رحلات الولايات المتحدة الأمريكية

الرحلات | سلسلة في المشارق والمغارب | 25 صفحة
صفحة 12 من 25 في ضاحية بروكلن

في ضاحية بروكلن

في ضاحية بروكلن

يوم الأربعاء: 18/10/1405هـ

بروكلن ضاحية من ضواحي نيويورك، قريبة منها وبها عدد من المساجد والمراكز الإسلامية، جاء إلينا الأخ أسامة في الساعة العاشرة صباحاً [تأخر ساعة عن الموعد لظروف] فذهبنا إلى ضاحية بروكلن، لزيارة ما تيسر من مساجد المسلمين ومراكزهم:

مسجد داود فيصل.

بدأنا بزيارة مسجد داود فيصل، وهو منزل يتكون من عدة طوابق سمى باسم المسلم الذي اشتراه ووقفه مسجدا منذ أربعين سنة.
وجدنا بعض الشباب المسلمين يعملون في المسجد، يهدمون بعض جدرانه من أجل توسعته، وبينهم شاب يمني يسمى ناجي أحمد المنتصر من قبيلة رداع، وقال الإخوة العاملون فيه: إن الذي تابع صيانة المسجد والإنفاق عليه، بعد موت مؤسسه داود هو داود محمد القباجي المغربي جزاه الله خيراً.

مسجد الفاروق.

وهو كذلك منزل من عدة طوابق اشتراه الأخَوَان: أمين عوض وأحمد مجلي سنة 1977م. وذكر الأخ أمين أنه جاء إلى هذا البلد سنة 1957، وتوجد بالمسجد مدرسة لأبناء بعض المسلمين الأمريكان، ولها منهج كامل يدرسون فيها خمسة أيام في الأسبوع، والمنهج يجمع بين المنهج الإسلامي المشتمل على مبادئ دين الإسلام، والمنهج الحكومي، وبها أربعة معلمين ومدير، وفي المسجد أيضا مدرسة خاصة بالبنات وهي كاملة كذلك.
وممن وجدنا في المسجد الحاج علي فضل هرهرة اليمني، وهو من يافع العليا، أبدى مشاعره وحنينه إلى المدينة المنورة التي مكث بها أربع سنوات، ويعرف فيها بعض الفضلاء، كما قال. وطلب منا أن نبلغ تحياته إلى بعضهم، ومنهم الشيخ عبدالحميد الذي كان قاضياً بالمحكمة وأحد أئمة المسجد النبوي، وقال الحاج علي: إن له في بريطانيا وأمريكا ثلاثاً وعشرين سنة، ومع ذلك لا يتحدث اللغة الإنجليزية، لأنه يجد من يتحدث معه من العرب ويستفيد منهم عند الحاجة في الترجمة.

جمعية التقوى.

ثم ذهبنا لزيارة جمعية التقوى في المسجد التابع لهم، وذكروا لنا أن المسجد أسس سنة 1981م، يؤمهم فيه سراج وهاج وأن المسجد يمتلئ بالمصلين يوم الجمعة، ويدرسون أولادهم في مسجد الفاروق، ويعلم أحدهم بعض الأولاد في منزله.
ويقوم أحدهم بتدريسهم بعض العلوم الإسلامية في الفقه والأصول، وسألناهم عن الرجل هل درس على بعض المشايخ، أو في بعض المدارس الإسلامية؟ فقالوا: إنه لم يدرس على أحد وإنما يقرأ في بعض الكتب، ويدر سهم ما يفهم منها، ويرغبون في تخصيص منح دراسية من أجل أن يتعلم أبناؤهم الدين الإسلامي.
وأرى أن الواجب إسعاف مثل هؤلاء بإمام، يدعوهم إلى الله ويعلمهم مبادئ الإسلام، بحيث يكون هو متعلما، حتى لا يعلمهم صاحبهم الذي لم يدرس على أحد من العلماء ما لا يكون صحيحا موافقا لنصوص الإسلام.

جمعية اتحاد الأخوة الإسلامية.

ثم زرنا بعد ذلك جمعية اتحاد الأخوة الإسلامية، في مسجدهم الذي يرفع فيه الأذان في مكبر الصوت، وقد سمعنا صوت المؤذن الحسن عندما اقتربنا من المسجد، وسألناهم عن كيفية تمكنهم من الأذان في المكبر؟ فقالوا: إنهم يفعلون ذلك من قبل أنفسهم، وإن أحد اليهود شكاهم عند البوليس وقال: إنهم يزعجوننا لمدة ساعة في وقت الصلاة، ولكن البوليس مر في بعض أوقات الصلاة، وعلم أن استعمال المكبرات أقل من خمس دقائق، وأنه سألهم: أهذا هو الوقت الذي تستعملون في المكبر فقط في كل صلاة؟ فقالوا: نعم. فقال: افعلوا ذلك ولا مانع منه. وقال الإخوة: إن جمعيتهم أسست سنة 1978م، ويرأسها إبراهيم عبد الله، وهو الذي يؤمهم في الصلاة، وقد تبرع لهم بالمبنى مسلم هندي، وله فيه صيدلية في الدور الأسفل.

إذا مُتَّ فأوص لي ببدلتك..!

رجعنا بعد هذه الجولة إلى الفندق، وقفنا أمام أمين الصندوق لصرف بعض الشيكات، فنظر أمين الصندوق إلى بدلة الأخ أسامة التي يلبسها فأعجبته، فقال له: إن بدلتك جميلة أرجو أن توصي بها لي إذا مت..!
وفي هذه القصة ملحوظتان:
الملحوظة الأولى: سيطرة المادة على أهل الغرب وعدم شبعهم منها مهما أوتوا من نعمها وأبهتها، فقد تكون بدلة هذا الرجل مثل بدلة أسامة أو أجمل منها أو أقل بقليل، ولكنه أعجب ببدلة غيره وتمنى أن تكون له، ولعله تمنى أن يموت لابسها في ذلك الوقت، ويبدو لي أنه لو تمكن من لابسها لقتله أو سلبه إن علم أنه سينجو من عقاب القانون.
الملحوظة الثانية: أن القوم لشدة أثرتهم وحرصهم، يعلمون أنه لا يمكن لأحد منهم أن يحصل على ما عند الآخر في حياته إلا بمقابل، وأنه لو أمكن أن يحصل على شيء منه بدون مقابل فإن ذلك لا يكون إلا عندما يوقن بفراق الحياة، يمكن عندئذ أن يوصي له بشيء، ولهذا لم يطلبها منه في حياته وإنما طلب منه أن يوصي له بها بعد موته.

إلى مدينة: ناورك..

يوم الخميس: 9/10/1405هـ
جاءنا الأخ الدكتور عثمان صالح أحمد، وهو يدرس العلوم الهندسية، في إحدى الجامعات في ولاية نيوجرسي بمدينة ناورك، وقد هاجر من مصر سنة 1960م. والمؤسف أن كثيراً من المسلمين يهاجرون من ديارهم إلى بلدان الكفر، على عكس ما أراده الله من ترك بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، ولكن هجرتهم قد تكون كرها، لأنهم يجدون في بلاد الكفر من العيش والحرية النسبية، ما لا يجدونه في بلادهم، بسبب ما ينالون من ضغوط وتنكيل من بعض حكامهم.