استعصاء الإسلام على من يكيد له:
استعصاء الإسلام على من يكيد له:
والواقع أنهم يتخذون ـ وهم في تلك الأحوال القاهرة ـ كل وسيلة متاحة لحفظ كتاب ربهم وسنة نبيهم والعمل بهما، حتى تنقشع الغمة، وتعود النعمة وتنزل الرحمة، فإذا هم يعودون أقوى مما كانوا قبل تلك المحن والمصائب.
وإن التاريخ على ذلك لشاهد: فقد اجتمع على الرسول صلى الله عليه و سلم، العدوان الثلاثي: المشركون كلهم في جزيرة العرب، واليهود، والمنافقون، في غزوة الأحزاب، فخرجوا من ذلك العدوان منتصرين.
وارتدت جزيرة العرب بعد وفاة الرسول صلى الله عليه و سلم، في عهد أبي بكر الصديق، وكان المسلمون في ضعف مادي شديد، ولكنهم خرجوا أيضاً منتصرين.
وحاربتهم الدول العظمى في ذلك العهد: الروم في الشمال، والفرس في الشرق، والأحباش في الجنوب، فكان النصر لهم على تلك الدول جميعاً.
واجتمعت على حربهم الدول النصرانية "الصليبية" وكانوا في غاية من الضعف والتفرق، ولكن أعداءهم خرجوا في النهاية يجرون أذيال الهزيمة.
واجتاح التتار وزعيمهم هولاكو عاصمة الخلافة بغداد، وسيطروا على المسلمين سيطرة لم يكونوا يظنون أنهم سيطردون منها شر طردة، ولكن النصر كان حليف المسلمين.
واستجاب أتاتورك لليهود والنصارى، وقضى على آخر رمز للخلافة الإسلامية، وأغلق مدارس المسلمين وغيَّر مناهجهم وأكرههم على إظهار موافقته، في كتابة أغلى كتاب على وجه الأرض بغير حروفه العربية، وأرغمهم على الأذان بغير ألفاظه العربية، وأنزل بالمسلمين من المحن والمصائب ما لا يخفى على قارئ التاريخ.
ولكن المسلمين درَّسوا أولادهم دينهم سراً في دهاليز منازلهم، وفي حظائر دوابهم، القرآن الكريم، والحديث الشريف، والفقه، والتفسير، والتاريخ الإسلامي، وإذا الجيل الذي نشأ في عهده يظهر بعد إدباره حافظاً لكتاب الله، متقناً للغة العربية، متمسكاً بدينه... رافضاً مبادئ أتاتورك وزمرته على رغم تسلطهم واستبدادهم الشامل تدعمهم القوة العسكرية، وها هو الشعب التركي اليوم يختار لحكمه المتدينين ويدخل زعيم حزب العدالة قصر الحكم وزوجه ترتدي الحجاب الذي نزل كالصاعقة على رؤوس جنرالات الجيش!
وجثم الاتحاد السوفييتي على صدور المسلمين في آسيا الوسطى سبعين عاماً، قَتَل مَن قتل، واعتقل من اعتقل، وشرد من شرد، وحظر على المسلمين حمل كتاب الله... وليس خافياً ما قام به الملحدون من عذاب ونكال.
ومع ذلك خرج الجيل الذي نشأ في ظل هذا النظام الظالم، وهو يحفظ كتاب الله، ويحفظ سنة رسول الله، ويحفظ أحكام دينه ويلتزم بها، وما جوهر دوداييف، وزملاؤه الذين سلكوا سبيله إلى الآن إلا دليل على أن الإسلام يستعصي بنصر الله وأن المسلمين يستعصون على أي عدو يحاول القضاء عليهم وعلى دينهم.
والمحتلون الأوربيون البريطانيون، والفرنسيون والإيطاليون، والبرتغاليون، والألمان والأسبان، الذين اغتصبوا بلدان المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وبقوا فيها فترات طويلة، حتى أصبحت في ظاهر الأمر جزءً من بلد المحتل، خرجوا جميعاً وهم يجرون أذيال الهزيمة.
وها هي الشعوب المسلمة التي تخلت حكوماتها عنها اليوم، تجاهد أعداءها الأقوياء مادياً المعتدين عليهم في بلدانهم، في فلسطين والعراق والفلبين والشيشان والصومال وغيرها من البلدان، برغم ضعفهم المادي، صابرين مستبسلين، لا يخافون إلا ربهم، وسيبقون كذلك حتى يحقق الله لهم النصر على عدوهم الذي حشد كل ما يملك من مال وسلاح ورجال لاستئصال الإسلام وأهله في بلدانهم، ومع ذلك يتوالى تأييد الله ونصره للعصبة المؤمنة الضعيفة، على الجحافل الغازية القوية، وكأني أرى المسلمين في يوم من الأيام قريباً كان أو بعيداً، يرفعون راية النصر فوق جميع البلدان الإسلامية، وربما أدخلوا غيرها من البلدان في رقعتها، وأعداء الله المحادون لله ولرسوله وعملاؤهم يجرون أذيال الهزيمة يفرون إلى جحورهم كما فعل الله تعالى بأسلافهم السابقين..
{أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الأَسْبَابِ (10) جُندٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنْ الأَحْزَابِ (11) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الأَوْتَادِ (12) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ أُوْلَئِكَ الأَحْزَابُ (13) إِنْ كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ (14)} [ص].
{هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (17) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (18) بَلْ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (19) وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ (20) بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (22)} [البروج].
{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِي (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ(13)}[الفجر].
ولا يلزم من هزيمة أعداء الإسلام أن يهلكهم الله تعالى أو يعذبهم بما أهلك أو عذب به الأمم السابقة، فلله جنود السموات والأرض التي لا نعلمها وهو وحده الذي يعلمها ويهزم بها أو يعذب من شاء من أعدائه، ولكنا نعلم يقيناً أن الله ينصر عباده المؤمنين إذا صدقوا في إيمانهم ونصروا دينهم بأموالهم وأنفسهم، فلا يقولون كما قال أبناء عبد الله بن أُبي ـ ولا زال إخوانهم يعيشون بين المسلمين اليوم ـ: {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً (12)} [الأحزاب]. بل يقولون كما قال أسلافهم: {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً (22)} [الأحزاب].
مواقف الناس من دين الإسلام:
ولقد بيَّن القرآن الكريم مواقف الناس من دين الإسلام، وأنهم ـ إجمالاً ـ أربعة أصناف:
الصنف الأول: المؤمنون به:
وقد فصل الله تعالى صفاتهم وسلوكهم وأعمالهم وجزاءهم، وسميت سورة في القرآن الكريم باسمهم، وفي أولها قال تعالى عنهم: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ (7) وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (9) أُوْلَئِكَ هُمْ الْوَارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(11)}[المؤمنون].
فهؤلاء إخوة في الله شرع الله تعالى التعاون بينهم على البر والتقوى، والتناصر والمودة والإيثار، وقد فصلت ذلك آيات القرآن، وسنة الرسول صلى الله عليه و سلم، وكذلك ما استنبطه علماء المسلمين في كتبهم، تفصيلاً كاملاً.
من ذلك قول الحق جل جلاله: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71)} [التوبة].
وقوله تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً(29)} [محمد].
وقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}[الحجرات].
وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (9) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ(10)}[الحشر].
وفي حديث أبي موسى عن النبي صلى الله عليه و سلم، قال: ((إن المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضاً وشبك أصابعه)) [صحيح البخاري، برقم (467) وصحيح مسلم، برقم (2585).].
وفي حديث النعمان بن بشير يقول: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ((ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى))[ صحيح البخاري، برقم (5665) وصحيح مسلم، برقم (2586).].
هذا هو شأن المؤمنين، عندما يكونون مؤمنين حقاً يتقون الله ويطيعونه ويتبعون رسوله.
لا يقدح في منهاج الإسلام مخالفة بعض المسلمين له:
وقد يخالف كثيرٌ من المسلمين ـ أفراداً وأسراً وجماعات، وأحزاباً ودولاً ـ ما شرعه الله لهم في هذا الدين؛ لأنهم بشر، تؤثر فيهم شهوات نفوسهم، وجهلهم وثقافاتهم وتقليدهم، إضافة إلى عدم تطبيق غالب دول الشعوب الإسلامية لشرع الله، الذي يجعل المسلمين أكثر التزاماً بدينهم.
ولكن منهاج الإسلام، يبقى ثابتاً نقياً صافياً، لا يتأثر بمخالفة بعض أهله له، لحفظ الله تعالى مصدره الأول >القرآن الكريم< من التحريف والتبديل، كما قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)} [الحجر].
وقد هيأ سبحانه لحفظ القرآن أجيال الأمة التي يستظهره أطفالهم وشبابهم وشيوخهم، رجالاً ونساءً في كل الأزمان... فلا يحاول عدو له تغييره وتبديله، إلا وجد المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها يردون ذلك ويفضحونه.
كما هيأ لحفظه العناية بطباعته طباعات بخطوط متنوعة، تناسب قُرَّاءه في الشعوب الإسلامية، وتعقد للإشراف على طباعته اللجان المتخصصة من حفظته وضابطي رسمه، فلا ينشر إلا بعد مراجعاتهم وتوقيعاتهم المعتمدة.
كما هيأ الله علماء الأمة لحفظ سنة رسوله صلى الله عليه و سلم، وتمييز صحيحها من ضعيفها وموضوعها.
وكذلك حَفِظ أولئك العلماء ـ كل في تخصصه ـ معاني نصوص الوحيين من تحريفها وتبديل معانيها.
الصنف الثاني: المنافقون:
نفاقاً عَقَدياً، وهم كفار في حقيقة الأمر، ولكنهم يظهرون الإسلام ليحققوا بإظهاره مصالح لا تتحقق لهم بدونه، وهؤلاء مع شدة كيدهم للإسلام والمسلمين، تجرى عليهم أحكام الإسلام في الدنيا، ومن مات منهم على نفاقه كان في الدرك الأسفل من النار.. وقد فصَّل القرآن الكريم صفاتهم في كثير من آياته، منها آيات في أول سورة البقرة من الآية الثامنة إلى الآية العشرين.
وسُميت سورة من سور القرآن باسمهم، وفيها قال تعالى عنهم: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (1) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (2) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ (3)} إلى قوله تعالى: {هُمْ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ (7) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ (8)}[المنافقون].
الصنف الثالث: المسالمون من الكفار:
وهم الذين يجرى بينهم وبين المسلمين ميثاق، أو يرغبون في الأمن من قومهم الكفار، ومن المسلمين، فيجب وفاء المسلمين لمن بينهم وبينهم ميثاق، ما استقاموا على ميثاقهم ولم ينقضوه، ويشرع لمن رغبوا في الأمن تأمينهم، وفيهم قال تعالى: {إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنْ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمْ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً (90)}[النساء].
الصنف الرابع: الكفار المعادون للإسلام، المحاربون لأهله:
وقد فصَّل الله تعالى صفاتهم وأخلاقهم ومواقفهم من الإسلام والمسلمين، في القرآن الكريم، وقد أوجز الله تعالى ما يتميزون به عن غيرهم في مطلع سورة البقرة، في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (6) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ(7)} [البقرة].
وسميت سورة في القرآن الكريم باسمهم، وفيها قال تعالى عنهم: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ (4) وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6)} [الكافرون].
وقد حاول أعداء الإسلام من اليهود والنصارى والوثنيين والمنافقين، القضاء على هذا الدين، وتحالفوا على حربه من يوم بعث الله به رسوله صلى الله عليه و سلم، بشتى الأساليب، ولا زالوا يحاولون، ويتحالفون لحربه إلى يومنا هذا، ولكن الإسلام استعصى عليهم، ولا يزال يستعصي على كل من عاداه إلى يوم الدين، وإن ضعف المسلمون، وغلبهم أعداؤهم، بسبب تنازعهم، وبعدهم عن دين الله، وعدم اتخاذ أسباب العزة والنصر.
ونسوق لهذه الأصناف بعض الأمثلة من كتاب الله:
المثال الأول: تحالف اليهود والمنافقين على محاربة الإسلام:
كان لليهود قبل الإسلام حلفاء من الأوس والخزرج، وكانت كل طائفة من طوائف اليهود الثلاث تستعين بحلفائها عندما تتعرض لخطر من قبل أي خصم.
فلما جاء الإسلام آمن به عامة الأوس والخزرج إلا فئة قليلة منهم أعلنت عداءها له، حتى تم له النصر في غزوة بدر، فأعلنوا إسلامهم نفاقاً، وهم على حقيقة كفرهم، ووافق هواهم هوى اليهود الذين وقفوا ضد هذا الدين، ونقض اليهود المواثيق التي أبرموها مع الرسول صلى الله عليه و سلم، وكانت الطائفتان ـ اليهود والمنافقون ـ في صف واحد ضد الإسلام والمسلمين.
وهذا هو دأب المنافقين في كل زمان، يظهرون للمسلمين الإسلام، ويبطنون الكفر، ويتحالفون مع أعداء الإسلام من اليهود والنصارى والوثنيين، كما فعلوا في عهد الرسول صلى الله عليه و سلم.
وهم اليوم يفعلون ما كان يفعله قدوتهم عبد الله بن أُبي وأصحابه، ضد الرسول صلى الله عليه و سلم وأصحابه، وهو ما نشاهده واضحاً من أولياء اليهود والصليبيين، في غالب البلدان الإسلامية، في مشارق الأرض ومغاربها.
والشواهد واضحة لا تحتاج إلى بيان، فلم يكن الأمريكان بقادرين على احتلال البلدان الإسلامية اليوم بالسهولة التي تمت، بدون تعاون جيش من عملائهم، من أهل تلك البلدان، ولا زالوا يخططون للسيطرة على بلدان أخرى عن طريق أولئك المنافقين.
قال تعالى عنهم: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (11) لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ(12)}[الحشر].
هذه الآيات توضح أن المنافقين وأهل الكتاب، وبخاصة اليهود، يتحالفون ضد الإسلام والمسلمين، وأن المنافقين أشدّ حرصاً على هذا الحلف؛ لأنهم يظهرون لليهود والنصارى صدق مودتهم لهم ومناصرتهم، إلى درجة وعدهم لهم بترك أوطانهم والخروج معهم، إذا انتصر المسلمون عليهم وأخرجوهم من تلك الأوطان، وهذا الموقف الذي وقفه المنافقون مع اليهود في عهد الرسول صلى الله عليه و سلم لا زال موقفاً ثابتاً لأبنائهم من أتباع عبد الله بن أُبي.
وليس موقفهم هذا مع اليهود فقط، بل مع كل من يحارب الإسلام والمسلمين، من النصارى والملحدين والوثنيين، والواقع اليوم يثبت هذا الأمر، وعلى من يشك في ذلك أن يقرأ هذا الواقع في أي بلد من بلدان المسلمين العربية وغيرها، التي احتلها الأعداء احتلالاً عسكرياً، هل تم احتلاله بدون طلب من المنافقين الجدد، وإلحاح شديد منهم على بقاء القوات المحتلة، لتمكنهم من السيطرة على الشعوب التي ترفضهم، بل تقاتلهم وتقاتل إخوانهم المحتلين؟!
وقد سجَّل القرآن الكريم سبب حرص المنافقين في عهد الرسول صلى الله عليه و سلم، على هذا الحلف الأثيم في قوله تعالى: {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52)} [المائدة].
وإذا كان المنافقون في عهد الرسول صلى الله عليه و سلم، كانوا يوالون أعداء الإسلام، ليدفعوا عن أنفسهم في زعمهم أذى أولئك الأعداء إذا كانت الغلبة لهم على المسلمين، فإن المنافقين في هذا الزمان، يتحالفون مع الأعداء لاحتلال بلدانهم، وقتل أبناء شعوبهم، وتدمير مدنهم، وإهلاك حرثهم ونسلهم، لينصبوهم حكاماً بالقوة على شعوبهم التي لا يستطيعون السيطرة عليها حتى بجيوش حلفائهم المحتلين.
المثال الثاني: تواطؤ اليهود والنصارى على عداوة المسلمين وحربهم:
نسوق هذه الآيات التي جمعت بين اليهود والنصارى، وأنهم جميعاً لا يمكن أن يرضوا عن رسوله صلى الله عليه و سلم، ومن باب أولى عمن اتبعه من المسلمين، إلا إذا ترك دينه واتبع دينهم، كما قال تعالى: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنْ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (120)} [البقرة].
وآيات أخرى ذكرت أنهم جميعاً يريدون إطفاء نور الله، وهو الإسلام، الذي وعد الله بإتمامه، وأنهم لا يمكن أن يحققوا ما أرادوا من إطفائه: {قَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ} إلى قوله تعالى: {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ(34)}[التوبة].
وتاريخ النصارى طافح بالظلم والعدوان على المسلمين، منذ أن أُرسل الرسول صلى الله عليه و سلم بهذا الدين إلى يومنا هذا، وفي الحروب الصليبية القديمة والحديثة شواهد على ذلك.
ولكن الإنصاف يقتضي أن نبيَّن أن مِن أهل الكتاب ـ يهوداً ونصارى ـ مَن آمن بهذا الدين "دين الإسلام" وقد أثنى الله تعالى عليهم بذلك في كتابه وبين صفاتهم التي تميزهم عن غيرهم ممن يعادون الإسلام، فقال: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (199)} [آل عمران].
وبيَّن تعالى أن اليهود والمشركين أشدَّ عداوة للإسلام من النصارى، وأن من النصارى من هم أقرب مودةً للمؤمنين، وعلل ذلك بما يتصفون به من التواضع والخشوع، والاستجابة للحق، الذي أنزله الله على رسوله محمد صلى الله عليه و سلم، فقال تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (82) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنْ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنْ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84) فَأَثَابَهُمْ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ(85)} [المائدة].