رحلات الولايات المتحدة الأمريكية

الرحلات | سلسلة في المشارق والمغارب | 25 صفحة
صفحة 7 من 25 في مدينة ديترويت

في مدينة ديترويت

في مدينة ديترويت

في مطار ديترويت

الخميس: 1/8/1398هـ
سافرنا من إنديانا بولس إلى ديترويت إذ أقلعت بنا الطائرة في الساعة التاسعة والدقيقة الخامسة عشرة صباحا، وهبطت بنا في مطار ديترويت بعد ساعة تقريبا.
التقينا نحن والأخ الشيخ عبد الغفور البركاني في قاعة تسليم الأثاث، ويستطيع الصديق أو القريب في الغرب أن يستقبلك عندما تخرج من النفق الصناعي المتصل بالطائرة وقاعة المطار أو يودعك هناك. ليس مثل مطارات البلدان الشرقية التي يحظر على الصديق أو القريب أن يودع أو يستقبل صديقه إلا في القاعات الخارجية في المطار، لذلك يراك صديقك وأنت تعاني من حمل أمتعتك الثقيلة أو الكثيرة فلا يقدر على مساعدتك حتى تخرج إليه والحكمة في نفس صاحبها.

في فندق بلازا.

نقلنا الأخ عبد الغفور بسيارته إلى فندق بلازا الذي يقع على النهر الصغير المتفرع عن بحيرة ديترويت الكبيرة، العذبة، وهذا النهر يفصل بين الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وهذا الفندق يقع على شاطئ النهر الشمالي، والعمارات الكندية في المدينة المجاورة تقع على الشاطئ الجنوبي منه، وفي الجهة الغربية يربط أحد الجسور الحديدية بين البلدين، إذا تعبر عليه السيارات وبعد أن تم استقرارنا في الفندق المذكور في الدور29 ودعنا الأخ عبد الغفور على أن يعود إلينا بعد الساعة السابعة مساء قبل المغرب بساعتين ونصف تقريبا، وكان النهار في ديترويت في ذلك الوقت يبلغ طوله سبع عشرة ساعة من طلوع الشمس تقريباً.

مناظر ممتعة وأخرى مؤذية..!

جاءنا الأخ عبد الغفور في الموعد، ويتبع الفندق برج عال في أعلاه مظلة تدور بالزائرين ليتمكنوا من رؤية كل ما حول البرج، من المدينة والنهر والمدينة الكندية وغير ذلك، فصعدنا إلى ذلك المكان الذي لا بد أن يتناول فيه الزائر شيئا ما: طعاماً أو شراباً، حلالاً أو حراماً، فتناولنا بعض المرطبات اللائقة بنا وقعدنا ننتظر دورة الأرض المصغرة المتفق على دورانها [بخلاف دورة كوكبنا الأرضي الذي لازال بعض الناس ينكر دورانه!]. ونحن نتمتع بجمال تلك المناظر العجيبة، قصور عالية وشوارع مستقيمة، وأخرى ملتوية، ونهر جار، ومراكب بحرية كبيرة وصغيرة، وطائرات هليكوبتر تحلق فوق النهر حتى تكاد تلمس ماءه، ولم يسوؤنا إلا مناظر الحيوانات البشرية التي مهما حاولت أن تغض بصرك لا تقدر إلا إذا ربطت عينيك برباط أسرى الحرب، ولكن الذي كان يهون الأمر علينا إننا كنا نحس أن أمامنا نساء مترجلات لا توجد بهن إلا خشونة الرجال الوقحين، ثم لا بد من أن نختبر أنفسنا في هذا الجو السيئ، والله وحده الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
وإن حلاوة الإيمان الحق لا يذوقها الإنسان إلا حيث يكره نفسه على ما لا تحب "حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات".
والذي جعل المنظر أمامنا جميلاً هو ما ذكرت أولاً، يضاف إليه أننا نتمتع بمناظر دولتين في وقت واحد.
وبعد ساعة تقريباً اصطحبنا الأخ عبد الغفور في جولة حول المدينة على ضفاف البحيرة. وكنا نريد أن ننزل في مكان لنتمتع بجمال البحيرة وجمال البساتين القريبة منها، ولكن الأماكن التي مررنا بها كلها لا يليق بنا أن ننزل فيها، لما فيها من العري الشديد والاختلاط الفاحش، فعدنا أدراجنا إلى الفندق.
وبعد تناول طعام العشاء ودعنا الأخ عبد الغفور على أن يأتينا غدا الجمعة حيث أصر عليّ أن أقوم بخطبة الجمعة، لأن الناس يجتمعون في المسجد أكثر من بقية أيام الأسبوع.
الجمعة 2/8/1398هـ
جاء الأخ عبد الغفور قبل الأذان فنقلنا إلى المسجد الجامع الذي يقيم فيه الجمعة والجماعة ويدرس الناس فيه، كما يدرس بعض الأولاد‎، فانتظرنا في مكتبه الذي بجانب المسجد، واستقبلنا فيه بعض أعضاء الجمعية المشرفة على المسجد بتحيات حارة لمسنا فيها العاطفة المتطلعة إلى زيارات العلماء لتلك البلاد.
وعندما حان الوقت أذن المؤذن في مكبر الصوت، وهذا أمر غير مألوف في بقية المساجد في الغرب، وذكر عبد الغفور أن بعض الناس قد أبدوا استياءهم من ذلك ولكن التصميم الحاصل من أعضاء الجمعية جعلهم يرفعون اسم الله عاليا في بلاد الكفر، وقد لا يسمح لهم بالاستمرار في ذلك إذا طلب الجيران تدخل السلطات الحكومية. [وقد دمغ الله الباطل بالحق فقد قدم النصارى المجاورون للمسجد شكوى وحكمت المحكمة للمسلمين برفع الأذان في مكبر الصوت الذي يسمع على بعد خمسة أميال من المسجد، لكثرة السكان المسلمين هناك، حيث يحيط بالمسجد ما يقارب خمسة وعشرون ألفاً، وتسمى حارتهم رسميا القرية العربية في ديربون].
وهنا تذكرت أن بعض الناس في بعض البلدان الإسلامية يحاولون أن يحدوا من رفع كلمة لا إله إلا الله في مكبرات الصوت وقت الأذان، استجابة لرغبات من يغيظهم صوت الحق فقلت: اللهم يسر سبل إعلاء كلمتك على أرضك كلها على رغم أعداء دينك من الكفرة وأذنابهم.
وكنت أفكر في موضوع الخطبة، ولم أهتدِ إلى ذلك إلا قبيل صعودي المنبر، إذ ارتسم في ذهني الكلام على سورة العصر.
وكنت علمت أن المسجد يحضره العمال والمثقفون من أطباء وغيرهم. وعندما يكون الحاضرون خليطا من المثقفين والعوام، فإن مهمة الخطيب تكون صعبة لأنه لا بد أن يراعي هؤلاء وهؤلاء في أسلوب واحد بحيث لا يحس أحد الصنفين بتفاوت، وقد حاولت أن أفعل ذلك ما استطعت.

كأننا في أحد مساجد بلادنا المعمورة..!

ولقد ازدحم المسجد بالمصلين حتى صلى كثير منهم في قاعته السفلى، وما كنت أظن أن أجد إلا صفا واحدا، ومع ذلك فإني كنت أحس أن الكلمة التي تخرج تجد لها قلوبا مفتوحة، لاحظت ذلك في وجوه المصلين وكأن على رؤوسهم الطير.

لا بد أن نسير مع ركاب القطار.

وبعد أن صلينا قدمت لنا جنازة أحد المسلمين للصلاة عليها، وقد وضع في صندوق كما يعمل أهل تلك البلاد، وعندما سألت لماذا يعمل المسلمون هذا؟ ذكروا أنه لا يسمح بدفن أحد بدون ذلك، فذكرني هذا بما يردده المجاهدون من أن المسلم لا يقدر أن يعيش حتى في حياته الشخصية ولا يطبق في أموره الخاصة أحكام دينه، إلا إذا كان نظام دينه هو الحاكم، وإلا فسيكون ترسا في عجلة دولاب النظام الذي يعيش تحت ظله، أو كراكب من ركاب القطار لا يسعه تحويله عن وجهته، وإن كان كثير من المسلمين يجاهدون ما استطاعوا في تطبيق دينهم في تلك البلدان.
وبعد ذلك أعلن الأخ عبد الغفور أننا سنلقى دروسا بعد المغرب من كل يوم ابتداء من مغرب هذا اليوم.
وطلبنا من الأخ عبد الغفور أن نتبع جنازة هذا الميت حتى يتم دفنه، وعندما خرجنا من المسجد وجدنا أن قافلة السيارات التي تتبعه إلى المقبرة تحمل كلها بيارق صغيرة عليها علامة الصليب فاستكبرت ذلك! فقالوا أيضا: لا يسمح لسيارة بالدخول إلا بهذا الشعار فقلت وهذه أَطَمَّ من التي قبلها، فركبنا في سيارة الأخ عبد الغفور وليس عليها ذلك البيرق، وذهبنا قبل الموكب ودخلنا المقبرة دون أن يتعرض لنا أحد بسبب عدم وجود البيرق، وهناك انتظرنا حتى جاء الموكب وقد غطي القبر بالقماش الجوخ وفرشت جوانبه بالسجاد، وقائد الحراثة الذي يهيل التراب في القبر ينتظر، وهناك وجدنا نصبا على القبور كتب عليها اسم الموتى وتاريخ دفنهم، وبعض القبور عليها قطعة من البلاط كتب عليها ذلك، وليست القبور مرتفعة عن الأرض، والمسلم هناك يدفن بجانب النصراني.
وذكر الأخ عبد الغفور أن الميت يلبس بدلة جديدة شبيهة ببدلة الزفاف وأن الناس يغالون في ذلك، والمسلمون يعملون نفس ما يعمله الكفار، طرداً للميزان المادي عند الغربيين، ولو كان عندهم علم عن عذاب القبر ونعيمه وسؤال منكر ونكير، وأن الإنسان لا يبقى معه في قبره إلا عمله لما احتاجوا إلى هذا التكلف..!
وجاء الموكب وحمل التابوت الثقيل حتى وضع على حافة القبر وقد ربطت على القبر حبال ربطا خاصا يوضع عليها التابوت، ثم جاء المختصون وأخذوا يرخون الحبال شيئا فشيئا حتى نزل التابوت في مكانه وأهال الحاضرون شيئا من التراب عملاً بالطريقة الإسلامية في الدفن ثم ابتعدوا وأخذ قائد الحراثة يجرف التراب في القبر حتى انتهى..
وقال الأخ عبد الغفور: الآن لا بد أن نتقدم للدعاء للميت حسب السنة، وإلا فسيتقدم بعض المخرفين لقراءة التلقين المعتاد وهو مخالف للسنة، فقلت له: تقدم وافعل ففعل وعزينا أقرباء الميت، وحاولوا معنا أن نذهب معهم لتناول طعام الغداء إذ جرت عادتهم أن يفعلوا ذلك فاعتذرنا ورجعنا إلى الفندق.

جولة في الجزيرة.

وبعد العصر جاءنا الأخ عبد الغفور، فذهب بنا إلى الجزيرة الواقعة شرق الفندق والتي ذكر أن الولايات المتحدة اشترتها من كندا [الظاهر أنها اشترت قسط كندا منها] وعندما وصلنا إلى الجزيرة وتجولنا فيها رجعنا إلى شاطئ النهر الشمالي فوجدنا مكاناً خالياً من الناس، فمكثنا هناك حتى جاء الوقت وذهبنا إلى المسجد حيث أدركنا الناس وهم يصلون فصلينا معهم.
الدرس الأول:
وبعد صلاة المغرب أعلن للناس الأخ عبد الغفور عن افتتاح الدروس، فبدأنا الدرس الذي كان يدور حول الإيمان بالله وأدلته والحكمة من خلق الجن والإنس، ثم فتح المجال للأسئلة الكثيرة إلى أن أذن لصلاة العشاء فصلينا وذهبنا إلى مطعم عربي لبناني تناولنا فيه طعام العشاء ولكن بعد فحص شديد كفحصنا لمطاعم الغربيين لعدم الفرق بينهما، لأن العرب المسؤولين عن المطعم نصارى أيضاً، إلا أن صنع طعامهم شرقي.
وعدنا إلى الفندق، وفي هذا اليوم قص لنا الأخ عبد الغفور مشكلاته مع بعض الجاليات الإسلامية التي قد سمعنا عنها من قبل، وكنا نود أن نصلح بينه وبينهم، بل كنت أقول لزميلي الدكتور محمد بيلو: لو لم يكن في رحلتنا هذه إلا الإصلاح بين هؤلاء القوم لكفانا.

حالقة الدين..!

لذلك عرضنا على الأخ عبد الغفور استعدادنا للصلح بينه وبين خصومه، وكان يائساً هو من ذلك. وحاول أن يدخل اليأس في نفوسنا، ولكن ألححنا عليه، وذكرناه بالنصوص الواردة في الخلاف وذمه وفي مدح الاعتصام والاتفاق ووجوب تحقيق الأخوة الإسلامية، وبعد مناقشة طويلة وافق على تدخلنا في الموضوع قائلاً: سوف لا تجدون قبولاً لذلك عند الآخرين وكنا اتصلنا بالأخ عمر الصوباني الأردني الذي يسكن في مدينة من مدن ولاية ميتشجان وطلبنا منه الحضور ليشاركنا في الإصلاح، لأنه قد بلغنا أن القاضي يحيى بن لطف الفسيل [توفي رحمه الله] اليمني رئيس مكتب التوجيه والإرشاد في صنعاء قد زار المنطقة وحاول الإصلاح كذلك، ومن ضمن ما عمله عندما لم ينجح في مهمته أن كون لجنة للإصلاح من ضمنهم الأخ عمر المذكور، والأخ الليبي علي رمضان أبو زعكوك، وهو طالب في إحدى الجامعات في الولاية أيضاً، ولكن هذا الأخير لم نجده.
أما الأخ عمر فقد جاء جزاه الله خيراً وبقي معنا يومين في محاولة جادة مع الطرفين، وقد تلمسنا الأخبار أولا من بعيد فتأكد لنا عن عبد الغفور ما يلي:
عندما بعثته دار الإفتاء، جاء إلى ديترويت، وكان أول من أعانه ووقف بجانبه الحاج فوزي مرعي الفلسطيني ضد رئيس الجمعية السابق وهو فلسطيني أيضاً، ولكنه هو وجماعته كانوا يستعملون قاعة المسجد السفلى لاحتفالات ـ الجاليات في الأعياد ومناسبة الزواج وغير ذلك ـ ويحصل في ذلك ما يحصل من المنكر: تكشف النساء واختلاط الرجال بهن، مع الرقص واستعمال آلات الملاهي، وأن المسجد لم يكن يفتح للصلاة إلا نادراً، لعدم وجود إمام متفرغ فيه.

أمر بالمعروف فحورب..!

وكان الأخ عبد الغفور ينكر عليهم ذلك بشدة ويقول لهم: إن المساجد لله، وبنيت لذكره، فلا يجوز استعمالها فيما هو محرم في غيرها. ولكن القوم ألفوا ذلك ودأبوا عليه فلم يسمعوا له قولاً، فوقف فوزي بجانب عبد الغفور، وانتهى الأمر بانتخاب جديد لأعضاء الجمعية فكان فوزي هو الرئيس في هذه الدورة، ومضى الأخَوَان في تعاون ووفاق.
واعتزل الجمعية من لم يرض بما حصل، وكان المسجد يفتح في جميع الأوقات.
وذكر بعض أعضاء اتحاد الطلبة المسلمين أنه حضر المسجد في بعض الأوقات العادية التي هي في أيام عمل وليست في أيام إجازة، فوجد وراء الإمام ثلاثة صفوف، وذلك نادر في مساجد الولايات المتحدة الأمريكية، فضلاً عن هذا المسجد الذي كان يعتبر مهجوراً.
أما في أيام الجمع فإن المسجد لا يتسع للمصلين، لذلك وسعوه من جهة القبلة، وهذا خير كثير إذا ما قورن بالمساجد التي تعتبر معمورة ولها من يقوم عليها وينفق الأموال الكثيرة.
ثم دب الخلاف بعد ذلك بين الأخ عبد الغفور والأخ فوزي واتسع الخرق على الراقع، فبلغ الأمر إلى أن دعا عبد الغفور إلى انتخابات جديدة حضرها بعض الأعضاء وغاب عنها بعضهم، ولما كان اليمنيون هم الأغلب وقد رأوا في عبد الغفور ما يجمعهم ويبصرهم بدينهم ويربطهم به، فقد تم انتخابه رئيساً للجمعية المذكورة.
عند ذلك طلب من فوزي تسليم الأموال التي بيده، بل التي أودعها في البنك باسم رئيس الجمعية. وأن يحاسِب المسؤولين الجدد بما تم في الأموال المصروفة، فرفض ذلك، فاشتد النزاع بينهم وتفاقم أمره.
ودخل الشيطان بين الإخوة فنفخ في كل واحد منهم ليسد الباب أمام الصلح، بل زاد أمرهم حتى كذب بعض الخصوم على خصمه واتهمه بتهم كاذبة، إذ كتب خصوم عبد الغفور للمسؤولين في المملكة العربية السعودية ـ بسبب أنه مبعوث من قبل بعض مؤسساتها ـ بأنه يتعاون مع الشيوعيين، بل اتهموه بأنه شيوعي هو نفسه، ويقال: إن راتبه قد أوقف وكونت لجنة لتقصي الحقيقة، فوجدوا أن الدعوى كانت كاذبة باعتراف خصومه، وذكر الأخ عبد الغفور أن راتبه أعيد بعد ذلك.
وقد دخلنا مع كل من الطرفين في نقاش طويل نحن والأخ عمر الصوباني، أما عبد الغفور فكنا معه باستمرار في سيارته، وفي الفندق وفي المسجد، لأنه هو الذي تولى مرافقتنا من أول وصولنا. وأما فوزي مرعي فقد سهرنا معه ليلة كاملة، كما سيأتي الكلام عنها.

الدرس الثاني:

السبت: 3/8/1398هـ
وبعد مغرب يوم السبت تم إلقاء الدرس الثاني وكان كله يدور حول جواب على سؤال بعض الحاضرين الذي وجهه على الوجه الآتي: ما سبب عدم التزام المسلمين بواجبات دينهم وفعل ما حرم الله عليهم مع علمهم بذلك؟ ثم فتح المجال المعتاد لأسئلة أخرى للإجابة عليها شارك في بعضها زميلي الدكتور بيلو.

صلح المسلم رُفض، وحكم الكافر طُلب..!

وبعد صلاة العشاء من هذا اليوم جاءنا الأخ فوزي مرعي إلى الفندق واستمرت محاولتنا معه من أول ما دخل إلينا إلى أن صلينا الفجر، ليرضى بالصلح بينه وبين عبد الغفور، ولكن دون جدوى، إذ صمم أنه لا صلح مع عبد الغفور إلا تسفيره من أمريكا، والرجل حاد الطبع سريع الغضب بطيء الفيء أيضا، يطلق لسانه دون أن يفكر فيما يقول، فقد نال من خصمه بما لا يجوز له، كما حرض عليه آخرين وأغراهم بالاتصال بنا شخصياً أو عن طريق الهاتف، ليؤكدوا ذم عبد الغفور والشكوى منه، ظناً منهم أننا جئنا للتحقيق في القضية، ونحن قد نفينا ذلك في المسجد.
لو كانوا شَكَوا شَكْوى عادية لهان الأمر ولبقينا من أجل المصلحة، ولكن كلامهم كله كان كلام سب وشتم ودعاوى واضحة البطلان، فقد اتصل بعضهم بي شخصياً في الهاتف وأخذ يحدثني عن عبد الغفور الشيوعي، وأخذ يسبه لمدة لا تقل عن ساعة، وأنا لا أزيد على السماع إلا إذا خشيت ظنه أني قفلت الهاتف فأقول له: نعم، وكان ذلك ثقيلاً على نفسي، وجاء آخر بنفسه وأخذ يفتح ملفات الإجرام الصادرة من عبد الغفور التي لم أر فيها إلا وقوفه ضد المنكر الذي ألفه الناس، واستنكروا وجود المعروف كما قال من قبلهم: { قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ}. [هود: 87].
وبقي هذا الرجل عندنا أكثر من ثلاث ساعات ونحن لا نزيد على السماع منه، ثم نصحناه في آخر الأمر بتقوى الله، وودعنا غير راض بذلك الوقت فيما يبدو.
وقد حضر الخصمان وبعض أعوانهما ومحامي كل منهما، إلى أحد قضاة البلدة، وعندما عرف القاضي ـ وهو نصراني ـ أنهما مسلمان قال لهما: ألا تشعران بالخجل إذ تخرجان من بيت من بيوت الله دون أن تحكماه بينكما وتصطلحا ويقر من عنده الحق بالحق لصاحبه، وتأتيا إلي وأنا العبد الضعيف لأحكم بينكما؟!
وقد أخبرنا كلا الخصمين بهذا، عبد الغفور أخبرناه مباشرة وفوزي أخبرنا عن طريق الهاتف، فكانت موعظة للمسلمين من غير مسلم، ولكنها لم تقبل ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وخشينا أن تحدث فتنة، فتشاورنا أنا وزميلي وقررنا السفر يوم الثلاثاء فحجزنا واتصلنا بأخينا في الله الشيخ محمد نور السوداني الذي يعمل مع البلاليين على نفقة وزارة الأوقاف الكويتية ليرتب لنا منهج زيارة نافعاً في شيكاغو كما سيأتي.
الاثنين 5/8/1398هـ

دفاع المنتصر..!

في صباح هذا اليوم تجولنا في بعض أسواق المدينة ـ وفي طريقنا إلى بعض الأسواق الضخمة التي يوجد فيها كل الأغراض المطلوبة، كل صنف من البضاعة يوجد في طابق منها تناولنا طعام الغداء في أحد الفنادق الفخمة، [فندق حياة ريجنسي]. وهنا حصلت قصة طريفة، لا زلت كلما تذكرتها أضحك من أجلها: كنت لابساً لباسي العربي، وكان الناس يكثرون الالتفات نحوي لغرابة اللباس هناك، ولكن التفاتهم ـ في الغالب ـ يكون خلسة و مسارقة، وسمعت من الأخ عبد الغفور أن الالتفات إلى شخص ما، يعتبر غير لائق عند الأمريكيين، فإذا صوب أحد نظره إليك والتفت أنت نحوه، فإنه يشعر بالخجل ويعتبر التفاتك إليه نوعاً من الاحتجاج والعقاب.
ولقد أخذت هذا السلاح، فكنت إذا رأيت من يلتفت إلي التفت نحوه فيصرف نظره بسرعة، وكأنه لم يكن ينظر إلي، وفي هذه المرة كنا على طاولة الطعام فمر شيخ عجوز من عمال المطعم، فنظر إلي ونظرت أنا إليه، ومن شدة محاولته إخفاء التفاته صرف نظره بسرعة وهو يمشي فتعرقلت رجله بأحد المقاعد، فوقع على الأرض، ثم تجلد فوثب قائماً وأخذ يسعى بعيداً عنا، فأخبرت الأخوين، زميلي الدكتور بيلو والأخ عبد الغفور فأخذا يشاركاني الضحك.

الآلة والبطالة..!

ثم صعدنا إلى الطابق الأول في الفندق فوقفنا في قاعة صغيرة نسبياً، لنرى القطار ـ أو المترو ـ واقفاً، فخرج الركاب منه ودخلنا نحن، وعندما أخذنا مقاعدنا نظرنا إلى مقدمة هذا المركب الذي يذهب ويجيء على جسر معلق في الهواء، بين الفندق والعمارة التجارية التي نريد الذهاب إليها، نظرنا لنرى القائد فلم نرى أحداً، وعندما سألنا عن ذلك ـ وكنا نظنه يختفي في مكان ما منه قال الأخ عبد الغفور: إنه يسير ذهاباً وإياباً بنفسه عن طريق الكهرباء، ويتقابل هو وزميله في منتصف الطريق دائماً، هذا ذاهب وهذا عائد.
قلنا في نفوسنا، نركب مع الناس، وهذا المركب قد جرب، وقد أمنه الناس على أنفسهم مدة طويلة، فما يُظن به أنه يخرج عن طريقه، أو يتجاوز موقفه وذكرنا اسم الله الذي سخره لنا وسخر عقول بعض خلقه كذلك.

وهنا استحضرت ثلاث ملحوظات:

الملحوظة الأولى:
أن أهل الغرب أتعبوا أنفسهم وكدوا عقولهم لاستخدام ما سخره الله تعالى لهم في هذا الكون، وسلكوا السبيل المطلوب لهذه الاستفادة، فكانت النتيجة أن تحقق لهم كثير مما أرادوا. لذلك ترى مالك الآلة نائما وهي تخدمه طول الوقت، هذا في الأمور المادية البحتة.
الملحوظة الثانية:
أن الآلة حلت محل الإنسان في كثير من الأعمال، فتعطل كثير من الناس عن العمل، ولذلك ارتفعت الشكاوى من البطالة، لأن هناك مجالات أخرى غير هذا المركب، كالمصانع التي يكفي شخص واحد ليدير ألوفا من الناس، عن طريق جهاز الكمبيوتر والمراقبة، يكفي أن يضغط شاب على زر لتشغيل المصنع بكامله، بل إنك تستطيع أن تتعامل مع الآلات في صرف نقودك، فتدخل النقود الورقية في الآلة فتضغط على أحد المفاتيح فتخرج لك عدد القروش المماثلة دون زيادة أو نقص، تصور لو كان ذلك عن طريق الناس كم كان يحتاج من الوقت ليعد لك ولغيرك تلك النقود المعدنية، وكم يحتاج من البشر ليكفي عشرات الناس في الدقيقة الواحدة؟
وتتعامل مع الآلة في شراء بطاقات دخول القطار، فتذهب إلى الآلة وترمي لها النقد المعدني ثم تضغط على المفتاح فإن كان النقد هو المطلوب رمت لك البطاقة في محفظة سفلى، و إن كان أكثر من المطلوب ردت لك الباقي وأعطتك البطاقة، وإن كان أقل منه انتظرت حتى تكمل.
وتتعامل مع الآلة في شراء أنواع الأشربة، إذ توجد بها العلب وعلى كل نوع كتبت قيمته، فما عليك إلا أن ترمي النقد المطلوب ثم تضغط على المفتاح المختص فيرمي لك العلبة التي أردت.
وهكذا إن شئت قهوة بسكر كثير أو قليل، أو بغير سكر ساخنة أو باردة، فإن الآلة تتعامل معك في أسرع وقت وبدون خصام.
بل ذكر لنا، وهذا ما لم نره، أن بعض الآلات تتعامل معك في الطعام الساخن والبارد وهكذا..
بل إن البنوك تتعامل معك في أيام العمل وأيام الإجازات في الليل والنهار، إذ تأتي إلى فتحة صغيرة فترمي فيها بطاقتك، وتذهب الآلة تسأل أخواتها إن كان بقي لك شيء يكفي المبلغ المطلوب؟ فإن كان موجودا فإنه يأتيك في أسرع وقت، وإلا رجعت لك بطاقتك بعد الاعتذار لها.[وقد انتشرت بطاقات الصرافة عندنا اليوم، فلم تعد غريبة على الناس].
إنني عندما رأيت بعض هذه الأمور وعلمت عن بعضها، وسمعت غير ذلك مما يدهش العقل، ورأيت الناس كيف يعملون في الحسابات وغيرها، خرجت بنتيجة أن هؤلاء الذين يستخدمون هذه الآلات قد أصبحت عقولهم آلات، عدا أولئك الذين يفكرون بعقولهم ويبتكرون ويخترعون فإن أمرهم مختلف، قل لي بربك: ألا تكون النتيجة هي الشكوى من البطالة. [كانت هذه الأمور تدهشني حينئذ، لعدم وجودها في عندنا، أما لآن فقد أصبحت مألوفة].
الملحوظة الثالثة:
أن مجال هؤلاء العاطلين هو الدول المتأخرة، والتي يسمونها بالنامية، لذلك ترى الآلاف من الغربيين يؤمون هذه البلدان بطلب منها في مجالات مختلفة منها الخطير ومنها الحقير.
وهكذا كان صاحبنا القطار الصغير، إلا إنه لم يعلّم أخذ النقود، بل يخدم دون مقابل ولكن لا يخدمك إلا لإيصالك إلى المتجر وإعادتك، وهناك في هذا المتجر الضخم لا يرجع هذا الراكب إلا بعد أن يشتري شيئا ما، ليس عن طريق الإجبار والترهيب، ولكن عن طريق الإغراء، فلكل واحد ما يعجبه في هذا المتجر، إن لم يكن في هذا الطابق ففي الذي يليه، ولهذا فلا حاجة لهم إلى دفع قرش أو قرشين فستدفع ما يكفي وزيادة.
ومن فوائده لهم أن المتجر لا يدخله الناس إلا عن هذا الطريق الذي يسهل لهم المراقبة، وهناك أجهزة مراقبة في المتاجر الكبيرة يكون الإنسان فيها مكشوفا في شاشة التلفزيون الخاص تصوره الكاميرا على ما هو عليه.
ومما لوحظ في هذا المتجر وغيره أن الأجهزة السلكية واللاسلكية الموجودة في أمريكا أغلبها من صنع اليابان، وذكر الأخ عبد الغفور وغيره كذلك، أن أجهزة الراديو المصنوعة بأمريكا لا يسمع بها إلا الإذاعات المحلية، ما عدا أجهزة قليلة جدا ليس في استطاعة كل واحد اقتناؤها، لغلائها تسمع بها الإذاعات الخارجية، أما الأجهزة المصنوعة في اليابان فإن أكثرها تسمع منها الإذاعات الخارجية، وهكذا وجد أن المسجلات الجيدة يابانية. وسيأتي الحديث عن اليابان في حينه إن شاء الله.
وبعد تجول طويل في المتجر وأخذ بعض الأشياء الخفيفة تسلية للقطار الذي لا نريد أن يرانا خالي الوفاض من داره، رجعنا إليه فنقلنا إلى مكاننا الأول، وتركناه يتعامل مع غيرنا، وذهبنا إلى سيارة الأخ عبد الغفور وطلبنا منه أن يقودها، ولا يتركها تسير بنفسها، لأنها لم تدخل المدرسة التي تخرج فيها ذلك القطار. رجعنا إلى الفندق لنرتاح لأنا غدا مسافرون إلى شيكاغو.
ولقد كنا في غاية من الرغبة في البقاء في ديترويت، من أجل الجمع الغفير الذي يجتمع في المسجد، ومن أجل الرغبة التي كنا نلمسها في الحاضرين، حتى لقد بكى بعضهم وناشدونا البقاء لمدة أطول، وأن نبلغ المسؤولين في المملكة العربية السعودية بأن يتعهدوهم بالمرشدين، وأن يبعثوا لهم عددا من المدرسين، لتدريس أولادهم مبادئ اللغة العربية والمبادئ الإسلامية، حتى لا يضيعوا في المجتمع الأمريكي، غير أن الوضع الذي شرحته سابقا رجح لنا السفر..

السفر إلى مدينة شيكاغو.

أقلعت بنا الطائرة من مطار ديترويت في تمام الساعة العاشرة صباحا، وصلنا إلى مطار شيكاغو في الساعة الحادية عشرة تقريبا.