المفصل السابع: طلب العزة من غير الله:
المفصل السابع: طلب العزة من غير الله:
إن غالب المسلمين اليوم، وبخاصة من ابتلاهم الله بقيادة الأمة، فقدوا الثقة بربهم، وضعف إيمانهم به والتوكل عليه وحده، وطلب العزة والنصر والغلب منه، واتجهوا إلى غيره من خلقه، بل إلى أعدائه منهم، معتمدين عليهم، طالبين العزة منهم، ظانين أنهم قادرون على منحهم شيئاً من العزة التي يتمكنون بها من السيطرة على الناس.
ولو أنهم رجعوا إلى كتاب الله، وهم يدعون بأنهم يؤمنون به، لعلموا أن صاحب العزة هو الله وحده، وأن غيره لا يملك منها شيئاً، فهو الذي يعطيها من يشاء، وهو الذي يمنعها ممن يشاء؛ لأنه لا يملكها غيره:
قال تعالى: {قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}[آل عمران : 26].
وقال تعالى: {الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمْ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً}[النساء : 139].
وقال تعالى: {وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}[يونس : 65].
وقال تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ}[فاطر : 10].
والذين يظنون أنهم يملكون العزة من دون الله، وأنهم قادرون على البطش بأولياء الله وإنزال الأذى بهم، هم المنافقون الذين قال الله عن زعيمهم عبد الله بن أُبي الذي توعد رسول الله صلى الله عليه و سلم وأصحابه:
{يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ}[المنافقون : 8].
فقد أخبر تعالى أن العزة له وحده، وأن أعداءه من الكافرين والمنافقين لا يملكونه، وأنه يمنحها عباده المؤمنين، وهو وعد من الله لأوليائه المؤمنين الصادقين بأن ينالوا أثر اسمه {الْعَزِيزُ}. وأثر صفته {الْعِزَّةُ}. وأن تكون العزة مقصورة عليهم، كما هو واضح من تقديم الجار والمجرور {وَلِلَّهِ}. الذي هو الخبر، على المبتدأ {الْعِزَّةُ}.
فإذا ما أصبح المنتسبون إلى الإسلام، أذلة في الأرض لأعدائهم من اليهود والنصارى والمنافقين وغيرهم، فذلك دليل على أنهم فقدوا الإيمان الصادق الذي يستحقون به العزة، واتصفوا بإيمان ضعيف لا يستحقون عليه وعد الله تعالى بالعزة، وهذا ما نشاهده اليوم في كل أنحاء الأرض، ومن أقرب الأمثلة على ذلك، أنه تعالى أذلهم لأذل خلق الله في عقر دارهم ويدنسون مسجدهم الأقصى الذي يحيط به المسلمون من جميع الجهات، وهكذا تسفك دماؤهم وتزهق أرواحهم وتنتهك أعراضهم...
فلا يتجرأن من قل فقهه لكتاب الله، وضعف إيمانه بالله، أن يسيء الأدب مع الله، فيقول: لقد وعد الله عباده المؤمنين بالنصر على أعدائهم، فأين هو وعد الله؟!
إن الإيمان الذي وعد الله أهله بالنصر في القرآن هو الإيمان الذي بيَّنه القرآن، فليرجع إلى القرآن من يطمع في نصر الله، ليفهم منه الإيمان الذي أراده الله، ويحققه في نفسه، وعندئذ سيكون من جند الله الغالبين، ومن لم ينصره الله على عدوه ممن يدعي الإيمان فليفتش عن إيمانه فسيجد فيه خللاً لأن الله قٌد وعد ـ ووعده صدق ـ بنصر المؤمنين الذين ينصرون دينه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}[محمد : 7].
ألم يعاقب الله تعالى صفوة خلقه مع خير خلقه في غزوة أحد، بسبب معصية وقعت من بعضهم، لا تعد شيئاً بجانب ما يحصل منا اليوم من الخروج على دينه وكتابه وسنة رسوله صلى الله عليه و سلم ؟
وعندما تعجبوا مما حصل لهم، رد الله تعالى عليهم، بأن معصيتهم له هي السبب في ذلك، كما قال تعالى: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}[آل عمران : 165].
فمن أحق بنصر الله؟ أصحاب رسول الله الذين حصلت من بعضهم مخالفة لأمر رسول الله صلى الله عليه و سلم في غزوة أحد، لا تعد شيئاً يذكر بالإضافة إلى ما يجاهر به من يدعي الإسلام اليوم؟ أم هؤلاء الذين لم يتركوا شيئاً مما يغضب الله إلا ارتكبوه؟
ولا زال المنافقون في هذه الأمة، يسلكون سبيل من سبقهم ممن أحبط الله مساعيهم وخيب ظنهم فيمن سارعوا فيهم، حيث ظنوا أنهم إذا تولوا الله ورسوله والمؤمنين، وتركوا تولي أعداء الله من اليهود والنصارى، ستنزل بهم مصائب لا قبل لهم بها، ولا يحميهم منها ويقيهم شرها غير اليهود والنصارى.
وما دروا أن الله العزيز الحكيم، هو الناصر المعين، وأن غيره من خلقه لا ينفعونهم من دون الله، وأن الذي يطلب النصر من غير الله، لا ينال منه إلا الندم، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ}[المائدة].