في مدينة ميامي
في مدينة ميامي
دورة سفر تدريبية..!
اعتدنا من إخواننا الكرام أن يستقبلونا أمام مخرج الركاب من الطائرة عند قدومنا في كل المطارات، حرصا منهم على راحتنا وعدم حاجتنا إلى التفاهم مع الناس، لصعوبة اللغة علينا، وكذلك يودعوننا عند باب الدخول إلى الطائرة عند سفرنا، بل يرافقوننا في بعض الأحيان إلى أن يطمئنوا إلى قعودنا في الطائرة، فكنا مدللين أو "مدلعين" كما يقول الحجازيون الآن، ومعناه في اللغة فيه شيء من المناسبة لأدل، يقال: أدل عليه وثق بمحبته فأفرط عليه، وانبسط، ويقال: طريق دليع أي سهل في مكان حزن، وقد كنا ندل على إخواننا فنتعبهم، وكانوا يسهلون لنا سبل سفرنا في كل مكان نزلنا به.
ولكن الله (وهو الحكيم العليم) كان يهيئ لنا في بعض الأوقات ما فيه خير لنا، وإن كرهنا، حتى نعد أنفسنا للقيام بحل مشكلاتنا إن حدثت، كما حصل لنا في هذا المطار.
فقد خرجنا من الطائرة ودخلنا القاعة وتسلمنا حقائبنا، والتفتنا هنا وهناك لنرى من يستقبلنا، فلم نجد أحداً، ومكثنا قليلاً ثم خرجنا إلى خارج القاعة، فلم نَرَ أحداً، وكان قد حصل لنا في مطار أدمنتن مثل هذه الحالة وانتظرنا هناك كثيراً، أما هنا فلم ننتظر، إذ طلبنا من أول سائق سيارات أجرة، وهو زنجي، أن يوصلنا إلى فندق كبير ممتاز بجانب البحر ـ كنت أحفظ معاني هذه الكلمات ونحوها باللغة الإنجليزية ـ فأوصلنا إلى فندق هلتون، وهو فندق كبير ذو غرف واسعة وتفصيل جميل في غاية من النظافة والأناقة، وغرضنا الأول من فنادق الدرجة الأولى أنها أكثر أمنا من غيرها.
وعندما وصلنا إلى الفندق طلبت من السائق أن ينزل معي إلى موظفي الفندق، وبقي الشيخ في السيارة مع الحقائب حتى نطمئن إلى وجود مكان في الفندق فنزلنا، وأشرت للموظفة أن تفاهمنا باللغة الإنجليزية صعب وكذلك الكتابة، وأشرت لها إلى المعلومات في الجواز، فسجلت ذلك بنفسها، وصعدنا إلى غرفتينا فكانت هذه من الدورات التدريبية الخفيفة النافعة.
لكن ما الذي جرى بعد..؟!
الفندق كبير وغرفه متشابهة، ومن عادتنا أن نطلب في كل فندق ننزل فيه أن تكون غرفتانا متجاورتين، وهكذا طلبنا في هذا الفندق، ولكن لم نحصل هنا على غرفتين متجاورتين، ولكنهما ليستا متباعدتين كثيراً، وهما في صف وأحد في طابق واحد.
وعندما صعدنا حفظ الشيخ رقم غرفتي، أما أنا فلم أنتبه لرقم غرفته، وجاء الشيخ إلى غرفتي وفتح النافذة وقال: النهر قريب منك، أما أنا فإنه بعيد مني، ثم ذهب إلى غرفته وبقيت في غرفتي.
واتصل بي ولد الشيخ، مستفسراً عما جرى من عدم وجود من يستقبلنا في المطار وعن حالنا، وهل الفندق مناسب أو غير مناسب، وكان قد أخذ رقم الهاتف ورقم غرفتي من الأخ نادر الذي كان في بيت الأخ طارق الطويم الذي قيل: إنه هو الذي سيستقبلنا في المطار.
وعندما نزلنا الفندق اتصلت بمنزل الأخ طارق، فوجدت نادراً، فقال: إن الأخ طارقا ذهب إلى المطار لاستقبالكم، فأخبرته أنا نزلنا في فندق هلتون وأعطيته رقم الغرفة والهاتف.
قلت للأخ محمد عمر: نحن بخير والحمد لله، ولم تحصل أي مشكلة وقد تفاهمنا مع الناس بما نحفظ من الكلمات القليلة مع الإشارات، وأخبرته أني نسيت غرفة والده فلم أدر كم رقمها، ولما خرجت أحاول معرفتها اشتبهت علي الغرف، فلم أجرؤ على طرق باب أي غرفة، لأن الناس يخافون من أي طارق غريب عنهم، وبخاصة العربي الذي قد يتهمونه بأنه يريد أن يخرب، وحاولت مع مأمورة السنترال أن تخبرني برقم غرفة صديقي فلم تتفاهم معي. [سبب عدم إخبار موظفي الفندق برقم الغرفة للنزيل يعود إلى ضوابط أمنية عندهم ولكنهم بهذا قد أفزعونا].
واتصل الأخ طارق بعد فترة بمأمورة السنترال طالبا منها رقم تلفون غرفتي ليكلمني فاتصلت بي الموظفة، قائلة: إن رجلا اسمه طارق يريد أن يحدثك في التلفون، فهل تأذن له؟ قلت ـ في لهفة ـ : نعم!
وكنت في أشد الحاجة إليه، فاعتذر الأخ طارق بأنه ذهب إلى المطار، وهو مطار آخر غير المطار الذي نزلنا فيه، في الساعة السادسة ولم يجدنا فقلت له: لا عتب فقد يسر الله لنا، ولكن حاجتي الآن أن أعرف غرفة الشيخ، فاتَّصِل بموظفي الفندق واطلب منهم أن يخبروني بها، فاتصل بمأمورة السنترال وطلب منها أن تخبرنا برقم الغرفة، فطلبت منه لقب الشيخ، فاتصل بي الأخ طارق، وكنا نتحدث نحن الثلاثة أنا وطارق ومأمورة السنترال ومكثنا أكثر من عشر دقائق دون جدوى، فكانت تطلب تهجية لقب "فلاتة" وكنت أذكر الحروف، وما كنت ضابطا لما بعد F أهو A أم O أم U، ولا أدري أي الحروف نطقت فقالت: لا شيء NOTHING، فقلت للأخ طارق دعها، لعل الشيخ يأتي إلي عندما يستبطئ اتصالي به، ولكن الشيخ لم يتصل، وهممت مرة أخرى أن أطرق أبواب الغرف غرفة غُرفة حتى أجده، ثم ساورتني وساوس انزعاج أهل الغرف، وبخاصة إذا لم أستطع التفاهم معهم وقد يتصلون برجال الأمن، لهذا أسلمت أمري لله وبت أضرب أخماساً في أسداس!
وطار نومي وأنا أفكر في الأمر، وأظن الظنون، منها المتفائل بأن الشيخ متعب وغطس في بحر نوم عميق، ومنها أنه لا يريد إزعاجي، بل يريد أن آخذ قسطي من النوم ومنها: أنه ربما يكون مثلي قد نسي رقم الغرفة، وكلنا في الهم سواء. هذه الظنون كلها ظنون سلامة، ويهون الأمر إذا كان واحد منها هو السبب.. ومنها الظنون المتشائمة، كالاختطاف ونحوه..
وفي الساعة الثالثة بعد منتصف الليل، هجم علي النوم بالقوة وأعصابي متوترة، ولكن مع التعب والسهر لم أصح إلا في الساعة السادسة صباحا.
وكنت ـ عادة ـ أصحو لصلاة الفجر إما على جرس الهاتف يرن، وإما على طرق الباب علىّ، والذي يتصل أو يطرق هو الشيخ.
وصليت الفجر بدون اتصال ولا طرق، وزادت همومي وقلت للأخ طارق بالهاتف يجب أن تحضر الآن للبحث عن الشيخ، فإنه لم يتصل بي منذ البارحة، واتصل طارق بمأمورة السنترال مرة أخرى وألح عليها وقال لها: إنهما زميلان وصلا البارحة، فطلبت منه لقب الشيخ مرة أخرى، وأنا أسمع على الهاتف فأخبرها فذكرت لها الحروف، فقالت لا يوجد إلا حرف واحد منها فقط، فزادني هذا الكلام قلقا، فقال الأخ طارق: أنا في الطريق إليكم الآن.
وبينما أنا أناجي ربي وأقلب هواجسي واحدا واحدا، وإذا بالشيخ الكريم يطرق الباب، وخشيت أن يكون الطارق أجنبيا، فقلت: من؟ ولم أسمع ردا، فقلت: هو؟ بلغة القوم، فقال: السلام عليكم.. ففتحت الباب، ونظر إلى الشيخ وأطرق! ونظرت إليه وأطرقت! وقال كل منا للآخر ما الذي جرى؟!
فقلت له: لقد مرت عليّ ليلة لم يمر عليّ مثلها، وأخبرته خبري وأخبرني هو خبره، أما خبري فقد مضى.
وأما خبره فكما يلي: حاول الاتصال بي هاتفيا فكانت ترد عليه فتاة عدة مرات، ومعناه أنه لم يكن متحققاً من كيفية الاتصال بالغرف، لأن ذلك يختلف من فندق لآخر، أو أن مأمورة السنترال تعترضه ليخبرها من يريد؟ وعندما كانت الساعة الحادية عشرة أراد أن يأتيني بنفسه، ولكن باب غرفته تصلب ولم يتمكن من فتحه، لأنه كان مضروبا بدهان جديد ملتصقا التصاقا قويا منعه من الانفتاح، فحاول وفشل ثم نام إلى الصباح، وفي الصباح ماذا فعل؟ سمع حركة خارج الباب فأخذ يطرق الباب من الداخل فجاءت إحدى الموظفات لتفتح الباب فلم تنجح، ثم ذهبت فيما يبدو لرجل الأمن التابع للفندق، فجاء وفتحه بقوة، وبذلك خرج الطير من قفصه، ومتى جاء الشيخ؟! الساعة الثامنة والنصف، بعد أن مضى علينا ما يقارب ثلاثة عشرة ساعة ونصف الساعة.
والفرق بيني وبينه أنه بات مطمئنا أني موجود بغرفتي لا ضرر عليّ، لأن ابنه اتصل به وأخبره أنه اتصل بي، وأما أنا فقد بت في قلق عليه لأني لم أعرف رقم غرفته ولم أدر ما حدث له.
وكنت بدأت قبل أن يغلبني النوم بإنشاء بعض الأبيات في هذا المعنى، وهي:
جولة مع طارق وحسام.
الثلاثاء: 6/11/1405هـ.
في صباح هذا اليوم الثلاثاء جاء إلينا الأخَوان: طارق وحسام إلى الفندق في الساعة الحادية عشرة والنصف، وذهبنا لنتجول في مدينة ميامي، وكانت الأمطار تنهمر من الليل.


والأخ طارق التويم من الكويت، كان في بنسلفانيا من سنة 1981م، وجاء إلى مدينة ميامي منذ سنتين، وهو يدرس الهندسة الكهربائية في مرحلة البكالوريوس، ابتعثته وزارة التربية في الكويت. والأخ حسام المطوع من الكويت أيضا، يدرس الهندسة الصناعية، وهو في السنة الثالثة من مرحلة البكالوريوس.
معلومات عن النشاط الإسلامي في ميامي.
وأخبرانا أن عدد الطلبة المسلمين في جامعة ميامي ستمائة طالب، ثلثهم من ماليزيا.
وعدد سكان مدينة ميامي: المركز: (346900).
وعدد سكان ميامي: بيتش (BEACH): (96300).
ويوجد كثير من المهاجرين الكوبيين الذين فروا من الحكم الشيوعي في كوبا، وبينهم وبين الزنوج في ميامي عداء شديد، وقبل سنة كانت توجد حالة طوارئ لأن الكوبيين قتلوا زنجياً، وتدخل البوليس وحل المشكلة، وسبب العداء أن الكوبيين نشطون في العمل والتجارة بخلاف الزنوج، فدب الحسد بينهم.
تجولنا على الساحل الغربي للمحيط الأطلسي، شرق مدينة ميامي، ثم اتجهنا إلى وسط المدينة.
وقال الأخوان: إننا هنا في حاجة إلى كتب دينية باللغة العربية والإنجليزية، ولدينا مصلى في الجامعة ومصلى آخر قرب سكننا، ونقوم بدرس يوم كل جمعة ونشاطات أخرى أيام الإجازات، كإقامة دورات ومخيمات، وقد أقمنا قبل فترة دورة في السيرة والعقيدة ولكل مصلى نشاط.
وتوجد جمعية ترتب أمور المصليات وتنسق بينها.
ويجتمع أهل المصليات في درس أسبوعي، بقاعة كبيرة نستأجرها من الجامعة، وعندنا مشروع بناء مركز إسلامي، والأرض التي نريد شراءها حول الجامعة، وقيمتها أربعمائة ألف دولار، وسيقوم وفد من المسلمين هنا إلى بعض الدول العربية لجمع التبرعات، وللأمريكان المسلمين السود مسجد يسمى مسجد الأنصار، وعددهم كثير، أما البيض فعددهم قليل، وهم متفرقون في المدينة.
وتوجد أربعة مراكز إسلامية بعيدة عن مكان دراستنا، ونشاطها محدود بصلاة الجمعة، وإقامة دروس يوم السبت ويوم الأحد، وعدد طلاب جامعة ميامي سبعة عشر ألف طالب.
في مصلى طلبة الجامعة.
ذهبنا إلى مصلى الطلبة في الجامعة، وهو عبارة عن شقة صغيرة فيها غرفة للصلاة، ومجلس صغير يباع فيه العصير ويستخدم ربحه في نفقات المسجد، وبه حمام وضوء.
ثم ذهبنا إلى أحد المطاعم المتخصصة في طبخ الأسماك بأنواعها فتغدينا.
في مصلى: المفردون.
ثم ذهبنا إلى مصلى: "المفردون" وهو كذلك شقة استؤجرت للطلبة، يصلون في الطابق السفلي، وفي الطابق العلوي مكتبة صغيرة ومرافق وضوء. وأنشئ هذا المسجد منذ ثلاث سنوات. وقال الإخوة: إنه يوجد هنا أيضا مصلى التوحيد، وقد أنشئ من سنة ونصف السنة تقريبا. ومصلى الهداية أنشأه الطلبة الماليزيون، وله سنتان أو أكثر.
وكل هذه المصليات استأجرها الطلبة المسلمون الساكنون حولها. وعدد المترددين على المصليات، يقدر بعشرين أو خمسة وعشرين في كل مصلى، وكلها تحت إشراف جمعية الطلبة المسلمين. وهذه الجمعية تابعة لاتحاد الطلبة المسلمين، وهي تنسق بين المصليات وتديرها.
وبجانب كل مصلى يوجد عدد من العائلات الإسلامية، قد يصل إلى أحد عشر عائلة، وبعض المسلمين لا يصلون في المساجد ويصلون في بيوتهم.
بين المحيط الأطلسي ومضيق المكسيك.
ثم ذهبنا إلى الجزر الواقعة بين المحيط الأطلسي من الشرق ومضيق المكسيك من الغرب، وهى تقع في جنوب غرب مدينة ميامي في الطريق المؤدي إلى كوبا التي تبعد عن آخر جزيرة من جزر أمريكا بمسافة تسعين ميلا.
وكنا نقف على الجزيرة الصغيرة الضيقة التي يخترقها الطريق فنرى المضيق على يميننا في الجهة الغربية والمحيط الأطلسي على يسارنا في الجهة الشرقية، ثم رجعنا إلى المدينة لأنا كنا على موعد مع الإخوة في مسجد التوحيد.
وكان الجو في خارج المدينة صحوا والشمس ساطعة والمناظر جميلة، أما في المدينة فكان المطر مستمرا طيلة الليلة البارحة ونهار اليوم إلى أن رجعنا وقت صلاة المغرب وهو لا زال هاطلاً.
في مسجد التوحيد.
وجدنا الإخوة في مسجد التوحيد يصلون المغرب فصلينا معهم.
وبعد صلاة المغرب ألقى الشيخ محاضرة قصيرة، لأن الطلبة يرغبون أن يسألوا بعض الأسئلة، وكان عددهم فوق العشرين ودار النقاش حول نشاط الجماعات المختلفة وما عندها من إيجابيات وما عليها من سلبيات، وأن الواجب على الجماعات الإسلامية أن تتعاون فيما تتفق عليه من الحق وأن تحاول كل جماعة أن تكمل نقصها بما يوجد عند غيرها، وأن تتخلى عن ما يظهر لها بطلانه، فالحق أحق أن يتبع. ثم صلينا العشاء ورجعنا إلى الفندق.
يفسد البيئة دعاة حمايتها!
الأربعاء: 7/11/1405هـ.
جاء الإخوة إلينا في الساعة الثانية عشرة والنصف، حاسبنا موظفي الفندق وذهبنا إلى شاطئ البحر (المحيط الأطلسي) الذي يقع الفندق بجانبه، ولم نستطع البقاء للتمتع بجمال منظره لقبح المناظر التي تفسد جمال مخلوقات الله، فقد كان النساء العاريات يسرحن ويمرحن داخل البحر وخارجه، ولا يطيق البقاء مع ذلك العري إلا من عري قلبه عن الإيمان الصادق. لذلك قلت للإخوة: إن الغربيين يدعون بشدة إلى حماية البيئة ماديا، ولكنهم يفسدونها معنويا!
في مسجد الأنصار.
ثم ذهبنا إلى مسجد الأنصار الخاص بالإخوة الزنوج الذي يتولى إمامته ناصر أحمد ولم يكن موجوداً، وإنما وجدنا المؤذن الذي يبدو عليه الصلاح وأثر الإيمان، ويقف بجانب المسجد عدد من الحافلات التي تنقل الطلاب إلى المسجد للدراسة فيه طيلة الأسبوع، ما عدا يومي الإجازة السبت والأحد.
قال لنا الأخ المؤذن: إن عدد المصلين في هذا المسجد مائة وخمسون مسلما تقريبا، وعدد المسلمين السود في هذه المدينة يبلغ أربعة آلاف تقريبا، وكان هذا المبنى كنيسة، واشتريناه قبل عشرين سنة.

وتوجد في الطابق السفلي مدرسة ومكتب، وفي العلوي المسجد، وقال الأخ المؤذن في لهفة وألم وحسرة: إننا نحن المسلمين في هذا البلد أشدّ من اليتامى الذين لا عائل لهم، وإننا في حاجة إلى كتب وإمام عالم يمكث بيننا ويعلمنا ديننا.
وشكا الأخ المؤذن من عدم توافر المدرسين للأولاد، وقال: إننا نتمنى أن يساعدنا الإخوة الطلاب العرب، بتدريس أولادنا في أي يوم وفي أي ساعة يريدون من وقت الدوام، ولو بنصف ساعة في اليوم من الساعة السابعة صباحا إلى الساعة السابعة مساء.. وقد كتبوا إعلانا بذلك على باب المسجد.. وحرضنا الإخوة الطلاب وهم طارق وزملاؤه، على مساعدتهم فوعدوا بذلك.
ولعل الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، أو رابطة العالم الإسلامي، أو غيرهما، من الجهات المسؤولة عن الدعوة، تبعث لمسجد الأنصار هذا في مدينة ميامي، إماما من طلبة العلم الصالحين والحكماء الصابرين، يقوم بإمامة مسجدهم وتعليمهم وتعليم أبنائهم.
مع بعض المبتعثين السعوديين.
ثم ذهبنا إلى منزل الأخ مصطفى محمد سيد سلامة، المبتعث من مصلحة الطيران المدني في المملكة العربية السعودية، هو وعمه جمال محمد سلامة لدراسة الكمبيوتر وإدارة المطارات، وهما في مرحلة الماجستير، تناولنا عندهما طعام الغداء ثم ودعناهم وذهبنا إلى المطار. ومما سمعته من الأخ محمد سلامة، وهو من مدينة جدة أنه قبل أن يأتي إلى الغرب، كان مبهورا بما يسمع عن أمريكا، وأنه كان حريصا كل الحرص على رؤيتها والبقاء فيها، وكان من أفكاره عن أمريكا أنه كان يظن أنه يمكنه أن يضغط على زر آلي فيدخل العلم في دماغه بمجرد ذلك، هذا من كثرة مبالغة الناس في الثناء على أمريكا والغرب، ولكنه عندما رأى أمريكا وما فيها من فساد وانحلال، أصبح لا يرى لها شأنا يذكر، وقال: إننا طفشنا من هذا البلد، يعني مللنا وسنعود إلى بلادنا فور انتهائنا من دراسة الماجستير.
وقلت للأخ محمد: إذا كان الطالب المسلم الملتزم مثلك يشعر بأنه يستفيد في مجال تخصصه، فينبغي أن يصبر حتى يكمل الدكتوراه، لما في ذلك من مصلحة لبلاده، وتستطيع وأنت تعيش هنا أن تؤثر على غيرك من زملائك غير الملتزمين، ولكنه كما قال قد طفش. [وهي عامية في هذا المعنى فيما يبدو].
كفشوني..!
ذهبنا إلى المطار مع الأخوين طارق وحسام، ولحقنا في المطار الأخ مرعي أحمد باهبري، وهو من مدينة جدة، ابتعث من قبل الطيران المدني، قسم مكافحة الحرائق، وكان يلبس ثوبا وكوتا وعمامة وملحفة صغيرة، قد أعفى لحيته ويلهج في مناقشاته بجماعة (الدعوة والتبليغ)، وقد هداه الله على أيديهم.
وسألناه: كيف دخلت في هذه الجماعة؟ فقال: لقد كنت في واد والإسلام في واد آخر، كنت أنا وزملائي ضائعين وكان مجيئنا في سنة 1978م [وهو العام الذي زرت فيه أمريكا الزيارة الأولى] وذات يوم كنت في الشارع أتكلم بالهاتف، فجاءت مجموعة من الجماعة ـ أي جماعة التبليغ ـ ووقفوا عندي وقالوا نريد أن نجلس معك خمس دقائق لنكلمك، فقلت لهم: ليس عندي وقت، وما كنت أريد أن أجلس معهم، ولكنهم ألحوا عليّ فجلست معهم.
وأخذوا يحدثوني وطلبوا مني الخروج معهم، فخرجت معهم ثلاثة أيام، رجعت بعدها إلى زملائي على حالة غير الحالة التي كنت عليها قبل تلك الأيام الثلاثة، فسخروا مني، وقالوا: الشيخ مرعي توفاه الله! استهزاء بي فأطلقوا عليَّ كلمة (الشيخ)، وحكموا علي بالموت لأني رجعت إلى الله! والرجوع إلى الله لا توازيها حياة، ولكنه الضلال.
وقال الأخ مرعي وهو يحكي كيف استطاعوا أن ينتشلوه من حمأة الشر إلى قمة الخير، قال متعجبا: لقد كفشوني! [وهي كلمة عامية، معناها اصطادوني وأسروني] وأخرجوني من الظلمات إلى النور.
وقال الأخ مرعي: إن عددا كبيرا من الفسقة المسلمين، يأخذهم هؤلاء الجماعة من البارات والمراقص إلى المساجد، ويوجد رجل بريطاني أسلم يسمى كارنال أمير الدين، وأصله هندي، وكان قسيسا أسلم على يد الجماعة، وقد أسلم على يده خمسة آلاف في بريطانيا وأمريكا.
وممن يتصيدون المسلمين في البارات: الشيخ راشد الحقان، يدخل البارات والمراقص مع من يترجم له، ويهتدي على يده بعض الفساق فيخرجهم إلى المساجد.
قلت: وإتيان الناس في أماكنهم ودعوتهم إلى الله، هي سنة رسول الله ((صلى الله عليه وسلم))، فقد كان ((صلى الله عليه وسلم)) يغشى الناس في أسواقهم ومنتدياتهم ومخيماتهم ومنازلهم يدعوهم إلى الله.
والذين يقصرون الدعوة على المساجد، يفوتون على أنفسهم وعلى الناس خيرا كثيرا لا يجوز لهم تفويته، فالذي يأتي المسجد رجل مهتد يحتاج إلى التذكير والمزيد من التفقه، ولكن الذي يرتاد البارات والمراقص وغيرها ولا يحضر المسجد، هو الذي تقتضي الضرورة البدء به ودعوته، فليفقه ذلك الدعاة إلى الله.
ولكن إذا علم الدعاة أن بعض الناس ليس عندهم الرغبة في طرق أبوابهم وقصدهم في منازلهم، فينبغي تحين الفرص المناسبة لدعوتهم في خارج بيوتهم، كأماكن العمل.
هذا، وقد وجدت في مذكرة عن مشروع المركز الإسلامي في ميامي أن عدد المسلمين في مدينة ميامي يقدر بعشرة آلاف مسلم، وأن بها ثلاث جامعات وكليتين، وعدة معاهد دراسية يفد إليها كثير من الطلبة المسلمين، وأن أكثر المقيمين من المسلمين في المدينة هم من الباكستان والعرب، ويقدر عدد العائلات بألف عائلة، وأن النشاط الآن محدود في إقامة الصلوات الخمس، وبعض الدروس الإسلامية الأسبوعية والمحاضرات والندوات. ثم ودعنا الإخوة وصعدنا إلى الطائرة، وكان الأخ مرعي جزاه الله خيرا معنا إلى باب الطائرة.
السفر إلى مدينة: لوس إنجلوس.
وكان إقلاع الطائرة من مطار مدينة ميامي إلى لوس إنجلوس، في الساعة السادسة والدقيقة الثامنة بتوقيت ميامي، أي الساعة الثالثة والدقيقة الثامنة بتوقيت لوس إنجلوس.
ولما كانت هذه الرحلة من الرحلات الطويلة، فقد اغتنمت الفرصة في إكمال مذكراتي، وبعد أن فرغت من كتابة ما عندي أخذت ـ كعادتي ـ أطل من النافذة، فكنت أرى بين فينة وأخرى بعض القرى المنتشرة هنا وهناك، وأنهارا صغيرة جارية، وبحيرات صغيرة ومزارع خضراء، وسحبا متراكمة، كالجبال، وتارة متفرقة، وتارة أرى مدنا متوسطة ذات شوارع جميلة وتخطيط بديع.
ثم بدت لي بعد ذلك كله وقد اقتربنا من لوس إنجلوس جبال جرداء شبيهة بجبال الحجاز، ورمال عالية شبيهة برمال الربع الخالي في الجزيرة العربية، تتخللها وديان وواحات، وقد سألت عن هذه الصحراء فقيل لي: إنها صحراء: نيفادا، وهي مستغلة في التدريبات العسكرية، وبها تفجر القنابل النووية الأمريكية.
ومعنى هذا أن أرض أمريكا كلها مستغلة، تزرع بالأشجار والفواكه والحبوب وغيرها من أنواع المزروعات المفيدة، أو بالقنابل والمتفجرات التي يتدرب عليها العسكريون الذين يعدون لليوم الذي ينتظرون فيه الأمر بالاعتداء على الشعوب الضعيفة …! [وهاهم اليوم قد احتلوا أفغانستان والعراق ويهددون العالم باستعمار "احتلال" جديد]
ثم رأيت نهرا طويلا يتلوى في وسط الصحراء، كما يتلوى نهر النيل بين السودان ومصر. ثم هبطت الطائرة في مطار لوس إنجلوس في الساعة الواحدة والدقيقة الخامسة والأربعين بتوقيت ميامي ـ أي بعد منتصف الليل فيها ـ الساعة السابعة والدقيقة الخامسة والأربعين بتوقيت لوس إنجلوس، فكانت مدة الطيران بين مدينة ميامي ومدينة لوس إنجلوس أربع ساعات وسبعا وثلاثين دقيقة.