رحلات الولايات المتحدة الأمريكية

الرحلات | سلسلة في المشارق والمغارب | 25 صفحة
صفحة 25 من 25 في مدينة سان فرانسسكو.

في مدينة سان فرانسسكو.

في مدينة سان فرانسسكو.

وجدنا عند خروجنا من الطائرة الإخوة: محمد علي إسماعيل نمنكاني من مكة المكرمة، وهو هنا في دورة تدريبية تابعة للخطوط السعودية، مساعد طيار، وزميله مصطفى سليمان من جدة وهو معه في نفس المهمة والوظيفة.
وكان الأَخَوان مرتاحَين مسرورَين للقائنا، حتى قال الأخ محمد والله كأني رأيت اليوم والدي في هذا البلد، بلقائكما وظهر عليهما شدة رغبتهما في خدمة بلادهما، وحلول أكبر قدر ممكن من السعوديين محل غيرهم من الوافدين (غير المسلمين) في قيادة الطائرات السعودية، وقابلنا الأخ عبد الرحمن برمجي وهو شاب فلسطيني يدرس هندسة كهربائية في مرحلة الماجستير.

عبد الحميد سنو مبعوث الرابطة في سان فرانسيسكو 11/11/1405هـ
عبد الحميد سنو مبعوث الرابطة في سان فرانسيسكو 11/11/1405هـ

وجاء كذلك مندوب رابطة العالم الإسلامي عبد الحميد سنو بطلب من سعادة نائب القنصل الأخ حمود بن نادر، وذكر لنا الإخوة أن في سانفرانسسكو عشرة مساجد تقريباً ويوجد فيها وفي ضواحيها ثمانية عشر ألف مسلم.
وقال الأخ عبد الحميد سنو [وأقواله كلها على عهدته]:
إن في منطقة بروكي جامعة مشهورة جداً، والإخوة هنا يعانون من الإيرانيين، وعند الإخوة السعوديين مسجد في الجامعة ويشترك معهم غيرهم، والخطيب سني.
ذهبت أنا مع الإخوة عبد الحميد والأخوين محمد ومصطفى إلى أحد المطاعم، فتناولنا طعام الإفطار، ثم ذهبنا إلى منزل الأخ عبد الحميد، حيث كان الأخ محمد سعد السعد، مندوب شركة الزيت العربية (أرامكو) في انتظاري لنقلي إلى منطقة تسمى "ديفدز" حيث يوجد بها تجمع إسلامي من الطلاب المصريين والليبيين والسودانيين والمغاربة والتونسيين.
أما الشيخ فقد ذهب مع الطلبة إلى منطقة بروكي، وكنت غادرت المطار وهو لا يزال فيه ينتظر حقيبته الكبيرة التي تأخرت وقد وجدها.
قال لي الأخ محمد سعد: إن حاجة المسلم هنا إلى المعلم المسلم والكتاب الإسلامي المترجم إلى اللغة الإنجليزية، ماسة جدا، وقد قال لي أحد الأمريكان المسلمين: يا أخي نحن في حاجة إليكم لتنقلوا لنا الدين الإسلامي، فقد جئنا نحن لكم بكل شيء من الطائرة إلى حبة البيبسي، ولكنا لم نتلق منكم شيئاً يذكر عن الدين الإسلامي!

في مركز: ديفدز.

أوصلني الأخ محمد [وقد رجع الأخ محمد سعد إلى سانفرانسسكو، لأن عنده ارتباطا هناك]. إلى مركز ديفدز، وهو يقع بجانب الجامعة، وأصله منزل اشتراه الإخوة وحولوه إلى مسجد صغير ومكتبة فيها بعض الكتب العربية والإنجليزية عن الإسلام، وبه مكتب إداري ومرافق وضوء.
وقال لي أحد الشباب النشط في المركز: إن هذا المركز أنشئ في نهاية عام 1981م بجانب جامعة كلفورنيا، والمنطقة طلابية في الأغلب والذين يترددون على المركز ما بين عشرين وثلاثين، وفي المناسبات قد يصلون إلى خمسين أو ستين.
وفي هذا المركز تلقى دروس باللغة الإنجليزية يوم الجمعة، وباللغة العربية يوم الأحد بين المغرب والعشاء، وللنساء أيضا دروس والأخ المذكور له في هذا البلد أكثر من ست سنوات يدرس الهندسة الكهربائية، وفي منطقة ديفدز ما يقارب مائة وعشرين ألف مسلم. وسكان كلفورنيا يقدرون بعشرين مليونا. وفي لوس إنجلوس وحدها عشرة ملايين نفس [سبق أنه يقال ثمانية ملايين ويقال اثنا عشر مليونا] ومنطقة كلفورنيا بها جميع الموارد الصناعية والتجارية والزراعية، على اختلاف أنواعها. ويقال: إن هذه الولاية لو انفصلت عن بقية الولايات المتحدة الأمريكية لصارت وحدها القوة الخامسة في العالم.
وقد اجتمع ما يقارب عشرين شخصا في المسجد استمعوا إلى محاضرة، أعقبها إلقاء بعض الأسئلة والمناقشات، وبعد صلاة العشاء ذهبنا إلى منزل أحد الإخوة لتناول طعام العشاء، ثم أوصلني إلى موتيل مجاور وهو من الموتيلات النظيفة.

الرجوع إلى مدينة: لوس إنجلوس ومزيد من المعلومات.

الاثنين: 12/11/1405هـ.
في الساعة العاشرة جاءني أحد الإخوة، ونقلني إلى منزله حيث تناولنا طعام الإفطار، ثم ذهبنا إلى المسجد الذي كان من المقرر أن يحضر النساء فيه لسماع محاضرة، ولكن لم يتيسر اجتماعهن، لأنهن لم يبلغن قبل ذلك بوقت كاف، فصلينا الظهر في المسجد، ثم نقلني الأخ إلى مدينة سانفرانسسكو.
وفي الطريق جرت محادثات ومناقشات حول الدعوة إلى الله وما يجب على المسلمين أن يقوموا به نحوها والوسائل المفيدة، فكانت الخلاصة أن الذي ينفع في دعوة غير المسلمين، هو احتكاك المسلمين المتفقهين في الدين بهم ممن تمثل فيهم القدوة الحسنة، وبيان زيف الأديان المحرفة، ونشر الكتاب الإسلامي النافع المترجم إلى لغتهم، مثل كتب الأحكام والسيرة، ومثل كتب الأستاذ المودودي: مبادئ الإسلام وغيره، وكتب سيد قطب: هذا الدين وغيره.

أنموذج لحرب اليهود للإسلام والمسلمين.

وذكر الأخ أن أحد الأمريكان البيض أسلم قبل خمس سنوات واسمه جمال الدين، وتخصصه في الاقتصاد، وقد وقف بعض الأساتذة اليهود ضده وضد رسالته، لأنها عن الاقتصاد الإسلامي (دكتوراه) وقالوا له: إن الإسلام لا يوجد فيه اقتصاد، لذلك أوذي في دراسته وفي وظيفته وفي حياته.
وقد بذل جهده في تعلم اللغة العربية وعلم الحديث بنفسه، وهو يتوقد ذكاء إذا قرأ شيئا مرة حفظه، وهو نشيط في الدعوة، وقد أسلم على يديه بعض الأمريكان، وترك المنطقة التي كان يسكنها، وهي قريبة منا لغلاء أجرة المنزل فيها، وانتقل إلى منطقة أخرى أرخص منها بسبب ما حصل له من المضايقة وله عائلة، ونحن نحاول إعادته ليسكن قريبا منا ويتحمل المركز فرق الأجرة، لأنا نستفيد منه في دعوة الأمريكان، إذ يستطيع التفاهم معهم والاختلاط بهم أكثر منا، وهو الآن يترجم بعض كتب الحديث وترجمته جيدة.

ولي هنا تعليقان:

الأول: أن مثل هذه القصة تفضح دعوى الحرية الزائفة في الغرب، وأن المراد بها حقيقة الحرية التي لا تعارض مصلحة القادرين على سلبها أو أذى أصحابها.
والثاني: أن مثل هذا الشاب الأمريكي الذي يضايق في دراسته وفي وظيفته وفي رزقه، ويصبر هو وعائلته على ذلك وينزل عن مستوى معيشته الأول إلى ما هو أدنى منه، مع ذكائه الخارق الذي يستغله في تعلم الدين الإسلامي ولغته، ويقوم بترجمة بعض الكتب، ولا يجد من أغنياء المسلمين من يكرمه ويعينه، إن مثله ينبغي أن تستقدمه بعض المؤسسات الإسلامية القادرة إلى بلاد الإسلام، وتحتفي به وإذا رأت عن كثب تَحَقُّقَ ما قيل عنه من الخير ـ والذي قال ذلك ثقة [ولم أصرح باسمه لأنه أيضاً يعاني مضايقات من حكام بلده على الرغم من أنه شاب مسلم، وقد طلب مني الأخ عدم ذكر اسمه، وهذا حق له]. ـ خصصت له منحة دراسية في إحدى الجامعات الإسلامية ليكمل دراسته (الدكتوراه) ثم يتعاقد معه ليكون داعية إلى الله في بلاده لما له من الأثر بين أبناء جنسه.
ومن الوسائل المهمة لتبليغ الدعوة إلى الله، إنشاء مدارس إسلامية نموذجية، وقد لا يدخل فيها أبناء النصارى إلا قليلا، ولكن سيكون لها أثر غير يسير.
وتبعد منطقة ديفدز عن سانفرانسسكو سبعين ميلا تقريبا وتقع في الشمال الشرقي منها.
كان خروجنا من ديفدز في الساعة الثالثة إلا ربعا، ووصلنا إلى قلب المدينة في الساعة الرابعة. ونزلت في فندق شرتن، وكان الشيخ لا زال مع الإخوان في منطقة بروكي.
وفي الساعة الرابعة جاءني الأخ عبد الحميد سنو، ومعه الأستاذ أحمد ميرزا، رئيس المركز الإسلامي في مدينة سانفرانسسكو، قال عنه الأخ عبد الحميد: إنه المركز الوحيد الذي يفتح أبوابه للصلوات الخمس، هذا بالإضافة إلى المدرسة والقيام بعقود الزواج والطلاق ويصلي فيه الجمعة والعيد ما يقارب أربعمائة شخص، وهو ضيق يحتاج إلى توسعة.

تعمد اليهود وأذنابهم إهانة الإسلام.

خرجنا نتجول، فمر بنا الأخ عبد الحميد على مبنى يسمى مسرح القصر بناه يهودي في سنة 1917م، وهو ماسوني، يسمى مستر بلابلا، وشراه منه جماعة أليجا محمد، ثم تركوه واشتراه يهودي آخر اسمه مستر داون وجعله مسرحاً، وقد كتب على جانبي بابه آيات قرآنية باللغة العربية، منها قوله تعالى: {ادخلوها بسلام آمنين } كما كتب أيضا كلمة "لا إله إلا الله" والخط ليس جميلاً.
وقال الأخ عبد الحميد: إنه الآن بيد بعض المنتسبين إلى الإسلام، وهو مرقص، تشرب فيه الخمور، ويختلط فيه الرجال بالنساء اختلاطاً منكراً.
وقال الأخ عبد الحميد: إن المركز الإسلامي الذي يرأسه الأستاذ أحمد مرزا، يتعاون معنا، وهو يرى أن المملكة العربية السعودية تساعد المسلمين، ومواقفها منهم مشرفة.
وقال: إن المركز يريد إنشاء مدرسة كاملة، والحكومة الأمريكية لا توافق على إنشائها إلا إذا استكملت الشروط اللازمة، وتحتاج في استكمال الشروط إلى دعم مادي، ويقف الشيعة وبعض الأحزاب العربية ضد المركز الإسلامي، ويوزعون منشورات ضده.

طائفة أخرى تكيد للإسلام وتفتري عليه.

ومن النشاطات القوية التي تقف ضد المسلمين: جماعة ظهرت وجعلت شعارها: المسيح هو المنقذ، وأن أتباعه بضعة آلاف يدخلون الجنة وحدهم. ويوزعون منشورات على المسلمين بلغات مختلفة لتشويه معاني الإسلام، ومن ذلك أنهم يقولون: إن آية في كتابكم تحكم عليكم كلكم بدخول النار، وهي قوله تعالى: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} [سورة مريم، آية: 71]. فما الذنب الذي اقترفتموه لتدخلوا كلكم النار إلا اتباعكم لمحمد!!!.
قلت للأخ عبد الحميد: عليكم أن تنقلوا تفسير الآية للمسلين في منشور صغير وتوزعوه ليعلم المسلمون معنى الآية وهي مفسرة في كتب التفسير ووردت أحاديث تدل على معناها..
وقال: إن عدد السكان في سانفرانسسكو سبعمائة ألف نسمة أغلبهم من الأسبان.

في المركز الإسلامي.

ومررنا بالمركز الإسلامي، وهو يتكون من طابقين، فيه مسجد ومدرسة في أيام الإجازات، وبعض المرافق، وجدنا فيه مجموعة من جماعة التبليغ يلقي أحدهم فيه بيانهم. والأستاذ أحمد مرزا رئيس المركز الإسلامي في سانفرانسسكو، من الهند من منطقة قريبة من مدينة بومباي، وكان إماما لمسجد المركز لمدة سبع سنوات، وله في هذا البلد خمس وثلاثون سنة، وعمره سبعون سنة.

على جسر البوابة الذهبية الشهيرة.

ثم ذهبنا إلى جسر البوابة الذهبية، ويقع في الشمال الغربي للمدينة، وهو من عجائب الجسور، كما قال الأخ عبد الحميد، وقد بناه أمريكي من أصل ألماني سنة 1936م بدأ بطريقة سهلة وواصل تحسينه حتى وصل إلى وضعه الحالي سنة 1956م.

في سان فرانسيسكو ـ جسر البوابة الذهبية 12/11/1405هـ
في سان فرانسيسكو ـ جسر البوابة الذهبية 12/11/1405هـ

وبعد أن تم بناؤه أخذ المهندس الذي بناه وأشرف عليه سيارته ومشى بها عليه، وبعد أن عاد قال لهم: إن مليوناً ونصف المليون من الحلقات في الجسر تحتاج إلى تثبيت، فعدوها ووجدوها كذلك (هكذا قال الأخ عبد الحميد).
ثم صنف الأخ عبد الحميد العاملين في هذه المدينة، فقال: إن أهل رؤوس الأموال يهود، وأغلب أهل البقالات والمحلات عرب، وأغلب من يقوم بالنظافة أسبان ويمنيون، وأغلب سائقي سيارات الأجرة (التاكسي) إيرانيون وأردنيون، وأغلب أهل الفنادق هنود.
ثم صلينا المغرب وراء الجسر، وكان إمامنا الأستاذ احمد مرزا الذي صلى بنا وهو يرقص على موسيقى أسنانه الاضطرارية من شدة البرد والهواء الذي تحدثه أمواج المحيط الهادي.

مشكلة أخرى من مشكلات الفنادق الأمنية.

ثم عدنا إلى الفندق وقد جاء الشيخ ومعه بعض الشباب من الأردن و المملكة العربية السعودية، ولا ندري عن رقم غرفته وهو أيضا لا يدري عن غرفتي، وحاولنا مع موظفي الفندق أن يعطونا رقم غرفته فرفضوا، وأحالونا إلى موظف آخر عن طريق الهاتف فرفض كذلك، والظاهر أنه من رجال أمن الفندق.
وأخبرنا الشيخ أيضا أنه حاول معرفة رقم غرفتي فرفضوا أن يعطوه، ولكنهم شبكوا بهاتف غرفتي رسالة أخذ على أثرها يلقي إشارته الضوئية طول الليل، وبعد إلحاح شديد عرفتني إحدى الموظفات، لأني أنا الذي حجزت الغرفتين معا فاتصلت به بالهاتف دون أن تخبرنا برقم غرفته، حتى لا تكون عليها المسؤولية الأمنية، فأجاب الشيخ، وحمدنا الله جميعا أنه لم يحصل لنا ما حصل في ميامي، وبخاصة أنه قد غاب كل منا عن زميله يوما وليلة، وهذه أول مرة في أسفارنا نفترق لمصلحة الدعوة.

المسلمون في منطقة: سانتاكلارا.

فنزل الشيخ ومعه الإخوة الذين رافقوه، وهم من منطقة سانتاكلارا وهي تبعد عن مدينة سانفرانسسكو بخمسة وأربعين ميلا.
والمسجد الذي فيها يسمى مسجد النور، وكان كنيسة اشتروها وحولوها إلى مسجد في غرة رمضان سنة 1404هـ، وكان المسلمون في المنطقة من سنة 1978م، وأغلبهم من الهنود والباكستانيين وبعضهم عرب، والطلاب قليلون.
ألقى الشيخ فيهم محاضرة وأجاب عن أسئلتهم، وألقى محاضرة للنساء وأجاب عن أسئلتهن كذلك.
وعدد المصلين في المسجد يوم الجمعة يتراوح ما بين مائتين وخمسين وثلاثمائة وكانوا في سنة 1979م يصلون في غرفة صغيرة.
ونشاطات المسجد كثيرة: ثقافية، وهي حلقات تقام في يومي السبت والأحد، وتعليم اللغة العربية مساء الأربعاء، وتفسير يوم الأحد، وللمسجد إمام راتب، ومدرسة للأولاد يوم الأحد، ويقوم الإمام بحل مشكلات الزواج والطلاق.
والإخوة الذين كانوا مع الشيخ هم: الأخ محمد محمود عبد الهادي وهو متخصص في هندسة الكمبيوتر، بكالوريوس، يعمل مع شركة، والأخ نضال كذلك ومعهما أردنيان، و رياض المهيدب وهو من دبي، والأخ أسامة محمد حلواني مهندس في الحرس الوطني بالمملكة العربية السعودية، جلسنا مع الإخوة في إحدى قاعات الفندق قليلا، ثم ودعونا وعادوا إلى مكانهم.
وصعدنا نحن لننام استعداداً لسفر طويل.

السفر إلى مدريد عن طريق نيويورك.

الثلاثاء: 13/11/1405هـ.
جاءنا في صباح هذا اليوم الثلاثاء الأستاذ عبد الحميد سنو الذي نقلنا من الفندق إلى المطار الذي أنهينا فيه إجراءات السفر، وصعدنا إلى الطائرة البوينج التي أقلعت بنا في العاشرة صباحا إلى نيويورك.

زاجر الكفار والمشركين!

عندما ركبنا في مقدمة الطائرة كان على يميننا راكب واحد، ووراءنا راكبان، وبقية المقاعد في الدرجة الأولى والتي تليها فارغة تقريبا، بخلاف الدرجة السياحية، فإنها مملوءة بالركاب.
كان الرجل الذي عن يميننا يسارقنا النظر، وبِيَدِي حقيبة صغيرة فيها جواز السفر والتذاكر والشيكات وأشياء أخرى خفيفة، والحقيبة تبدو منتفخة، وقد سميتها بالحبلى بسبب ذلك، وكنت أحتاج بين حين وآخر إلى فتحها وغلقها، والرجل ينظر ويتحفز، والظاهر أنه من رجال الأمن وأنه كان يخاف أن يكون الحبَل خطيرا ـ أي حبل الحقيبة ـ وقمت إلى المرحاض ولما خرجت منه وجدته بجانبه، وظننت أنه يريد المرحاض، ولكنه عندما رآني قعدت رجع هو إلى مقعده.
واستأذنت من المضيفة في أن أنتقل إلى مقعد في الخلف بجانب النافذة، لأطل منها على الأرض، فقالت: لا بأس.
والتفت صاحبنا، فلم يرني على مقعدي السابق، فأخذ ينظر يمينا ووراء، فرآني على المقعد الخلفي، وكنت أسارقه النظر وكأني لا أدري عنه، وأكثرت من فتح الحقيبة وغلقها متعمداً، فرجع هو إلى الخلف، ووقف ورائي لا ينظر إليَّ مباشرة، ولكن كلانا يسارق صاحبه النظر، ثم عاد إلى مقعده.
وقمت فذهبت إلى الشيخ وقلت له: المقاعد فارغة في الوراء فإذا شئت أن تنتقل بجانبي، فانتقل الشيخ، وقلت له: أنا سأكثر من فتح الحقيبة وغلقها وأتحرك يمينا ويسارا، وأنت انظر إلى الرجل، فزاد قلق الرجل، فكان يقوم ويقعد ويسير هنا وهناك وأنا منكس رأسي، ومر بنا فوقف هذه المرة ونظر بدون مسارقة، فوجدني أكتب في مذكراتي، والظاهر أنه اطمأن.
وعندما عرف الشيخ ذلك تذكر الفتاة الصينية التي رقصت هلعاً، والحارسين الذين فزعا في شركة الكاديلاك في لوس إنجلوس، ثم قال الشيخ: إن رجلاً في نيجيريا سمى نفسه: زاجر الكفار والمشركين، يتجول في مساجد نيجيريا، وعصاه في يده، وأنت ينبغي أن تُسَمَّى مخيف النصارى والملحدين.
كان النهار مشمساً، مما ساعدني على التمتع بجمال مناظر الأرض التي كنا نسبح فوقها، وهي مشابهة للأراضي التي مر أن وصفتها في كثير من الولايات الأمريكية.
ثم هبطت بنا الطائرة في نيويورك في الساعة الثانية والنصف بتوقيت سانفرانسسكو، الخامسة والنصف بتوقيت نيويورك، فكانت مدة الطيران من سانفرانسسكو إلى نيويورك أربع ساعات وثلاثين دقيقة، وكان هبوطها في مطار كندي.

ترقب وهرولة.

عندما نزلنا من الطائرة أرينا الموظفة المرشدة في المطار بطاقاتنا وهي بطاقات مرور: ترانزيت، وكانت معنا امرأة كينية تتحدث اللغة العربية ولا تتحدث اللغة الإنجليزية، وهي مسافرة إلى القاهرة عن طريق أثينا، فسألتنا: الإخوة عرب؟ قلنا: نعم، قالت: أنا لا أتكلم الإنجليزية وأريد القاهرة عن طريق أثينا، فتذكرت عندئذ مثلا يمنيا مناسبا للمقام، لأنا نحن وهي في الإنجليزية سواء تقريبا، والمثل يقول: "عمياء تخضب مجنونة"! ولكني قلت لها: اتبعينا، ولعل الله ييسر أمرنا وأمرك.
وقالت لنا الموظفة: اقعدوا هنا وإذا جاء موعد سفركم سآتيكم، قال الشيخ: الأحسن أن نصلي، فذهبت لأتوضأ، وعندما رجعت وجدت الشيخ يتلفت هنا وهناك فلما رآني، قال: هيا ذَهبوا! وأخذنا نهرول ونسأل، ونخرج من قاعة إلى أخرى، ومن مبنى إلى آخر، وفي آخر المباني، رأينا المرأة الكينية راجعة فقلنا لها: أين الموظفة التي كانت معك؟ قالت: لا أدري، قلنا لها: الحقي بنا، قالت: حقائبي لم أجدها، قلنا: حقائبك ستجدينها في القاهرة إن شاء الله، ونحن حقائبنا سنجدها في مدريد فلحقتنا، وسألنا إحدى الموظفات: إلى أين نذهب؟ فأشارت إلى سهم قد رسم على البلاط في الأرض، وهو مرشد صامت هكذا:
A A A

رمز للشركة، فأخذنا نهرول مع تلك الأسهم، أنى اتجهت اتجهنا، حتى دخلنا إحدى القاعات، فسألنا الموظفة فأخذت بطاقاتنا وكتبت عليها رقم الرحلة ولم تقل شيئا، وانطلقنا لا ندري إلى أين نتجه، وقد انقطعت عنا الأسهم، والقاعات والممرات كثيرة، والناس سائرون في كل اتجاه بسرعة هائلة، لا يلتفت أحد إلى أحد.
ورأينا أحد المسافرين وهو عربي فقلنا له: إلى أين؟ قال: إلى أثينا، ففرحنا به من أجل تلك المرأة المسكينة، فأوصيناه بها ووعد خيرا وعسى أن يصدق.
ووجدنا موظفة أخرى فسألناها: إلى أين نسير؟ فكتبت لنا رقم باب الخروج على البطاقات، فتنفسنا الصعداء، وقد بلل ثيابنا العرق من شدة الجري، وعندما وصلنا إلى الباب سألنا الموظفة متى الإقلاع؟ قالت: اقعدوا، فصلينا الظهر والعصر، وقعدنا إلى الساعة السابعة والربع.
وصعدنا إلى الطائرة الجامبو ذات الطابقين، ولم تقلع من مطار كندي بنيويورك إلا في الساعة الثامنة والدقيقة العشرين، لشدة الزحام في المطار، الطائرات صاعدة وهابطة والناس داخلون وخارجون.. وبصعودنا إلى هذه الطائرة تركنا الولايات المتحدة الأمريكية، سائلين الله أن يحفظ المسلمين فيها، ويوفقهم للمحافظة على أبنائهم، وللاهتمام بالدعوة إلى الله، وأن يوفق المسلمين في خارجها حكاما وشعوبا لمساعدتهم، كل بما يستطيع، وأن يأتي يوم من الأيام ترتفع فيه راية الحق على سمائها كلها، وسماء العالم الغربي والشرقي وما ذلك على الله بعزيز.
وأخذت الطائرة بعد انطلاقها من زحام مطار كندي تنهب الجو نهبا، وأخذت الشيخ غفوة، لم تدم إلا أربع ساعات تقريبا! ولعل الشيخ أراد بهذه الغفوة أن ينسي هرولة مطار كندي المتعبة.
وأخذت أنا أكتب في مذكراتي هذه، اغتناما لطول المسافة ومعرفتي بضيق وقتي إذا رجعت إلى المدينة. طلبت من المضيفة أن تكتب لنا في البطاقة الأسبانية المعلومات اللازمة ففعلت، والبطاقة الأسبانية أقل بطاقات الدول التي زرتها معلومات، فهي لا تزيد عن كتابة الاسم والعنوان والعمر والتاريخ.

الأربعاء: 14/11/1405هـ.

ولما قام الشيخ من غفوته كنت قد توضأت، وقام هو فتوضأ، وكانت الساعة تشير إلى الواحدة صباحا بتوقيت نيويورك، الساعة السادسة بتوقيت مدريد، والسابعة بتوقيت المملكة، وقد قطعنا ما يزيد على خمس ساعات في الجو فنظرنا من نافذة الطائرة، وإذا الفجر قد طلع، فمددنا غطاء من أغطية المسافرين في مقدمة الطائرة وصلينا.
ثم أخذت أطل من النافذة، فبدا لي منظر الشمس في السحاب كالنار التي شبت في مواد قابلة للاشتعال، حمرة شديدة وهي تزحف شيئا فشيئا نحو الغرب المعتم، الذي مازالت بعض دُنَاه [جمع دنيا]. متلفعة بظلمة الليل الناشئة عن ظل الأرض، فإذا نظرت من الجانب الآخر رأيت السحب الداكنة المتراكمة التي تنتظر تلك الأشعة الزاحفة إليها.
??

??

??

??