في مدينة نيويورك
في مدينة نيويورك
مطار نيويورك: أسمي المطارات بأسماء المدن، لعدم معرفتي أسماءها .
الثلاثاء: 22/7/1398هـ ـ27/6/1978م
هبطت الطائرة في مطار نيويورك الدولي في الساعة السابعة والدقيقة الخامسة بتوقيت بريطانيا، فكانت مدة الطيران من لندن إلى نيويورك على المحيط الأطلسي ست ساعات وخمساً وثلاثين دقيقة، والفرق الزمني بين لندن ونيويورك خمس ساعات، إذا كانت الساعة في نيويورك وقت هبوط الطائرة الثانية والدقيقة الخامسة والثلاثين.
ودخلنا قاعة تسلم الأثاث فأخذنا حقائبنا ومررنا في صف بالجمرك الذي لم يمض علنا فيه إلا قليل، وكان يفتش أثاث الركاب بدقة، ولكنه لم يفتح حقائبنا إلا الحقيبة اليدوية التي كانت بيد الزميل، ونظر في الجوازات فوجد البطاقة التي كتبت في الطائرة، ثم خرجنا فوجدنا الأخ ضاحياً الحكيم في انتظارنا وهو شاب فلسطيني يحمل الجنسية الأمريكية ويعمل نجاراً، وما كان يعرفنا ولا نعرفه، ولكن زوجة الحاج أحمد بابا السوداني التي اتصلنا بها من لندن يوم الاثنين 21/7 وهي في إنديانا قد اتصلت بصديقة لها [هي أخت ضاحي الحكيم تعمل في هيئة الأمم المتحدة وإحدى مذيعات صوت أمريكا باللغة العربية] في نيويورك وطلبت منها تكليف من يستقبلنا ممن يجيد اللغة العربية، فجزاها الله خيراً على اهتمامها وكثر من النساء أمثالها، فإن وجود شخص من أهل البلد يدل النازل الجديد من أهم الأمور، وإذا تذكرنا فندق لندن عرفنا نعمة وجود الأخ ضاحي في استقبالنا.
وكان الأخ ضاحي قد حجز لنا غرفة.. في فندق "تودر" الذي يقع قرب مبنى هيئة الأمم المتحدة، وبعد أن نزلنا في الفندق ودَّعْنا وأعطانا رقم هاتف منزله لنتصل به إذا دعت الحاجة، وفهمنا منه أن والده موظف في الأمم المتحدة وأن أخته إحدى الدليلات في هيئة الأمم المتحدة إلا أن أباه في جنيف.
في مكتب رابطة العالم الإسلامي:
الأربعاء: 23/7/1398هـ ـ 28/6/1978م وقفت هنا

وفي يوم الأربعاء 23/7 اتصلنا بمكتب رابطة العالم الإسلامي في نيويورك، فوجدنا شقيق الأخ مدير المكتب أحمد صقر وأخبرناه أننا في الفندق المذكور وأنا نريد زيارة المكتب ولكنا لا نعلمه فقال: إن المكتب قريب منكم جدا، ولكن انتظروا دقائق في نفس الفندق، فانتظرنا خمس دقائق تقريبا فجاءنا وسلم علينا واصطحبنا معه إلى المكتب.
وهناك تم اللقاء بالأخ الدكتور عثمان أحمد الذي جلس معنا طويلا وشرح لنا أحوال المسلمين في أمريكا وذكر لنا بعض ما يقوم به المكتب من الأعمال في هيئة الأمم المتحدة، ومساعدة بعض المسلمين في الحدود المتاحة له، وأن المكتب في حاجة إلى دعم أكثر وصلاحيات أوسع، لأن المشكلات التي تتطلب الحلول للمسلمين في أمريكا كثيرة لا يفي بها المكتب ولا المراكز الإسلامية الأخرى بوضعها الحالي.
وضرب لنا أمثلة بالمسلمين الذين يدخلون السجون ويتصلون بالمكتب يطلبون العون، كما أن المشكلات الأسرية التي تحدث للمسلمين تستدعي تقديم بعض العون، والمكتب لا يستطيع أن يقدم شيئا إلا في حدود ضيقة جدا بعد زمن طويل من الكتابات والمعاملات الرسمية.
وليت المسؤولين عن المراكز الإسلامية يعلمون ما تقدمه المراكز المسيحية وغيرها من المعونات لأتباعهم ويتعظون بذلك وهم أهل الحق وغيرهم أهل الباطل.
في مبنى هيئة الأمم المتحدة:
كما التقينا بعض أعضاء المكتب وحصل التعارف بيننا وبينهم، واصطحبنا الأخ أحمد أسعد وهو من موظفي المكتب، فلسطيني الأصل، هاجر إلى أمريكا بعد معركة دير ياسين بعد أن ذاق البطش اليهودي في غياهب السجون وهو الآن أمريكي الجنسية، اصطحبنا إلى مبنى هيئة الأمم المتحدة، وهو بناء ضخم وبه مكتبة فيها كتب باللغات المختلفة، وبها وثائق حكومية ووثائق جماعات وأقليات ومشردين، ولكن هذه الوثائق لا يمكن الاطلاع عليها إلا بترخيص وشروط.
وعند مرورنا ببعض طوابق المبنى رأينا صورا لبعض زعماء العالم ومفكريه وفلاسفته، كما رأينا صورا للمشردين من الأقليات كالفلبينيين والإرتريين وغيرهم، وتظهر في صورهم حالة البؤس والتشرد والجوع والعري والمرض، تعلق هذه الصور هناك الجمعيات المضطهدة لاستجلاب العطف العالمي الذي يرمز له هذا المبنى الكبير.
ملعب الأمم المتحدة مجلس الأمن ..!!
ومن الأماكن التي زرناها في هذا المبنى: مجلس الأمن الذي يتلاعب بأمن العالم ما عدا دول النقض. وهناك رأينا قاعة كبيرة ذات مدرجات، وفي وسط صحن القاعة وضعت مقاعد الأعضاء الدائمين وتحيط بها مقاعد من أستطيع أن اسميهم بالمتفرجين من دول العالم.
فتأملت في القاعة قليلا لآخذ في نفسي صورة عن المكان الذي تدير منه دولتان العالم كله ويتلاعبان [هما الولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد السوفييتي آنذاك] بأمنه واستقراره، ثم ذهبنا لنرى مجلس هيئة الأمم المتحدة فوجدنا في الباب الخارجي جنديا يعتذر عن الإذن بالدخول، لأن الهيئة مجتمعة في القاعة وأصر الأخ أحمد أسعد علينا أن نتناول وجبة الغداء في مطعم المبنى فتناولنا الطعام وعدنا إلى المكتب.
وكنا قبل أن نذهب إلى مبنى هيئة الأمم المتحدة عرفنا أن الأخ الشيخ أحمد شيث الرفاعي النيجيري الذي تخرج في الجامعة الإسلامية قبل ثلاث سنوات موجود في نيويورك يدعو إلى الله على نفقة رابطة العالم الإسلامي ويعمل مع البلاليين، فاتصلنا به هاتفيا، وعندما عرف أن الذي يكلمه عبد الله القادري صاح بأعلى صوته قائلا: الله أكبر ووعد بسرعة المجيء إلى المكتب، وعندما عدنا إلى المكتب وجدناه ينتظرنا.
مثال من مآسي المسلمين في بلاد الكفر!
وهنا شرح لنا الأخ الدكتور عثمان أحمد قضية المرأة النيجيرية المسلمة الأصل والتي اضطرت للزواج برجل مسيحي في أمريكا، لعدم وجود معيل لها وجهلها بدينها، وأن زوجها اصطحبها معه للعمل في بعض الشركات الأمريكية في أفريقيا وأنجبت له أربعة أولاد، وأنها اتصلت ببعض علماء المسلمين، وعندما عرف أنها كانت مسلمة الأصل ذكرها بأهمية دينها ووجوب رجوعها إليه والحرص على أن يكون أبناؤها مسلمين بدلاً من تنصيرهم.
وهنا بدأ النزاع بينها وبين الزوج وبعض أهله، إذ كان يطلب منها أن تأخذ أولادها كل يوم أحد إلى الكنيسة، وهي تأبى وتصر على دينها وعلى جعل أبنائها مسلمين، ثم اضطرت للهرب إلى أمريكا بأولادها، لأنها تحمل الجنسية الأمريكية، وهو يهدد بجعل الأولاد نصارى بالتعاون مع بعض أهله.
وذكر الأخ عثمان أن المرأة تستصرخ ضمائر المسلمين في الجامعات الإسلامية لتخصيص منح دراسية لأبنائها حتى ينجوا من دنس العقيدة النصرانية الفاسدة.
وقد وعدت الأخ عثمان أحمد أن أنقل للجامعات في المملكة هذا الأمر وأسعى في إنقاذ هؤلاء الأولاد، إضافة إلى السعي في مساعدتها ماديا من بعض أهل الخير، إذ أنها الآن تعاني من ضغط النصارى عليها بلقمة عيشها.[ضمنت ذلك في التقرير الرسمي].
كما رأيت امرأة تحمل طفلها تطلب المساعدة بقيمة تذاكر سفر لها ولابنها لتسافر إلى زوجها الذي يواصل دراسته في السودان على منحة ـ لعلها من جامعة أم درمان الإسلامية ـ وقال لي الأخ عثمان أحمد: إن مشكلات المسلمين هنا لا حد لها، وهم يلجأون إلى المراكز الإسلامية باسم الإسلام يطلبون المساعدة، كما يلجأ المسيحيون إلى المراكز المسيحية، إلا أن المراكز المسيحية عندها من إمكانات المساعدة المادية ما لا يوجد عند المراكز الإسلامية أقل نسبة منه، ولذلك نقع في حرج، فلم يسعني إلا أن أحوقل، لأني لا أقدر أنا أن أعمل شيئا أيضا.
جولة في مدينة نيويورك.
بعد ذلك اصطحبنا الأخ أحمد الرفاعي في سيارته للتعرف على بعض مناطق نيويورك، وأنى لنا أن نستوعب معالم لمثل هذه المدينة الكبيرة التي تعتبر العاصمة التجارية للولايات المتحدة الأمريكية، ونحن لم يبق أمامنا إلا مساء هذا اليوم في هذه المدينة.
ثاني أعلى عمارة في العالم EMPIRESTATE BUILDING
ولكن الأخ أحمد اختار لنا زيارة ثلاثة أماكن:
المكان الأول: سياحي تجاري عالمي مشهور، وهو العمارة العالمية الثانية في الارتفاع التي تبلغ طوابقها اثنين ومائة طابق، [وهذا المركز هو الذي انتهى عمره في 23/6/1422هـ ـ 11سبتمبر2001م]. فذهبنا إليها واشترينا التذاكر اللازمة للصعود، وهنا رأينا مئات من الناس صاعدين وهابطين، والمصعد الواحد يتسع لما لا يقل عن خمسين شخصا وهو في غاية من السرعة، فصعدنا إلى أعلى العمارة هذه وأخذنا ننظر من كل جانب إلى أنحاء مدينة نيويورك، وكنا نرى الناس الذين يسيرون في الشارع ـ والناس هناك ذووا أجسام ضخمة ـ مثل البهم [أولاد الغنم الصغار] أو أصغر، ولكن المصيبة كانت في قوة الهواء الذي كاد يأخذ الملابس الساترة، فما بالك بغيرها؟
المكان الثاني: منبع إجرام حي هارلم ..
ثم نزلنا لنذهب إلى المكان الثاني الذي اختاره لنا الأخ أحمد ألا وهو حي هارلم الذي يسكنه الزنوج فقط، وكانت مباني هذه المنطقة مساكن اليهود وملكا لهم، ولكنهم غادروها عندما جاء مشروع إسكان الزنوج فيها.
لماذا اختار لنا الأخ أحمد هذه المنطقة بعد أن كنا في منطقة تجارية وسكنية راقية، يرى بريق عماراتها ولمعانها وهي في غاية من النظافة والنظام والهدوء-النسبي-على رغم كثرة الناس بها؟ إنه أراد أن يرينا كيف يعيش هؤلاء السود المساكين في مدينة نيويورك فماذا رأينا؟ لقد رأيت بيوتا محطمة النوافذ والأبواب، قد اشتعلت فيها الحرائق، ورأينا الزنوج وهم يتسكعون في الشوارع مثل المجانين، منهم السكران ومنهم الشبيه بالسكران.
رأينا أناسا لا أظن أن يجد السائح أشباههم في أدغال إفريقيا، لما يعانون من البؤس والحرمان والشقاء، إنهم يتجمعون على أبواب البارات و يتراقصون وهم قيام أو قعود، ومنهم من يضرب الدفوف المكسرة ويرقص عليها.
ولا أستطيع أن أصف ما رأيت إلا بالبؤس والجهل والحرمان، ولقد كان الأخ أحمد لا يقف بسيارته إلا ريثما يتحرك، لأن المنطقة منطقة إجرام، وكان يخشى علينا من أجل لباسنا.
عندئذٍ قلت: هل حقا أنا في أمريكا؟ هل حقا أنا في نيويورك؟ هل حقا أنا بجانب مكبر كارتر المنادي بحقوق الإنسان في العالم؟ هل حقا أنا بقرب هيئة الأمم المتحدة التي كنت في مبناها صباحا؟ كل تلك الأسئلة دارت بخاطري وأنا أعبر تلك الشوارع المخيفة!
منبع الإجرام:
ألا إنها منطقة إجرام مشهورة فعلا، ولكن إجرام من؟ أهو إجرام السود؟ أم أن الأصل هو الإجرام الأبيض الذي يقتل الإنسان وينادي بحقوقه؟
لقد شبهت إجرام السود وإجرام البيض بالتشبيهين الآتيين:
إجرام البيض هو بحيرة من الأقذار:… وإجرام السود ـ على الرغم إنهم هم المباشرون -ريح تنقل تلك الروائح إلى أنوف الناس، فأي الإجرامين أشد عند أولي الألباب؟
المكان الثالث: مساكن طبقة لأغنياء.
ثم مر بنا الأخ أحمد، ونحن في طريقنا إلى منزله، في منطقة سكنية سماها لنا، ولكني لم أحفظ اسمها، ذات عمارات متناسقة وشوارع غاية في التنظيم وهدوء عجيب، وهي تبعد قليلا عن منطقة الزنوج وذكر أن هذه المنطقة يسكنها الأغنياء والأسر الراقية، وعلق الأخ أحمد على ذلك فقال: قارنوا بين هذه المنطقة وبين منطقة هارلم، وهذه المنطقة لا توجد بها بارات، أما منطقة هارلم فإن أغلب عماراتها المتهدمة توجد بها بارات، وهل خلق هؤلاء المساكين عند الرجل الأبيض الذي أفنى عمره للدعوة إلى حقوق الإنسان لغير البارات والتسكع؟
كل شيء بالدولار.
وصلنا إلى جانب العمارة التي يسكنها الأخ أحمد فإذا هو يخرج مفتاحا ويدخله في قفل بجانب الجدار، وهو في سيارته فانفتح باب كبير أمامه يبعد عن موقع السيارة بمقدار عشرة أمتار فسألنا: ما هذا؟ [غالب ما كنت أراه يعتبر غريباً عندي، لأنه لم يكن موجوداً في بلادي، ومنه السلالم المتحركة، وفتح أبواب المواقف بالبطاقات، وكذلك أبواب الفنادق]. فأجاب هذه مظلة السيارات لسكان العمارة يدفع صاحب السيارة أربعين دولاراً ويتسلم مفتاحاً يدخل سيارته ويخرجها متى شاء، حفظا لها من الشمس ومن الثلج أيام الشتاء، وكذلك من السرقة وبعد دخوله ينغلق الباب بنفسه، وهكذا..
دخلنا منزله وصلينا المغرب وتحدثنا معه قليلا وسألناه عن مدى كفاية راتبه له فقال: المنزل أجرته ثلاثمائة دولار، والهاتف والكهرباء تكلف تقريبا مائة دولار، وموقف السيارة يكلف أربعين دولاراً، ومواقفها في الشوارع كما رأيتم، والذي رأيناه أن المواقف في الشوارع كلها بالأجرة فوقوف السيارة ساعة بثلاثة دولارات وقد تزيد وقد تنقص حسب المكان، ولا يجد موقفاً لسيارته بدون أجرة، وهذا قد يفسر جزءا من الرأسمالية الغربية.
كما أن التأمين الصحي له مبلغ والتأمين على السيارة إجباري، هذا عدا الطوارئ والنفقات اليومية والملابس والمحروقات الخاصة بالسيارة والغلاء هناك فاحش جداً.
شكوى متكررة جديرة بالاهتمام.
وعندئذٍ بث الأخ أحمد ما عنده فشكا من الدين وعدم كفاية الراتب الذي يتسلمه من الرابطة، مع العلم أنه في بعض الأوقات يتأخر كثيراً عن موعده فيزيد الطين بلة، وهذه الشكوى تكررت من جميع الإخوان الذين تعاقدت معهم رئاسة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، ورابطة العالم الإسلامي لا سيما الذين عندهم عوائل.
وقد ضمنت ذلك التقرير الذي قدمته للجامعة الإسلامية في المدينة المنورة عند رجوعي من هذه الرحلة، وأن من أهم ما يجب أن تعلمه المؤسسات الإسلامية المسؤولة سواء كانت في المملكة العربية السعودية أو غيرها، كوزارة الأوقاف الكويتية، أن تعيد النظر في رواتب الذين تتعاقد معهم وتبعثهم إلى بلدان الغرب أو اليابان لغلاء المعيشة هناك، ولا ينبغي أن يظهر الداعية المسلم بالمظهر المستجدي حالا، وإن لم يكن مستجديا بقوله، فالمنصِّرون يمنحون من الإمكانيات المادية ما لا يكفي راتب الداعي المسلم عشر معشار راتب الفرد من المبشرين، وأيهما أحق بالإكرام والظهور بمظهر الغنى عن الناس؟ دعاة الحق أم دعاة الباطل؟ ألا هل بلغت؟
صوتك مسموع وحركتك منظورة وأنت في منزلك..!
وعند خروجنا من منزل الأخ أحمد أطلعنا على سر غلاء أجرة منزله فقال: إن الساكنين هنا يتمتعون بالهدوء والحراسة الكاملة وأرانا صفة الحراسة.
الحارس يقعد في مكان خاص خارج العمارة داخل سورها وأمامه تلفزيون، وهو يرى على الشاشة كل سكان العمارة في داخل شققهم. كيف؟ ركبت مُصَوِّرات[كاميرات] في كل شقة، وهي تنقل الصورة إلى الحارس باستمرار والحارس مسلح، إذا ارتاب في شقة من الشقق عمل ما يجب عليه، فقلت للأخ أحمد: معنى هذا أنه يكشفكم في كل وقت، وأنتم عندكم عوائل فكيف تعملون؟
فأجاب: إن في استطاعة صاحب كل شقة أن يغطي الكاميرا التي في شقته، فلا يستطيع الحارس أن يرى شيئاً في الشقة.
واستطرد الأخ أحمد في موضوع الراتب فقال: إن السفير النيجيري عرض عليّ وظيفة في هيئة الأمم المتحدة براتب يكفيني ويزيد، ويكون إيجار البيت والهاتف ومحروقات السيارة والتأمين الصحي وتذاكر السفر إلى البلاد، كل ذلك على حسابهم، وزارني في البيت وألح عليّ كثيراً ولكني رفضت، لأني لا أريد أن أترك مجالاً فضلته منذ بدأت أطلب العلم، وهو مجال الدعوة إلى الله. أوصلنا الأخ أحمد إلى الفندق، على أن يعود إلينا صباح يوم الخميس الذي سنسافر فيه إلى إنديانا.
الخميس: 24/7/1398هـ ـ29/6/1978م
السفر إلى إنديانا بولس.
رتبنا حقائبنا ونمنا إلى الصباح، وبعد صلاة الفجر بقليل جاءنا الأخ أحمد فأنزلنا الحقائب وحاسبنا إدارة الفندق، وسرنا إلى أحد مطار نيويورك ـ مطار داخلي ـ وعندما وصلنا إلى الباب الخارجي في المطار، وجدنا من يتسلم منا الحقائب ويعطينا البطاقات، ولم ندخل إلى موظفي الخطوط إلا بحقائب اليد.
وأخذ الموظف المختص التذاكر وعمل اللازم وناولنا بطاقة الدخول، وتجولنا قليلا في أسواق المطار، وكان زميلي الدكتور مغرما بمناظر كل بلد وهي متوافرة في المطارات، وغرامه بذلك انتقل إلي أيضا بحكم المجاورة، كما يقول علماء النحو، فاشترى لنا صورا لمناظر نيويورك، وصعدنا بعد ذلك إلى الطائرة التي أقلعت صباحا وكانت مدة الطيران ساعتين تقريبا بين نيويورك وإنديانا بولس، وكنت أنظر خلال زمن الطيران إلى الأرض، فلا أرى بقعة غبراء لا فرق بين جبال ووديان وسهول ومرتفعات، كل الأرض خضراء، وبين كل مسافة وأخرى أرى قرية ذات شوارع منظمة وأرى أنهارا جارية، فقلت: سبحان الذي فتح لهم أبواب الرزق، وسبحان الحليم الذي فتح لعباده هذه الأبواب وهم يجاهرونه بالمعصية في العقيدة والسلوك والشريعة.