مفاصل الخلل في الأمة وطريقة علاجها

رسائل | رسائل | 24 صفحة
صفحة 19 من 24 السبيل الأولى: الصدق في الإيمان، والإخلاص في التوحيد، والعبادة الشاملة:

السبيل الأولى: الصدق في الإيمان، والإخلاص في التوحيد، والعبادة الشاملة:

السبيل الأولى: الصدق في الإيمان، والإخلاص في التوحيد، والعبادة الشاملة:
وهذه السبيل هي أساس كل السبل التي لا قوة للأمة الإسلامية إلا بها، ولهذا كانت الصفة البارزة من صفات مَن وعدهم الله تعالى بالفلاح والنصر والتمكين.
إن كثيراً من المسلمين اليوم ينقصهم الصدق في إيمانهم، وهو الإيمان الذي وعد الله تعالى أهله بالنصر والعزة، والمخرج من الفتن والمصائب العظام، والتمكين في الأرض وقيادة الأمم بنوره إلى سعادتهم في الدنيا والآخرة.
وهو الإيمان الذي يدفع صاحبه إلى تقوى الله وطاعته، وترك معصيته واتباع رسوله، والتعاون مع إخوانه على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان، وتحقيق معنى الولاء لله ورسوله والمؤمنين، والبراء من أعداء الله ورسوله والمؤمنين، على ضوء ما نص عليه كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه و سلم ، وما بينته سيرته وسيرة أصحابه ومن اتبعهم بإحسان.
قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ}[ الحجرات (15)].
في هذه الآية الكريمة دِلالة واضحة، على أن الصادقين من المؤمنين، هم الذين وصل إيمانهم إلى درجة اليقين الذي لا يخالطه شك ولا ارتياب، ويترتب على إيمانهم بذل أنفسهم وأموالهم في سبيل نصرة دينهم.
فإذا فقدوا اليقين في إيمانهم، فدعواهم الإيمان دعوى كاذبة وليسوا صادقين فيها مطلقاً، وإذا تعيَّن عليهم الجهاد بالأنفس والأموال فلم يقوموا به، فليسوا بالمؤمنين الموعودين بنصر الله وعزه.
وقال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَنْفَالِ قُلْ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ (1) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانَاً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3) أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}[ الأنفال (4) وانظر الآية (74) من نفس السورة].
يتبين من هذه الآيات الكريمة، أن الإيمان الحق هو الذي يتصف أصحابه بالصفات المذكورة، وهي:
1- إصلاح ذات البين.
2- طاعة الله ورسوله.
3- وجل قلوبهم وخوفهم إذا ذكر الله.
4- زيادة إيمانهم إذا تليت عليهم آيات الله.
5- اعتمادهم على ربهم وتوكلهم عليه.
6- إقامة الصلاة.
7- الإنفاق مما رزقهم الله.
هؤلاء هم المؤمنون حقاً، وهم الموعودون بما ذكره الله تعالى في آخر الآيات: {لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}.
وبهؤلاء المؤمنين الذين صدقوا في إيمانهم، خصَّ الله تعالى الهدى و الفلاح، فقال: {الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ}[ البقرة (5)، وانظر الآية (157) من سورة الأعراف].
وجعل تعالى من كتب الإيمان في قلوبهم حزبه، وخصهم بالفلاح، فقال تعالى: {لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمْ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْمُفْلِحُونَ}[المجادلة : 22].
وهؤلاء المؤمنون هم الذين عقد الله معهم الصفقة في قديم الزمان وحديثه، وهم أهل وعد الله بالبشرى والفوز العظيم، كما قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}[التوبة : 111].
وهم الذين إذا ابتلاهم ربهم وامتحنهم نجحوا في الامتحان، وإن كان غاية في المشقة والصعوبة، واستحقوا على نجاحهم نصره، كما قال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ}[البقرة : 214].
وقد أكد الله تعالى وفاءه بوعده بنصر رسله وعباده المؤمنين، في الدنيا والآخرة، فقال: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ}[غافر : 51].
وهو تعالى لا يخلف وعده، كما قال تعالى: {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5) وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (6)} [الروم].
لأن خلف الوعد إنما يكون بسبب كذب الواعد أو عدم قدرته على الوفاء بما وعد، وكلا الأمرين منفي عن الله تعالى، فلا أصدق منه قيلاً، ولا أقدر منه على ما يريد.
كما قال تعالى: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ حَدِيثاً}[النساء : 87]. {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ قِيلاً}[النساء : 122].
وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}[البقرة : 20 و غيرها].
تلك هي السبيل الأولى، وأولئك المؤمنون الصادقون في إيمانهم، المخلصون في توحيدهم، المحافظون على عبادة ربهم الشاملة، هم الذين وعدهم الله بالنصر والعز والتمكين، كما قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ}[النور : 55].