رحلات الولايات المتحدة الأمريكية

الرحلات | سلسلة في المشارق والمغارب | 25 صفحة
صفحة 17 من 25 في مدينة شيكاغو

في مدينة شيكاغو

في مدينة شيكاغو

كان الشاب في انتظارنا في مطار شيكاغو، قد أسرع إلينا مهرولاً، قائلا: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وعندما رأيته لأول وهلة ظننته صديقي الأخ الدكتور محمد الساداتي الذي هو عضو هيئة تدريس الآن في جامعة الإمام محمد بن سعود
الإسلامية [عرفت الأخ الساداتي سنة 1396هـ في صنعاء عندما كان ملحقاً إعلامياً في السفارة السعودية بصنعاء، وكنت حينها في زيارة لصنعاء في مهمة رسمية مندوبا من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وفي تلك السفرة صورت للجامعة بعض المخطوطات من بعض المكتبات الخاصة، وبخاصة مكتبات بعض علماء بني الأهدل في المراوعة وزبيد]. ولم يكن ظني بعيداً، فقد كان الشاب شقيقاً للدكتور الساداتي، ويدعى: محمد الأمين الشنقيطي وهو مبتعث من جامعة الملك سعود في الرياض للتخصص في دراسة الهندسة الكهربائية، وقد أخذ شهادة الماجستير، وهو الآن في المراحل الأخيرة للدكتوراه، أعانه الله ووفقه.
نقلنا الأخ محمد من المطار إلى منزله، في جنوب غرب مدينة شيكاغو، وتناولنا عنده طعام العشاء، ثم نقلنا إلى فندق: هلتون الذي حجز لنا فيه عن طريق الهاتف.
واتفقنا معه أن يضع لنا منهج زيارة للمراكز الإسلامية، والمساجد ويتصل بالجمعيات الإسلامية فيها ليخبرهم بمواعيد الزيارة.

معلومات عن المسلمين في شيكاغو.

الجمعة: 24/10/1405هـ.
جاءنا الأخ محمد الأمين الشنقيطي صباح هذا اليوم الجمعة في الفندق وطلبنا منه أن يعطينا بعض المعلومات عن المسلمين في شيكاغو.
والأخ محمد الأمين بن سيدات الشنقيطي، ولد في المدينة المنورة في سنة 1367هـ أي أن عمره الآن ثمانية وثلاثون عاماً، ودرس الابتدائية ومعهد المعلمين في المدينة، وبقية دراسته في جدة سنة واحدة، وفي الرياض ثمان سنوات، وابتعث بعد ذلك لدراسة الهندسة الكهربائية، وله في أمريكا ما يقارب تسع سنوات هو وأسرته الآن في شيكاغو، يساعد في الدعوة إلى الله مع رابطة الشباب المسلم العربي.
قال الأخ محمد: المراكز الموجودة في شيكاغو:
1- مركز مؤسسة الجامع: وقد اكتمل بناؤه في بداية عام 1982م. قامت بإنشائه مجموعة من الجالية الإسلامية كان يرأسها الدكتور علي مشعل، وللمركز مجلس إداري يتكون من تسعة وعشرين شخصا، وتنبثق عنه لجنة تنفيذية يرأسها رئيس المؤسسة، وهو الآن الدكتور بسام جودة فلسطيني.
وعدد الأعضاء المشتركين في المركز ستمائة عضو تقريبا، أغلبهم عرب، وأكثرهم من فلسطين وسوريا، ومن نشاطات المركز مدرسة الأطفال يوم الأحد لمدة ثلاث ساعات، وأخرى يوم السبت ومدتها خمس ساعات، ويقومون بدورة قوية في الصيف للأولاد، مدتها شهر أو شهران، والهدف منها تعليم اللغة العربية والدين الإسلامي.
وتقام فيه الصلوات الخمس، قد يقل المصلون وقد يكثرون، وتقام فيه صلاة الجمعة، ويتم فيه لقاء كل ثاني سبت من الشهر الإفرنجي لمدة أربع ساعات، تدرس فيه موضوعات متنوعة، وهي مجدولة لمدة سنة: موادها: القرآن والتفسير والحديث والفقه، والحركات الهدامة، وأخبار العالم الإسلامي ومقابلة مع ضيف، ويشرف على النشاطات الدينية الآن محمد سعيد عبد اللطيف، وهو إمام المسجد حاليا والمدير الإداري له.
وتقام فيه خمسة دروس في الأسبوع: التفسير، يشرف عليه أحد السوريين، وهو طبيب يسمى: ماهر حمامي وقواعد اللغة العربية ويشرف عليه الدكتور علاء الدين خروفة، وهو عراقي ويقوم بإلقاء دروس في الفقه، وتخصصه في الشريعة، والشيخ جمال محمد سعيد عبد اللطيف يلقي دروسا في التفسير قبل صلاة الجمعة، ودرسا في العقيدة والسيرة كل يوم جمعة مساء في زاد المعاد والعقيدة الطحاوية وتلاوة القرآن الكريم.
ويلقي الشيخ محمد نور السوداني درسا في السيرة والعقيدة باللغة الإنجليزية لغير العرب كل يوم خميس، ويشرف المركز على تجهيز الموتى المسلمين والصلاة عليهم ودفنهم.
وقد اشترى المقبرةَ الأميرُ سلطان بن عبد العزيز، وللمركز صلة طيبة بالجماعات الأخرى في البلد، وينوب الأخ محمد الأمين الشنقيطي عن الإمام إذا غاب في بعض الأوقات ويشرف على حلقة تحفيظ القرآن الكريم، وقد حفظ الحاضرون من سورة الإسراء إلى آخر سورة النمل وهم يحيون الليل بالقيام، وعددهم خمسة وهم المداومون، وتوجد لجنة نسائية في المسجد لهن لقاء كل يوم أحد في أيام المدارس، و لهن لقاء شهري، وهن يقمن بكل نشاطاتهن.
ومن مشروعات المركز إنشاء مدرسة كاملة لأبناء المسلمين، وقد جمعت بعض التبرعات من الكويت لهذا المشروع، وفكروا أن يبدأ الاتحاد بالروضة، ولكن وقفت أمامهم بعض العقبات في إيجاد المرافق التي تمكنهم من أخذ الإذن من الحكومة.
(عندما وصلت في الكتابة إلى هنا جاء أخَوان من الإمارات العربية المتحدة وفلسطين، ليصطحباني إلى مركز الجالية الإسلامية الذي يقع على شارع كدزي مع تقاطع شارع نورث أفني، لأقوم بخطبة الجمعة والصلاة بالناس هناك. أما الشيخ فقد تقرر أن يذهب مع الأخ محمد الأمين ليقوم بخطبة الجمعة والصلاة في مركز مؤسسة الجامع).
في الساعة الواحدة والربع أذن لصلاة الجمعة وقد استغرقت الصلاة والخطبة أربعين دقيقة وهو الوقت الذي حدده لي الإخوة، لأن الحاضرين عندهم أعمال يأخذون إجازة محددة للصلاة ثم يعودون لأعمالهم، وبعد الصلاة ألقى بعض الإخوة أسئلتهم وأجيبوا عنها وكان المسجد مملوءا بالمصلين.

معلومات عن مركز الجالية الإسلامية في الواقع على شارع كدزي.

ثم التقيت الأخ إسماعيل جميل صالح القدسي في مكتب المسجد وهو من سكان بيت المقدس، وله في هذا البلد أربعة عشر عاما، وعنده أربعة أولاد عند أمهم في القدس، وله ولدان عند أمهم هنا، ويحمد الله أن زوجتيه عربيتان مسلمتان، لأن الذين تزوجوا بالنصرانيات ضاع كثير من أولادهم، وقال: إنه يذهب مرات لزيارة أهله في القدس.
وقال: إنه قادر على إخراج أهله من فلسطين وإسكانهم عنده في شيكاغو، ولكن الذي يهمهم أن لا يتخلوا عن بلادهم لليهود، والذي يخرج أسرته كلها إلى خارج فلسطين ينسى فلسطين، بخلاف الذي يبقى مرتبطاً بأسرته ودياره فيها، ويعمل الأخ إسماعيل سائق حافلة ومدرب سائقين في وزارة المواصلات.
وهو رجل يظهر عليه حب دينه وحب الصالحين، وقد ألح علينا أن نزوره في بيته ولكن الوقت ضيق فاعتذرنا له.

وقد ذكر لي الأخ إسماعيل بعض المعلومات عن مركز الجالية هذا فقال:

بدأ المركز في سنة 1969م والذين قاموا بإنشائه هم من المسلمين الباكستانيين والهنود ـ هكذا لا يستقر المسلمون الباكستانيون والهنود في مكان إلا أقاموا به مركزاً أو مسجداً ـ وهو مفتوح لكل المسلمين وكل النشاطات الإسلامية، ومن أهم أهدافه تجميع المسلمين ليكون لهم ثقل في هذا البلد، يمكنهم من أداء ما شرعه الله لهم.
ومن نشاطات المركز:
1- الدعوة إلى الله بين المسلمين وغيرهم.
2- توجد به مدرسة أسبوعية من الاثنين إلى الخميس بعد الدوام الرسمي للبلد، من الساعة السادسة مساء إلى الساعة الثامنة في الأيام العادية، وفي أيام الإجازة تكون الدراسة أسبوعية كل يوم أحد من الساعة العاشرة صباحا إلى الساعة الخامسة مساء.
ويكون للأولاد اجتماع لتعليم القرآن والحديث وقصص الصحابة ويحضر آباء الأولاد معهم، فيكون للكبار أيضا اجتماع عام والمنهج كما يلي:
- تعليم بعض أمور الدين.
- تفسير موضوع عام يهم المسلمين.
- تفسير آيات من القرآن الكريم، ثم صلاة الظهر والانصراف.
- نشاط رياضي للشباب، وإقامة مخيمات وكشافة ورحلات صيفية، والمسجد مفتوح يوميا من الساعة الثانية عشرة قبل الظهر إلى ما بعد صلاة العشاء.
وتوجد به قاعة للنشاط، يسمح لكل الجماعات الإسلامية أن يزاولوا نشاطهم الإسلامي فيها مجاناً. وتؤجر للمسلمين في بعض المناسبات والحفلات، بشرط عدم عمل شيء يخالف الإسلام فيها. وتتكون إدارة المركز من اللجنة التنفيذية، وعددهم أحد عشر عضوا، بما فيهم الرئيس، وتتفرع عنها أقسام أخرى حسب النشاطات، كل نشاط له مسؤول خاص.
وللمركز استمارة اشتراكات لمن يريد الانضمام والتمتع بالعضوية، وليس الهدف هو جمع المال ـ وان كان المركز في حاجة إليه ـ ولكن الهدف الأول معرفة عدد المشتركين فيه، ليسعى في تحقيق خدماتهم حسب الاستطاعة.
وأعضاء المركز المسجلون فيه قليلون جدا بالنسبة لعدد المسلمين، فلا يتجاوز عدد الأعضاء الثابتين أربعمائة مشترك، مع أن عدد المسلمين يتراوح ما بين سبعين وثمانين ألفا في هذه المدينة من جنسيات مختلفة.
وقد يكون بعضهم مشتركا في مركز آخر، لتباعد مساكنهم ويرأس اللجنة التنفيذية ـ التي هي الجهة الأولى المسؤولة فيه ـ الدكتور أخطر حسين جاليا، وهذا المركز أحد المراكز الموجودة في أمريكا الشمالية التي يشرف عليها الاتحاد الإسلامي، ومركزه في مدينة إنديانا بولس الذي يشرف على الوقف الإسلامي والمراكز الإسلامية في أمريكا الشمالية.

الكلية الأمريكية الإسلامية.

ثم ذهبنا بعد ذلك لزيارة الكلية الأمريكية الإسلامية التي يشرف عليها الدكتور أحمد صقر المصري الأصل، الذي كان من مسؤولي اتحاد الطلبة المسلمين، ثم كان مديرا لمكتب رابطة العالم الإسلامي في نيويورك: وكنا قد التقيناه في نفس هذا المكتب سنة 1398هـ كما التقيناه هذا العام في كندا، واتفقنا على أن نزور الكلية عندما نصل إلى مدينة شيكاغو.
وصلنا إلى الكلية في الساعة الرابعة مساء، وكان في استقبالنا الدكتور العراقي سلمان حسن العاني الأستاذ بجامعة بلمنتون في إنديانا بولس.
وقد جاء إلى هذه الكلية للمشاركة في الدورة الصيفية التي تقيمها الكلية لبعض الطلبة الأمريكان، وهي دورة مكثفة (أي ذات مناهج قوية في وقت محدود) في اللغة العربية والثقافة الإسلامية. وكان الدكتور أحمد صقر غائبا لأمر طارئ، وهو تجهيز أحد الموتى المسلمين من باكستان.
قال الدكتور سلمان: إنه درَّس في الكلية في الفصل الماضي وحصل تفكير في هذه الدورة، وأعلن عنها في الجرائد والمنظمات الأمريكية الإسلامية، وكان عدد الطلبة المتقدمين سبعين ومائتي طالب ولكن الإمكانات محدودة، فقررت الكلية قبول عدد يتراوح ما بين مائة وعشرين، ومائة وخمسين.
ومعظم الذين قبلوا ليس عندهم خبرة باللغة العربية ولا بالإسلام، ولذلك بدئ في تعليمهم من: من حروف الهجاء ا.. ب، وقسموا أربع مجموعات، بعد امتحانهم، على حسب مستوياتهم، وتلقى عليهم محاضرة عامة في الصباح عن الثقافة الإسلامية، ثم محاضرة في النحو وعلم اللغة، ثم يقسمون أربعة فصول، لكل فصل مدرس، ويكون الدرس حوارا أو محادثة، وقراءة وكتابة وتجويدا وتفسيرا، والمنهج ناجح إلى حد ما.
ويرى الدكتور سلمان أن هذه الدورة لا تكفي ولو تكررت، ولكنها وسيلة إلى ما هو أنفع، لو أمكن، وهو أن يختار منهم عدد بعد امتحانهم، ليلتحقوا بالجامعة الإسلامية، أو جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، أو غيرهما من الجامعات العربية، ليتمكنوا من التعلم الذي يؤهلهم للقيام بالتدريس والدعوة بعد تخرجهم، ولعل الدورة تكرر في السنة أربع مرات.
والدكتور سلمان هو مدير الدورة الحالية، وهو يدرس في هذا الحقل من سنة 1960م، وكان يدرس أولا في معهد الدراسات الإسلامية في كندا بمدينة مونتريال، لمدة سبع سنوات، وهو الآن أستاذ علم اللغة العربية في جامعة إنديانا بولس في " بلمنتون " وقال: إن برامج الجامعات الأمريكية في تعليم اللغة العربية والإسلام فاشلة، ونحن في حرب مع المستشرقين، ولا بد من الصمود في هذا المجال على الرغم من تلك الحرب.
ولا شك أن وجود كلية إسلامية في هذا البلد، يعتبر ضرورة والأساتذة في الكلية يجب أن يكونوا مستقرين.
والدراسات تفتح الباب لمزيد من الفائدة.
وهنا ذكر الشيخ ما تقوم به الجامعة الإسلامية، من دورات لتعليم اللغة العربية والدراسات الإسلامية في بعض البلدان الإسلامية وفائدة ذلك، كما هو الحال في كل من إفريقيا، كنيجيريا والسنغال، وآسيا كباكستان، وبنغلادش، والدورة التي تقام للمهاجرين الأفغان في بيشاور، وهي تقام لمدرسي اللغة العربية والدراسات الإسلامية، وهذا ما يمكن أن يفعل في أمريكا الشمالية، فإن إعداد المدرسين في هذه الدورات أجدى من إقامتها للمبتدئين، لأن أثر الدورة على المدرس ينعكس على الطالب.
وقال الدكتور سلمان: إن الدورة التي تقام في الصيف في هذه الكلية دورة مكثفة، يعتبر اليوم فيها بمنزلة الأسبوع، والأسبوع بمنزلة الشهر والشهر بمنزلة السنة الدراسية، ويحفظ الدارسون بعض السور القصيرة، ويتعلمون كيفية النطق والكتابة.
وأيد الدكتور سلمان اقتراح أن تكون الدورة لمدرسي اللغة العربية والثقافة الإسلامية، وقال: إن هذا ممتاز جدا.
وحضر هذا الاجتماع الدكتور جمال محمد عبد العليم مرسي الأستاذ في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض، وهو يشارك في إقامة الدورة في الكلية، كما حضره الأستاذ برهان الماضي وهو مسؤول إداري في الكلية.
وتطرق الحديث لضرورة إنشاء مدارس للصغار الذين يضيعون في خضم المجتمع الأمريكي وأوضاعه الاجتماعية، بسبب استمرارهم في الدراسة الرسمية طيلة أيام الأسبوع، مختلطين بزملاء أمريكيين، ويوجههم أساتذة على ضوء المنهج الأمريكي، وهو ـ في الغالب ـ يخالف دينهم وأخلاقهم، وبذلك يتأثرون بسرعة بأخلاق الغرب وعقيدته، وقلما ينجو من ذلك أحد إلا من شاء الله، وإنشاء الكلية لا بد منه لمتابعة تدريس النشء.
كما تطرق الحديث للحاجة إلى دعم هذه المشروعات، من قبل القادرين من المسلمين على مستوى الحكومات والشعوب، وأن الواجب على أثرياء المسلمين أن يؤدوا واجبهم في هذا المجال، ولا ينتظروا أن يأتي ذلك من قبل الدول فقط، فإن بعض الدول ليس عندها استعداد لدعم المشروعات الإسلامية، والدول التي عندها استعداد لدعم هذه المشروعات، لا يمكن أن تدعم كل المشروعات، كما أن دخول بعض الدول في بعض المشروعات الإسلامية يسبب حساسيات ومشكلات تفرق كلمة المسلمين.
وانضم إلى الاجتماع الدكتور وحيد فخري عميد الكلية الذي لم يتمكن من مواصلة الاجتماع، لأن عنده اجتماعات أخرى لمصلحة الكلية.
وبعد أن استأذنا وخرجنا من باب الكلية مودعين الإخوة الذين تم الاجتماع معهم، جاء الدكتور أحمد صقر، فرحب بنا واعتذر لعدم استطاعته انتظارنا، لأنه اضطر أن يذهب لتجهيز أحد المسلمين الذي توفي كما سبق.
ولكنه ألح علينا بأن نزور بعض مرافق الكلية، كالمسجد وقاعة الاجتماعات والفصول الدراسية والمكتبة وغيرها، ولا زالوا يهيئون الكلية ببعض تعديلات في غرفها، ويرممونها، وكانت تابعة في الأصل لإحدى الكنائس، وقد أزالوا بعض الصور ذات الطابع الكنسي من واجهات الكلية بإذن من الكنيسة والبلدية بعد مشقة، لأنهم كانوا يريدون الحفاظ على طابعها الكنسي كاملا، وقد زرنا تلك المرافق على عجل لأنا قد كنا على موعد مع المسؤولين عن بعض المراكز الإسلامية.

معلومات عن الكلية:

مكان الكلية: مدينة شيكاغو، في ولاية: إلينوي لمركزها الجغرافي، والديموغرافي، والثقافي، ولكونها عاصمة الحركة الإسلامية، والحركة السوداء في الولايات المتحدة الأمريكية.

الأهداف التي دعت إلى إنشاء الكلية:

1- العمل على تقدم الإسلام في معهد أمريكي إسلامي، يشرف عليه أكاديميون مسلمون، ويدرس فيها أكاديميون مسلمون، ليتعلم الطالب الأمريكي الدين الإسلامي، عقيدة وشريعة وعبادة وأخلاقا ومعاملات وثقافة وحضارة.
2- ربط الطالب الأمريكي المسلم بدينه وأمته، في العالم العربي والإسلامي، ومساعدته على تقديم الخير لنفسه ولأمته والإنسانية جمعاء.
3- تخريج عدد من المعلمين المؤهلين والمخولين، حسب أنظمة ومناهج الولايات المتحدة الأمريكية، للتدريس في المدارس الأمريكية، الابتدائية والثانوية، الخاصة منها والعامة في المجالات الآتية: الإسلام، الحضارة الإسلامية، اللغة العربية، وذلك لافتقار تلك المدارس الأمريكية لمدرسين في هذه المجالات الخاصة.
4- التدريب على البحث العلمي والاستقصاء الجاد المجرد، لمعرفة الإسلام من أهله، أصولا وفروعا وتاريخا، ودراسة أحوال المسلمين: ماضيا وحاضرا ومستقبلا.
5- مساعدة المتفوقين من الطلبة على متابعة دراستهم العليا للتخصص في المجالات العامة والخاصة، لكي يصبحوا أساتذة الفكر الإسلامي الحديث، وقادة العمل الإسلامي في آن وأحد.
6- توطيد العلاقات بين الشعب الأمريكي والمسلمين في البلاد العربية والإسلامية، من خلال العلم والمعرفة واستقصاء الحقيقة، وذلك لأن الحق أحق أن يتبع.

أقسام الكلية:

وتحتوي الكلية على معهدين علميين، وهما:
1- معهد الآداب والعلوم، ويشمل ثلاثة أقسام:
قسم الدراسات الإسلامية، وقسم الدراسات العربية، وقسم الدراسات الإنجليزية.
2- ومعهد التربية والتعليم، ويشمل:
قسم التربية والتعليم، وقسم التربية والتعليم المزدوج اللغات، ولكل قسم من هذه الأقسام منهجه ومواده المقررة.

مكتبة الكلية:

وتلحق بالكلية: المكتبة الإسلامية، وتحتوي على مجموعة طيبة من الكتب الخاصة بالدراسات الإسلامية واللغة العربية، وهي في حاجة إلى تغذيتها بالمراجع المهمة من قبل المؤسسات الإسلامية والجامعات. ويتبعها:
1- مختبر لغات كامل.
2- مسجد للطلبة وللجالية الإسلامية.
3- قاعة محاضرات.
4- مبنى لسكنى الطلبة وآخر لسكنى الطالبات.
وللمسؤولين في الكلية آمال في مشاريع جديدة مفيدة.

إدارة الكلية:

تتألف إدارة الكلية من مجموعتين:
أولا: مجلس الأمناء.
ويتألف من الأعضاء الآتية أسماؤهم:
1- معالي السيد شريف الدين بيرزادة، رئيس منظمة المؤتمر الإسلامي.
2- معالي السفير السيد عباس الغزاوي، رئيس صندوق التضامن الإسلامي في جدة.
3- معالي الدكتور عز الدين إبراهيم، المستشار الثقافي للديوان الأميري في أبو ظبي.
4- معالي الدكتور عبد الله التركي مدير جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
5- معالي الدكتور عبد الله بن عمر نصيف، الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي.
6- معالي الدكتور أحمد محمد علي، رئيس البنك الإسلامي للتنمية جدة.
7- معالي الدكتور محمد عبده يماني، وزير الإعلام السعودي سابقا.
8- معالي الدكتور يعقوب الغنيم، وزير التعليم العالي ـ الكويت.
9- معالي الأستاذ دفع الله الحاج يوسف، رئيس القضاء الأعلى الخرطوم ـ السودان.
10- سعادة الدكتور كمال ناجي، المستشار الثقافي للعلاقات الخارجية لوزارة التربية والتعليم في قطر.
11- الدكتور توماس أرفنج، أستاذ الدراسات اللغوية في سدر رأبدس ـ أيوا.
12- الدكتور جون مرنكوف، طبيب أخصائي بالأمراض التشريحية ويعمل في أحد مستشفيات شيكاغو.
13- الدكتور أكبر محمد، أستاذ الدراسات الإفريقية والأمريكية في جامعة نيويورك.
14- الأستاذ نصيف محمود، محامي في مدينة شيكاغو.
15- السيد جابر محمد ـ ‎تاجر أمريكي مسلم في مدينة شيكاغو.
16- الدكتور راجي رموني ـ أستاذ الدراسات العربية في جامعة ميتشغان ـ أن آربر ـ ميتشغان.
17- الدكتور إسماعيل الفاروقي، أستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة تامبل ـ فيلادلفيا.

ثانيا: الجهاز الإداري:

ويتألف من الأشخاص الآتية أسماؤهم:
1- رئيس الكلية: الدكتور إسماعيل الفاروقي.
2- نائب الرئيس: الدكتور أحمد حسن صقر.
3- عميد كلية الآداب والعلوم: الدكتور توماس أرفنج.
4- عميد كلية التربية والتعليم: الدكتور وحيد فخري.
5- عميد شؤون الطلاب: الدكتور عثمان أحمد.
6- مدير البرامج الإنجليزية: الدكتورة أفلن أرفنج.
وقد نصت النشرة على أصناف الطلبة الذين يستحقون الدراسة كما يلي:
1- الطالب الأمريكي الذكي المتفوق في دراسته.
2- الطالب الفقير والمسكين والمحتاج.
3- الطلبة المؤلفة قلوبهم.
4- أي طالب من بلد آخر إذا كان مستحقا للمساعدة.
وتقتصر المنح الدراسية في الكلية على الدراسات العربية والإسلامية، لأن الحاجة إليها ماسة بخلاف غيرها.
والكلية تقبل أي نوع من أنواع التبرعات: نقدا أو وقفا عينيا أو تذاكر سفر أو ملبوسات أو ضمان صحي أو تكافلاً اجتماعياً أو غيره.

رأي شخصي للكاتب:

مما لا شك فيه أن أي عمل من الأعمال أو أي مشروع من المشروعات التي يعود بالفائدة على الإسلام والمسلمين، مطلوب في أي بلد من البلدان، وبخاصة في بلدان الغرب التي يسيطر فيها الكفر ومبادئه، والمسلمون فيه قلة في عددهم وضعفاء في إمكاناتهم.
وهذه الكلية من المشروعات المهمة التي نتمنى لها التوفيق والنجاح، وندعو منظمة المؤتمر الإسلامي التي كان لها فضل كبير في إنشائها إلى مزيد من دعمها، كما ندعو أهل الغنى أن يسهموا في إرسائها، وندعو الجامعات الإسلامية ووزارات الأوقاف والمؤسسات الإسلامية إلي مدها بالمراجع الإسلامية وكل شيء فيه عون لها.
ولكن مع ذلك فإني أوجه نصيحة إلى المسؤولين عن الكلية والعاملين فيها أن ينشئوا ببعض أجنحتها، وهي كثيرة وواسعة فيما رأيت مدرسة لأولاد المسلمين تتدرج من الابتدائية إلى الثانوية.
وأسند هذا الاقتراح بالأسباب الآتية:
السبب الأول: أن الأطفال الصغار أولى بالاهتمام من غيرهم، لأنهم أشد تأثرا من غيرهم من الكبار، والمجتمع كله ضد التربية الإسلامية.
السبب الثاني: أن آباءهم مشغولون عن تربيتهم بالكدح من أجل لقمة عيشهم، ولو فرض أن عند بعضهم وقتا يمكنه أن يجتمع فيه بأولاده فأغلب المسلمين جهال بدينهم.
السبب الثالث: لا توجد مدارس خاصة كاملة، وإنما سويعات في بعض أيام الإجازة في بعض المساجد، ولمن يهتم به أهله يدرس شيئا يسيرا تمحوه دراسته الرسمية خمسة أيام.
السبب الرابع: أن مستقبل الكلية في أن يكون لها معين لا ينضب من الدارسين الذين تربوا من صغرهم على الإسلام وحفظوا العلوم الإسلامية، والكبار يصعب عليهم أن يتمكنوا من ذلك.
السبب الخامس: أن هذه هي الوسيلة التي يمكن أن تنهض بها الكلية، لأن هؤلاء الصغار يمكن أن يختار منهم المتقدمون في الذكاء، إذا بلغوا السن المناسبة على منح دراسية في الجامعات الإسلامية، ويعودوا مدرسين في الكلية، أرجو أن يدرس اقتراحي هذا بعناية فإني لم أسجله إلا بعد تفكير طويل وخبرة من جولاتي العالمية.

مركز وسط المدينة في شيكاغو:

كنا على موعد مع المسؤولين في هذا المركز، فذهبنا إليه بعد زيارة الكلية الأمريكية الإسلامية، وكان في انتظارنا الأخ رمضان الضميري الذي جاء إلى هذا البلد سنة 1970م وقال: إن الأفراد الذين يقومون بشؤون هذا المركز هم متبرعون ولا يوجد له متفرغ، وهو يشمل طابقا وأحدا من المبنى استأجرناه، وكان أولا عبارة عن غرفة صغيرة، ومر بمراحل حتى وصل إلى هذه الحال.
وعدد المصلين به يوم الجمعة مائة وستون مسلما، وفي بقية الأوقات يكثرون ويقلون، ويصلون جماعات وأفرادا، لكونهم موظفين، يأتون إليه حسب ظروفهم، وهو قريب من كثير من الموظفين المسلمين، لأنه في وسط المدينة، وليس له إمام راتب، ومن حضر أم المصلين تبرعا، وكل الإخوة من أعضاء المركز يسهمون في خدمته.
ونعتزم القيام ببناء مركز دائم ولدينا مبلغ من المال ولكنه لا يكفي للمشروع، وإيجار المركز الحالي ألف وخمسمائة دولار شهريا.
وكان الشيخ رائد شحاذة الذي تخرج من الجامعة الإسلامية بالمدينة يقوم بإمامة المسجد ويعطي راتبا من الجالية، ولكنه تركه وذهب يتجر، لأن الراتب الذي كان يعطاه لا يكفيه.
وللمركز مجلس إدارة يتكون من عشرة أفراد، ولجنة تنفيذية تتكون من خمسة، وعدد أعضاء هذا المركز مائتا عضو فقط على الرغم من كثرة المسلمين.
ومما يقوم به المركز:
1- جمع التبرعات للمجاهدين الأفغان.
2- نشرة دورية عن أخبار أفغانستان، وله فروع في أمريكا وكندا تجمع التبرعات.
3- ومن نشاط المركز القيام بنشر الدعوة حسب قدرته، يقوم بذلك عدد من الإخوة، منهم واحد من البلاليين، وهو يقوم بزيارة السجون، وتوزيع منشورات عن الإسلام في وسط البلد.
وكان المركز يقوم بمساعدة الفلسطينيين واللبنانيين.
ومثل هذا المركز ينبغي أن تساعده المؤسسات الإسلامية بإمام متعلم صالح ومراجع إسلامية، ليتفرغ هذا الإمام للإمامة والخطابة والدعوة، وبخاصة أن المركز في وسط المدينة، وعلى أهل الخير مساعدتهم في بنائه.

المركز الإسلامي الثقافي اليوغسلافي.

السبت: 25/10/1405هـ.
في هذا اليوم السبت قمنا بزيارة المركز الإسلامي الثقافي لليوغسلاف، مع الأخ محمد الأمين الذي رافقنا في كل زياراتنا جزاه الله خيرا.
ويقع المركز في شمال غرب مدينة شيكاغو، وإمام مسجده هو الأستاذ مصطفى إبراهيم شَرَكْ الذي تخرج في كلية اللغة العربية بالجامعة الأزهرية سنة 1978م، وقد وصلنا إلى المركز في الساعة العاشرة صباحا.
سألْنا الأخ مصطفى عن الزمن الذي بدأ فيه اليوغسلاف الهجرة إلى هذا البلد، فقال: لا نعرف بالضبط متى كانت أو ل هجرتهم.
ولكن تشير بعض التحريات إلى أن الفوج الأول هاجر إلى هذا البلد سنة 1905م. والسبب وراء هذه الهجرة اقتصادي، أي كان لأجل العمل لكسب الرزق.
وهذا الفوج انقرض، وأغلبهم لم يتزوجوا، وبذلك لا يكون لهم عقب، وعددهم يتراوح ما بين سبعين ومائة شخص. [قد يكون تزوجوا مسيحيات، وذاب أولادهم في البيئة المسيحية، كما حصل لكثير من المسلمين في كثير من البلدان غير الإسلامية، كحال الأفغان في أستراليا].
والفوج الثاني جاء بعد الحرب العالمية الثانية، وكانوا كثيرين، منهم من جاء للكسب، ومنهم من جاء بدافع الأوضاع السياسية في بلاده، ونسمي هذا الفوج الذي جاء للكسب بالعمال المؤقتين.
والإمام كامل الذي كان قبلي، وهو متخرج في الأزهر، حاول تنظيم مسلمي يوغسلافيا، ويوجد الآن أكثر من ألف يوغسلافي في شيكاغو خاصة، ويزيد عددهم في أمريكا كلها على عشرة آلاف.
وقد اجتمعوا واشتروا مبنى لممارسة نشاطهم في سنة 1954م، وجمعيتهم أسست سنة 1906م، والمركز الذي أنشئوه يقع في شارع هالستد.
وفي سنة 1973م اشتروا قطعة أرض في نورث بروك لبناء مركز إسلامي في مكان يحيط به المسلمون الأفغان.
وقد وضع حجر الأساس له في سنة 1974م، وتم بناء المرحلة الأولى منه في سنة 1976م، وهي تشمل ما يأتي:
1- ستة فصول للدارسة.
2- المكتبة.
3- المكاتب الإدارية.
4- حضانة للأطفال.
5- قاعة كبرى لإلقاء المحاضرات.
6- قاعة لإعداد الطعام.
7- المرافق الصحية.
وقد حصلوا على رخصة لبناء المسجد من المجلس المحلي بنورث بروك سنة 1984م، وقد وضع حجر الأساس في نفس السنة بمناسبة حلول عيد الفطر المبارك لبناء المرحلة الثانية، وقدرت تكلفة المشروع كله بمبلغ مليون وثلاثمائة ألف دولار، أسهم أعضاء الجالية فيه بمبلغ سبعمائة ألف دولار، وأسهمت بعض المؤسسات في كل من المملكة العربية السعودية والكويت وليبيا بمبلغ ثلاثمائة ألف دولار، ولا زال المشروع في حاجة إلى مبلغ ثلاثمائة ألف دولار.

أهداف المركز:

وتتلخص أهداف المركز فيما يلي:
1-الحفاظ على الإسلام والمسلمين المهاجرين في الولايات المتحدة الأمريكية.
2-تعميق الحضارة الإسلامية والعربية بين الشعب الأمريكي.
3-نشر القيم الإسلامية بين أبناء الجاليات الإسلامية، وخاصة الذين ولدوا على هذه الأرض.
4-توثيق العلاقات الدينية والثقافية بين البلدان الإسلامية والعربية ومسلمي الولايات المتحدة الأمريكية.
5-نشر الأخبار والكتب باللغتين العربية والإنجليزية.
6-تعميق المودة والأخوة بين المسلمين من مختلف الجنسيات.
ومن نشاطات المركز التي يقوم بها:
1-تقديم دروس اللغة العربية للصغار والكبار.
2-تأدية الصلوات كما فرضها الله.
3-إلقاء محاضرات إسلامية يوم الأحد من كل أسبوع، وفي المناسبات المختلفة.
4-نشر الدعوة الإسلامية بين الجاليات المختلفة من المسلمين في الولايات المتحدة الأمريكية.
5-تصحيح الفهم عن الدين الإسلامي، ودحض الافتراءات التي تثار ضده.
وللمركز لائحة تنظيمية.
والأصل فيه أن الإشراف الإداري لجميع المسلمين بدون نظر إلى قومية، ولكن لما كان معظم الأعضاء من يوغسلافيا، واللغة المشتركة من أهم مفاتيح التجاوب، وتعتبر من الحواجز بين من لا يشتركون فيها، ولوجود عدد كثير من المراكز الإسلامية التي يتجمع فيها أهل كل لغة على حدة كالعرب والهنود والباكستانيين، فقد أصبح هذا المركز في يد اليوغسلاف، وكان يشترك في إدارته بعض العرب وبعض الأتراك، ولكن العرب انسحبوا إلى المسجد الذي يتحدث أغلب رواده باللغة العربية.
ويشترط في إمام هذا المركز أن يجيد اللغة اليوغسلافية واللغة العربية واللغة الإنجليزية.
ومركزنا هذا هو المركز الوحيد الذي توجد فيه كل الجنسيات الإسلامية: من فلسطين، ومصر والأردن وتركيا وبلغاريا وأمريكا وإيران وأفغانستان.
أما مصادر ميزانية المركز لبنائه، فإن أغلبها من الأعضاء وقد أسهم الملك فيصل رحمه الله فيه بمائتي ألف دولار.
وأسهمت الكويت وليبيا ببعض المبالغ، وتبرعت رابطة العالم الإسلامي بخمسة وعشرين ألف دولار.

الإيمان الصادق وبناء العقول قبل بناء المساجد والمدارس.

ثم تحدث الأخ مصطفى عما يرى أنه الحل الأول لمشكلات المسلمين، وهو أن يغرس في نفوسهم الإيمان ويُقَوَّى، حتى يبذلوا ويجاهدوا في سبيل الله لرفع راية الإسلام، وليس الحل هو إيجاد المباني من مساجد ومدارس، وإن كان المسلمون في حاجة إليها، ولكن المباني إذا وجد الإيمان ستوجد ولا صعوبة في وجودها، ولكنها هي لا تُوجِد الإيمانَ بذاتها.
إن الواجب على المسلمين أن يدللوا على إيمانهم ببذل المال والتبرع به من عند أنفسهم، ومشكلة المسلمين هنا الآن أنهم يشعرون كأنهم يتامى يجب أن تبعث لهم الأموال من الخارج.
وكلام المسلمين كثير ولكن عملهم قليل، ومشكلتنا هي عدم تعليم أولادنا، وعلى من يريد مساعدتنا من الشعوب الإسلامية أو الدعاة إلى الله أن يجتهدوا في بناء عقول المسلمين، قبل الاجتهاد في بناء المساجد والمدارس، المباني كثيرة وسهلة ولكن العقول السليمة قليلة وصعبة.
إننا نحاول تدريس أبنائنا حاليا يوم الأحد مبادئ الإسلام، ولكن الحاجة ماسة إلى بناء الأسرة المسلمة التي هي المسؤولة الأولى عن المحافظة على النشء.
ويجب على حكام الشعوب الإسلامية نشر الكتب الإسلامية باللغة العربية والإنجليزية وغيرهما، وكذلك المجلات والنشرات وأن تصل إلى أيدينا هنا، لنتابع ما يحدث وما يستجد من مشكلات المسلمين وحلولها.
إن المسلمين يبنون الجنة حولهم، ولكن جهنم في قلوبهم (يقصد أنهم يقولون ما لا يفعلون).
واقترح الأخ مصطفى إقامة مؤتمر إسلامي لتدارس أحوال المسلمين الذين يعانون من التنصير، وتوجد منظمات خاصة لتنصير المسلمين.
وقد عقد مؤتمر عام 1979م في كلورادو من أجل تنصير المسلمين الذين يسمونهم كفارا.
ويجب عليكم ـ وأنتم أساتذة الجامعات ـ أن تدرسوا الطلاب الأحوال الاجتماعية والثقافية الغربية، لمعرفة ما يدور في هذه المجتمعات، وأن توضع خطة عمل للحفاظ على المسلمين الموجودين في الغرب أولا، قبل دعوة غيرهم إلى الإسلام.
إننا إذا قارنا ماذا نخسر من المسلمين الناشئين، وماذا نربح من الداخلين في الإسلام نجد خسارتنا فادحة!
إن أولاد المسلمين يضيع كثير منهم، وإن المنصرين يحاولون تشكيك المسلمين في دينهم.
وقد أصبحت بنت زميل لي مسيحية، ذهبت تدرس في ولاية كاليفورنيا، واتصلت بالمسيحيين، وذكرت لهم أنها حزينة فقالوا لها: إن جوزيف ـ أي عيسى في زعمهم – يحل لها كل المشكلات إذا هي آمنت بالمسيحية، وقالوا لها: إن محمداً ((صلى الله عليه وسلم)) كان مجنوناً، وإن أتباعه كانوا مجانين فقراء متخلفين.
وعندما جاءت البنت إلى أبيها قالت: إنها مستعدة أن تموت من أجل عيسى لشدة إيمانها بالمسيحية، ولما شدد عليها أبوها وضربها هربت، وهي الآن خارج الأسرة التي تحاول إقناعها بالرجوع إلى دينها.
والحقيقة أن الخطأ خطأ الأسرة، لعدم قيامها بتربيتها تربية إسلامية.
والكبار منهم من يلتزم بالإسلام، ومنهم من لا يلتزم، ولكنهم مسلمون في الجملة، والخطر يهدد الجيل الجديد.
وقال الأخ مصطفى: إن الأمريكيين يتوجسون خيفة من هذا الدين ويعلنون خوفهم منه، وقد نشرت بعض الجرائد هنا في شيكاغو، تقول: إن الدين الإسلامي ازدهر في الغرب، وإن قباب المساجد ومآذنها تنبت مثل الفطر (نبات ينتشر بسرعة) في أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية.
وقال الأخ مصطفى: وليس هذا بغريب، فشيكاغو وحدها يوجد بها ستة وعشرون مركزا إسلاميا، تقام فيها صلاة الجمعة والاحتفالات الدينية في المناسبات المختلفة، وقالوا: إن انتشار دين الإسلام بهذه السرعة في الغرب وغيره، وبخاصة بين المتعلمين في معاهد أوروبا وأمريكا، لا بد أن يكون وراءه سر يسوق الناس إليه، ولا يدرون ما هذا السر؟
لا أبالغ إذا قلت: إن كل لفظة من هذه المعلومات نطق بها الأخ مصطفى الذي يتحدث باللغة العربية الفصحى، وبعاطفة إسلامية جياشة، تدل على إيمان عميق [ولا أزكي على الله أحدا] كما أن الرجل واع لما يقول، وعنده إلمام بالدين الإسلامي، وبالأوضاع الغربية وأوضاع المسلمين في الغرب، وعنده مقترحات مفيدة للعمل الإسلامي كما يظهر من كلامه.
وقد أطلعنا على ما تم من مشروع المركز من المسجد والقاعات والمكاتب الإدارية والمرافق المختلفة، وهو منظم تنظيما ممتازا ومبني بناء رائعا.

ساعة ترقب وحذر:

ثم ذهبنا إلى أعلى عمارة في العالم شيدت في مدينة شيكاغو، لنشرف على المدينة التي يبلغ عدد سكانها سبعة ملايين، والتي تمتد من قلب المدينة إلى جميع جهاتها عشرات الأميال، بشوارع مستقيمة شرقا وغربا وشمالا وجنوبا.
تعطلت بنا سيارة الأخ محمد الأمين الشنقيطي، بسبب انفجار موصل الماء المطاطي إلى ماطور التبريد، فتركنا عند السيارة وذهب يستدعي الشركة التي هو عضو فيها، لسحب سيارته واستبدال سيارة أخرى بها.
ولكن الأخ الشنقيطي تأخر ما لا يقل عن ساعة، وكانت السيارة في شارع فرعي في مكان منْزو، وبقينا نحن فيها طول مدة غيابه نحاول أن نختفي عن أنظار الناس، لأنا نلبس لباسنا العربي والبلد بلد إجرام، كما هو معروف عن مدينة شيكاغو بالذات مثل نيويورك، وبخاصة أننا حجاج، كما يسمينا الشيخ تشبيها بكثير من الحجاج الذين يفدون إلى الحجاز وهم لا يفهمون اللغة العربية فيتعبون، وكان الخوف من أحد أمرين:
الأمر الأول: أن يعثر علينا بعض المجرمين الذين يلتمسون رزقهم بقتل الناس للحصول على غنيمة منهم.
الأمر الثاني: أن يرانا البوليس في هذا المكان المنزوي في حالة غير عادية، فيظن أننا من المخربين من قبل إيران أو ليبيا أو الفلسطينيين، كما يسمونهم بذلك.
لذلك كانت هذه الساعة ساعة ترقب وحذر:
ثم جاء الأخ محمد وبعد قليل جاء مندوب الشركة، وجاء أحد الإخوة من زملاء الأخ محمد بسيارة أسعفنا بها، وواصلنا السير إلى أعلى عمارة في العالم.

فوق أعلى عمارة في العالم.

[ولكن يقال: إن أعلى عمارة في العالم اليوم قد شيدت في ماليزيا].
كان وصولنا إلى باب العمارة في الساعة الثالثة تقريباً.

منظر من شيكاغو 25/10/1405هـ ـ 13/7/1985م
منظر من شيكاغو 25/10/1405هـ ـ 13/7/1985م

وقفنا في صف في انتظار الصعود ما لا يقل عن خمسين دقيقة، على الرغم من أن المدة التي يستغرقها المصعد لا تزيد عن دقيقة واحدة.
والسبب في طول الانتظار كثرة السائحين، ولهذا عمل لهم ممر من الحواجز المتنقلة بحيث تكون ملتوية، فيمرون في مسافة لا تزيد عن أربعين مترا على طبيعتها ولكنها توازي ما يزيد عن نصف كيلو.
وبعد أن يشعر الناس بشيء من الملل والسآمة في هذا السفر الطويل الوقت، القصير المسافة، يجدون أمامهم محطة راحة وتسلية، يُفتح أمامهم بابان يدخلون منهما إلى قاعة عرض لأفلام طبيعية عن شيكاغو ومبانيها، وما يتخللها من شوارع ومرافق، وما فيها من حركة دائبة بالسيارات والقطارات والقوارب والسفن الصغيرة، وما يحيط بها من غابات وبحيرات وأنهار، حتى يخلو الممر التالي من غيرهم ليتمكن من استقبالهم، فيخرجون ويخلفهم مَن بعدهم، كما خلفوا هم مَن قبلهم، وهكذا..
والمصعد عبارة عن غرفة واسعة تتسع للدفعة كلها، وهو في غاية من السرعة إذ يقطع أربعمائة وخمسين مترا في دقيقة واحدة، وهي تقارب نصف كيلو، وبسبب سرعته تلك يكاد أن يصيب آذان زبائنه بالصمم، فتجد كثيرا منهم يضعون أصابعهم في آذانهم، أو يتصنعون المضغ دون أن يكون في أفواههم ما يمضغ.
وعندما صعدنا، أخذنا نقلب النظر ونسرحه في مدينة شيكاغو بمبانيها، وأنهارها وبحيراتها، ومراكبها المائية، وطائرتها الصغيرة التدريبية التي تؤلف أسرابا في السماء بتشكيلات مختلفة، والدخان وراءها ممتد في الجو كأنه قوس قزح، إلا أن لونه يختلف عنه.
وفي الساعة الرابعة والدقيقة الخامسة عشرة نزلنا في ذلك المصعد، ولم نتأخر في صفوف ثقيلة الحركة، كما كان ذلك عند الصعود، لأن أهل العمارة ليسوا في حاجة إلى بقائنا، حتى يحجزونا، بل مصلحتهم في خروجنا ليتسنى لهم دخول غيرنا، ليأخذوا من كل داخل ثلاثة دولارات.
وهذه العمارة مفتوحة من الساعة التاسعة صباحا إلى الساعة الثانية عشرة والنصف مساء كل يوم، ويفد إليها الناس أفواجاً [وليست الأفواج كالأفواج] من كل أنحاء الأرض، صاعدين وهابطين، كوفود المسلمين إلى الكعبة، مع الفرق الكبير بين بيت الله وبيوت غيره، وبخاصة مثل هذه البيوت في مثل هذه الديار، التي لا يخفى ما يحصل فيها من مجاهرة الله بمعاصيه.. !

في متحف الحيوانات البحرية.

كان الأخ محمد الأمين حريصا على أن يرينا آيات الله البحرية، في متحف الحيوانات البحرية الواقع في شرق مدينة شيكاغو على شاطئ بحيرتها الكبيرة، فذهبنا إليه وكان وصولنا عنده في الساعة الرابعة والنصف، وكان وقت الزيارة قد انتهى.

اتجه إلى ربه بين المتجهين إلى الشيطان.

كان الأخ محمد على وضوء، ولم يكن صلى الظهر. أما نحن فلم نكن متوضئين ويمكننا الجمع بين صلاتي الظهر والعصر إذا رجعنا إلى الفندق، فوقف على العشب بين الأشجار متجها إلى القبلة ذاكرا ربه بأداء الصلاة، وكان في وسط جمع حاشد من حيوانات البشر العارية على شاطئ البحيرة، وهو واقف بلحيته الكثة واضعا يديه على صدره، يرفعها ويخفضها عند تكبيرات انتقاله من ركن إلى آخر، والناس ينظرون إليه متعجبين من هذا الوقوف وذلك الركوع والسجود والقيام والقعود، متعجبين من فطرة الله التي اجتالتهم عنها الشياطين، فاتجهوا إلى سبلها بدلا من الاتجاه إلى صراط الله الذي اتجه إليه أخونا محمد. رجعنا بعد ذلك إلى الفندق، فصلينا الظهر والعصر وأخذنا قسطا من الراحة.

في مركز مؤسسة الجامع.

ثم جاء الأخ محمد فنقلنا إلى مركز مؤسسة الجامع الذي يقع في جنوب غرب المدينة، فصلينا المغرب واجتمع عدد من المسلمين وكلهم عرب، وألقى الشيخ محاضرة، تضمنت تفسير سورتي الزلزلة والقارعة اللتين قرأهما في صلاة المغرب، وكان هو الذي أم المصلين، تلت محاضرته كلمة لزميله تضمنت وجوب قيام كل واحد بمسئوليته تجاه نفسه وأسرته ومجتمعه وبخاصة تربية الأولاد.
ثم قدم عشاء خفيف في قاعة المركز، واجتمع بنا الأخ مصطفى عبد الباسط للاستفسار عن بعض الأحكام الفقهية التي يحتاج المسلمون إلى بيانها، كالربا وغيره.
وكان رجوعنا إلى الفندق في الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف الليل تقريبا.

سوء معاملة الموظفين في فندق هلتون بشيكاغو.

الأحد: 26/10/1405هـ.
جاءنا الأخ محمد الأمين الشنقيطي إلى الفندق صباح هذا اليوم الأحد في الساعة التاسعة والنصف، فذهبنا لزيارة المتحف البحري الذي فاتنا أمس وقت زيارته.
حاسبنا الفندق "هلتون" الذي وجدنا من موظفيه معاملة على غير ما يعهد من المعاملة الطيبة للنزلاء في فنادق الغرب، لا حبا في الزائر ولا رجاء ثواب الله، ولكن سحبا للدولار.
وأول ما فعلوه معنا عندما سجلنا في الفندق أنهم أخذوا منا مبلغا من المال، قالوا: إنه تأمين للمكالمات الهاتفية، وفي هذا اليوم حاولت أن اتصل بأحد الأبناء في المملكة، فكان موظف الهاتف يقاطعني ويحول بيني وبين الاتصال، ثم حاولت الاتصال بالأخ محمد في منزله لأخبره بما يجري، فقطع الاتصال ثم حاولت الاتصال بخدمة الغرف لطلب الفطور، فقاطعني بكلام لم أفهمه، والظاهر أنه يهودي حاقد.
فلما جاء الأخ محمد أخبرته بما جرى، فاتصل بهم وسألهم عن السبب، فقالوا إنهم لم يدفعوا مبلغ تأمين المكالمات، فقال لهم: لقد دفعوه من قبل، فراجعوا حساباتكم، فقال الموظف بعد المراجعة: معذرة! ولكن الأخ محمد عزم على تقديم شكوى بما جرى منهم إلى المكتب المختص بخدمات السائحين، وهذه الشكوى قد تؤثر على الموظفين المسؤولين.

زيارة متحف الحيوانات البحرية قضاءً.

تجولنا في متحف الحيوانات البحرية، فرأينا شيئا من عجائب مخلوقات الباري الحبيسة في بحيراتها الصناعية الصغيرة من تلك الحيوانات الصغير ومنها الكبير، منها ثعبان البحر ومنها عِجْلُه، ومنها كلبه، وهي ذات أشكال مختلفة وألوان متنوعة، بعضها على هيئة الصواريخ وبعضها على هيئة الطائرات الحربية، وبعضها كطائرات الهليكوبتر، وبعضها تؤلف أسرابا شبيهة بأسراب الطائرات الحربية ذات التشكيلات العجيبة، حتى قال الأخ محمد الشنقيطي: إن صانعي الطائرات أخذوا أشكالها من أشكال هذه الأسماك.
واستمرت زيارتنا لهذه العجائب المصغرة ساعتين وكأنه لم يمض على وجودنا إلا لحظات، لذهولنا عن الوقت بتلك المناظر المثيرة.

السفر إلى ديترويت.

ثم ذهبنا إلى المطار "أوهيرا" بشيكاغو وصعدنا إلى الطائرة ـ بعد أن ودعنا الأخ الشنقيطي ـ فأقلعت بنا الطائرة إلى مطار ديترويت في الساعة الثانية ظهرا بتوقيت شيكاغو، أي الثالثة بتوقيت ديترويت.
وكان وصولنا إلى مطار ديترويت في الساعة الثالثة والدقيقة الأربعين بتوفيق ديترويت واستغرقت مدة الطيران أربعين دقيقة.