رحلات الولايات المتحدة الأمريكية

الرحلات | سلسلة في المشارق والمغارب | 25 صفحة
صفحة 8 من 25 في مدينة شيكاغو

في مدينة شيكاغو

في مدينة شيكاغو

حنين وتسلية..!

الثلاثاء 6/8/1398هـ
قابلنا الأخ محمد نور السوداني الذي تخرج في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وكنت أيامها مسؤولاً عن شؤون الطلاب، وكان محمد نور من ذوي الطاقات العاملة في النشاط الطلابي، إذ شارك في الرحلات والندوات والجمعيات المختلفة، لذلك كان لقاؤنا معيداً لتلك الذكريات الطيبة، وكان قد سجل في جامعة الملك عبد العزيز بجدة في الدراسات العليا، مرحلة الماجستير، ولكن لظروف طارئة غادر مكة المكرمة إلى الكويت، وابتعثته وزارة الأوقاف الكويتية إلى الولايات المتحدة الأمريكية، ليعمل مع البلاليين هناك، ولا يزال يحن إلى الكعبة الشريفة التي جاورها لمدة سنتين حنين الطفل إلى أمه، وكذلك المسجد النبوي الذي لم يغادره طيلة أربع سنوات، عندما كان في الجامعة الإسلامية إلا نادراً، ولكن ينبغي أن يتسلى هو وغيره بالعمل والدعوة إلى الله في أي مكان. [ولقد أصبح الأخ الشيخ محمد نور عبد الله رئيساً للاتحاد الإسلامي في أمريكا الشمالية، فنفع الله به نفعاً عظيماً، ولله في تدبيره حكم].
يقول عبد الله المبارك:

يا عابد الحرمين لو أبصرتنالعلمت أنك في العبادة تلعب
من كان يخضب خده بدموعهفنحورنا بدمائنا تتخضب
أو كان يتعب خيله في باطلفخيولنا يوم الصبيحة تتعب
ريح العبير لكم ونحن عبيرنارهج السنابك والغبار الطيب
ولقد أتانا من مقال نبيناقول صحيح صادق لا يكذب
لا يستوي غبار خيل الله فيأنف امرئ ودخان نار تلهب
هذا كتاب الله ينطق بينناليس الشهيد بميت لا يكذب

سائق مخيف..!

استأجرنا سيارة صغيرة لتوصلنا إلى الفندق الذي تم الحجز فيه عن طريق الأخ محمد نور في وسط المدينة، وكان السائق زنجياً عنيفاً في قيادته، إنه يكاد يقفز بسيارته على سيارات الناس التي أمامه. على خلاف عادات كثير من السائقين في الغرب، ويخاتل السائقين فيسبق هذا ثم يستعد لسبق آخر، لقد كدت أن أطلب من الأخ محمد نور أن يوقفه، ولكن خشينا إن علم أننا متضايقون من قيادته أن ترتفع درجة الحرارة عنده، لقد كان شبه مجنون، ولا أستبعد أن يكون ثملاً من آثار الشرب أو الحشيش، ولكن الله سلم فوصلنا بسلامة الله وحفظه إلى الفندق الثاني في رحلتنا، تذكر أن الفندق الأول هو فندق "لندن".

فندق روزفلت..!

فندقان متشابهان، والفرق بينهما من وجهين:
الوجه الأول: أن اختيار فندق لندن كان من قبل قوم غشاشين.
الوجه الثاني: أن هدفهم أن يحتالوا على أكبر عدد ممكن لابتزاز أمولهم بأسلوب ظاهره شرعي.

حديث عهد حيِِيٌّ.

أما فندق "روزفلت" فقد اختاره لنا أخ حبيب وصديق حميم، لا نشك في أنه يحب لنا ما يحب لنفسه وما أراد إلا راحتنا، ولكن ما قصة الفندق وكيف كانت؟
الأخ محمد نور حديث عهد بسكنى مدينة شيكاغو، ورجل حيِيٌّ قنوع ليس عنده وسيلة للمواصلات، وفي نفس الوقت مشغول بأداء عمله الذي نرجو أن يكون يؤديه بإخلاص وإتقان في سبيل الله وحده، لهذا لم يتمكن من معرفة البلدة، لأنه لم يتجول فيها ونحن عندما اتصلنا به كان تصورنا غير ذلك، كنا نظن أنه على علم بالبلدة وعنده وسيلة مواصلات، وأخطأ ظننا، كما أنه لحيائه وعفته لم يستعن بأحد من الذين لهم خبرة بالبلد، فقابلنا وحده في المطار.

خداع العناوين..!

وعندما أرد الحجز لنا في فندق أخذ يقلب دليل الفنادق ويستعرض الأسماء، فعثر على هذا الكنز الثمين، فندق روزفلت، وهل يمكن أن يكون فندق سمي باسم الزعيم الكبير غير مريح..؟!
لذلك اتصل بمدير الفندق وطلب منه حجز غرفة بسريرين كما طلبنا، وعندما وصلنا إلى الفندق ودخلنا مكان الاستقبال همست لزميلي خلسة من الأخ محمد نور، ألا تظن أن هذا الفندق هو الفندق الثاني؟ فرد هامساً أيضاً: سننظر.
ودخل علينا زنجي كبير السن يتخبط في مشيه، فاغراً فاه، ولسانه شبه معول، وهو يمد يده على أكتاف الناس، واتضح أنه سكران ورأينا أشباهه في الشارع أمام الفندق، وكنت أقول في نفسي: اللهم سلمنا من هذا الفندق كما سلمتنا من فندق لندن..!

المصعد والعصا..!

وبعد الإجراءات اللازمة دخل معنا الفرَّاش في المصعد الذي يفتح ويقفل بيد شبيهة بيد الباب، وبيد الفراش عصا لا ندري لماذا يحملها، ولكن قلت في نفسي: أما أن يكون بعض نزلاء الفندق يفقدون وعيهم من السكر ويعتدون عليه أو على النزلاء الآخرين، فيحاول أن يدافع بعصاه، أو يكون في الفندق ثعابين وعقارب لكثرة أوساخه ومداخله القديمة المتداعية، وكلا الأمرين بلاء، وإذا أراد أن يوقف المصعد فإنه يبدأ بمعالجته في الدور السابق للدور الذي يريد إيقافه فيه.

أسف وتسلية.

وقفنا الفراش عند باب حجرتنا التي تطل نافذتها على الشارع، وأخذ يدفع الباب الخشبي القوي فانفتح ودخلنا الغرفة، وأخذنا ننظر في أرجائها نظرة نفور واشمئزاز، وأحس ذلك أخونا محمد نور الذي أبدى أسفه لنا، وذكر قصة الاختيار وسببه، فطمأناه بأن الأمر سهل وأن فندق لندن قد سبق فندق "روزفلت"، ويمكننا أن ننتقل منه غدا بإذن الله وهذا فندق تاريخي يحمل اسم زعيم كبير..!
ثم قلت له بعد ذلك: إن إبليس هو قدوة هؤلاء القوم، فقد وصف العصيان وثماره السيئة بأوصاف مغرية فقال لآدم: {هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى} [سورة طه، الآية: 120]. وإضافة إلى ذلك فإن زعماء الكفر لا يمكن أن يأتينا منهم خير، فأراد الله أن يثبت ذلك حتى في أسمائهم لئلا نركن إليهم أي ركون، كانت نكات لطيفة.
ودخلنا بيت الخلاء فإذا بابه لا يغلق، وإنما يرد فقط فظننت أنه يحتاج إلى دفع كما دفع الفراش باب الغرفة، فدفعته قليلا خشية إزعاج الأخوين الزميل والصديق، وإذا هو مثل مرحاض فندق لندن، ولكن زميلي اكتشف شيئا آخر فيه ظهر أنه فاق مرحاض فندق لندن في السوء..!

ولماذا السلالم..؟!

ونظرنا إلى الشارع من النافذة فرأينا أن سلالم من الخشب مبنية في جدار الفندق، متصلة به من أسفله إلى حجرتنا، فقلنا: وهذه مصيبة أخرى، ماذا يجري لو صعد إلينا سرب من السكارى؟ فأغلقنا النافذة وتوكلنا على الله!

إلى زعيم البلاليين.

كان الأخ محمد نور قد أخبر زعيم البلاليين، وهو ابن أليجا محمد، ذي الأفكار الهدامة التي أخذها من المسيحية واليهودية والقاديانية، ونسبها إلى الإسلام، بل إنه ادعى الرسالة، ولكن ابنه المدعو عند قومه "ولس دين" ويدعوه العرب: "وارث الدين" قد أظهر بعد وفاة أبيه بمدة محاولة إصلاحية في مفاهيم أبيه، فبدأ يقيم بأتباعه الصلاة ويصحح بعض الأفكار، كما قرأنا ذلك قبل أن نجتمع به في بعض المجلات الإسلامية، فطلب من الأخ محمد نور أن يحضرنا إليه ليجتمع بنا، فذهبنا إلى المسجد الذي فيه جميع مكاتبه الإدارية، وعندما أردنا الدخول طلب منا أن نعبر عن طريق الممر الذي وضع به جهاز كشف السلاح، مثل الأجهزة التي توضع في المطارات، والأماكن التي يخشى فيها من المسلحين فدخلنا، وكان غائبا عن المسجد فانتظرنا قليلاً.
وعندما أذن المؤذن وأقيمت الصلاة صلى بنا الأخ السوري، محمد مازن علوان الذي يدَرِّس في نفس المسجد مع محمد نور، وهو على نفقة رابطة العالم الإسلامي، واختصاصه في الطب، ولكن له اطلاع جيد، فقد درس على بعض العلماء في سوريا في صغره وفي وقت طلبه العلم في المدارس النظامية وهو شاب صالح أيضاً.
وبعد الصلاة قابلنا الأخ محمد مازن وتعرف علينا وحدثنا عن عمله مع البلاليين وبصرنا ببعض الأمور التي تهمنا.

ترحيب وشكر.

وبعد نصف ساعة تقريباً جاء ولس دين الذي يدعوه أتباعه بالإمام، فرحب بنا وقدم لنا بعض المرطبات وتعارفنا، وأبدينا له سرورنا بما سمعناه عنه من أنه بدأ يصحح المفاهيم التي كان والده يعتقدها ويلقيها لأتباعه، وطلبنا منه أن يستمر في هذا التصحيح، لأن الإسلام يجب فهمه من كتاب الله وسنة رسوله لا من بنيات أفكار الناس.

وطلب لا يرد.

طلب مني أن ألقي حديثاً في أتباعه بعد عصر هذا اليوم الثلاثاء الذي اعتاد أن يجتمع فيه أتباعه في قاعة المحاضرات العامة بجوار المسجد فلبيت رغبته، وكانت الكلمة تدور حول المعاني الآتية:
ـ الهدف الذي خلق الله الخلق للسعي إليه، وهو رضا الله بعبادته.
ـ والوسيلة إلى ذلك وهي العلم والعمل الصالح المبني على الإخلاص لله ومتابعة رسوله ((صلى الله عليه وسلم)).
ـ بيان أن الناس انقسموا تجاه هذا الهدف وتلك الوسيلة قسمين: كفاراً ومنافقين وهم الذين خرجوا عن القانون الإلهي ويعيشون معيشة ضنك في الدنيا والآخرة، ومسلمين وهم الذين استقاموا على دين الله ودعوة الناس إليه وصبروا على أذاهم، وأنه يجازى كل قسم يوم القيامة بما قدم.
ـ أن الناس لا يتفاضلون إلا بالتقوى { إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13]. فلا فرق بين عربي وعجمي ولا بين صاحب لون وصاحب لون آخر.
ـ إيضاح أنه لا يوجد اليوم في الأرض دين حق سوى دين الإسلام، وأن على جميع الناس أن يدخلوا في هذا الدين، وكان الزميل الدكتور محمد بيلو قد عرف الحاضرين بمهمتنا والبلدان التي زرناها وسنزورها بعد.
ثم ألقى إمام البلاليين كلمة رحب بنا فيها، وأشاد بالدعوة الإسلامية التي انطلقت من مكة المكرمة، وقويت شوكتها في المدينة المنورة التي أصبحت عاصمة الإسلام الأولى والتي كان لأهلها السبق في نصرة الرسول ((صلى الله عليه وسلم)) وإيواء أصحابه المهاجرين، وكانت عواطف الحاضرين جياشة عبروا عنها بالتكبير الذي ارتجت به جنبات القاعة، وقد اعتادوا الاجتماع لسماع الدرس الذي يطلقون عليه درس الثلاثاء، حقق الله لهم من يقودهم بدرس الثلاثاء إلى الإسلام الذي ارتضاه لعباده.

ملحق باستقالة وارث الدين محمد من قيادة جماعته

المسلمون السود في أميركا في حيرة إثر استقالة أحد أهم زعمائهم..
http://www.asharqalawsat.com/view/news/2003,09,15,192924.html
شيكاغو ـ الولايات المتحدة ـ: تيريزا واتانابي..
تمثل الاستقالة الأخيرة للإمام وارث دين محمد، احد أهم زعماء المسلمين الأمريكيين السود، نقطة تحول بالنسبة للمنظمة التي يرأسها منذ نحو 30 سنة. ويخشى بعض المحللين من أن تجعل الاستقالة المفاجئة لدين محمد من تزعم «جمعية المسلمين الأمريكية» المنظمة الأخيرة في مشكلة البحث عمن يوحد أكثر من 300 مسجد تابع لها في الولايات المتحدة.
وقال صادق سفير، إمام «مسجد عبد الله» بلوس انجلوس أن استقالة محمد «خسارة مدمرة»، والخطر هو أن يصبح المسلمون السود مجزئين ويظهر العديد من القادة الذين يقودون الناس إلى اتجاهات مختلفة.
لكن آخرين قالوا إن استقالة دين محمد تستطيع أن تشجع المسلمين السود على اتخاذ مبادرات شخصية أكثر لتطوير وضعهم وعرض القيم الإسلامية في أمريكا بطريقة أفضل. ومن جانبه، قال ناجي علي، صهر دين محمد الذي يدير «هوب» [الأمل] المؤسسة الإسلامية التي تتخذ من لوس انجلوس مقراً لها: «بالنسبة للأمريكيين الأفارقة، سنرى بداية نهضة للإسلام في أمريكا».
كذلك، قال فهيم صهيب، إمام «مسجد الوارثين» في أوكلاند بكاليفورنيا: إن استقالة محمد ربما ستساعد المسلمين السود على تجاوز «عقدة المسيح الضحية»، إذ أننا «ظللنا معتمدين أكثر على الشخصيات الكاريزماتية التي تجلب لنا اللحم إلى المنزل بينما نبقى نحن جالسين نتفرج».
ويعتبر دين محمد، 69 سنة، واحداً من أكثر الشخصيات المحورية في تاريخ الإسلام الأمريكي. ففي عام 1975، افزع العالم عندما رفض فكرة تأسيس منظمة «أمة الإسلام» على يد والده أليجه محمد، واختار العمل من خلال تنشيط المساجد في الولايات المتحدة. وقد تم لاحقاً إحياء «أمة الإسلام» من قبل لويس فرقان.
وقال محمد دين الشهر الماضي إنه سيواصل توجيه أتباعه عبر المسجد الذي يؤمه في شيكاغو، لكنه لن يواصل الإشراف اليومي على نشاطات منظمته الخاصة بكل المساجد في أمريكا.
وقال أئمة عدد من المساجد في أمريكا: إنه لا يمكن بروز شخصية تعوض محمد، وبذلك بدأوا يطرحون فكرة تشكيل مجلس يتخذ القرارات الخاصة بنشاط المنظمة جماعياً. لكن آخرين بدأوا ترشيح شخصيات مثل الإمام ايرل عبد الملك محمد الناطق الوطني باسم المنظمة أو أئمة بارزين آخرين في نيويورك واتلانتا وأوكلاند. وقال علي انه يخطط لتنظيم استفتاء وسط اتباع دين محمد للوقوف على رأيهم في كيفية إدارة شؤون المنظمة.
خدمة «لوس انجليس تايمز» ـ خاص بـ«الشرق الأوسط»].. أ. هـ.
واستأذنا لنذهب مع الأخ محمد نور الذي دعانا لتناول طعام الغداء في بيته، ونحن لبينا الدعوة لنرتاح من معارك الطعام التي استمرت معنا من وقت نزولنا في أول دولة غربية، وهي بريطانيا إلى هذا اليوم، فقد كان زميلي في نقاش دائم مع المضيفين في الطائرات، ومع الخدم في المطاعم في كل وجبة من وجبات طعامنا، وقد تمر ثلاثون دقيقة أو أكثر وهو يتفاهم معهم عن نوع الزيوت، واللحوم والسوائل، وقد يبدون أنهم فهموا المراد ثم يأتون بما يدل على عدم فهمهم، على الرغم من أنهم يصغون إلى لكنته الإنجليزية بعناية، بل ويستعذبونها حتى يكادوا يتركون خدمتهم ويجلسون بجانبه ليتمتعوا بلهجته، وهو يستفسر عن كثير من كلماتهم السريعة الدارجة، وفي إجابة دعوة الأخ محمد إرضاء له وراحة لنفوسنا من الشكوك في أطعمة المطاعم، وإجازة لزميلي محمد بيلو من عناء الأخذ والرد مع المضيفين.
ولقد كان الطعام لذيذاً غاية اللذة، لأنه قدم لنا في بلد ما كنا نظن أن نراه فيها فجزى الله الأخ محمد نور خيراً هو وأهله.
وبعد الغداء شربنا الشاي السوداني الذي انتشى بشربه زميلي أكثر مني، وأخذ فيه النسبة التي يريد من السكر دون أن يقال له: أغلق المطعم، كما قال له المضيف في رحلتنا من لندن إلى نيويورك.
وفرش لنا الأخ محمد نور في غرفة الاستقبال، فاستلقينا ونمنا نومة مريحة إلى أن حان وقت صلاة العصر، فصلينا وعدنا إلى مسجد البلاليين حيث ألقيت الكلمة في قاعة المحاضرات التي غصت بالحاضرين، ثم عدنا إلى فندق روزفلت لنكمل المشوار الطويل معه.
صحبنا الأخ محمد نور إلى الفندق ورجع بعد ذلك إلى أهله، فأخذنا نقارن بين فندق لندن وفندق روزفلت في الأسباب والأهداف والمرافق.

انقلاب ومصالحة.

ولقد نزعت الغطاء الذي كان على سريري والوسادة، ورميتهما بعيداً، لعدم قدرتي على النوم عليهما، وأخذت بعض ثيابي ففرشتها وبعضها الأخر جعلتها بدل الوسادة، ونمت متقززا، كأن تحت جنبي شوك السعدان، وقلت لزميلي ما رأيك لو صعد إلينا بهذه السلالم الموجودة بجانب الفندق أحد السكارى أو طائفة منهم؟ فقال: سنعمل جهدنا إن شاء الله فلا تخف وأغلقنا الشباك الذي يخشى دخول أحد منه.
وبسط زميلي عمامته السودانية الطويلة على فراشه ووسادته ونام عليها دون أن ينزع فراشاً أو وسادة، تحدياً لفندق روزفلت، وكنت أظن أن حظه أحسن حالاً من حظي، فربما كان فراشه نظيفاً وكذلك أكياس وسائده، ولكنه فضل المصالحة وفضلت الثورة والانقلاب.

ليل طويل..!

وعندما استيقظنا لصلاة الفجر، وكان هو الذي أيقظني بدا على وجهه علامات الاشمئزاز والتضجر، وهو يحك في جسمه، وسألته ما بك يا دكتور؟ فقال: لقد كانت هذه الليلة طويلة عليّ، وكنت أظن أنه سيتمثل ببيت امرئ القيس:

ألا أيها الليل الطويل ألا انجلِبصبح وما الإصباح منك بأمثلِ

ولكنه كاد ولم يفعل. قلت: ماذا جرى؟ قال: لقد باتت الروائح الموجودة في هذه البسط والوسائد تقلقني، كما باتت بعض الحشرات الصغيرة تأكل جسمي، ولم أذق طعم النوم طول الليل، ثم أخذ يقلب الوسائد والفرش ففوجئ بأسباب الروائح في الوسائد، فرجوته أن يغطي ذلك، وسليته بأن وقت خروجنا من هذا الفندق قد اقترب، كما اكتشف الدكتور في جدران بيت الخلاء ما هو أسوأ من ذلك.
ولقد ظهر لنا بعد ذلك أنه لا ينزل في هذا الفندق إلا المجرمون الذين لا يفيقون من السكر إلا نادراً، كما ظهر لنا سبب وجود العصا بيد الفراش وهو خوفه من النـزلاء المشار إليهم.

استعجال لا بد منه.

الأربعاء 8/8/1398هـ.
وبعد أن صلينا مباشرة حزمنا حقائبنا، لنغادر مكان القلق الذي كان المفروض أن يكون مكان راحة.
ضغطنا على مفتاح المصعد وانتظرنا حتى جاء حاملاً صاحب العصا وأدخلنا حقائبنا فيه، ونزلنا إلى قاعة الاستقبال ننتظر أخانا محمد نور الذي كان قد حجز لنا في فندق على جانب الشارع الآخر من جهة الشرق، ولكن موعد تسلم الغرفة كان متأخراً ونحن لا زلنا مبكرين، وانتظرنا طويلا في القاعة ونحن نرى النزلاء يدخلون ويخرجون أشباه مجانين، ومنهم القاعدون على الكراسي يتحدثون ويضحكون وأغلبهم من كبار السن.
وعندما طال الانتظار قال لي زميلي: أليس من الأفضل أن نشرب شيئاً؟ فقلت له: أشرب ما تشاء، أما أنا فلا أريد شيئاً، وحقاً ما كنت أقدر على تناول طعام أو شراب في هذا المكان القذر وهذه عادتي، أصبر على الجوع والعطش إذا رأيت مناظر قذرة مؤذية أو شممت روائح سيئة، إلا عند الاضطرار الذي لا أقدر على تجاوزه وفي جوانب الشارع المقابل كنا نرى أسراباً من الزنوج المتسكعين الذين يميل بعضهم على بعض أو يبادل بعضهم بعضا الصياح والضحك، والبؤس بادٍ على وجوههم ويظهر من تسكعهم أنهم بدون عمل مثل إخوانهم في حي هارلم.
ولشدة تضايقنا من الجلوس في هذا المكان وسوء المناظر البشرية المؤذي، اتصلنا بالأخ محمد نور نطلب منه سرعة التوجه إلينا، وفعلا جاء الأخ محمد نور، ومعه السيارة التي كنا طلبنا استئجارها لتبقى معنا مدة بقائنا في شيكاغو يقودها أحد الشباب البلاليين وهو طبيب.

يُطبَّق النظام بدون خصام.

نقلنا حقائبنا إلى الفندق الجديد، وتركناه لنذهب إلى إدارة المرور لنأخذ تصريحاً بالقيادة في مدينة شيكاغو، وفي الطريق إلى مسجد البلاليين الذي كنا نريد أن نلتقي فيه الأخ صلاح الدين الذي يتولى قيادة السيارة بدلاً من أخينا الطبيب، وقبل أن نصل إلى المسجد حصلت مخالفة مرورية غير مقصودة من قائدنا، فقد كانت الإشارة خضراء وهو بعيد عنها، فأسرع ليسبق الإشارة الحمراء، ولكنها سبقته هي، فناداه ضابط المرور عن طريق مكبر الصوت فوقف.
ونزل القائد والضابط ولم يدر بينهما حوار كما يدور بين ضابط المرور والسائقين في بلدان الشرق، بل يسأل الضابط السائق تعترف بأنك أخطأت؟ فإن اعترف فعليه أن يدفع الغرامة الجزائية، وإن قال له: لا ،لم يكلمه وإنما يعطيه قسيمة فيها نوع المخالفة وموعد المحاكمة، ويذهب كل منهما في سبيله، وإذا جاء يوم المحاكمة حضر السائق والمحامي، وفي الغالب يكون محامي جمعية أو شركة ينتمي إليها السائق، وحضر محامي إدارة المرور مع السائق والضابط وهناك يبت في الأمر في صالح أحدهما وينتهي الأمر.
وأنا عندما أذكر مثل هذه الحادثة أريد من ورائها التنبيه على احترام الإنسان لأخيه الإنسان، ولا سيما إذا كانا مسلمين.
فإن جندي المرور في بعض بلدان الشرق يشتم السائق ويهدده، وسرعان ما يرافقه إذا خالف ليسلمه إلى المسؤولين في المرور للتحقيق والتوقيف أو السجن، وما الداعي لهذا، وفي الإمكان أن يسجل المخالفة مع رقم السيارة ورقم الرخصة، والاستمارة وعندما تجدد الرخصة أو في أي وقت يحدد الجزاء المناسب ماليا كان أو سحب رخصة القيادة إذا كان الأمر يستدعي ذلك، وإذا تكررت من سائق مّا المخالفة، جوزي بما يستحق من سجن أو غرامة أو سحب رخصة قيادة.
وليس في هذا الأمر صعوبة وقد وجدت أجهزة الخازن الكاشف [كمبيوتر] الذي يمكن من جمع المعلومات عن كل شخص وإظهارها في وقتها المناسب دون تحيز. [أصبح هذا الأمر مطبقاً اليوم في بعض بلدان الشرق].
أخذ قائدنا البطاقة ومضينا إلى المسجد وهناك تسلم الأخ صلاح الدين الشاب المرح السيارة وذهبنا إلى إدارة المرور للاستفسار عن إمكان حملنا ترخيصاً بالقيادة على ضوء رخصتنا المحلية.

في إدارة المرور.

وصلنا إلى إدارة المرور، وبدأ الأخ صلاح يسأل الموظفين الذين لا يجيبون بنعم أو لا، إلا إذا كانوا على علم بذلك، فترددوا في الأمر بين من يظن الإمكان ومن يظن عدمه، فاستدعوا امرأة تعتبر مستشارة قانونية فسألوها فأجابتهم: أن في إمكانهم ذلك لو كانت الرخصة مترجمة باللغة الإنجليزية مختوما عليها بختم جهة معتمدة.
والمؤسف أن رخصنا ملئ جانبها العربي وأهمل جانبها الإنجليزي، والذي خرجنا به من هذه الإدارة أمران:
الأول: اهتمام الموظفين بأداء الخدمة على وجه يرضي صاحب المعاملة، وإظهار الأسف له إذا لم يمكن ذلك نظاماً..
والثاني: حسن سير العمل والنظام الذي مهما كثر فيه المراجعون لا تجد فيه الصياح والمدافعة اللذين يوجدان في أغلب إداراتنا ومؤسساتنا، ولذلك تسهل المعاملات وتنتهي مع كثرة المراجعين.
وبعد أن اعتذروا لنا وخرجنا قال الأخ صلاح الدين: نو بروبلم.. [أي ليس في الأمر إشكال] فأنا سأقود لكم السيارة، حتى تغادروا شيكاغو، فشكرناه على ذلك وعدنا مرة أخرى لتناول طعام الغداء في بيت الأخ محمد نور، وبعد ذلك عدنا إلى الفندق لنرتاح وعاد كل من الأخوين إلى منزله، ولقد ارتحنا فعلا في فندقنا الجديد إذ كان بمنزلة الصحة بعد المرض فالحمد لله رب العالمين.

دورة تدريب الأئمة:

الخميس 9/8/1398هـ
كنا على موعد مع الأخوين محمد نور وصلاح الدين، لزيارة دورة تدريب الأئمة والخطباء التي قامت بها بعض المؤسسات في المملكة العربية السعودية، وعلى رأسها الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، ومقر الدورة يبعد سبعين ميلاً تقريباً من مدينة شيكاغو حيث استأجروا لإقامتها كلية هناك بمرافقها.
وهناك التقينا الإخوة د.محمد العروسي عميد شؤون الطلبة بشطر جامعة الملك عبد العزيز في مكة، وهو رئيس الدورة والأخ الشيخ إسماعيل بن عتيق والدكتور علي جريشة أحد أعضاء هيئة التدريس بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، والمنتدب من قبل الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، والأخ الشيخ صهيب بن حسن زميلي في الدراسة ومبعوث الرئاسة العامة للدعوة في لندن والمشترك في الدورة، وغيرهم من الأساتذة وبعد جلسة قصيرة مع المذكورين صلينا الظهر والعصر جمع تقديم واستأذنا للعودة إلى شيكاغو.

وخرجنا من مقر الدورة بثلاث نتائج:

النتيجة الأولى: أن أبواب الدعوة إلى الله مفتوحة على مصراعيها في بلاد الغرب بحرية كاملة قد لا توجد في كثير من بلدان المسلمين، فالكلية المستأجرة للدورة مسيحية، والمسؤولون عنها مثقفون لا يخفى عليهم مفارقة الدين الإسلامي للدين المسيحي المحرف الذي يدينون به، ومع ذلك فقد أجروا مباني كليتهم بعقد رسمي من مسؤولين رسميين لإقامة دورة لأئمة مساجد المسلمين وخطبائها في الولايات المتحدة الأمريكية، وهذه النتيجة بديهية جداً في كل المواقف المشابهة ولا تحتاج إلى تدليل.
النتيجة الثانية: أن هؤلاء الأئمة والخطباء الذين يعتبرون أحسن شيء في الباب، كما يقال، لا يعرفون من الإسلام إلا اسمه، لأن المسؤولين في الدورة عندما عرفوا ذلك بدأوا يعلمونهم مبادئ الإسلام الأولية وسورة الفاتحة وقصار السور التي ما كانوا يستطيعون نطق كلماتها، وهذا يدل على جهلهم المطبق بدين الإسلام.
النتيجة الثالثة: أن إقامة مثل هذه الدورة أنفع من بعث وعاظ ومرشدين يمرون بالمساجد والتجمعات لإلقاء محاضرات، ثم العودة بتقارير مفصلة عما قاموا به وعن حالة الناس وتقديم بعض الاقتراحات، إلا إذا كان الهدف منها جمع المعلومات للاستفادة منها في التخطيط للدعوة مستقبلاً فذاك أمر مهم جداً.

أحب العمل إلى الله أدومه.

وأنفع من ذلك كله فتح مدارس في المدن التي يوجد بها تجمعات إسلامية، لتعليم المسلمين أمور دينهم ضمن مناهج معدة لأهداف محددة، وعلى المؤسسات الإسلامية التي نصبت نفسها للدعوة إلى الله أن تفكر في هذا الأمر، ولست أغض من بعث الدعاة والمرشدين وإقامة دورات مماثلة لإقامة الحجة وأداء المستطاع، ولكني أذكر ما هو أنفع وأدوم، وأحب العمل إلى الله أدومه وإن قلَّ.
عدنا إلى الفندق وعاد الأخوان إلى منزليهما.

صلاة الجمعة في مسجد السلام.

الجمعة الموافق 10/8/1398هـ
ذهبنا إلى مسجد السلام في شيكاغو الذي يجتمع فيه السوريون والفلسطينيون لأداء الصلوات جماعة، لا سيما يوم الجمعة ويومي الإجازة الرسمية، السبت والأحد، وهو عبارة عن قاعة واسعة نسبيا في الدور الثاني من العمارة، يوجد في مؤخرتها ستارة يصلي وراءها النساء، وعندما دخلنا المسجد وجدنا شيخا مصريا أزهريا يتحدث إلى الحاضرين أحاديث دينية قبل صلاة الجمعة فجلسنا نسمع حديثه وكان باللغة العربية.
وعندما حان وقت الصلاة أذن المؤذن وخطب أخونا الأزهري باللغة الإنجليزية وصلى بنا، وبعد الصلاة طلب منا أن نقدم أنفسنا للمصلين، وأن نقدم لهم نصيحة فقام زميلي الدكتور بيلو وعرف الناس بنا وبمهمتنا، ثم طلب الأخ الأزهري مني أن القي كلمة في الحاضرين، فقلت إذا أمكن أن يحصل اجتماع بعد المغرب هنا لإلقاء درس فقد يكون أفضل، حتى لا يمل الناس، إذ قد سمعوا درسا قبل الصلاة، ثم خطبتي الجمعة والوقت وقت غداء وراحة، فألح أخونا الأزهري على إلقاء نصيحة الآن.
فاستعنت بالله وألقيت كلمة مختصرة تضمنت تهنئة المصلين بحرصهم على أداء الواجبات والفرائض، والحث على الاستمرار في ذلك والابتعاد عن المفاسد والمحرمات، وأن الجنة حفت بالمكاره والنار حفت بالشهوات، وأن هذه المكاره وهذه الشهوات ماثلة في هذا البلد أكثر من بلادنا، ولذلك فعلينا أن نضاعف جهودنا للتمسك بديننا في هذه الأجواء الخانقة بالنسبة للمسلم.
وبعد الفراغ من ذلك تعارفنا مع الإخوة الحاضرين وعرفنا الأخ الأزهري بنفسه واسمه أحمد زكي حماد وهو مبعوث من وزارة الأوقاف المصرية للعمل مع مسلمي شيكاغو.
وكان يعمل مع الشيخ محمد الغزالي في وزارة الأوقاف المصرية قبل ذلك، ولقد وجدنا في الأخ أحمد زكي الرجل المؤمن الصادق ذا العلم والخلق الفاضل والتحمس للدعوة إلى الله.
مضت له سنتان ودخل في السنة الثالثة في هذه المدينة وهو الذي ترجم حديثي إلى اللغة الإنجليزية للحاضرين، ولم يكن قبل يتكلم اللغة الإنجليزية وإنما تعلمها في هذه المدة وهو يمارس الدعوة إلى الله واتضح لنا أن له نشاطا طيبا جدا في الدعوة.
وعدنا الأخ أحمد زكي أن يزورنا في الفندق هو وبعض المسلمين الذين يعمل معهم فودعناه وودعنا الإخوة الآخرين وعدنا إلى الفندق.

مسجد الباكستانيين ؟

[نسيت اسم هذا المسجد ولعله مسجد النور].
السبت 10/8/1398هـ
زرنا مسجدا آخر يشرف عليه بعض المسلمين الباكستانيين المقيمين في شيكاغو، ويعتبر مأوى لجماعة التبليغ الذين يفدون إلى شيكاغو والتقينا بعضهم، وهم على وشك السفر إلى جهة أخرى، وتوجد في المسجد مكتبة صغيرة للمطالعة، وفيها كتب للبيع باللغة العربية والإنجليزية والأردية، ولم نجد المسؤولين عن المسجد فصلينا مع الحاضرين الظهر وحصلت مناقشات خفيفة مع بعضهم ثم عدنا إلى الفندق.

جماعة دار الأرقم.

وفي المساء زارنا الأخ أحمد زكي مع بعض المسلمين السود الذين فارقوا جماعة ولس الدين وتجمعوا في مقر خاص بهم سموه دار الأرقم، وهم ينشدون الحق ويريدون تطبيق الكتاب والسنة، وينكرون أفكار أليجا محمد وأفكار ولده ولس الدين التي يرون أنها تخالف تعاليم الإسلام، وكانت أسئلتهم تدور حول موضوع الجماعات الإسلامية والموقف الذي يجب على المؤمن تجاهها.
وأجيبوا بأن الميزان هو كتاب الله وسنة رسوله ((صلى الله عليه وسلم))، فأي جماعة تهتدي بهما وجبت موالاتها وأي جماعة خالفتهما، فليس لها علينا إلا أن ندعو لها بالتوفيق والهداية وأن ندعوها إلى تصحيح أفكارها على ضوء ذلك.
كما رغبناهم في الاستمرار في طلب العلم والجد فيه، لا سيما تعلم اللغة العربية التي تعتبر المفتاح الأساسي لفهم الإسلام من مصدريه العظيمين كتاب الله وسنة رسوله((صلى الله عليه وسلم)).
وبين لهم بعض مبادئ الإسلام الأساسية، كالشهادتين وما تضمنتاه من استسلام لله واتباع لنبيه ((صلى الله عليه وسلم)).

عمل مثمر.

وظهر لنا من الحديث معهم أثر تعليم الأخ أحمد زكي لهم، فقد كان بعضهم يحفظ بعض أجزاء القرآن الكريم مع إجادة تلاوته، وطلبوا منا أن نبلغ المسؤولين في الجامعة الإسلامية رجاءهم تخصيص ثلاث منح أو أربع فوعدناهم بذلك وقد بلغنا فعلا.
كما أبدى الأخ أحمد زكي حاجته إلى إمداده ببعض المراجع الإسلامية في علوم التفسير والحديث والفقه واللغة، للرجوع إليها عند الحاجة، لعدم وجود مكتبة عامة في شيكاغو، بل لا توجد مكتبات خاصة مزودة بمثل هذه المراجع الضرورية، وهكذا أبدى غيره من العلماء الذين وجدناهم رغبتهم في وجود مراجع يستفيدون منها.
وعلى الجامعات السعودية والرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد ورابطة العالم الإسلامي ووزارات الأوقاف والشؤون الإسلامية في العالم الإسلامي، أن تمد هؤلاء الدعاة بالمراجع المفيدة، لا سيما وزارة الأوقاف الكويتية والأزهر وغيرها، فالذي لا يغزو بنفسه عليه أن يجهز الغازين في سبيل الله.

أعلى عمارة في العالم.

وفي هذا اليوم كنا صعدنا إلى آخر دور يصل إليه الزوار في أعلى عمارة في العالم، في هذه المدينة [العمارة الثانية كانت في نيويورك كما مضى] أشرفنا على المدينة كلها ورأينا بجانب العمارة المذكورة مبنى كبيرا تمتلكه أسرة روزفلت [ولم أدخل هذا المبنى لأقارن بينه وبين فندق روزفلت إلا أن مظهره يوحي بالبون الشاسع بينهما] وذكروا أن الأسرة المذكورة شيدت هذا المبنى من أرباح الخمر الذي كان في ذلك الوقت ممنوعا قانونيا، وكانت الأسرة تتاجر به بطريق غير مشروع [حاميها حراميها] فاكتسبت أموالاً كثيرة بسبب ذلك، وشيدت منها هذا المبنى، ولعلها اشترت بها المجد الرئاسي في الولايات المتحدة الأمريكية. [وهكذا تجد قادة بعض الشعوب يتاجرون في المحرمات ويثرون منها، كما هو حال كثير من المتاجرين بالمخدرات في هذا العصر!].

الحبر اليهودي في مسجد البلاليين.

الأحد: 11/8/1398هـ
لم يتمكن الأخ صلاح الدين من المجيء إلينا، لمشاركته في اجتماع البلاليين في مسجدهم الذي حضره أحد أحبار اليهود وألقى فيهم محاضرة ضمنها وحدة الأديان الثلاثة، ودعا أهلها إلى الإخاء والتعاون، ونبذ العداوة و الشحناء [ولعله بذلك يرد على كلمتي التي ألقيتها في البلاليين وكان مما تضمنته نفي صحة أي دين سوى دين الإسلام].

قارب صغير ترتفع له جميع الجسور!

وجاءنا الأخ محمد نور مساء لنقوم بجولة في بحيرة شيكاغو على أحد المراكب النهرية السياحية فذهبنا إلى مكتب إحدى الشركات التي تتولى القيام بذلك.
وبينما كنا ننتظر دورنا سمعنا صفارات إنذار ورأينا الجسر القريب منا الذي تعبر عليه السيارات والمشاة يرتفع، فأخذنا ننظر يمنة ويسرةً في النهر حيث كنا نتوقع أن تمر سفينة كبيرة لا تتمكن من العبور إلا برفع الجسر، كما رأينا بقية الجسور ترتفع واحدا بعد الآخر ولم نر ما كنا نتوقع أن نراه فسألنا: لماذا رفعت هذه الجسور؟ فأشاروا إلى قارب صغير جدا كان يمر بجانبنا قالوا: لأجل هذا القارب، فدهشنا لذلك! يتوقف سير الناس وسير السيارات وترتفع هذه الجسور كلها من أجل هذا القارب؟! وكان السبب أن عمود شراعه [وهو كالعصا الكبيرة] طويل بالنسبة للجسور وليس في القارب إلا سائقه!
قالوا: نعم، هذا الرجل أحد أبناء الشعب يدفع ضريبة كغيره، وقاربه يحمل رخصة قانونية، فمن حقه أن يعبر وأن يقف الناس والسيارات وترتفع الجسور من أجل عموده.
قلت في نفسي: لو كان بعض بلدان الشرق لألزموه بقطع المسافة الزائدة في عمود شراعه التي تسببت في كل هذه المشكلات، أو لأهمل وضويق حتى يفعل ذلك بنفسه، وجاء دورنا فصعدنا على المركب الذي أخذ قائده يدور به في الأنهر المتفرعة عن بحيرة شيكاغو، وفي أطراف البحيرة نفسها، ورأينا ناسا كثيرين يقفون على الميناء وسفنا كبيرة نسبيا واقفة كذلك، ذكر أنها ستبحر بهؤلاء الناس إلى المحيط الأطلسي ومن ثم إلى الهند، وبعض تلك البواخر هندية.

نظام وفوضى!

وفي مركبنا رأينا ما لا نرضاه من بعض الحيوانات البشرية التي كنا رأيناها عند صعودنا المركب ملتزمة بنظام الطابور وكأنها مؤدبة، لقد رأيناها وهي في أحط درجات الفوضى. وهكذا طبيعة أهل الغرب ترى مظاهر منظمة مرتبة، وترى معاملاتهم القانونية سريعة ومهذبة، ولكنك في نفس الوقت تراهم يتصرفون في العلاقات بين الجنسين ـ بل الجنس الواحد أحيانا ـ تصرف المجانين والحيوانات، بدون أيما خجل واحترام لأنفسهم أو لغيرهم.
وبعد ساعة من إقلاع المركب بنا عدنا إلى المكان الذي انطلقنا منه، وكان ذلك في تمام الساعة السادسة مساء.
عدنا إلى الفندق مشيا على الأقدام، والمسافة كانت طويلة لنرى الأسواق، لأننا لم نكن نتمكن من التجول فيها لضيق الوقت، وكان يوم عطلة.

التحذير من مزاحمة الإسلام للنصرانية في الغرب!

وفي واجهة بعض الدكاكين رأى الأخ محمد نور إعلانا دينيا، فقرأه وإذا الرف المجاور مملوء بأعداد من مجلة نصرانية ذات ورق صقيل ناعم، وطباعة أنيقة بحروف واضحة توزع مجانا، وفيها الدعوة إلى النصرانية وبيان محاسنها حسب زعمهم، وأخبار عالمية عن الدين المسيحي وغير ذلك، وكان الأخ محمد نور قد أخذ أعدادا سابقة فأخذ أيضا من الأعداد المذكورة، وذكر أنها تتحدث عن الإسلام ومزاحمته المسيحية، وتدعو إلى الجد والحذر، ولكن عامة الناس غير القسس والرهبان والمهتمين بالأديان مشغولون بالدولار ومستلزماته، ولم يعد الدين المسيحي يستحوذ على قلوبهم، بل يكتفي المتحمس له بالانتساب إليه وبحضور الكنيسة دقائق يوم الأحد.
وسيأتي حديث عن إخفاق كثير من الكنائس إن شاء الله.

السفر إلى مدينة لوس إنجلوس.

الاثنين الموافق 12/8/1398هـ
غادرنا مدينة شيكاغو إلى المطار، وكان الأخ أحمد زكي هو الذي جاء إلينا في الفندق وأوصلنا إلى المطار.
وكالعادة وجدنا في باب مبنى المطار الموظف المختص الذي أخذ حقائبنا دون أن نتعب في إيصالها إلى داخل القاعة، وبعد الإجراء الخاص بالتذاكر، ودعنا الأخ أحمد زكي ودخلنا إلى الطائرة فأخذنا مقاعدنا، وكان الإقلاع في الساعة الواحدة والدقيقة العاشرة بعد الظهر وسط سحاب كثيف ورذاذ من المطر.

عمل دؤوب لاستصلاح الأراضي البور.

وبعد أن قطعنا مسافة صحا الجو، وأخذت أنظر كعادتي إلى الأرض فرأيتها خضراء كما رأيتها كذلك من إنديانا إلى ديترويت، ثم من ديترويت إلى شيكاغو وبها أنهار جارية، إلا أنها في الجهة الغربية بدأت تظهر أراض جرداء تتخللها قِطَعٌ بدأ استصلاحها، ورأيت آلات زراعية في كثير من الأماكن، وبقربها قطع من الأرض خضراء تحيط بها أراضي شاسعة غبراء، والظاهر أن الأمريكيين عازمون على جعل بلادهم كلها مزرعة حتى تلك الأماكن القاحلة.
وكنت أنظر إلى هذا الجد في العمل وأتمنى أن أرى مثله في بلاد المسلمين التي بدأ العمل في قطع أشجار بساتينها القديمة، فضلا عن أراضيها الواسعة الصالحة للزراعة التي أهملت، وكانت ـ لو استصلحت ـ ستدر أرزاقا على أهل البلاد وستصدر الزائد للبلدان المجاورة، مع وفرة المياه وخصوبة التربة في كثير منها، كالسودان ومصر وغيرها.
وقلت في نفسي: الإمكانات المادية متوافرة في بعض بلداننا كالمملكة العربية السعودية ودول الخليج، والإمكانيات البشرية متوافرة في بعضها، كمصر، والأراضي الخصبة ذات المياه المتدفقة متوافرة كذلك، كما في مصر والسودان والعراق وغيرها، فلماذا لا يحصل تنسيق بين هذه البلدان لجعل أراضيها زراعية تكفي أهلها ـ على الأقل ـ وتغنيهم عن الاستيراد من الدول الأجنبية؟! [خطت المملكة العربية السعودية في الفترة الأخيرة خطوات جيدة في مجال الزراعة، وفق الله القائمين عليها للمزيد من الخير].

وهل ترغبون في لحم الكلاب؟!

وعندما مرت المضيفة المختصة على الركاب لمعرفة ما يرغبون من الطعام، أخذ زميلي يتفاهم معها ويبين لها الأطعمة التي لا نرغبها ومنها: لحم الخنزير، فقالت له: وهل ترغبون في لحم الكلاب؟ فرد فيها مستنكرا مبينا أنه لا فرق بين كلب وخنزير عندنا لأننا مسلمون، فقلت للزميل: لعلها تمزح فقال بل هي جادة وهذه بطاقة الطعام مسجل عليها فيها من ضمن اللحوم لحم الكلاب. [سمعت بعد ذلك أن المراد بلحم الكلاب: اللحم المعد لطعامها، وليس لحمها، وكلا الأمرين قبيح!].
وبعد أخذ ورد حصلنا على مطلوبنا، وكان السبب في ذلك أنه لم يتم التنبيه على الشركة في وقت مبكر بالنسبة للطعام.
وهبطت بنا الطائرة في مطار مدينة لوس إنجلوس في تمام الساعة الخامسة والدقيقة العاشرة بتوقيت شيكاغو، أي أن مدة الطيران كانت أربع ساعات.