رحلات الولايات المتحدة الأمريكية

الرحلات | سلسلة في المشارق والمغارب | 25 صفحة
صفحة 24 من 25 في مدينة لوس إنجلوس

في مدينة لوس إنجلوس

في مدينة لوس إنجلوس

كان في استقبالنا في مطار لوس إنجلوس الأخ الفاضل الشيخ عبد الرحمن الزير، مبعوث الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، والأخ الكريم الشيخ تاج الدين شعيب الغاني مبعوث الرئاسة أيضا ـ وهذه هي المرة الثانية التي أرى فيها الأخ تاج الدين يستقبلني في هذا المطار ـ والأخ الليبي محمد التومي، وكان مبتعثاً من ليبيا للدراسة في هندسة الطيران، ولكنه تعثر في دراسته، وبقي هنا وله ثمان سنوات وهو خبير بهذه المدينة وشوارعها ومؤسساتها ومراكزها، كما بدا لنا ذلك من جولاته معنا.

منظر لجانب من مدينة لوس أنجلوس أخذ من جانب القبة السماوية 7/11/1405هـ
منظر لجانب من مدينة لوس أنجلوس أخذ من جانب القبة السماوية 7/11/1405هـ

ثم التقينا بعد ذلك الأخ خليل بن عبد الله الخليل مبعوث جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض، وكان لوجوده-كما سمعنا قبل الوصول إلى هذه المدينة، وكما رأينا بعد ذلك-النشاط الملموس في تقارب المراكز الإسلامية وتعاونها، كما وجد كذلك اتصال بينها وبين قنصلية المملكة العربية السعودية في كلفورنيا. وذكر لنا الأخ خليل أن الاتحاد الإسلامي في أمريكا قد أصدر قرارا بمنع الشيعة من حضور مؤتمراتهم في أمريكا الشمالية: [الولايات المتحدة الأمريكية وكندا] وكذلك منع نشر كتبهم وأفلامهم في مؤسسات الاتحاد، لما في عملهم من نشر عقائدهم الفاسدة وتفريق بين المسلمين.
نزلنا في فندق هوليداي إن، والفنادق المسماة باسمه كثيرة وهو قريب من الجامعة، ومن مستشفى الأمريكان الذين جندوا لحرب فيتنام.

تجري الرياح بما لا تشتهي السفن.

الخميس: 8/11/1405هـ.
وقد كنت أظن أننا سننزل بفندق على شاطئ البحر، للتمتع به عندما نكون في الفندق، وأن يكون أكثر ارتفاعا من هذا الفندق، كنت أريد أن يكون المحيط الهادي قريباً مني، لأرى أمواجه الهادرة تتابع، وبجانبه الجبال المكسوة بالغابات، ولكن هذا الفندق كان أقرب إلى الإخوة، والمدينة مترامية الأطراف، قد يصعب عليهم التردد علينا ونقلنا إذا ابتعدنا عنهم في الأوقات المحددة إلى المراكز الإسلامية والمساجد، لذلك قنعت بالنزول فيه، وأطلقت للقلم زمامه ليصف مشاعري في الرغبة في مناظر أفضل فكتبت ما يأتي:
إن التمتع بجمال الطبيعة الكونية أمر محبب إلى نفسي، ولا أزمع السفر إلى أي بلد من بلدان العالم، إلا مع العزم على محاولة التمتع بالنظر إلى أكبر قدر ممكن من ذلك الجمال: جمال الغابات الكثيفة، والأشجار الباسقة، وجمال الأنهار الممتدة المستقيمة أو الملتوية التي تتخلل غابات خضراء أو صحارى غبراء، وجمال الجبال التي لبست حلل الغابات كما تلبس الحسناء حللها ليلة زفافها [وإن اختلف لون لباس العروسين، فلكل عروس ما يناسبها!]. وجمال البحار الهادرة والهادئة، وجمال السحب الطائرة: المتراكمة والمتفرقة، المسوقة إلى حيث شاء لها خالقها أن تمطر أو تتبدد في الفضاء الفسيح، وجمال صفوف المصلين المتراصة في بلدان الكفر ترفع في مساجد ها ذكر الله، وجمال صفوف أبناء المسلمين في مساجدهم أو فصولهم الدراسية في تلك البلدان، يرددون وراء معلمهم: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وكل جمال في هذا الكون متاح مباح، وبخاصة ما يحدث في قلبي من مشاعر إيمان بالخالق وعظمته المتجلية في الإتقان والإبداع.
ولقد حصل لي الكثير من التمتع بذلك الجمال، كما فاتني أيضاً الكثير منه، فكنت أشكر الله على ما حصل، وأصبر على ما فات، وهذا هو دأب المؤمن: " إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له " أيضا، وأقول عندما يفوتني شيء: عسى أن يعوضني الله عما فات بما هو خير منه مما هو آت.
إنني أقعد في بعض الأوقات بجانب نافذة الطائرات لأتأمل في الجزء الذي يمكنني رؤيته منها، لأرى البحار والجبال والغابات فتأتي السحب فتغطي وجه الأرض وتحجبه عن نظري، وكأن الغيرة قد أكلت قلبها، فاغتاظت واستغلت ما منحها الخالق من القدرة على الحركة فغطت ما على وجه الأرض، فآخذ في النظر إلى تلك السحب، وأرى فيها من الجمال ما يثلج صدري ويكحل عيني.
فإذا ذكرت ما تحتها من جمال ناجيت ربي أن تنقشع تلك السحب أو تنقطع قافلتها، وكثيرا ما يستجيب الله دعائي فيتغير المنظر فأشعر بغبطة وسرور، فأمد بصري حتى أكاد اخترق نافذة الطائرة لأرى المزيد من ذلك الجمال: جبال مكسوة بالغابات وبحار يصعب الوصول المباشر إلى سواحلها، وأنهار تخترق الأرض محاطة بأشجار الغابات أو رمال الصحراء.
وأنزل في مدينة من المدن، فأتمنى أن أكون في أعلى طابق في أعلى بناء فيها في أجود بقعة منها، بجانب محيط من المحيطات الواسعة، وقرب غابة من الغابات الجميلة، أو في وسط البلد لأتمكن من مد بصري إلى كل أنحائها، لأرى مناظر مبانيها الشاهقة أو القصيرة المتناسقة، وسياراتها التي تكون في بعض الأوقات مزدحمة في شوارع عامة واسعة شبيهة بحبات السبحة التي انتظمت في خيط رفيع، كما انتظم الشارع تلك السيارات.
أو أرى السفن الكبيرة وهي ترسو أو تنطلق من مراسيها إلى أواسط البحار والمحيطات، أو القوارب الصغيرة التي تروح هنا وهناك، كأنها نوع من الأسماك، أو الطائرات المختلفة الأحجام والأشكال صاعدة وهابطة أو معلقة في جو السماء، أو أتجول في أطراف المدينة على قمم الجبال أو سواحل البحار، كل ذلك لترتسم في ذهني صور تلك البلدان وتلك المناظر الجميلة التي لا يتمكن من رؤيتها إلا بعض الناس في بعض الأزمان.
وقد أنال ما أتمنى وقد يخفق الأمل، فلا أجد إلا الصبر وتسجيل مشاعري في كراستي، وفي هذا اليوم الخميس سجلت هذه المشاعر، بعد صلاة الفجر.
وراودني شيطان الشعر أن أسطر بعض الأبيات، وهي ليست شعرا، ولكنها تحكي المشاعر، فبدأت أقول:

الكون ينطق بالجمال الساحرويهز بالوجدان كل مشاعري
والقلب يطرب للبحار هوادراوالأذن تعشق حسن صوت الطائر
والعين تأبى أن يحل بها الكرىما لم تكحل بالجمال نواظري
والبحر خلفي قد طغت أمواجهولشاطئيه تسابقت بتفاخر

ولكن الشيطان أدبر عندما دق جرس الهاتف، فرفعت السماعة فإذا محمد التومي ينتظرنا في قاعة الاستقبال، لينقلنا إلى بيت الأخ خليل بن عبد الله الخليل، لتناول طعام الإفطار.

معلومات شفوية يدلي بها خليل.

وأحاديث الأخ خليل عن أمريكا وحالة المسلمين فيها طويلة وكثيرة، لكثرة ما عنده من معلومات في ذلك، فتراه يتحدث في موضوع ما، وإذا جزئية أخرى تجره إلى الحديث عنها، فيستطرد فيها حتى تخرجه من ذلك الموضوع إلى موضوع آخر، ينسيه ما بدأ به، لذلك سيرى القارئ في كتابتي عنه أجزاء متفرقة، ولكنها مفيدة.

دخول الإسلام إلى أمريكا عن طريق الأفارقة.

[راجع جريدة الشرق الأوسط، عدد 4865/ 21 رمضان 1412هـ 24/3/1992م بعنوان: وثائق أزهرية تؤكد: إسلام سود أمريكا.. ص:20].
قال الأخ خليل: إن الأفارقة دخلوا أمريكا في سنة 1600م تقريبا، وكان الإسلام قد سيطر على غرب إفريقيا من سنة 1200م تقريبا، وكان الأمريكان يقتلون من يتحدث بغير الإنجليزية، للقضاء على كل ثقافة أو دين أجنبي عن الأوروبيين، وقد وُجِدَتْ نسختان من القرآن الكريم بخط عربي كتبها أحد الأفارقة سنة 1850م.
وشنقوا امرأة إفريقية بسبب أدائها الصلاة، وكان الأفارقة في جنوب شرق أمريكا أغلبية، والأوربيون أقلية، ومع ذلك كان الأفارقة مضطهدين.

حركة أليجا محمد.

وبدأت الحركة الإسلامية في واشنطن، عندما تزعم البلاليين أليجا محمد سنة 1930م، وكان قد التقاه رجل جاء من مكة يسمى محمد فرد، يقال: إنه إيراني، ويقال: إنه مغربي، درس في لوس إنجلوس، والتقى أليجا محمد ثم اختفى محمد فرد، فلا يدرى أين هو؟ وقيل: غادر البلاد، وقيل: إنه غير اسمه.
ووصل عدد المسلمين من أتباع أليجا محمد أربعة آلاف، وكان أولاً في ميتشغان، ثم انتقل إلى شيكاغو، وقد أدخل السجن بسبب رفضه للتدريب الإجباري لأتباعه، لأنه لا يريدهم أن يقاتلوا المسلمين، ودخل ثمانون شخصا من أتباعه عنده في السجن وتلقوا تعليمهم، وخرجوا معه بفكرة وجوب تحرير السود.
والمشكلة الآن بين البيض والسود عويصة، والذي حرر السود هو الإسلام، وجعل لهم حق التصويت، وما كانوا يحلمون بذلك.

خشية اليهود من سيطرة الإسلام وابتكار بديل له.

وعندما أحس اليهود أن السود بدءوا يتحررون باسم الإسلام، خافوا من قيام ثورة عارمة تغير مجرى السياسة الأمريكية والغربية، فأنشئوا حركة حقوق الإنسان الأسود، من أجل أن يجمعوا السود تحت لوائها، بدلا من اجتماعهم على الإسلام. وأطلق أليجا محمد عندئذ شعاره المعروف (باك تو إسلام) أي ارجعوا إلى أصل دينكم وهو الإسلام، لذلك بدأ السود يتحدثون عن أصلهم، ويرجعون إلى أصولهم.
وقال الشيخ: إن المقريزي ذكر أنه أقام في القرن السادس الهجري رجل إفريقي يدعى: منسي موسى دولة مالي الإسلامية وحاول قطع المحيط الأطلسي، فأرسل الدفعة الأولى من رجاله فهلكت، ثم قام هو بحملة أخرى قادها بنفسه، ولم يُدر عن مصيره شيء ويحتمل أنه وصل إلى أطراف أمريكا الشرقية.
وقال الأخ خليل: قامت في أمريكا من سنة 1663م إلى سنة 1884م مائة وإحدى عشرة ثورة ضد النصارى، وفي سنة 1860م نشرت إحصائية تدل على أن عدد الأمريكان كان مائتين وواحدا وتسعين ألفا فقط، وأن عدد الأفارقة كان (412320) أربعمائة واثني عشر ألفا وثلاثمائة وعشرين.
ووجدت في لغة الهنود كلمات عربية، وهي تدل على قدم من دخل أمريكا يتحدث اللغة العربية.
وقد جاء جورجيا سنة 1816م برجل من إفريقيا يسمى " صالح بلالي فلاني " كما جاء إلى أمريكا شاب اسمه "أيوب سليمان" وعمره خمسة عشرة عاماً، وكان يحفظ القرآن، وهو الذي كتب نسختين من القرآن، توجدان في متحف جورجيا بواشنطن، وكان ذلك في سنة 1850م، ورجل آخر اسمه "بكر صديقي" ولد في تمبكتو سنة 1790م، وراسل شخصاً عربياً هو "محمد كابا" والرسائل موجودة في الوثائق الأمريكية، ولهذا كله وغيره تجد البيض خائفين جداً من انتشار الإسلام. [قلت: لو علم البيض أن من آمن بالإسلام ونصره نال مجدا لم ينله غيره لما خافوا من انتشار الإسلام ولبادروا إليه، قبل أن يسبقهم غيرهم إلى قيادة البشرية بنوره ولكن الله يضع فضله حيث شاء من عباده].

معلومات عن مدينة لوس إنجلوس والمسلمين فيها.

وقال الأخ خليل: إن عدد سكان مدينة لوس إنجلوس ثمانية ملايين [قلت: وسمعت من يقول: 12 مليونا].
وفيها خمسة ملايين سيارة، ولا توجد فيها غالبية من جنسية معينة، ويتركز اليهود في هوليود، ومنهم مشاهير الممثلين والممثلات.
عدد المسلمين أكثر من ستين ألفا: الأمريكان منهم عشرون ألفا، والعرب خمسة وعشرون ألفا، والهنود عشرون ألفا تقريبا.
توجد بالمدينة عشرون جامعة كبيرة، كما توجد بها جامعات صغيرة وكليات ومعاهد.
وعدد الطلبة المسلمين فيها ما بين أربعة آلاف وخمسة آلاف، والأطفال الصالحون للدارسة من السعوديين ثلاثمائة طفل، وعدد العائلات السعودية ألف عائلة، ويوجد منهم عدد لا بأس به من رجال الأعمال.
والمراكز الإسلامية كثيرة، اتحد منها خمسة وعشرون مركزا، ولعل المراكز التي لم تدخل في الاتحاد أحد عشر مركزا والمراكز الكبيرة منها اثنا عشر مركزا، في كل مركز ستة آلاف تقريبا.
وقال محمد التومي: وتشتهر في هذا البلد صناعة الكمبيوتر وصناعة الأسلحة المعقدة الدقيقة، وتوجد الآن طائرات حربية جديدة اشترك في صنعها أكثر من أربعة وستين ألف مهندس خلال خمس سنوات، وهي أحدث الطائرات.
وقد رأينا أنموذجاً مجسماً لها في أحد شوارع لوس إنجلوس، أشار إليها الأخ محمد التومي.
وقال الأخ خليل: انتقلت مصانع كثيرة من أمريكا إلى تايوان من أجل الأيدي العاملة الرخيصة هناك، والشركات الأمريكية لها أهداف أخرى في البلدان التي تعمل فيها، أهمها الأهداف السياسية.
وتقوم تلك الشركات برصد المعلومات كلها وتسجيلها ونقلها إلى أمريكا، ولهم أساليب كثيرة في الاستفادة من الشخصيات في الخارج، إما أن يأخذوهم في منح دراسية ويربوهم على أعينهم، حتى يكونوا أذنابا لهم، وإما أن يعملوا معهم علاقات من قبل الأقسام المتخصصة في الجامعات والوزارات والمؤسسات والشركات، فكل وزارة أو جهة تعليمية أو مؤسسة أو شركة تجد فيها أقساما تخصصية، كقسم الشرق الأوسط وتصدر الدعوات التي يمكن أن يستفيدوا منها من تلك الأقسام.
ويوجد هنا طالب من مالي أبوه من القيادات الدينية واسمه "بافا" يدرس التخصص في التربية والتعليم، سلطوا عليه البنات وأغرقوه بالخمر، ونفخوا فيه وجعلوه مسؤول منظمة طلبة كلية التربية، وتعلقت به صديقة أمريكية، وهو يرغب في الزواج بها، ولكنها اشترطت عليه صراحة أن يترك دينه الإسلام ويدخل في النصرانية، وهو قد استجاب لها في كل شيء ولكنه لم يرض إلى الآن أن يترك دينه، ويقول: لا يمكن أن أتنازل عن ديني.
وأمريكا تركز على الأفارقة كثيراً وعددهم كبير، وهي تعطيهم منحا كاملة.
وقال الأخ خليل: إنه حاول مع الطالب المالي ورغبه في منحة علمية وأداء عمرة، ولكنه قال: أنا أريد الإسلام ولكن أريد أن أستفيد من الأمريكان، وقال: أنا أعرف أنهم يريدون قواعد عسكرية ومصالح سياسية في مالي، وأنا لا مانع عندي ما دامت بلادي ستستفيد منهم.
وقال الأخ خليل: يحس الأمريكان أن روسيا تنافسهم في أمريكا الجنوبية، لذلك يحاولون السبق في إفريقيا، والأساتذة في أمريكا والغرب كله يهتمون بطلابهم، ويعاملونهم معاملة وزراء في بلادهم مستقبلا، ولذلك يستفيدون منهم، وقد سمعنا بعض الأساتذة يصرح بذلك ويقول: أنا أعامل الطالب معاملة الوزير، وقد أصبح كثير من طلابي وزراء.
قلت: فهل يعي أساتذة الجامعات الإسلامية ومسئولوها هذا الأمر؟ وينظرون إلى طلابهم من العالم الإسلامي هذه النظرة؟ لتكون الصلة بهم صلة لها وزنها، من التعاون على نصرة الإسلام في المستقبل، فمن يدري أن طالبا من طلابه قد يصبح في يوم من الأيام رئيس دولة أو رئيس وزراء أو وزيرا؟ ولو حصل الاهتمام به لكان له شأن آنذاك. [وقد أصبح بعضهم فعلاً وزراء في بعض البلدان، وبعضهم رؤساء أحزاب، وبعضهم يرأس مجلس الشعب في بلاده، وبعضهم أعضاء برلمانات ولهم وزنهم في بلدانهم].
وإذا كان كثير من زعماء العالم الإسلامي كانوا تلاميذ لأساتذة نصارى أو يهود، وهم يتعاطفون معهم ضد مصلحة الإسلام والمسلمين فلماذا نستهين بطلابنا نحن وهم أحق بالعناية من غيرهم؟!

زيارة القنصل السعودي في مكتبه.

ثم زرنا سعادة القنصل السعودي الأستاذ عبد الحميد القاري وهو من مكة المكرمة وله في كلفورنيا ـ لوس إنجلوس ـ ثلاث سنوات، سجلنا الجوازات، ودعانا الأستاذ عبد الحميد لزيارته في منزله ليلة الأحد لتناول طعام العشاء، ولبينا دعوته، ودعا كذلك رؤساء المراكز الإسلامية، وفي ذلك فرصة للقاء بهم لمعرفة نشاط مراكزهم.

جولة حول مدينة: لوس إنجلوس.

ثم ذهبنا بعد ذلك مع الأخ محمد التومي للقيام بجولة في المدينة، فتجولنا في كثير من شوارعها بالسيارة، وذهبنا إلى قمة أحد الجبال في غرب المدينة فأشرفنا على المدينة التي كانت شرقنا، وعلى البحر الذي كان غربنا، وكنا نصعد إلى هضبة ونهبط منها، ثم نصعد إلى أخرى، وبها تلك المنازل الجميلة التي أعدت حيطانها من الأشجار المقطعة الأطراف ذات التنسيق الجميل، وتحيط بها أشجار باسقة.
وقال الأخ محمد التومي: إن عدد اليهود في المدينة مليون، وهم يسكنون في المناطق الراقية.
وإنه يوجد في أمريكا في كل عشرين ثانية حالة اغتصاب، وإن مرضا يسمى بـ(الإيدز) منتشر، وقد سجلت له اثنتا عشرة ألف حالة، مات منها ستة آلاف شخص، ولم يعرف تشخيص هذا الداء ولا كيف يعالج، وهو ناتج عن اللواط، ومع ذلك فإن بعض الكنائس هنا تقوم بعقد زواج الرجال بالرجال!.
هذا هو موقف بعض الكنائس من الأضرار التي تحطم المجتمعات تضفي عليها الشرعية، وتشرف على تنميتها.
ومررنا بشارع يسمى: وستود، وفيه يتجمع الإيرانيون ولهم فيه متاجر مختلفة من صناعة الأحذية إلى المجوهرات، ثم رجعنا إلى الفندق بعد تلك الجولة الطويلة التي تخللها تناول طعام الغداء، فاسترحنا قليلا.

مع الأخ خليل في منزله مرة أخرى.

ثم جاءنا الأخ عبد الرحمن الزير فنقلنا إلى منزل الأخ خليل الذي واصل حديثه قائلا: إن المعهد العالمي للفكر الإسلامي يمثل أفكار بعض المثقفين، وذكر بعضهم وكيفية تحويله [وقد سبق أن تحدثت عن هذا المشروع فيما كتبته عن زيارتنا لواشنطن].
ثم استطرد الأخ خليل مبينا ما ذكر من أسباب ضياع أوقات كبار الموظفين، فقال: إن إحصائية ظهرت تبين سبب ضياع أوقات كبار الموظفين وهي كما يلي:
1-الهاتف. 2-الاجتماعات. 3-الزوار.

زيارة مسجد المؤمن.

ذهبنا إلى مسجد المؤمن فصلينا فيه صلاة المغرب، وكان أهله من البلاليين، ثم انفصلوا عنهم لعدم رضاهم ببعض أفكار البلاليين المنحرفة، وتأثروا بالطريقة السلفية ويحاولون أن يتمسكوا بالكتاب والسنة، ولكن ينقصهم عدم وجود علماء متفقهين في الدين، ولذلك قد تصدر منهم بعض التصرفات غير السليمة ظنا منهم أنها صحيحة، وهي خطأ.
وقد اجتمعت بهم في زيارتي الأولى لأمريكا سنة 1388هـ وأعجبت بمحاولتهم الالتزام بالكتاب والسنة، إلا أنه ظهر لي منهم كما قلت الجهل، فنصحتهم أن يبعثوا من يتفقه في الدين من جماعتهم حتى يعود إليهم ويعلمهم، وقد فعلوا، فقد وجدنا هذا العام أحدهم قد تخرج في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وهذه خطوة جيدة وإن كانت غير كافية، فالذي يتمكن من دراسة كلية الشريعة مثلا يعتبر قد فتح له الباب ليتعلم، بل لو أتيح له أن يحمل أعلى مؤهل كالدكتوراه، فإن ذلك مفتاح لدراسته علوم الشريعة الإسلامية، وقد لا يستحق أن يطلق عليه اسم: عالم.
وبعد صلاة المغرب ألقى الشيخ محاضرة تضمنت أهمية الرسالة، والدعوة والعلم، والعمل الصالح، الذي يقوم على الإخلاص لله ومتابعة رسوله ((صلى الله عليه وسلم)).
ثم ذكر لنا أحد أعضاء الجماعة ما يقومون به من نشاط في مسجدهم، فقال: نحن نسعى جهدنا في تعليم أولادنا وعندنا مدرسة منذ ثلاث سنوات، ولدينا برامج لتثقيفهم الإسلام، ونريد أن يكون الجيل الجديد متعلما اللغة العربية، ولدينا أطفال صغار يتحدثون الآن اللغة العربية، ولو نسبيا، وتعليم اللغة العربية يتم عن طريقها وليس عن طريق لغة أخرى.
ونرجو أن تكون النتائج طيبة بإذن الله، بأن يستطيعوا في المستقبل الاطلاع على المراجع الأصيلة، بدون وساطة الترجمة، وسنقوم بترجمة بعض الكتب القيمة إلى اللغة الإنجليزية، وقد بدأنا ببعض الكتب الصغيرة، ووجدنا أن كثيرا من الكتب الإسلامية تُفهم على غير معناها الصحيح، ونحن نريد أن نقوم بشرح المعنى الصحيح ونترجمه، مثل الأحاديث التي يفسد بعض الناس معناها ويضعونها في غير موضعها.
وعلق الشيخ على موضوع الترجمة، فقال: إن ترجمة الكتب العربية إلى اللغة الإنجليزية أمر ضروري لتعليم الناس، ولكن لا بد لذلك من أمور:
الأمر الأول: التعمق في فهم اللغة العربية: أصولها وقواعدها وصرفها واشتقاقها وأدبها.
الأمر الثاني: التعميق في فهم الشريعة الإسلامية وآلاتها، فهما يعصم من الزلل في تصوير المعاني ونقلها من اللغة العربية إلى اللغة الإنجليزية.
الأمر الثالث: التعمق في فهم اللغة الإنجليزية وأساليبها التي تجذب القراء إليها، وإلا فإنا سنبتلى بأنصاف علماء يسيئون إلى الإسلام بترجماتهم، [وكان هذا التعليق ضروريا حتى لا يغتر من يريد أن يترجم بما معه من نتف ومفهومات قد يكون بعضها خطأ فينقل الخطأ للناس على أنه هو الإسلام].
وقال أحد أعضاء الجماعة: إن من أهم مشاريعنا إنشاء معهد اللغة العربية لتدريس جميع المواد الإسلامية، حتى تكون اللغة العربية هي لغتنا، ونرجو أن يتحقق ذلك قريبا. وفي السنوات الماضية ذهب بعض جماعتنا إلى المملكة العربية السعودية وغيرها، لدراسة الدين الإسلامي واللغة العربية، ولكن المشكلة أن الذي يذهب ويمكث مدة في خارج أمريكا للدراسة، عندما يعود لا ينفع كثيرا هنا، وغالبهم يعود كأنه غريب.
وسألتهم: لماذا يعود كأنه غريب؟ فقالوا: لأنه إذا عاد يشتغل بأموره الخاصة، ولا يبقون كلهم معنا.
والذي يبدو لي أن سبب هذه الشكوى أن بعض الذين يتعلمون في الجامعات الإسلامية، يعودون وقد اقتنعوا بأفكار تخالف أفكار هذه الجماعة، بسبب اطلاعهم على أقوال العلماء وأدلتهم، فإذا أرادوا أن يصححوا لهم أفكارهم لم يقبلوا منهم، فيضطرون إلى الانضمام إلى جماعة غيرهم، وهذا ما أكده لنا بعض الإخوة.
وقالوا: إننا طلبنا من الجامعات الإسلامية أن يبعثوا لنا مُعَلِّمَيْنِ أو ثلاثة، وهذا يكون أكثر نفعا من بعض طلابنا.
قلت: وهذا تناقض، كيف يكون طلابهم الذين يتعلمون في البلدان الإسلامية إذا رجعوا إليهم كأنهم غرباء، ويكون المعلم الغريب فعلا أكثر نفعا منهم، إن طلابهم يخيفونهم، إذا رجعوا إليهم بأفكار تخالف أفكارهم، لأنهم منهم يصعب عليهم طردهم بخلاف الغريب، فإن وافقهم وإلا طردوه بسهولة.
قالوا: إن طلابنا إذا ذهبوا يتعلمون ينجح منهم خمسة في المائة على أكثر تقدير، وإذا انتدب إلينا معلمان أو ثلاثة من السعودية يستطيعون أن يعلموا عددا كبيرا، والمساعدة المطلوبة للمسلمين الجدد هي تعليمهم الدين الإسلامي باللغة العربية وهذه المساعدة هي التي تكرر طلبنا لها هنا عندما نزور بلاد المسلمين.
وقد كان الإسلام موجودا في أمريكا منذ مائة سنة، ولكنه يوجد جيل وينقرض جيل، ولم تستطع أي جماعة المحافظة على استمرار أبنائها متمسكين بالإسلام، هذه هي مشكلتنا الرئيسة وهي سبب ضعف المسلمين، ولا يمكن أن توجد قوة إلا بالعلم، ويوجد كثير من المسلمين في هذا البلد، ولكن أكثرهم جاءوا لاكتساب الرزق أو طلب العلم المدني.
والمسلمون عندنا مثل الأرض الميتة، تحتاج إلى ماء العلم حتى تنبت وتقوى.
وقال لهم الشيخ: لا بد من مدرسة إسلامية ولا بد من تعليم أبنائنا هنا القرآن والسنة واللغة العربية، وهذا الأمر أهم من جمع المال لبناء مسجد أو غيره لخشيتنا على الأجيال المقبلة، وهذه تبعة يتحملها المسلمون جميعا، وينبغي أن تسعوا للحصول على المساعدة من الخارج، ولكن يجب أن نستمر في بذل الجهود للبدء في العمل وإنشاء المشروعات، حتى يتأكد من يريد المساعدة من أن الجهود مبذولة وعمل ما تقدرون عليه قد حصل.
ولا بد أيضا من بعث أعضاء الجماعة لتلقي العلم في الجامعات الإسلامية.
ويمكنكم أن تطلبوا إقامة دورات لمدرسي أبنائكم، ومقررات دراسية للمدرسة القائمة، وطلب مدرسين من الجهات المختصة.

إصرار جماعة مسجد المؤمن على إقامة الحدود على أعضائها.

ثم صلينا العشاء، واستأذنت الشيخ لأسألهم بعض الأسئلة، وبخاصة ما يتعلق بإقامة بعض الحدود على بعض جماعتهم، وهو الأمر الذي كنت ناقشتهم فيه قبل ثمان سنوات مناقشة طويلة، وسجلت تلك المناقشة في الرحلة الأولى من هذه السلسلة "في المشارق والمغارب" ونُشِرت في بعض أعداد مجلة الجامعة الإسلامية.
فأجابوا على الأسئلة، ومن ذلك: أن مسجدهم أنشئ سنة 1972م، وأن عدد جماعتهم يتراوح بين ثلاثين وأربعين شخصا، وقد تخرج من جماعتهم اثنان: أحدهما من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، وهو علي عبد الغني. والثاني: من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.
ثم جاء دور المناقشة في إقامتهم الحدود، فقالوا: نعم نحن نقيم الحدود ولا زلنا، ولكن بشروط:
الشرط الأول: أن يأتي من اقترف الذنب ويعترف ويطلب تطهيره. [هذا الشرط يعتبر جديداً، فقد كانوا من قبل يلاحقون من اقترف ذنباً ليقيموا عليه الحد قهراً، وقد كاد بعض من أرادوا إقامة الحد عليه أن يفجر مسجدهم..!].
الشرط الثاني: أن لا يكون في ذلك ضرر على الجماعة.
الشرط الثالث: أن لا يكون الحد مما يحظره القانون الأمريكي كقطع اليد والرجم والقصاص.
فناقشناهم مناقشة جادة، خوفاً من الفتنة التي قد تنجم عن أعمالهم، ليس فتنتهم وحدهم، ولكن فتنة المسلمين كلهم في أمريكا، بمزيد من العداء للإسلام ومضايقة المسلمين، ولكن دون جدوى.
فقد رجع متعلمهم في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض وهو علي عبد الغني، وهو مصر على مذهبهم القديم، ومما استدل به علينا أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب أقام حد الرجم على امرأة زنت ولم يكن له دولة.
وأجابه الشيخ بأن ذلك حصل في عهد ابن معمر، وكان أميراً، ومحمد بن عبدالوهاب قضى فقط، وزعم الأخ علي عبد الغني أن الشيخ عبد الله بن جبرين قد وافقهم على ما يفعلون من إقامة الحدود، قال: وهو نائب الشيخ ابن باز، وقال له الشيخ: إن هذا لا يظن بالشيخ عبد الله بن جبرين ونحن سنتصل به، ثم عمم علي عبد الغني فقال: إنني لم أسمع ما يوافق قولكم من أي عالم، ولم أجد ذلك في أي كتاب!
فقلت له: إن العلماء مجمعون أنه لا يقيم الحدود إلا الحاكم المسلم صاحب السلطان والقوة والمنعة، ولم يستثن من ذلك إلا السيد يقيم بعض الحدود أو كلها على عبده، وإن كتب الفقه والتفسير وشروح الحديث كلها نصت على ذلك.
وكونك لم تسمع ذلك من عالم ولم تقرأه في كتاب، دليل على عدم علمك، وليس دليلا على عدم وجوده.
ثم قلت له: ما أشبه الليلة بالبارحة! جئتكم قبل ثمان سنوات وأنتم على هذه الفكرة، ونصحتكم فلم تستجيبوا، ثم نصحتكم أن تذهبوا إلى بعض الجامعات الإسلامية، لتتعلموا لأن ما أنتم عليه ناشئ عن جهل، وغضبتم مني، والآن بعد ثمان سنوات لا زلتم على ما أنتم عليه؟ فقال علي عبد الغني: إنني أنا الذي ناقشتك في زيارتك الأولى، وقد ذهبت وتعلمت ست سنوات في الرياض، واتصلت بالعلماء هناك وما وجدت عندهم ما تقول!.
فحاولنا إقناعهم، وقلنا لهم: إذا كنتم تعدون أنفسكم حكومة فإن ذلك لكم، فقالوا: نعم نحن حكومة! ولنا إمام نسمع له ونطيع فقلت له: أربعون شخصا في غرفة مثل هذه الغرفة تعدون أنفسكم حكومة، ولو جاءكم عدد قليل من شرطة المدينة فاعتقلوكم؟ قال: نعم نحن حكومة ولا يقدر أحد أن يمنعنا من نشاطنا.
قال الشيخ: يظهر أن القوم مصرون بلا دليل، فقال شاب أمريكي أبيض اسمه سالم تعلم اللغة العربية، ويبدو أنه يجيدها وكان تعلمه لها في كينيا، وتزوج امرأة منها أصلها حضرمي، قال: إن الأدلة الآمرة بإقامة الحدود في القرآن والسنة هي أدلتنا، فقال له الشيخ: أتقيمون القصاص وقطع اليد والرجم؟ قال: لا، لا نستطيع بسبب القانون الأمريكي.
فقلت لهم وقد بلغ السيل الزبى: إذا كان مسجدكم هذا الصغير وعددكم القليل تحت مظلة أمريكا وتعتبرون أنفسكم حكومة، وهذا هو فهمكم للإسلام فارجعوا مرة أخرى لتتعلموا ست سنوات أخرى، فلا زلتم جهالاً كما كنتم، فغضب الرجل واحمرت عيناه وتحفز، وأخذ الشيخ يهدئ الموقف.
وعندئذ ودعناهم وخرجنا وهم في هذه المرة كما كانوا في التي قبلها، بل زادوا في هذه المرة شيئا أشد، وهو اعتبار أنفسهم حكومة.
هذا ولقد فكرت في هذا الأمر بعد رجوعي إلى المدينة المنورة كثيراً، ورأيت أنه يحتاج إلى بيان واضح بذكر أدلته من الكتاب والسنة وآثار السلف الصالح ومذاهب الأئمة، حتى يكون شباب المسلمين المتحمسين على بينة من الأمر، فرجعت إلى النصوص وجمعت ما قدرت على جمعه، وراجعت أقوال الصحابة والتابعين والمفسرين والمحدثين والفقهاء، وألفت رسالة في هذا الباب وسميتها: (الحدود والسلطان) [وقد طبعت، وصدرت في كتاب بنفس الاسم "الحدود والسلطان"]. وأرجو أن يكون فيها ما يكفي في هذا الباب لجماعة مسجد المؤمن وغيرهم ممن يريدون الحق والله ولي التوفيق.

في بيت الطالب، وفي النادي السعودي.

الجمعة: 9/11/1405هـ.
قرر الإخوة أن يقوم الشيخ بخطبة الجمعة وإمامة المصلين في بيت الطالب، وأن أقوم بذلك في النادي السعودي والطلابي، فجاءنا بعض الإخوة قبل الصلاة وأوصلوا كل واحد منا إلى المسجد الذي تقرر أن يخطب فيه، وقمنا بذلك.

في مدرسة قرطبة.

سبق لي أن قمت بزيارة مدرسة قرطبة في رحلتي الأولى وكانت في منزل صغير، وإمكاناتها محدودة جداً، وقد سجلت معلوماتي عنها في تلك الزيارة في الرحلة الأولى لأمريكا، وكان ذلك سنة 1398هـ.
وبعد أن صلينا الجمعة التقينا في بيت الطالب وذهبنا لزيارة هذه المدرسة، وصلنا إليها في الساعة الثالثة، وجدنا أحد الموظفين ولم نجد الأخ المسؤول عنها، وهو الأستاذ سعد العزاوي مدير المدرسة وهو الذي أنشأها، فانتظرنا قليلا حتى جاء، فأعطانا معلومات موجزة عن المدرسة، وقد أصبحت الآن لها مبنى كبير وفصول دراسية وقاعات نشاط ومحاضرات وأجهزة حديثة لوسائل التعليم.

مدرسة قرطبة لوس أنجلوس 9/11/1405هـ
مدرسة قرطبة لوس أنجلوس 9/11/1405هـ

قال الأخ سعد: إننا أول ما بدأنا المدرسة بدأنا بطالب واحد، وعندنا هذا العام حسب التسجيل مائة وخمسة وسبعون طالبا وطالبة، وإمكاناتنا قليلة، لذلك لم نستطع تغطية المدرسة إعلاميا، وإنما يسجل عندنا من يسمع عن المدرسة عن طريق من عرفها، ولدينا ستة عشر مدرسا والتدريس باللغتين: اللغة العربية وبها تدرس المواد الإسلامية والعربية، واللغة الإنجليزية وتدرس بها بقية المواد، وهي عبارة عن منهج الدولة، ونسبة المواد العربية والإسلامية إلى المواد الأخرى خمسون في المائة.
والرسم المقرر على كل طالب ألف وثلاثمائة وخمسون دولاراً في السنة، وفي هذا العام أصبح ألف وستمائة دولار بسبب زيادة تكاليف المعيشة. وقد أدخلنا في المدرسة الحاسب الآلي والأجهزة الغالية الثمن، وكذلك البرامج، وندرب الطالب على الكمبيوتر حتى يجيد استعماله، وندربه كذلك على إعداد البرامج.
ولا بد أن يكون مدرس اللغة العربية والدراسات الإسلامية عربيا مسلما سنيا، ومؤهله لا يقل عن الجامعة، وقد عرض علينا الشيعة مليون دولار لتمويل المدرسة تمويلا كاملا، على أن يدرسوا الفقه الجعفري فرفضنا.
وقد استعنا بمنهج المعهد الديني في قطر، فيما يتعلق بالدراسات الإسلامية واللغة العربية، واستعنا بكتب المعهد نفسه إضافة إلى الكتب والمراجع الأساسية التي يرجع إليها الأساتذة، والكتاب المقرر يسلم للطالب، فإذا قلّت كمية أي كتاب صورناه للطلبة. وقد اكتملت الآن مراحل المدرسة من الروضة إلى المدرسة الثانوية، وكان اكتمالها قبل خمس سنوات.
كما أن لدينا دراسة بالمراسلة، يسجل الطالب أينما كان ونرسل له الكتب ويتصل بالأساتذة عن طريق الهاتف، ويحضر الطالب جزءا من أيام الدراسة، كما يحضر لأداء الامتحان.
ولدينا مشروع الاتصال بالطلاب في أماكنهم، إضافة إلى الهاتف عن طريق الكمبيوتر والتلفزيون، يوصل بالهاتف بصورة ما، وهذه الطريقة مستعملة، وبهذا يستطيع الطالب بالمراسلة أن يتلقى دراسته صوتا وصورة وكتابة، والدراسة بالمراسلة قد نجحت والحمد لله.
وللمدرسة نشاط رياضي ومجلة ورحلات، وقد تخرجت منها خمس دفعات من المرحلة الثانوية، والذين تخرجوا كانوا أقوياء وقد دخلوا الجامعات، بعضهم من أبناء المملكة العربية السعودية، وهم يَدْرُسون بجامعات المملكة والجامعات الأمريكية.
وعندنا مركز للغة العربية، أعلنا عنه في الشرق الأوسط وسنعلن عنه في كل البلدان: الصين والهند واليابان، وجنوب شرق آسيا.

أثر القدوة الحسنة في دخول الناس في الإسلام.

وفي أثناء الحديث ذكر لنا الأخ سعد قصة إسلام فتاة مسيحية، قال: إنها كانت زميلة لبعض الشباب من الطلبة الملتزمين بدينهم، فكانت إذا قابلتهم غضوا أبصارهم عنها، فتعجبت من ذلك وسألتهم: هل رأيتم بي عيبا حتى تصرفوا أبصاركم عني؟ فقالوا لها: لا عيب فيك، ولكن نحن مسلمون، وديننا يمنعنا من النظر إلى المرأة الأجنبية، وهي التي ليست زوجة ولا ذات محرم، فأعجبت بذلك وأحبت الإسلام فأسلمت.
قلت: وهذا شأن القدوة الحسنة التي يراها الناس في تصرف المسلم، ولو أن المسلمين في العالم كانوا قدوة حسنة لتحولت شعوب إلى الإسلام وليس الأفراد فقط، كما حصل ذلك في السابق في إفريقيا وكثير من بلدان آسيا، كأندونيسيا وغيرها.
ثم واصل الأخ سعد حديثه فقال: إن الطلبة يدرسون من الساعة التاسعة صباحا إلى الساعة الثالثة ظهراً: القواعد والكتابة والقراءة والمحادثة، ولدينا مختبر لغة ومختبر كمبيوتر، ولا يزيد عدد الطلبة في الفصل عن عشرة طلاب.
ومدرسو اللغة الإنجليزية أمريكان، وعددهم أربعة، والكتب جاهزة، وهي المقررات الدراسية في مدارس الحكومة، تضاف إليها تمارين من المصادر المعروفة عندهم.
وعندنا دراسات إسلامية ولغة عربية للكبار في المساء للمسلمين وغيرهم، ولا تمنح شهادة، بل تؤهل الدارس ليفهم شخصيا ما يهمه عن اللغة والدين، ونأخذ منهم رسوما زهيدة، ودراستهم ساعتان في كل أسبوع، والرسوم خمسة وستون دولارا لكل اثني عشر أسبوعا. ونقبل الكبار في قسم الكمبيوتر يتدربون عليه، ولدينا سيارات لنقل الطلبة الذين تبعد بيوتهم عن المدرسة.
بعد كتابة هذه المعلومات، تجولنا في المدرسة على الفصول الدراسية والمختبرات وأجهزة الكمبيوتر وقاعات المحاضرات والاجتماعات. ويبدو أن المدرسة جيدة في حدود الإمكانات المتاحة، وفيها وسائل حديثة مشوقة ومفيدة.
قد يقال: إن هذه المدرسة وأمثالها تجارية، يريد صاحبها أرباحا يأخذها من المسلمين. ولكن وجود مدرسة مثلها يدرس بها منهج إسلامي ولغة عربية وتوجد بها نشاطات إسلامية، مع المنهج الحكومي الذي يؤهل طلابها لمواصلة دراستهم في جامعات أمريكا وغيرها، ثم كونها مستقلة، يكون الطلاب المسلمون فيها أحرارا في لباسهم وأسمائهم وتصرفاتهم، دون مضايقات من المجتمع الأمريكي، وجود مدرسة بهذه الصفة أمر لا يستهان به، ولا بد أن يسهم المسلمون في تعليم أبنائهم، والمال الذي يدفعونه لمسئولين مسلمين يشرفون على أولادهم، خير من دفع ذلك المال للأمريكان الذين يختلط أولاد المسلمين بأولادهم، ويُحرَمون من المنهج الإسلامي والحرية الإسلامية، وهل يستطيع الأخ سعد أن يقوم بذلك من عند نفسه بدون مساعدة آباء الطلاب؟.
ثم ذهبنا إلى أحد المطاعم المتخصصة في طبخ الأسماك فتغدينا ورجعنا إلى الفندق، وذهبنا إلى منزل الأخ خليل وكان عنده بعض الأخوة منهم الأخ عبد السلام الشولي الأردني، الذي يدرس هندسة إلكترونية.

بيت الطلبة.

عدد المسلمين في كلفورنيا ثلاثمائة ألف مسلم، وعددهم في لوس إنجلوس مائة وخمسة وعشرون ألفا، والمترددون منهم على المساجد في حدود عشرين ألفا.
ذكر لنا الأخوة أن بيت الطلبة أنشئ سنة 1980م في شقة صغيرة وكان عدد الذين أنشئوه خمسة عشر شخصا.
وانتقل المركز (بيت الطلبة) إلى مقره الحالي سنة 1982م، والذين يحضرون فيه لصلاة الجمعة ما بين مائتين وخمسين وثلاثمائة، تلقى فيه الدروس، وفي كل خميس يتم فيه إفطار جماعي للصائمين من الإخوان، ويقوم بالدروس فيه الشيخ بسام عطية، وهو من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وكذلك عبد الرحمن الزير، وتقام فيه يوم الجمعة محاضرات وندوات، وقد يكون المحاضرون ضيوفا من الخارج.
وفيه مدرسة الأحد للأطفال بنين وبنات، سُجِّل فيه ثلاثون طالبا وطالبة، المنتظمون منهم عشرون، يدرسون اللغة العربية والقرآن الكريم.
وفيه نشاط نسوي يقوم به النساء، ويلقي عليهن بعض المشايخ دروسا، وهن أكثر نشاطا من الرجال، لأن نشاطهن فيه أربعة أيام. [لعله لوجود فراغ عندهن] وفيه درس تجويد للقرآن الكريم كل يوم بعد الفجر لمن يحضر، وفيه تدريب للنساء على الخياطة.
وقد حاول بيت الطلبة جمع كلمة المسلمين وتوحيدهم ونجح نجاحا لا بأس به، فقد صام رمضان أكثر من خمسة وعشرين مركزا وأفطروا سواء، وكذلك صلوا صلاة العيد في يوم واحد ومكان واحد، وقد كانوا يفطرون ويصومون ويصلون متفرقين.
والبيت منتظم في سلك الاتحاد الإسلامي (إسنا).
وكانت صلاة العيد في جامعة جنوب كلفورنيا، ونقل التلفزيون الأمريكي لقطات من هذا الاجتماع الفريد من نوعه بين مثل هذا العدد من المراكز الإسلامية، وكذلك نقلت الإذاعة.
ووزعت منشورات قبل العيد بفترة للدعوة إلى ذلك، وكان عدد الحاضرين خمسة آلاف تقريبا. ولم يصل جماعة المركز الإسلامي معنا، وعدد المصلين فيه كبير، يصلون العيد على دفعتين: الدفعة الأولى سبعة آلاف.
وكان مسجد المؤمن متصلا بالاتحاد من سنة 78ـ 79م وحصلت لهم مساعدات في إنشاء مدرسة وصل عدد طلابها مائة وسبعين طالبا، واتضح أن لدى أعضاء هذا المسجد شعورا بالاستقلال، ويرون أنفسهم أولى بفهم الإسلام من غيرهم.
وكان لهم أمير يدعى قاسم حيدر، ولم يكن في وقته بينهم وبين الاتحاد خلاف، فلما تركهم أميرهم قاسم وقفوا ضد الاتحاد، وليس لديهم في أي اجتماع إلا أسلوب الرفض، وقد جرهم إلى هذه المواقف شخصان، لو هداهما الله للتفاهم وقبول الحق لما شذت الجماعة عن الاتحاد مع المراكز الأخرى، وكل من سار معهم على فكرتهم ثم رجع عن بعض تصرفاتهم انقلبوا عليه.
قال الإخوة الذين أخذنا منهم هذه المعلومات: ومع ذلك فإن لجماعة مسجد المؤمن جهودا طيبة، ومدرستهم جيدة، فيها الآن خمسة وستون طالبا تقريبا، ويأخذون بعض المساعدات ويحاولون عمل مشروعات، ولكن كثير من مشروعاتهم تفشل. وينبغي لمن يقدم مساعدات لأي جهة أن يطمئن إلى أن صرفها كان في مكانه.

في المركز الإسلامي.

السبت: 10/11/1405هـ.

مسجد المركز الإسلامي في لوس أنجلوس 10/11/1405هـ
مسجد المركز الإسلامي في لوس أنجلوس 10/11/1405هـ

ذهبنا صباح هذا اليوم السبت إلى المركز الإسلامي في لوس أنجلوس، وهو على مقربة من مدينة هوليود الشهيرة بالأفلام اليهودية، [نسبتها إليهم لأنهم هم المسيطرون على صناعتها ومشاريعها]. وفيها الممثلون والممثلات ومن يسمونهم بنجوم الفن.
وكان هذا المركز قبل ثمان سنوات عندما زرناه في سنة 1398هـ يُتَّهم موظفوه بأنهم ماسونيون، وقد كتبت عنه بعض المعلومات في الرحلة الأولى من هذه السلسلة: "في المشارق والمغارب"، وقد تحسن المركز الآن، نظرا لتغيير بعض موظفيه، وعلى رأسهم الدكتور ماهر حتحوت وهو رئيسه، وهو طبيب، ولم يكن موجودا عندما زرنا المركز، وهو عبارة عن مسجد ومكتبة وقاعة محاضرات ومكاتب إدارية، صلينا فيه الظهر والعصر جمعا وقصرا، والتقينا بعض العاملين فيه.
في مسجد عمر.
ثم ذهبنا إلى مسجد عمر، وهو عبارة عن منزل صغير ولكن بجانبه أرض بدأ أعضاؤه في تأسيس مسجد جديد بها.
وكان معنا الأخ تاج الدين شعيب الذي كان يعمل مع البلاليين مبعوثا من الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، وقد عانى مشقات معهم، كما عانى ذلك غيره، ولم يبق أحد معهم من الدعاة الصالحين، فيما أعلم بسبب ما عندهم من الاستبداد وعدم السماح لأحد يبرز بينهم، والذي يظهر أنهم يخافون أن يأتيهم رجل عالم يفقه الدين فقها صحيحا، وهو قدوة حسنة ذو تأثير في الناس قادر على إقناعهم بما عنده من الحق، فيؤثر في أتباعهم، فيجتمعون حوله، وبخاصة إذا كان من الأفارقة مثلهم، كالأخ تاج الدين شعيب، والأخ محمد نور السوداني في شيكاغو، وكلاهما ترك العمل مع البلاليين بطلب منهم.

لو كان أعزب لكان خبيرا بالمطاعم.

كان الأخ تاج الدين يبحث عن مطعم سمك والظاهر أنه ليس بماهر في معرفة المطاعم والدكاكين، لأن الله أغناه بأهله يعدون له الطعام في المنزل، بخلاف الأخ محمد التومي الليبي، فإنه يعرف فيما يبدو كل مطاعم مدينة: لوس إنجلوس على كبرها، وكذلك يعرف شوارعها ومعالمها، فلم يجد الأخ تاج الدين مطعما سمكيا بسهولة، ولو كان عزوبيا كالتومي لكان خبيرا بالمطاعم، لذلك كانت فرصة للتجول في شوارع مدينة هوليود فذرعناها طولاً وعرضاً، حتى وجدنا مطعما صينيا.

رَقَصَتْ هَلَعًا!

عندما دخلنا المطعم فوجئت إحدى الفتيات من خَدَمِه بصنف غريب من البشر في لباسهم وفي سمتهم، فأخذت ترقص وتبتسم ابتسامة الخوف، وكنت أولا أظنها ترقص طرباً، وما أكثر ما ترى أهل الغرب يرقصون في كثير من الأماكن، ولكنها قالت لتاج الدين-بعد أن اطمأنت-: وي لقد أفزعتموني! فقال لها: لا خوف، فعلمنا أنها لم ترقص طربا، وإنما رقصت هلعا.

في الطريق إلى الفضاء:

بعد أن تغدينا ذهبنا إلى القبة السماوية، وهي تقع على قمة جبل في شمال غرب مدينة لوس إنجلوس، وفي طريقنا إليها أرانا الأخ تاج الدين نجمات منحوتة على بلاط أرصفة الشوارع، كتب على كل نجمة اسم أحد الممثلين أو الفنانين الذين بلغوا درجة يحسدون عليها عند عبادهم من بهائم البشر، والناس يدوسون بأرجلهم على تلك الأسماء اللامعة، لا لقصد إهانتهم ولكن أسماءهم في طريق الناس، فلا بد من السير عليها، ولعل في ذلك ما يدل على هوانهم ـ وإن لم يقصده الناس ـ في الدنيا قبل الآخرة، ولكنهم يفتخرون بأن أسماءهم قد كتبت على نجمات الشوارع.

وفزع الحارسان..!

قلت للأخ تاج الدين: إني أريد المرور على شركة سيارات كاديلاك لأخذ مرآة لباب سيارتي، فمررنا بأحد المعارض الكبيرة للشركة ودخلنا مسرعين، حتى لا يفوتنا الوقت في القبة السماوية، وأنا لابس ثوبي العربي، وبيدي حقيبة صغيرة، ولكنها منفوخة لامتلائها بمهمات السفر.
وكان في الباب حارسان، عندما رأيانا وقفا فزعين، وسأل أحدهما: ماذا تريدون؟ وهو يرتعد وصاحبه كذلك، تكاد أعينهما تطير من أماكنها، و قلوبهما فيما يبدو كانت أشد، فأخبرهما الأخ تاج الدين بما نريد، فقال: المكان مغلق اليوم (لأنه يوم السبت) ولا يفتح إلا في يوم الاثنين.
قلت للأخ تاج الدين: لماذا هما مرتبكان؟ فقال: إنهم يخافون من العرب، وظنوا أننا عندما جئنا مسرعين نريد شراً.

في القبة السماوية.

وصلنا إلى القبة السماوية في الساعة الرابعة مساء، فدخلنا وكان الفيلم قد بدأ عرضه، وكان موضوعه يتعلق بكون العالم بدأ صغيرا ثم توسع، والمعلق عبر عن ذلك بقوله: ثم انفجر، وعرض الأرض والشمس والقمر والنجوم والمجرات والقطبين الشمالي والجنوبي.
ثم عرض بعض الكواكب التي فيها شبه ببعض الحيوانات أو غيرها، وذكر أن العرب سمتها بتلك الأسماء: الحمل، والميزان والعقرب، والدب، وبعد أن ختم حديثه قال للناس وهو يُنَكِّت ـ وقال الأخ تاج الدين: إنه يهودي ـ قال: من وجد نفسه في يوم من الأيام على أحد هذه الكواكب، وأراد أن يراسلنا، فهذا هو عنواننا وذكر العنوان وعرضه في نفس الفلم وأخذ الناس يضحكون.
وانتهينا من القبة السماوية في الساعة الخامسة والنصف مساء، فخرجنا وألقينا نظرة على مدينة لوس إنجلوس من ذلك المكان المرتفع فبدت لنا المدينة جميلة متناسقة.

من على أحد جبال لوس أنجلوس في شمال غرب المدينة 10/11/1405هـ ـ 27/7/1985م
من على أحد جبال لوس أنجلوس في شمال غرب المدينة 10/11/1405هـ ـ 27/7/1985م

من الفضاء إلى المساجد.

ثم ذهبنا إلى بعض الإخوة الذين كانوا في انتظارنا في بعض المراكز، فذهب الشيخ إلى مسجد السلام الذي يؤم الناس فيه الأخ تاج الدين، فصلى فيه المغرب وألقى حديثاً مختصراً، وذهبت أنا إلى نادي الشباب السعودي، فصليت فيه المغرب وألقيت أيضاً كلمة مختصرة، وسبب الاختصار أنا كنا على موعد لزيارة القنصل السعودي في منزله.

في منزل القنصل السعودي.

نقلونا إلى منزل القنصل السعودي العام في كلفورنيا، وهو الأستاذ عبد الحميد القاري من أهالي مكة المكرمة، وقد دعا بعض زعماء المراكز الإسلامية لتناول طعام العشاء في منزله بمناسبة زيارتنا، حرصا منه على أن نجتمع بهم، للتعرف عليهم ومذاكرة الأمور التي تهم المسلمين في هذا البلد.
وقد بدأ سعادة القنصل بالترحيب بالحاضرين، وبدأ التعارف بيننا، وكان من الحاضرين نائب القنصل الأخ حمود بن نادر، وهو شاب ظريف ذو خلق طيب، والدكتور ماهر حتحوت، رئيس المركز الإسلامي في مدينة لوس إنجلوس، والأخ محمد عبد المجيد رئيس الجمعية الإسلامية في أحد المراكز، والأخ عبد الرحمن الزير، والأخ عبد الرؤوف إسماعيل مساعد إمام مسجد السلام، والأخ أخطر إيمان رئيس جمعية مسجد النور في تورانس، والأخ ظفر، والأخ الدكتور مزمل صديقي الذي تخرج في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة في الفوج الأول سنة 84ـ 1385هـ قبلي بسنة.
والأخ مزمل صديقي مشهود له بالخير في أمريكا، في علمه ونشاطه في الدعوة والتدريس، وهو شجاً في نحور زعماء اليهود والنصارى في المناظرات التي يبين فيها محاسن الدين الإسلامي وهيمنته على الأديان كلها بالحجج، ويهاجم الأديان المحرفة هجوماً علميا قوياً. ويلقم أهلها الحجر أمام الجماهير، مما جعل بعض المسيحيين يظهرون إسلامهم على ملأ من الناس في وقت المناظرة التي تظهر فيها كلمة الله على سواها.

الشيخ يلقي كلمة في الحاضرين.

وقد ألقى الشيخ كلمة في الحاضرين أبدى فيها سرورنا بهذا اللقاء، وشكر سعادة القنصل على إتاحة هذه الفرصة، كما شكر الحاضرين على تلبية الدعوة من أجل هذا اللقاء، لما في ذلك من الاجتماع والتعارف ومذاكرة مصالح المسلمين، وعرف الحاضرين بالجامعة الإسلامية في المدينة المنورة وسبب زيارتنا، وبين أن المسؤولية عامة على الحكومات والشعوب الإسلامية وبخاصة العلماء والأثرياء، كل فيما يخصه، وحث على اجتماع الكلمة والوحدة والبعد عن أسباب الخلاف.

رد القنصل على كلمة الشيخ.

ثم أثنى القنصل على كلمة الشيخ وأكد الشكر على هذه الزيارة، وأن قوة المسلمين تكمن في تحابهم وتعاونهم، وأن المملكة العربية السعودية قائمة في تعاملها مع المسلمين وغيرهم على السياسة الإسلامية.

حوار مفيد في وسائل الدعوة للمسلمين وغيرهم.

ثم فتح باب الحوار، وكان في الأصل يدور حول سؤال ألقاه الشيخ وهو: ما سبب قلة دخول الأمريكان البيض في الإسلام؟
فذكر بعض الحاضرين أن المحاولة لدعوتهم حاصلة في بعض المناطق في مؤسسات العمل التي يوجد بها مسلمون، وبخاصة شركة نوثرب، وهي شركة طيران حربية كبيرة مشهورة.
وقال بعضهم: إن أمريكا قائمة على نظام الشركات الكبرى، والدخول إلى الأمريكان ينبغي أن يكون عن طريق تلك المؤسسات، وذكر بعضهم أن دخول الأمريكان في الإسلام بحسب الترتيب الآتي:
1- المرأة السوداء. 2- الرجل الأسود.
3- المرأة البيضاء. 4- الرجل الأبيض.
وأن الدعايات ضد الإسلام شديدة في مناهج الإعلام والتعليم والكتب وغيرها، وكل التيارات في أمريكا هي ضد الإسلام، ولا يوجد للمسلمين إلا نصف ساعة في الأسبوع في التلفزيون، وماذا عسى أن تفعل؟ وهي من أثر تبرع بعض المسلمين بدون تخطيط ولا تنظيم.
وقال الدكتور حتحوت: إن الفئات التي ترى أن الإسلام يقدم لها شيئا تستفيد منه تلجأ إلى الإسلام، وبخاصة إذا كانت أصولهم مسلمة، وفي المركز الإسلامي يدخل في الإسلام كل سنة ثلاثون شخصا تقريبا، خمسون في المائة منهم من البيض.
وكان الذين يدخلون في الإسلام من قبل إما كبارا وإما صغارا، والآن يسلم اثنا عشر شابا في السنة من شباب الجامعات، وتوجد عقبات في سبيل إسلامهم أهمها: أننا لم نمارس دعوة المجتمع الأمريكي، لأننا نتحدث مع المسلمين، ولقاءاتنا داخلية بيننا، أما المجتمع الأمريكي فإننا لم نختلط به، فلا بد من الحديث مع المجتمع والدخول معه في همومه ومشكلاته، كما يدخل في همومنا ومشكلاتنا، والمجتمع الأمريكي يهمه أن أقنعه أن هذا الدين سيخرجه من ضيق الدنيا إلى سعتها ومن جور السلطان إلى عدل الإسلام.
والأهم من هذا هو أن الدعاة الذين يأتون من خارج أمريكا ألفوا أن يُستَمع لهم، ولم يألفوا أن يستمعوا إلى غيرهم، ونحن نعتبر هذه خطوة طيبة منكم أن تطلبوا منا التحدث إليكم لتسمعوا منا.
وقال الشيخ: أتصور أن حجم الدعوة يجب أن يبهر المجتمع الأمريكي في نواد وإعلام وقوة.
وقال الدكتور مزمل: إن أهم الأسباب في تأخر إسلام الأمريكان هو عدم وجود القدوة الحسنة في المسلمين، والذين يدخلون الإسلام أغلبهم يبحث بنفسه عن الإسلام، فلا بد من التركيز على المسلم ليكون قدوة حسنة.
وقال الدكتور حتحوت: إذا أردنا أن نتخذ وسيلة للدعوة فعلينا أن نمارسها على المستوى المطلوب.
وقال سعادة القنصل: إن الأرض هنا خصبة للدعوة، لأن الأمريكان ليسوا كلهم مسيحيين، ويريد كثير منهم أن يلجأ إلى أي معتقد يخرجه من قلقه ويملأ فراغه الروحي، وكثير منهم يدخلون في عقائد مختلفة.
وقال الأخ تاج الدين شعيب: مشكلة الدعوة هي المال. والتلفاز عند الأمريكان شبيه بالخمرة.
وقال بعض الإخوة: إن عند الأمريكان فراغا دينيا ناشئا عن رفضهم لما لا يتفق مع عقولهم، لذلك تجد الكنائس تحاول جذب الشباب إليها بوسائل هي ضد تعاليم المسيحية تماما، كالرقص والغناء.

وكيف نملأ هذا الفراغ؟

عدد المسلمين لا بأس به، ولكن وجود أكثرهم كعدمه، ولعل في اتحاد المراكز الإسلامية ما يكون سببا لإثبات وجود المسلمين، والذي ينقصنا هو وجود دعاة ثابتين يجيدون اللغة الإنجليزية، مع الفقه في الدين، والذين يوجدون في أمريكا من هذا النوع قليلون جدا، والجامعات الإسلامية لم تقدم لنا هذا العنصر، وكذلك يمكن أن نستخدم وسائل الإعلام، ومحطة الراديو لا تكلف أكثر من نصف مليون دولار لتبث أربعا وعشرين ساعة كاملة، وكذلك التلفاز، كل ديانة لها يوم على الأقل في الأسبوع إلا الدين الإسلامي.
وقال الأخ مزمل صديقي: إن أربعين دكتورا في أتلنتا طلبوا محاضرات عن الدين الإسلامي، وقد ألقيتُ فيهم محاضرات وهم يتلهفون إلى المزيد، ولكنهم لا يجدون من يلبي رغبتهم، وهم نصارى وغيرهم كثير، ولا أبالغ إذا قلت: إن ثمانين في المائة من المسلمين الذين جاءوا إلى هذا البلد قد ضاعوا، سواء كانوا من الجاليات القاطنة أو من الطلاب.
وسألنا الأخ مزملا عن رأيه في المثقفين القياديين ـ فضلا عن عامة الناس ـ هل تدل القرائن أنهم فهموا الإسلام؟ فقال: أبدا، قليل جدا من يفهمه، وهم الذين يطلبون فهمه، بجهودهم الخاصة لهداية الله لهم للإسلام، أو لغرض آخر، وقد استُفْتِيَ خمسون في المائة منهم: هل تعرفون رجلاً يدعى محمداً، وله دين يسمى الإسلام؟ فكان جوابهم جميعاً: لا.
قلت: والدكتور مزمل يقول هذا عن تجربة وخبرة واتصال بالقوم مباشر، لأنه يناقشهم ويناظرهم ويدرس بعضهم، فعلى من تقع تبعة قوم لم يسمعوا بمحمد ((صلى الله عليه وسلم)) ولا بما جاء به مجرد سماع؟ أين تنفيذ أمر الله تعالى بالدعوة إليه بالبلاغ المبين؟.
وذكر الأخ مزمل أنه يوجد في مقر إقامته خارج مدينة لوس إنجلوس على بعد أربعين ميلا، مدرسة كاملة على مستوى أفضل من مستوى المدارس الأمريكية، وصلت إلى الصف الثالث الابتدائي، وكل سنة يزاد فيها فصل واحد حتى تكتمل، وتمول من رسوم الطلاب والتبرعات، وكلفتها تزداد، ويخشى عدم استمرارها إذا لم يوجد لها تمويل مستمر.
قلت: فأين أغنياء المسلمين من أمثال هذه المدرسة الكاملة التي يخشى أن تتوقف بسبب التمويل؟ وإذا توقفت خسرنا أبناءنا الذين ستحتضنهم وتستقبلهم المدارس التي يذوبون فيها مع أبناء المجتمع الأمريكي ويضيعون دينهم وأخلاقهم؟.
أين من يرغبون في عمل صالح دائم يدر عليهم الثواب بعد مماتهم "الصدقات الجارية" الوقف في سبيل الله؟!.
وقال سعادة القنصل: إن وجود دورات للأئمة والمدرسين للغة العربية والدراسات الإسلامية أمر مطلوب، ويمكن أن يستفتى أهل الخبرة ورؤساء المراكز الإسلامية والأئمة في مناهج الدورات وموادها، كما هو المعمول به في هذا البلد.
وقال الدكتور مزمل: إن الدورات التي يمكن إقامتها هنا ثلاثة أنواع:
النوع الأول: دورة لمدرسي الجامعات الذين يرغبون في فهم الإسلام واللغة العربية، وبعضهم يتولون تدريس الدين واللغة في جامعاتهم.
النوع الثاني: دورة للمسلمين الجدد، من أجل فهم الدين الإسلامي.
النوع الثالث: دورة للأئمة والمدرسين المسلمين، ولي تجربة في تدريس الفقه للمسلمين في مقرنا، يحضر الدرس في كل أسبوع مائة وخمسون مسلما تقريبا.
ثم إن جميع الحاضرين اتفقوا على أن المدرسة أول ما يجب الاهتمام به، ويمكن أن يكون المسجد مدرسة إذا حصل به اهتمام ووجدت به مرافق مدرسة تابعة له على المستوى المطلوب.
قلت: الذي نخلص إليه من هذه المناقشات المفيدة التي دارت بين مفكرين في الميدان، وهم أدرى بأوضاع هذا البلد، أنه يجب على المسلمين الاهتمام بالمسلمين الموجودين في هذا البلد ليوطنوا فيه هذا الدين عاجلاً أو آجلاً:
أما عاجلا، فبإيجاد ما هو ضروري للمحافظة على المسلمين وأبنائهم من الضياع، ولغير المسلمين بإبلاغهم الدعوة حسب المستطاع، وذلك بالوسائل الآتية:
1- إيجاد الداعية المسلم الفقيه في الدين المجيد للغة الإنجليزية، ولغات بعض الجاليات كالعرب والباكستانيين والأندونيسيين وغيرهم، وأن يكون قدوة حسنة.
2- إيجاد الكتاب الإسلامي السليم المؤلف أو المترجم ترجمة سليمة جذابة وطباعته طباعة أنيقة، المقنع المدعم بالحجج الشرعية والعقلية، وكذلك المجلة والجريدة والنشرة.
3- إيجاد المدرسة ذات المرافق التي تفوق مدارس الأمريكان أو تساويها في المباني، وإيجاد المدرسين الأكفاء لأولاد المسلمين مع المنهج المناسب والكتب المناسبة.
4- إقامة دورات متنوعة، كما ذكر الدكتور مزمل.
وإما آجلا، فالعمل على إيجاد مؤسسات كبيرة، كإيجاد كليات ومراكز إسلامية، تشمل المسجد وإدارته ومرافقه اللائقة به، كمحطات إعلام إذاعية وتلفازية، وإيجاد مؤسسات تجارية وصناعية، وأوقاف تمول المراكز الإسلامية ومدارسها ومرافقها، ومكتبات عامة للمطالعة، تجهز بالكتب الإسلامية باللغة العربية واللغات الأخرى، كالإنجليزية والفرنسية، ونواد ثقافية واجتماعية ورياضية، يقوم بالإشراف عليها وإدارتها مسلمون أكفاء تهمهم الدعوة إلى الله لشغل فراغ أوقات أبناء المسلمين، واتخاذها وسيلة من وسائل الدعوة إلى الله.
وبعد هذه الندوة المفيدة الممتعة التي دارت في منزل سعادة القنصل السعودي الأستاذ عبد الحميد القاري، وكان أعضاؤها أساتذة ومفكرين ورؤساء مراكز إسلامية، لهم تجربتهم ووعيهم، ودعنا الإخوة في الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف الليل، ورجعنا إلى الفندق في الساعة الثانية.

السفر إلى مدينة: سانفرانسسكو.

الأحد: 11/11/1405هـ.
وفي صباح اليوم الأحد جاءنا الأخ خليل والأخ عبد الرحمن الزير بالقِرى النجدي (التمر والقهوة) إلى الفندق، فجمع الشيخ بينهما، وأصبت أنا من الأول فقط، وجاء الأخ تاج الدين شعيب، وأسرعنا إلى المطار، وكنا قد تأخرنا بسبب سوالف الأخ خليل النجدية، وكان وصولنا عند باب الطائرة وقت قفله، حيث أقلعت بنا الطائرة فور دخولنا من مطار لوس إنجلوس في الساعة العاشرة والربع.
وكانت تطير بنا على الجانب الشرقي للمحيط الهادي متجهة شمالا، وبدت لي من نافذة الطائرة جبال جرداء كجبال الحجاز، وهي جزر صغيرة تحيط بها مياه المحيط من جميع جوانبها، كما بدت بعد ذلك جبال أخرى مكسوة بالغابات تغطي قوافل السحب أجزاء منها، ملامسة قممها.
وهبطت الطائرة في مطار سانفرانسسكو في الساعة الحادية عشرة والربع، فكانت مدة الطيران: ساعة واحدة. وقبل هبوطها حلقت على المدينة فترة من الزمن استمتعنا خلالها بمناظر المدينة الجبلية والبحرية، والغابات والجسور والشوارع ذات التخطيط الجميل.