رحلات الولايات المتحدة الأمريكية

الرحلات | سلسلة في المشارق والمغارب | 25 صفحة
صفحة 3 من 25 مقدمة

مقدمة

مقدمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.. أما بعد:
فهذه أول رحلة لي أقوم بها خارج المملكة العربية السعودية، بتكليف رسمي من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ولم أكن قد قمت برحلة قبلها لأي بلد من البلدان العربية وغير العربية، ماعدا مصر التي سافرت إليها لإكمال دراسة الماجستير، ولم أزر فيها غير القاهرة. [زرت القاهرة عدة مرات، وزرت الإسكندرية مرة واحدة. ثم زرت بعد ذلك تونس مرة واحدة والمغرب مرتين، والأردن مرتين، وكذا الإمارات العربية المتحدة وقطر، والبحرين والكويت والسودان، ولكنها زيارات قصيرة غالب تلك الزيارات كان للعمل].

سبب الكتابة:

ولما كانت هذه الرحلة هي الأولى من نوعها، إضافة إلى امتداد رقعتها وتعدد دولها، وكون غالب تلك الدول ذات حضارة مادية عالية، وعادات وأخلاق كثيرة ـ جيدة أو سيئة ـ غير مألوفة عندي، وأدهشني كثيرٌ مما رأيت أو سمعت فقد حملني ذلك على أن أسجل في هذه الصفحات ما تذكرته أو دونته في هذه الرحلة التي أتاحت لي أن أعبر الكرة الأرضية من شرقها إلى غربها، وأن ألتقي في هذه الرحلة أجناس العالم المختلفة، إما لقاء مقصوداً أو لقاء غير مقصود، ولكنه لا يخلو من فائدة يسجل من أجلها.
وإني أعتبر نفسي في هذه الرحلة شبيها بمولود بقي في أحضان أمه وفي منزله الريفي الذي لم يغادره، من يوم ولادته إلى أن بلغ عامه السادس، ثم اصطحبته أسرته في رحلة فرأى مدناً ذات قصور عالية، تزين شوارعها أنوار الكهرباء، وتسير بها السيارات التي لم يكن قد شاهدها قبل، ورأى غابات ذات أشجار باسقة، وشاهد أنهاراً جارية تحلق في سمائها أنواع الطيور ذات الأصوات المتنوعة، ورأى بحاراً تتلاطم أمواجها المتتابعة، فأدهشه كل ما رأى لغرابته عليه.. فطلب منه والداه أن يصف لهما ما شاهد وما سمع، هل تراه قادراً على التعبير بالكلام أو الكتابة؟ كلا..! ولكن غالب ما رأى من مناظر وما سمع من أصوات ستبقى مرتسمة في سمعه وبصره، لشدة إعجابه بها وغرابتها عليه.
هكذا كُنتُ في هذه الرحلة التي لم أسجل كل شيء فيها كاملاً في حينه، ولكني كنت أسجل يومياً النقاط التي تسترعي انتباهي.. فلما انتهت الرحلة ورجعت إلى البلدة الحبيبة "المدينة المنورة" كتبت ما تيسر لي في هذا الكتاب الذي يعتبر ـ مع صغر حجمه وضحالة معلوماته ـ بكر سلسلة كتب: (في المشارق والمغارب).
وسيرى القارئ الذي يتابع هذه السلسلة أن كل رحلة من الرحلات التي قمت بها، أكسبتني خبرة أفادتني في الرحلة التي تلتها.
وفي السير في أرض الله عبر لمن اعتبر، وفيه الجديد الإيجابي المفيد والسلبي الذي يجب أن يجتنب، وهذا هو السبب الذي جعلني أقدم على التسجيل، أسال الله أن يكون فيه لي أولاً، ثم لإخواني المسلمين _ في كل أنحاء الأرض _ ثانياً ما ينفعنا في ديننا ودنيانا.

تردد، وترجيح، وسبب:

عرض عليّ فضيلة نائب رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، فضيلة الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد، في الربع الأخير من السنة الدراسية الماضية ـ (1397هـ) ـ السفر إلى أمريكا لحضور مؤتمر علماء المسلمين الاجتماعيين في إنديانا بولس. فطلبت إمهالي أياماً قلائل لأدرس أموري الخاصة وأقرر ما إذا كانت تسمح لي بالسفر أم لا؟ وكانت الرغبة في السفر شديدة، لأني أود أن أرى إخواني المسلمين في البلدان الأجنبية، وكيف يعيشون مطبقين تعاليم دينهم هناك في جو كله عقبات في طريق ذلك التطبيق، وأرى أيضاً المجتمعات الغربية وحياتها التي أسمع عنها من أفواه الزوار، وعلى صفحات بعض المجلات والجرائد الإسلامية وغير الإسلامية، وكذلك بعض الكتب التي تتضمن بعض المعلومات عن المجتمعات الغربية قديماً ـ أيام انحطاطها مادياً ومعنوياً ـ وحديثاً ـ في عنفوان رقيها المادي.

لا بد من رفيق.

وبعد يومين أو ثلاثة قررت أن ألبي رغبة فضيلة نائب رئيس الجامعة ورغبتي معاً، وكان فضيلة الدكتور أحمد الأحمد مرشحاً لنفس المهمة وأنا شديد الرغبة في أن يوافق كما وافقت، ولكنه اعتذر لظروف خاصة.
عندئذٍ ألححت على فضيلة نائب الرئيس في أن يرشح شخصاً آخر يجيد اللغة الإنجليزية، إذ من الصعب على مثلي وأنا لا أقدر على التفاهم مع القوم أن أسافر وحدي، لما أتصوره من صعوبة العيش مأكلاً و مشرباً و مسكناً دون تفاهم مع الناس، لا سيما مع علمي أن كثيراً من طعامهم وشرابهم لا يخلو من حرام عليّ في ديني، فقال لي فضيلته: رشح من ترى، فرشحت الأخ الدكتور محمد بلو بن أحمد بكر السوداني أحد أساتذة اللغة العربية، لأنه قام بتدريس اللغة الإنجليزية لطلبة السنة الأولى في الكلية [كلية اللغة العربية التي كلفت بأن أكون عميدا لها] عندما تعذر الحصول على مدرس آخر، لأنه لا بد أن يكون في مقدوره التفاهم مع الناس ولو بصعوبة، فوجود شيء خير من لا شيء، وافق فضيلة نائب رئيس الجامعة على الترشيح وطلب مني أن أبلغ فضيلة الدكتور بذلك فبلغته فطلب مني إمهاله ليفكر في أمره، فإذا سنحت له ظروفه فإنه لا مانع عنده، فقلت له لا بأس ولكن أرجو أن يكون ذلك في أسرع وقت ممكن للحاجة إلى أخذ تأشيرات دخول من الدول التي نريد السفر إليها من قبل سفاراتها والوقت قد اقترب.

يوم السفر في مطار المدينة:

وفي اليوم التالي جاء الدكتور بجوازه موافقاً على السفر وبدا كل منا يستعد لذلك.
السبت: 19/7/1398هـ ـ 24/6/1978م
وقبل ظهر يوم السبت الموافق 19/7/1398هـ تحركنا إلى مطار المدينة المنورة، وبعد انتهاء الإجراءات ودعنا إخواننا الذين رافقونا إلى المطار، وودعت أنا أبنائي الخمسة الذين كانوا معي، وذكرتهم بالله وأوصيتهم بتقواه.

تطبيق سريع!

وفي داخل قاعة الانتظار قعدنا أنا وزميلي على مقعدين متجاورين فجاءت مناسبة، لا أذكرها الآن، فذكرت له بيتاً من الشعر يقال فيمن لا يضبط الأمور، وكان يردده لنا فضيلة شيخنا العلامة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي [رحمه الله] في دروسه:

أقول له زيدا فيسمع خالداًويكتبه عمراً ويقرؤه بكراً

وبعد ذلك بقليل أخذ الزميل ينظر إلى أرقام الرحلات التي تظهر على الجهاز في القاعة ليتيقن من موعد إقلاع طائرتنا، وبدلاً من قراءة رقم الإقلاع قرأ رقم الوصول، وتعجب لذلك! فقلت له: عد مرة أخرى فاقرأ.. فقرأ فعرف الخطأ، فقلت له: لقد طبقنا بيت الشعر ولا زال رطباً على ألسنتنا وفي مذكرتك، وكان قد أعجبه البيت فكتبه في مذكرته عندما سمعه مني، فضحكنا جميعاً، وجاء الموعد فخرجنا إلى الطائرة وأقلعت بنا في موعدها المحدد والحمد لله، إلى جدة.

فندق الإخاء واللقاء المفيد:

وصلنا مطار جدة، وكان بعض الإخوان في انتظارنا في المطار، وكنا نظن أن نزولنا في جدة سيكون في فندق الشركة أي إقامة مرور "ترانزيت" وعندما سألنا الموظف المختص في علاقات الركاب، ذكر لنا أنه لا يحق لنا ذلك؛ لأنا حجزنا على رحلة في اليوم التالي، وفي نفس اليوم رحلات إلى لندن، فقال صاحبنا الذي كان ينتظرنا في المطار الحمد لله الذي حال بينكم وبين فندق الشركة، فَبَيْتُنا فندق للإخوان فحياكم الله، وفعلاً نزلنا ضيوفاً على أخينا واجتمعنا ببعض الأحبة الذين جاءوا يودعوننا عندما علموا بوجودنا وسفرنا إلى الخارج، ومن هؤلاء الأخ الشاب الصالح حامد البار، أحد الطلبة السعوديين الذين يتلقون تعليمهم في أمريكا وكان قد عاد منها قريباً، وكان لقاؤنا به فرصة للاستفسار عن بعض الأمور التي يهمنا معرفتها، كالحصول على الأكل الحلال، وقائمة بالأطعمة التي يجب اجتنابها، وكذلك أرقام هواتف بعض الأشخاص في بعض المدن الأمريكية، للاتصال بهم لمساعدتنا عند الحاجة، ولقد كان ذلك مفيداً جداً لمسنا فائدته في أوقات الحاجة.
وبهذه المناسبة فإني أوصي كل مسلم يريد السفر إلى بلاد الغرب أو الشرق من البلدان غير الإسلامية أن يسجل أي عنوان أو رقم هاتف لمن يمكنه مساعدته شخصياً أو في أمور الدعوة إلى الله.
الأحد: 20/7/1398هـ ـ 25/م6/19978م.
أقلعت بنا الطائرة السعودية من مطار جدة الدولي إلى لندن في الساعة العاشرة والدقيقة العشرين صباحاً، وكان وصولنا إلى مطار لندن في الساعة الرابعة والدقيقة العشرين، أي كانت مدة الطيران الفعلي ست ساعات.

تمتع وتكدير!

وكان الجو في هذا اليوم صحواً، وكنت أنظر من النافذة إلى الأرض لأتمتع بالمناظر الطبيعية، فكنت تارة أرى الصحاري الغبراء وتارة ماء البحر، وأخرى أرى نهراً جارياً يتلوى، ومرة خضرة غابات أو بساتين، وحيناً بعض السحب المتراكمة أو المتفرقة، كما كنت أرى بعض المدن ذات التخطيط الجميل والشوارع المستقيمة، وهكذا مرت ساعات وأنا لا أشعر بأني مسافر لما كنت أتمتع به من جمال خلق الله.
ولكن مضيفي الطائرة عكروا عليّ ذلك الجو الممتع عندما أخذوا يغلقون النوافذ وطلبوا مني إغلاق نافذتي التي كنت أطل منها على خلق الله لماذا؟ لأن فيلما سينمائيا سيعرض ليشاهده الركاب ويستمتعوا به..!
عند ذلك قلت في نفسي: ألا ما أحقره من فيلم..! وإنه لاستبدال الذي هو أدنى بالذي هو أعلى.
ولقد تحملت مشقة فراق المناظر العليا دون أن أحفل بالدنيا، وكنت أختلس رفع غطاء النافذة بين حين وآخر، لألمح شيئا من ذلك الجمال، وكان الفيلم ثقيل الظل عليّ، لأني أريد أن أفتح النافذة بمجرد انتهائه.
وبالقرب من مضيق دوفر انتهى الفيلم، فرفعت ستارة النافذة لأرى مضيق سباق السباحة العالمي المشهور.
وعندما قطعنا المضيق حال السحاب بيننا وبين الأرض، فما كنت أرى منها قطعة إلا ليغطي السحاب أختها، ولي مع السحاب حوار، سيأتي عندما تعبر بنا الطائرة فوق المحيط الهادي، في رحلتنا من لوس إنجلوس إلى طوكيو، وهبطت بنا الطائرة في مطار لندن ـ هيثرو ـ عاصمة الدولة العجوز التي لم تكن الشمس تغيب عنها.

وداع الصغار:

الثلاثاء: 22/7/1398هـ ـ27/6/1978م
وفي يوم الثلاثاء الموافق 22/7 نهضنا من النوم متأخرين فصلينا الفجر وكان قد أعد لنا طعام الإفطار، فأفطرنا، ومر بنا أولاد محمد أشرف الصغار يودعوننا للذهاب إلى المدرسة.

من دخل بلادنا حمَّر!

وكنا قد تأخرنا قليلاً عن موعد الحافلة التي تقف عند باب المنزل لتوصلنا إلى محطة القطار الدنيا، فخرج محمد أشرف يجري قبلنا ونحن نجري أيضا، ولم نكن نألف الجري في شوارع بلداننا، والناس يجرون من كل جانب رجالاً ونساءً وأطفالاً لإدراك الحافلة في شارع مجاور لمنزل أشرف.
وهنا تذكرت قصة الحجازي الذي أرسله ملك الحجاز إلى ملك حمير في اليمن، فوجد الملك على قمة جبل، فناوله الرسالة ووقف، فقال الملك للرسول: "ثِبْ" فوثب من على قمة الجبل فلقي حتفه، فقال الملك لحراسه: لماذا قفز هذا الحجازي وأهلك نفسه؟ فقالوا له: إن كلمة "ثب" في لغتهم معناها "اقفز" وقد امتثل أمرك بلغته فقفز، وكلمة ثاب في لغة حمير معناها رجع أو قعد... ونحن رأينا البريطانيين يجرون فجرينا معهم، وألفنا الجري وهو تقليد مفيد للمحافظة على الوقت، ولصحة الجسم، وليس فيه الهلاك الذي حصل للحجازي.

عمارة وخسارة!

ولكن هل ترى هؤلاء المهرولين للحفظ على أوقاتهم، حقا يحافظون على أوقاتهم؟
نعم: إنهم لا يفوتون أوقات الأعمال، ولا الأوقات المعدة للطعام، ولا الأوقات المعدة للنوم، ولا الأوقات المعدة للقراءة في غيرها، بل كل عمل يعطونه وقته، ولذلك ترى ثمارا عظيمة مادية لأعمالهم ونكران ذلك يعتبر حماقة وظلما.
ولكن القوم ـ وهذه حقيقة كسابقتها ـ بدون أعمار في نظر الإسلام، لأن العمر الحقيقي هو الذي يفنى في طاعة الله، ومن طاعة الله تلك العمارة المادية الضخمة للدنيا، من شق شوارع وبناء جسور وتيسير مواصلات تحت الأرض وعلى ظهرها وفي جو السماء، وفي أعماق البحار ومن دقة في المواعيد، وسرعة في المعاملة، وغير ذلك مما يشهد به الواقع، ولكن هذه الأمور كلها لا تكون طاعة لله إلا على أساس الإيمان به وطاعته في أمره ونهيه، وإقامة العدل في الأرض، ومحبة الخير للبشرية ودعوتها إلى ما ينفعها أي الإسلام الكامل لله، وهذا ما يفقده القوم، لذلك أقول: إنهم محافظون على أوقاتهم، ولكنهم ضيعوا أعمارهم!

مقارنة مخجلة!

وقفنا خمس دقائق تقريبا ولا يزال نفسنا يشتد بسبب الجري، فإذا الحافلة تقف بجانبنا فصعدنا وأخذنا مقاعدنا، وإنهم على سرعتهم تلك لا تجدهم يتزاحمون مطلقا في جميع معاملاتهم، فالأول يأخذ مكانه ولا يتقدم عليه أحد، وهكذا الذي يليه دون أن يمس اللاحقُ السابقَ، أو يكلمه كلمة واحدة، بخلاف الحال في بلدان المسلمين ـ ومنها البلاد العربية ـ فإنك تجد العدد القليل يتزاحم ويدفع كل واحد منهم الآخر، وقد يكذب بأنه أسبق من غيره، لذلك تجد الصف الطويل في بلاد الغرب ينتهي بسرعة مذهلة، وترى أقل من ذلك بكثير في الشرق يضيعون وقتهم في التدافع والخصام والكذب وتحطيم أبواب الناقلات.
سارت الحافلة، وأخونا محمد أشرف يشرح لنا بعض المعالم على يمين الطريق وشمالها: هذا مصنع كذا، وهذا مبنى كذا وهذا مرقص، وهذا بار، والأرض كلها خضراء ما عدا الطريق، والحيوانات تنتشر في المزارع.

محطات القطار.

وعندما وصلت الحافلة إلى المحطة أخذ الناس في الخروج منها والدخول إلى محطة القطار مسرعين، فما هي إلا لحظات حتى قطعنا التذاكر ووقفنا على جانب خط القطار، فإذا هو مقبل يجر عرباته الكثيرة فوقف ودخل الناس من كل باب وكل واحد أخذ مكانه، من شاء أن يرتاح من رائحة التدخين فله أجنحة خاصة، ومن شاء أن يدخن فله أجنحة أخرى…
وهكذا نجد مواصلات الغرب في القطار وفي الطائرة وفي الباخرة وفي السيارة يخصصون أماكن منها لغير المدخنين، إنهم يحترمون ـ على الأقل ـ المال الذي قدمته من أجل راحتك فيرون أن من العيب عليهم أن يقلبوا لك ظهر المجن فيزعجوك. [وقد منعت بعض الدول الغربية التدخين في المواصلات العامة، كالطائرات والقطارات، وسيارات النقل والأجرة العامة، وفي المطارات ـ مثل مطار سنغافورة ـ وكانت مواصلات البلدان العربية كلها لا تخصص أماكن لغير المدخنين في تلك الأيام].

في قاعات المطار:

وصلنا إلى المحطة الرئيسية للقطار التي كنا بالأمس أودعنا فيها حقائبنا فتسلمنا الحقائب بمجرد إبراز البطاقة، وذهبنا إلى المطار إلى الشركة التي تم الحجز فيها من المدينة المنورة قبل سفرنا بأسابيع، فضغطت الموظفة على مفتاح الكمبيوتر فأعطاها المعلومات الكافية عنا فأخذوا الحقائب، والحقائب لا توزن في جميع دول الغرب إلا إذا كانت كثيرة تحتاج إلى الشحن، وذهبنا نتجول في أسواق المطار فاشترينا بطاقات تذكارية وكتبنا رسائل بها إلى الأولاد، ثم ذهبنا نلتمس لعلنا نجد بعض الصحف العربية لنتابع أخبار اليمن الشمالية التي اغتيل رئيسها يوم سفرنا من المدينة إلى جدة يوم السبت الموافق19/7.
فلمحت جريدة عربية، فأخذتها دون أن أنظر إلى عناوينها لأننا كنا على وشك التوجه إلى بوابة خروجنا.

لوعة الفراق..!

وكان الأخ محمد أشرف يحس بلوعة الفراق، وكنا نرى ذلك على وجهه، وفعلا ودعنا وودعناه، وعيناه تغرورقان وأوصانا بالحذر على نقودنا وجوازاتنا وتذاكر سفرنا في الغرب، لأنه يعج بالمجرمين، فشكرناه على ذلك ودخلنا إلى الباب المحدد لرحلتنا، وكنا نظن أننا سنخرج إلى باحة المطار لتستقبلنا حافلة تنقلنا إلى الطائرة، ولكن فوجئنا بوجودنا في مقدمة الطائرة والمضيفة تنظر في بطاقات الدخول وتشير إلى مقعدينا، فعرفنا أن الطائرة تقف بجانب ممر مصنوع بدل السلم، لا يسمح للشمس أن تلفح الراكب، ولا للمطر، وهو هناك كثير، أن يبلل ثيابه. ولعلنا نجدها قريباً في مطاراتنا.[أرجو أن يعذرني القارئ على إعجابي بهذه الأمور في تلك الأيام، إذ لم أرها قبل ذلك، ولهذا كانت غريبة علي، وقد وجدت عندنا بعد ذلك، والحمد لله].
دلتنا المضيفة على مقعدينا أنا وزميلي، وقد وضعوا بطاقة وراءنا بمقعدين أو ثلاثة كتب عليها ممنوع التدخين، وفاء بالشرط الذي اشترطناه.

عناية المضيفين بالركاب:

وكان إقلاع الطائرة من مطار لندن الدولي في الساعة الثانية عشرة والدقيقة الثلاثين ظهراً، وكان الاتجاه إلى الغرب مع ميل قليل إلى الجنوب، والرحلة كلها كانت فوق المحيط الأطلسي: [بحر الظلمات سابقاً].
وبدأ المضيفون يقدمون للركاب الهدايا التذكارية، وهي عبارة عن محفظة من البلاستيك بها قارورة عطر وجوارب متينة يلبسها الراكب بدلا من النعلين لطول المسافة، وأشياء أخرى، وعندما بدأت أتصفح الجريدة فوجئت بأن زعيم اليمن الجنوبية سالم ربيع علي قد قتل وأن معارك تدور رحاها بين أعضاء الحزب الشيوعي الحاكم في عدن، فذكرت بيت الشعر المشهور:

حجج تهافت كالزجاج تخالهاحقاً وكل كاسر مكسور

وبدأ المضيفون يسألوننا بصفة خاصة عن الطعام الذي نريد، لأنا قد طلبنا من قبل طعاماً حلالاً، وأخذ زميلي يشرح ما نريد ومالا نريد والمضيفة تصغي وتفهم منه كلمات وتشكل عليها أخرى فتستفسر عنها، وإذا ظنت أنها فهمت منه ذهبت، ثم يأتي المضيف الآخر ليطمئن على صحة ما نقلت له ويؤكد اهتمامهم بتقديم ما نريد، وإنهم ليتفاهمون معنا وهم يتعجبون من خوفنا وشكوكنا في طعامهم وشرابهم، وكنت أقول لزميلي أخبرهم أننا مسلمون وأن ديننا يحرم علينا ما فيه ضرر بأجسامنا أو عقولنا كالخنزير والخمر، وكانوا إذا ذكر الإسلام أبدوا اهتماماً بنا وهزوا رؤوسهم تعجباً.

كرماء بالخمر بخلاء بالسكر..!

وقدم الطعام، وجاء دور الشراب، فكانت قوارير الخمر وكؤوسها تحدث رنينا، والمضيفون والمضيفات يترددون على الزبائن كلما رأوا كأسا فارغة ملئوها لصاحبها ليشرب مرة أخرى، وهم يقدمون للراكب أجود أنواع الخمر في مثل هذه الرحلات الطويلة، لا سيما ركاب الدرجة الأولى، كما أنهم يسقونهم حتى لا تبقى بهم حاجة للسقي.
أما نحن فقدموا لنا كوبي ماء وكوبي شاي، وانتهى الأمر فبقي المضيفون متضايقين من الحالة التي نحن عليها، وهي أن الركاب أخذوا حقوقهم وزيادة، أما نحن فشرابنا ماء وشاي فقط، فكانوا يترددون علينا ويقولون ماذا يمكننا أن نقدمه لكم، هل تحبون أن نعطيكم شيئاً؟ فيجيب زميلي ثنكيو، أي شكراً.
وهنا وقعت نكتة بين الزميل وبين المضيف: الغربيون لا يكثرون من السكر في الشاي، وزميلي سوداني ـ أصلاً ـ مصري ـ مهاجراً ومصاهرة، يحب أن يكون السكر كثيراً، فجاء المضيف بكوب الشاي ومعه علبة فيها أكياس السكر فأعطى الزميل كيساً، فقال له: أعطني آخر فأعطاه فقال: وآخر فأعطاه، وما كان موجوداً غير الآخر فأعطاه وقال له: المطعم قد أقفل فلا تطلب كيساً آخر، مع دهشته لأخذ هذه الكمية الكبيرة في نظره لأنه لم يزر مصر ولا السودان كما يبدو.

إنعام وكفران!

وبعد تناول طعام الغداء وإكثار الركاب من الشرب أخذت الصيحات تتعالى والأصوات ترتفع، فخشينا أن يقوم هؤلاء الناس كلهم يتضاربون فيما بينهم وقد لا نسلم منهم، إذا غابت عقولهم، ولكن الله صرفهم عنا فذهبوا إلى الدور الثاني في الطائرة وتركوا لنا المكان.
ثم أخذت المضيفة تنزل أغطية النوافذ لعرض فيلم الرحلة، وأنا من طبيعتي أحب أن أرى مناظر خلق الله على طبيعتها، فأسرعت بقفل نصف النافذة الأعلى وأبقيت نصفها الأسفل وعندما مرت بقربي خشيت أن تحرمني تلك الفتحة، فقلت لزميلي أخبرها أني أحب أن أتمتع بمنظر البحر والسحاب والْجُزُر إن وجدت فأخبرها فتركتني وشأني.

البوصلة أخافت المضيف..!

وكانت بيدي بوصلة أعرف بها الاتجاه وبها مفاتيح الزميل، ورآها المضيف وأظنه من رجال الأمن، فلما رآني أنظر إليها بين آونة وأخرى شك في أمرها، ولعله ظنها من المفرقعات الموقوتة فجاء إلى زميلي يسأله ما هذا الذي بيد رفيقك؟ فأجابه الدكتور فاطمأن وسكت..!
كان هذا قبل خمسة وعشرين عاماً، فكيف لو حصل الآن بعد 11 سبتمبر؟!
وعندما بدأنا نقترب من مدينة نيويورك بدت بعض الجزر ذات الأشكال الهندسية العجيبة، وبدت بها مرتفعات ووديان وكانت كلها خضراء.