غير مطلوب شرعا من المسلم، إلا إذا كان المراد تفريغ أشخاص بأعيانهم للقيام بالدعوة إلى الله للحاجة إليهم، ولكن لا يتركون ما لأنفسهم أو غيرهم من حقوق، وذكرت لها قصة الصحابة الذين أرادوا الانقطاع للعبادة وترك العمل، فقال لهم الرسول ((صلى الله عليه وسلم)): ((أما أنا فأصوم وأفطر وأقوم وأنام وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني)).
وقلت للجماعة: لكم الحق أن تبينوا للناس الضلال بل يجب عليكم، ولكن بشرط أن تكونوا عالمين بأن هذا حق وهذا باطل، وهذا شيء ليس سهلا في كل أمر من الأمور.
وبعد نقاش طويل في هذا الموضوع وغيره، وبعد أن ترجح لي أني وضحت ما يجب توضيحه قلت لهم: لقد أخذتم وقتا طويلا في إبداء ما تريدون من أسئلة وتوضيحات لآرائكم، أما الآن فأرجو أن تعطوني فرصة لأسألكم أنا، قالوا لا بأس.
كلمة حق لا بد منها..!
فقلت: أحقاً إنكم تقيمون أحكام الحدود والقصاص على جماعتكم؟
فقال إمامهم: نعم و لنا الحق في ذلك.
قلت: هل فعلتم هذا عن علم سبقكم به غيركم؟
قالوا: إن كتاب الله وسنة رسوله فيهما الكفاية، ولسنا في حاجة إلى أقوال الناس.
قلت: ولكن التطبيق العملي للكتاب والسنة يجب الرجوع فيه إلى الكتاب والسنة، فهل وجدتم فيهما أن لكل فئة من المسلمين الحق في إقامة الأحكام المذكورة؟ والمعروف أن ذلك يرجع للحاكم المسيطر بقوة على شؤون المسلمين، وأنتم عددكم قليل فإما أن تعتبروا أنفسكم جماعة دعوة تأمرون الناس بالمعروف وتنهون عن المنكر وتبينون الحلال والحرام للناس، وقدرتكم قاصرة عن الأخذ بالقوة، وإما أن تعتبروا أنفسكم دولة إسلامية لها أن تتصرف تصرف حكومة، وهذا ليس في مقدوركم. وبلغني أنكم أقمتم حد الخمر على أحد الأعضاء بالقوة وأنه ارتد عن الإسلام، وهذا ما يتوقع أن يحصل: انفضاض أعضائكم عنكم وارتداد بعضهم ونفور الناس من الدخول في الإسلام.
والأجدر بكم أن تعودوا إلى تفاسير العلماء وشروح السنة وكتب السلف لتعلموا هل أنتم سائرون على سنن السلف أم محدثون ما لم يحدثه غيركم؟
وهنا برز طالب مصري – يبدو أنه مرجعهم في تلك الأفكار ـ يحاول إنقاذهم وكانت فرصة لمناقشته أمامهم حتى استسلم، وطلبت منه أن يتقي الله ويصحح للقوم أفكارهم، فذكر أنهم يقرأون في سبل السلام قلت له: ستجد بحث هذا الموضوع فيه فارجع إليه. [بلغني في رحلتي الأخيرة عام 1405ه_ أنهم طردوا ذلك الشاب من مسجدهم لمخالفته لهم، هذا وقد كتبت بحثا أثبت فيه عدم جواز إقامة الحدود لغير السلطان على الأحرار وقد طبع قريبا لعل الله ينفعهم وغيرهم به، فإنهم لا زالوا على رأيهم إلى هذا الوقت، وسيأتي إن شاء الله ما دار بيننا وبينهم في السنة الماضية ـ 1405هـ من نقاش في الجزء الثاني من رحلة أمريكا].
وقد ألفت كتيباً في موضوع من له إقامة الحدود، وهو بعنوان: "الحدود والسلطان" وهو مطبوع ومنشور في الإنترنت.
آخر الدواء الكي..!
ولعلمي أن القوم مغرورون بما عندهم من علم مشوش، رأيت أن أصارحهم أكثر، فقلت لهم: أنتم هنا أعاجم، والمراجع الإسلامية ليست متوفرة لديكم، والموجود بعض الكتب المترجمة التي لا تؤدي المعنى بتمامه بصرف النظر عن أخطائها، وأنا من الجزيرة العربية عربي الأصل والمنشأ واللغة، ولي ما يزيد عن ثلاثين سنة في طلب العلم والذين تلقيت العلم عنهم عرب، وعندي مكتبة مليئة بالمراجع الإسلامية في مختلف العلوم، ومع ذلك إذا قرأت القرآن أو كتب السنة، لا أزال إلى الآن يشكل عليّ الكثير الذي أحتاج أن أسال عنه بعض العلماء أو أراجع الكتب وأتعب في الحصول إلى فهمه.
فهل يليق بكم أنتم أن تظنوا أنكم بلغتم مبلغا لا تحتاجون فيه إلى تصحيح أفكاركم؟
وكان هذا الكلام هو الذي أسكتهم وجعلهم يفكرون في الأمر، حتى قال زميلي الدكتور محمد بيلو: لقد ترك بعضهم النقاش وحفظ أوراقه التي كان يستعد لإلقاء ما كتب بها من أسئلة.
ولقد كاد زميلي الدكتور يخرج ويتركهم لشدة غضبه من تعنتهم، ولكني كنت أقول في نفسي هذه فرصة قد لا تتكرر مرة أخرى، فيجب أن نعمل ما نقدر عليه ونصبر، وقد كنا في حاجة إلى الرجوع إلى الفندق لترتيب أمتعتنا، لأننا سنسافر صباح غد مبكرين، ولم نصل إلى هذه النتيجة إلا في تمام الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، ولكنا حمدنا الله على ما حصل، فإن هؤلاء الإخوة يظهر عليهم إرادة الحق، ولكن الجهل الذي لا يعترفون به هو الذي حال بينهم وبين الاستجابة السريعة، وكان الجهل مركبا، ولو كان بسيطا لما طال النقاش إلى هذا الوقت والحمد لله رب العالمين. [سيأتي في الجزء الثاني ما يدل على استمرارهم في كثير من تلك الأفكار].
تقارب وتآلف.
وبعد الانتهاء من هذا النقاش ودعناهم، وكانت عاطفتهم معنا أفضل من ذي قبل، ورجونا أن نزورهم مرة أخرى، كما طلبوا منا إبلاغ العلماء الذين يزورون أمريكا ألا يكتفوا بزيارة الجماعات الإسلامية المشهورة، ويتركوا بقية الجماعات التي قد تكون أولى من غيرها بالزيارة، فوعدناهم بتحقيق هذه الرغبة حيث أمكن.
ذهبنا بعد ذلك إلى أحد المطاعم لتناول طعام العشاء، ثم عدنا إلى الفندق وذهب الأخ تاج الدين إلى منزله على أن يعود إلينا صباح غد لإيصالنا إلى المطار للسفر إلى اليابان..
السفر من لوس إنجلوس إلى طوكيو.
الأحد الموافق 18/8/1398هـ
جاء إلينا الأخ تاج الدين شعيب مبكرا، وبعد أن حاسبنا موظفي الفندق، ذهبنا إلى مطار لوس إنجلوس الدولي، و أخذ الموظف المختص حقائبنا الكبيرة كالعادة في باب مبنى المطار وسلمنا البطاقات ذات الأرقام، ودخلنا إلى الموظف المختص لأخذ بطاقات دخول الطائرة، وكنت أظن أن هناك موظفين آخرين مختصين بالجوازات للتأشيرة الخاصة بالخروج، ولكن الموظف الذي أجرى معاملة التذاكر هو الذي أنهى معاملة الجوازات. كان الموظف المختص في الطائرة التي حملتنا من لندن إلى نيويورك قد كتب المعلومات اللازمة في بطاقات، وألصق بجواز كل منا البطاقة الخاصة به وأخذ صورة لكل منها.
وفي مطار لوس إنجلوس لم يزد الموظف على المقارنة بين البطاقة الملصقة بالجواز والبطاقة الموجودة عنده وهي صورة لها، ثم أخذ البطاقة الملصقة بالجواز ولم يختم على الجوازات. وكنا ننزل في الفنادق في جميع المدن الخمس الأمريكية، دون أن يطلبوا منا الجوازات أو مجرد ذكر الهوية، اكتفاء بالمعلومات التي أخذت منا عندما دخلنا البلاد، ثم إن كل فندق يعطي الجهات المختصة الاسم، وهي تسجله وكل ذلك يتم عن طريق الكومبيوتر.
إنهم على علم بتنقل المسافر ومعرفة مكان نزوله في المدينة، ولكن بدون أن يكثروا عليه الأسئلة وملء البطاقات بالمعلومات والتوقيعات.
ودعنا الأخ تاج الدين شعيب ودخلنا في الطائرة وأخذنا مقاعدنا المخصصة لنا، وفي الساعة التاسعة والدقيقة الخامسة والأربعين أقلعت بنا الطائرة. [تغيرت الأحوال اليوم بعد حادثة 11سبتمبر، فأصبح الأبرياء يؤخذون من مساكنهم إلى المعتقلات أو السجون، أو الطرد من كثير من البلدان الغربية].
الكون يحرك المشاعر ـ حوار مع المحيط الهادي!
كان مقعدي بجوار النافذة التي بدأت أطل منها لأرى المحيط الهادي من الجو، بعد أن وقفت على جانبه الشرقي في غرب لوس إنجلوس في الأرض، ولكن السحب الكثيفة المتراكمة كانت تغطيه تماما، وهنا تحركت المشاعر فكتبت ما يلي:
أقلعت بنا الطائرة الأمريكية الضخمة ذات الطابقين التي تحمل أكثر من ثلاثمائة راكب، من مطار لوس إنجلوس إلى طوكيو في الساعة العاشرة إلا ربعاً صباحاً، ومعروف أن المسافة التي تقطعها الطائرة بين لوس إنجلوس واليابان كلها فوق المحيط الهادي، وكنت في اشتياق للتأمل في هذا المحيط الضخم الذي رأيته في الخريطة يأخذ مسافة واسعة من الكرة الأرضية.
لذلك صممنا أن يكون سفرنا بالنهار واشترطنا على شركة الخطوط أن نكون بجانب إحدى النوافذ، إنها فرصة لزيادة الإيمان بخالق الكون، كانت الطائرة تنهب الجو نهبا فتسابق الزمن لأننا نسير إلى الغرب، والشمس لا زالت في أول النهار، وكلما تقدمنا إلى الغرب كنا مبكرين.
وأخذت أنظر إلى المحيط لأرى أمواجه الهادرة وهي تتقلب كصفحات كتاب، فإذا السحاب يغطيه كله فلم أر شيئا منه، فقلت في نفسي نحن قمنا من نومنا في لوس إنجلوس مبكرين، لأننا مسافرون والوقت هنا لا زال مبكرا، فلعل المحيط لا يزال يغط في نومه ولذلك بقي مغطى بهذا السحاب المتراكم.
أنا زائر وزيارتي نادرة، ولو علم بزيارتي ومن أين جئت لما تردد في طرد النوم عنه وإبعاد الغطاء عن وجهه، ولعل في الشعر ما يوقظه بطرب وليس بإزعاج.
وقد خاطبت السحاب طالبا منه الانكشاف عن المحيط الهادي فقلت:
* [أي أن هذه البلاد التي أتيتها تندب حظها التعس لفقدها رفع راية الإسلام على أرجائها، بخلاف مدينة رسول الله ((صلى الله عليه وسلم)) فهو تعجب من المجيء إلى هذه البلاد].
* [هذا في إشارة إلى قوله تعالى: { وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ}].
وبعد الانتهاء من كتابة هذه الأبيات التفتُّ إلى زميلي الدكتور، فأسمعته إياها فدعا الله أن يستجيب تلك الآمال.
ولقد كنت حقا أفكر في وجود أعلام الكفر مدججة بالسلاح في هذا البحر العظيم، مع فقد علم الإسلام العالمي الذي يجب أن يرتفع على كل صقع من أصقاع الدنيا، وإني لأرجو الله العلي القدير أن يأتي اليوم الذي تكون فيه جميع المحيطات والبحار وكل أرض الله، خاضعة لراية لا إله إلا الله محمد رسول الله، وإنه لآت بإذن الله.
وإذا لم يكن على أيدي جيلنا هذا الذي ألف التبعية والتأخر عن حمل الراية، فلا بد أن يأتي الجيل الذي يتحقق ذلك على يديه، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ (38) إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. [التوبة: 38،39].
وقال تعالى: {هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ }. [محمد: 38].
في هنولولو: كل همي هو جمع المال!
وبعد خمس ساعات هبطت بنا الطائرة في مطار هنولولو، [وتعرف الآن بـ(هاواي)]. إذ كان ذلك في الساعة الثانية والدقيقة الخامسة والأربعين بتوقيت لوس أنجلوس.
وفي قاعة مبنى مطار هنولولو قعد بجوارنا رجل عمره بين خمس وأربعين وخمسين سنة، فجرى حديث بينه وبين الزميل الدكتور محمد بيلو، فقلت لزميلي سله عن دينه فسأله فقال: إنه لا يدين بدين قلت له: قل له هل تحب أن تعرف شيئا عن الدين الإسلامي؟ فقال: لا أريد أن أدخل في حديث عن الأديان وكل همي هو جمع المال.
قلت: قل له: إذا كان عنده شك في وجود الله، فنحب أن نناقش هذا الشك ونزيله بالأدلة، فقال: هو لا يشك في وجود خالق للكون، ولكنه لا يحب البحث في هذا الموضوع.
قلت: سله إذا كان يحتمل أن يكون الدين حقا ولو واحدا في المائة، وأن هناك احتمال حياة أخرى فيها جنة ونار يجزى فيها المطيع بالجنة والعاصي بالنار، ولو واحدا في المائة أيضا، ألا يحفزك هذا أن تبحث عن الحقيقة حتى ينتفي عنك احتمال الواحد في المائة، وتكون حرا فيما تفعله؟ فلا يقيدك شيء، أو يزيد هذا الاحتمال حتى يصبح مائة في المائة فترتاح نفسك إلى التدين والتعبد، وتسير في طريق الحياة وأنت على علم به؟ فأجاب: أنا قد سمعت أن بعد الحياة الدنيا حياة أخرى، ولكن لا أعترف بذلك ولا أريد البحث في هذه الأمور مطلقا، وأنا رجل تاجر يهمني جمع المال وأن أربح في تجارتي فقط.
وقد أدخلت أولادي في مدرسة مسيحية، وهم يدرسون الدين المسيحي، وسبب إدخالي إياهم فيها ليس من أجل التدين، وإنما من أجل أن الدراسة فيها ناجحة أكثر من المدارس الأخرى.
وعندما وصل إلى هذا الحد كان موعد إقلاع الطائرة من مطار هنولولو قد اقترب فتركناه وشأنه.
والملحوظ أن هذا الصنف من الناس يصعب التفاهم معه لأنه يأبى النقاش مطلقاً.
وبعد ساعة تقريباً أقلعت الطائرة مواصلة رحلتها إلى طوكيو عاصمة اليابان، والفرق الزمني بين هنولولو ومكة المكرمة إحدى عشرة ساعة، فالساعة الواحدة بعد الظهر يوم الأحد في هنولولو، هو الساعة الثانية بعد منتصف الليل في المملكة العربية السعودية من صباح الاثنين.